متحف ديترويت يركّز على تجربة تناول الطعام الإسلامية

في محاولة للتواصل مع المجتمع العربي الأميركي الكبير

جزء تفاعلي من «فن تناول الطعام: ثقافة الطعام في العالم الإسلامي» في معهد ديترويت للفنون (نيويورك تايمز)
جزء تفاعلي من «فن تناول الطعام: ثقافة الطعام في العالم الإسلامي» في معهد ديترويت للفنون (نيويورك تايمز)
TT

متحف ديترويت يركّز على تجربة تناول الطعام الإسلامية

جزء تفاعلي من «فن تناول الطعام: ثقافة الطعام في العالم الإسلامي» في معهد ديترويت للفنون (نيويورك تايمز)
جزء تفاعلي من «فن تناول الطعام: ثقافة الطعام في العالم الإسلامي» في معهد ديترويت للفنون (نيويورك تايمز)

عرض «معهد ديترويت للفنون» حصته من مجموعة المعارض الضخمة، مسلطاً الضوء على رسامين، مثل فان غوخ ورامبرانت وكذلك التحفة الفنية التي يفتخر بها المعهد، الجداريات التي تصوّر صناعة السيارات، والتي أنجزها الفنان المكسيكي دييغو ريفيرا، عام 1933.

وفي الآونة الأخيرة، نظّم المعهد جولات للآلاف من تلاميذ المدارس في المنطقة، وعرض أفلاماً كلاسيكية ومستقلة في مسرحه، وأطلق أحد أول مراكز الفن الأميركي الأفريقي في البلاد، على نحوٍ يليق بمدينة ذات أغلبية من السكان أصحاب البشرة الداكنة.

ومع ذلك، لم يركّز المعهد قط على فئة سكانية كبيرة أخرى تعيش في فنائه الخلفي: المجتمع العربي الأميركي المتجذّر بعمق في المنطقة، الذي يقال إنه من أكبر الجاليات بالبلاد، بجذور تعود إلى سبعينات القرن الـ19.

حاوية المياه هي جزء من المعرض (نيويورك تايمز)

هذا الخريف، تغيّر هذا الوضع، ففي 22 من سبتمبر (أيلول)، افتتح المتحف معرض «فن تناول الطعام: ثقافة الطعام بالعالم الإسلامي». ويستمر المعرض حتى 5 يناير (كانون الثاني)، ويجمع 230 عملاً من الشرق الأوسط ومصر ووسط وجنوب آسيا. ويستكشف المعرض الروابط بين الفن والطعام من العصور القديمة إلى الوقت الحاضر.

في هذا الصدد، قال سلفادور سالورت بونس، الذي تولى رئاسة المتحف منذ عام 2015: «إنها محاولة من جانبنا للتواصل مع المجتمع العربي - الأميركي».

وحسب الأرقام، تقدر أعداد السكان الأميركيين من أصول عربية حول ديترويت بنحو من 300.000 إلى 350.000 نسمة، وفقاً لموقع «عرب أميركا» الإلكتروني. وبطبيعة الحال، لا ينتمي جميع هؤلاء إلى الإسلام. وقد بدأت الموجة الأولى من المستوطنين العرب الأميركيين في الوصول إلى هناك من سوريا ولبنان، قبل تأسيس المتحف عام 1885.

وبعد ذلك، توالت موجات أخرى من المهاجرين من اليمن وفلسطين والأردن ومصر والعراق وإيران على امتداد القرن العشرين، وانضم المهاجرون إلى آخرين قادمين من شتّى أنحاء العالم للعمل في مصانع السيارات. وتركز كثيرون منهم في ديربورن، المجاورة لديترويت. ومنذ ذلك الحين، توسعوا باتجاه الغرب إلى ضواحي مثل ديربورن هايتس وكانتون، فضلاً عن هامترامك؛ منطقة معزولة في ديترويت.

طاولة وسط أحد الأروقة مغطاة بغطاء مطرز يُعرف باسم السفرة (نيويورك تايمز)

من ناحية أخرى، طُليت المعارض باللون الأزرق الغامق، وتزيينها بتصاميم ذهبية معقدة، لتردد بذلك أصداء الشبكات التي تغطي النوافذ الموجودة في جميع أنحاء العالم الإسلامي. وبدلاً من عرض مجموعة من الفنون الجميلة، يهدف معرض «فن تناول الطعام» إلى ربط التقاليد الثقافية بالممارسات الحالية، مثل تناول الطعام الجماعي، وخدمة القهوة، واللباس المناسب للعشاء وغسل اليدين.

وسط إحدى الصالات، توجد طاولة كبيرة مستديرة منخفضة، فوقها غطاء مطرز بشكل متقن، وتعرف بالعربية باسم سفرة. على الطاولة، عدد من القوائم الورقية وقطع من خبز «البيتا»، وما يبدو كأنه أطباق عشاء كبيرة، لكنها في واقع الأمر شاشات تُعرض عليها عناصر مختلفة من قوائم الطعام.

وتمثل السفرة موضوع أحد أقدم الأعمال في المعرض، وهي لوحة مائية إيرانية بالحبر والذهب على الورق، تسمى «مشهد مأدبة مع هرمز»، من مخطوطة يرجع تاريخها إلى ما بين عامي 1485 إلى عام 1495. وبالمثل، صُوّر مشهد عشاء في قطعة إيرانية أخرى، تحمل اسم «رجل عجوز وشاب وامرأة في نزهة»، وتعود إلى منتصف القرن الـ17.

وعبر مختلف جنبات المعرض، توجد شتّى أنواع أدوات تقديم الطعام، بما في ذلك الأباريق المستخدمة لصب الماء لغسل اليدين، والأوعية المصنوعة من الخزف وتمتاز بألوان غنية. بجانب ذلك، توجد كتب طبخ تحتوي على وصفات تقليدية تُحدّث لتناسب الأذواق بالوقت الحاضر، ويمكن الحصول عليها عبر رمز الاستجابة السريعة (كيو آر كود).

رموز الاستجابة السريعة منتشرة في جميع أنحاء المعرض (نيويورك تايمز)

ويحتوي أحد الصناديق الطويلة على ملابس فاخرة، مثل الفساتين الطويلة والسترات والملابس الداخلية، وتعكس ما قد يرتديه المرء لدى حضوره مأدبة، في حين توجد قطع تقديم القهوة الفضية اللامعة بالجوار. وتنتمي هذه المعروضات المثيرة إلى مختلف جنبات العالم الإسلامي، من إسبانيا ودول الشرق الأوسط إلى أفريقيا والهند وجنوب آسيا.

من جهتها، شرحت كاثرين كاسدورف، الأمينة المساعدة للمتحف لشؤون الفنون في آسيا والعالم الإسلامي، التي أشرفت على المعرض: «إن الطعام ومتعة تناوله ظاهرة عالمية».

وقد يخلق هذا الثراء انطباعاً بأن المعرض يعكس حياة النخبة المسلمة. في الواقع، عندما أقيم المعرض، في الأصل، من قبل متحف مقاطعة لوس أنجليس للفنون، كان اسمه «تناول الطعام مع السلطان: فن الاحتفال».

عام 2021، تواصل مسؤولو متحف مقاطعة لوس أنجليس مع نظرائهم في معهد ديترويت للفنون لمعرفة ما إذا كانوا يرغبون في استضافة المعرض.

وعن ذلك، قال سالورت بونس: «رأينا أنه سيكون من الرائع لنا أن نقيم المعرض، بالنظر إلى أن لدينا أحد أكثر المجتمعات العربية الأميركية حيوية في البلاد».

ونظراً لأنه لم يسبق للمتحف تنظيم معرض يحمل طابعاً إسلامياً، حرص مسؤولو ديترويت على استطلاع آراء القادة المحليين بهذا الخصوص للتعرف على آرائهم.

اللافت أن رموز الاستجابة السريعة كانت منتشرة في جميع أنحاء المعرض؛ حيث يمكن للزوّار العثور على مزيد من المعلومات، مثل الوصفات ومقاطع فيديو الطبخ.

من جهتها، كانت ديانا أبو علي، مديرة المتحف الوطني العربي الأميركي في ديربورن، من بين أولئك الذين اقترحوا تغيير عنوان المعرض - الأمر الذي يحدث كثيراً، عندما تنتقل العروض بين متاحف مختلفة، حسبما أوضح سالورت بونس - خشية أن يثير العنوان القديم نفور سكان المنطقة.

ومع أن المجتمع العربي الأميركي في المنطقة مزدهر، حيث تعج شوارع في ديربورن بالمطاعم والشركات الصغيرة والمكاتب المهنية المملوكة لأميركيين من أصول عربية، فإنه ليس راسخاً داخل الضواحي الأقدم والأكثر ثراءً في منطقة ديترويت. إلا أنه بمرور الوقت، تحوّلت ديربورن والضواحي القريبة إلى مركز لتناول الطعام المحلي المبتكر، الذي نال تقديراً وجوائز من مؤسسة جيمس بيرد. وظهرت في الشوارع المقاهي المملوكة لأصحابها اليمنيين، بالإضافة إلى المخابز وأماكن الشواء ومحلات السوبر ماركت التي تتميز بالأطعمة المستوردة والفواكه والخضراوات واللحوم الحلال.

فيلم الرسوم المتحركة «خيط من نور بين أصابع أمي والجنة» للفنان العراقي صادق كويش الفراجي (نيويورك تايمز)

في هذا السياق، قال رئيس بلدية ديربورن، عبد الله حمود، 34 عاماً، وهو من محبي الطعام في مدينته، إنه متحمس لفرصة تقديم المشورة لساليورت بونس وكاسدورف حول طرق جعل المعرض أكثر ارتباطاً بالمجتمع المحلي.

وقال إنه عندما كان وزوجته يتواعدان، كانا غالباً ما يتجولان في المعارض ويحضران فعّاليات في المتحف. واختتم حمود كلامه بقوله: «أشيد بهما لسعيهما للتواصل».

ومن المعتقد أن مساعدته قيّمة؛ لأن المعرض مشروع مُكلِف لديترويت. وقدّر سالورت بونس تكلفة تنظيمه بالملايين، ويأمل القائمون على المتحف في جذب ما يصل إلى 100.000 زائر في أثناء فترة العرض.

جدير بالذكر أن معرض «فان غوخ في أميركا»، الذي اختتم أعماله في يناير (كانون الثاني) 2023، اجتذب 250.000 زائر.

وفي سياق متصل، خطط المتحف لتنظيم أسابيع من الفعاليات حول معرض الطعام، هذا الخريف، بما في ذلك عقد مناقشات حول الأعمال الفنية والتقاليد الثقافية لتناول الطعام. وفي يوم الافتتاح، عرض المتحف مناقشة بين أبو علي والفنان العراقي المتعدد الوسائط صادق كويش الفراجي، الذي عُرض فيلمه المتحرك «خيط من النور بين أصابع أمي والسماء» على جدار المعرض النهائي.

وخُصّص الفيلم للمعرض، وهو يستكشف بشكل مؤثر ذكريات الفراجي عن والدته، والخبز الذي كانت تعدّه في المنزل، واجتماع أفراد الأسرة لتناول الطعام، في مسقط رأسه بغداد.

وبصرف النظر عن الذكريات، ينطوي الوقت الراهن على تعقيدات واضحة، فيما يخص تقديم أي شيء مرتبط بالعالم العربي. كانت ديربورن مركزاً للاحتجاجات على الحرب التي استمرت عاماً في غزة. وتجوب المظاهرات الكبيرة والصغيرة بشكل مستمر شوارع المنطقة، علاوة على جهود مكثفة لجمع التبرعات للجمعيات الخيرية الفلسطينية واللبنانية.

في هذا الصدد، قال سالورت بونس إن المعرض كان قيد الإعداد قبل فترة طويلة من اشتعال الصراع في الشرق الأوسط، «ونحن نتفهم أن الوضع صعب». وعندما سُئِل عمّا إذا كان يعتقد أن المتحف قد ينخرط في المناقشة الدائرة حول الحرب، أجاب: «لا أعرف المستقبل».

إلا أنه عبّر عن رغبته في أن يطّلع سكان ديربورن، وغيرهم من أفراد المجتمع العربي الأميركي المحلي، على جهود المتحف. وأضاف: «نريد إشراك المجتمع، والتأكد من شعور الناس بأن المتحف موجود من أجلهم ويعكس ثقافتهم».

خدمة: نيويورك تايمز*


مقالات ذات صلة

«أنشودة الأرض» يوثق رحلة نازلي مدكور في عالم الفن التشكيلي

يوميات الشرق حضور المتناقضات حتى في العمل الواحد (الشرق الأوسط)

«أنشودة الأرض» يوثق رحلة نازلي مدكور في عالم الفن التشكيلي

في تجربة فنية ثرية تعيد تأمل العلاقة بين الإنسان والطبيعة، افتتحت الفنانة التشكيلية المصرية نازلي مدكور معرضها الجديد بعنوان «أنشودة الأرض... سيرة فنية».

نادية عبد الحليم (القاهرة)
يوميات الشرق عدد من الصور المشاركة في معرض «حكايات المكان» (الشرق الأوسط)

«حكايات المكان» تجربة بصرية تبرز تراث العمارة في مصر

في تجربة بصرية تُبرز تراث العمارة المصرية، يصحبك معرض «حكايات المكان» في رحلة بين مختلف الأحياء والمباني التاريخيّة.

فتحية الدخاخني (القاهرة)
يوميات الشرق لوحة مستوحاة من أحلام فتاة من جنوب مصر (الشرق الأوسط)

«عشر سنوات بالداخل» يستكشف العلاقة بين الفنان والزمن

لا يقف معرض «عشر سنوات بالداخل» للفنان التشكيلي المصري علي حسان عند تجربة العرض البصري فقط.

منى أبو النصر (القاهرة)
يوميات الشرق في لوحاته عن الحفلات التي كانت تقام في الهواء الطلق يجسد رينوار الرقة في التعاملات ورغد العيش (متحف أورساي)

رينوار يلقي أشعته على ربيع باريس

موضوع المعرض هو الحب بأشكاله المتعددة، وهو محاولة لإلقاء نظرة جديدة على الرسام الذي عُرف عنه عشقه للطبيعة قبل البشر.

«الشرق الأوسط» (باريس)
يوميات الشرق قلادة تحمل ثقل قرن من الفقدان (معرض مانشستر للفنون)

«جوهرة الحِداد» تفكّ شفرة لوحة غامضة بعد 400 عام

أُعيد اكتشاف «جوهرة حداد» تعود إلى عصر «هامنيت» (نجل شكسبير)، بعد مرور 4 قرون على تخليدها في إحدى أكثر اللوحات العائلية غموضاً وشهرة في بريطانيا...

«الشرق الأوسط» (لندن)

حركات بطيئة... نتائج أقوى: تمارين خفيفة تُعزّز العضلات بلا إرهاق

الجهد الذكي طريقٌ أقصر للقوة (جامعة إديث كوان)
الجهد الذكي طريقٌ أقصر للقوة (جامعة إديث كوان)
TT

حركات بطيئة... نتائج أقوى: تمارين خفيفة تُعزّز العضلات بلا إرهاق

الجهد الذكي طريقٌ أقصر للقوة (جامعة إديث كوان)
الجهد الذكي طريقٌ أقصر للقوة (جامعة إديث كوان)

أظهرت دراسة أجرتها جامعة إديث كوان الأسترالية أنّ تقوية العضلات وزيادة القوة البدنية لا تتطلَّب بالضرورة مجهوداً مُرهِقاً أو تمارين عالية الشدّة، بل يمكن تحقيق نتائج فعّالة من خلال أداء حركات بطيئة ومتحكم بها.

وأوضح الباحثون أنّ فاعلية التمارين لا ترتبط بالجهد الشديد بقدر ما ترتبط بطريقة أداء الحركة نفسها، وهو ما قد يُغيّر المفهوم الشائع عن اللياقة البدنية مستقبلاً. ونُشرت النتائج، الخميس، في دورية علمية متخصّصة في علوم الرياضة والصحة.

ويقوم الاعتقاد السائد لدى كثيرين على أنّ بناء العضلات وتحسين اللياقة يرتبطان بالتمارين الشاقة ورفع الأوزان الثقيلة أو ممارسة النشاط البدني لمدّة طويلة، وصولاً إلى الإرهاق أو الشعور بالألم العضلي بعد التمرين، على أساس أن «لا فائدة من دون معاناة»، وإنما الدراسة الجديدة تشير إلى أن هذا التصور ليس دقيقاً في جميع الحالات.

وأظهرت النتائج أن بعض أنواع التمارين، مثل التمارين اللامركزية، يمكن أن تُحقّق فوائد ملحوظة للعضلات والقوة البدنية من دون الحاجة إلى مجهود بدني شديد أو تدريب مرهق كما هو شائع في التمارين التقليدية.

وتعتمد التمارين اللامركزية على عمل العضلات خلال إطالتها تحت تأثير مقاومة أو وزن، بدلاً من انقباضها لرفع الحمل. ويحدث ذلك خلال مرحلة «خفض الحركة»، مثل إنزال الأثقال تدريجياً، أو النزول على الدرج، أو الجلوس على الكرسي ببطء.

وتتميّز هذه التمارين بقدرتها على زيادة قوة العضلات وتحسين أدائها مع استهلاك طاقة أقل مقارنة بالتمارين التقليدية. كما أنها تُقلل الضغط الواقع على الجسم، ممّا يجعلها خياراً مناسباً لفئة واسعة من الأشخاص، بمن فيهم كبار السنّ ومرضى الأمراض المزمنة، نظراً إلى كونها أقل إجهاداً للقلب والرئتين.

وتشمل الأمثلة البسيطة لهذه التمارين التي يمكن ممارستها في المنزل: القرفصاء باستخدام الكرسي عبر الجلوس ببطء ثم الوقوف تدريجياً لتقوية عضلات الفخذين والأرداف، وخفض الكعبين من خلال الوقوف على أطراف الأصابع ثم إنزال الكعبين ببطء لتقوية عضلات الساقين، وتمارين الضغط على الحائط عبر دفع الجسم نحو الحائط ثم العودة ببطء لتقوية عضلات الصدر والذراعين بطريقة آمنة وسهلة. ويمكن أن تُحقّق هذه التمارين تحسينات صحية ملموسة في مدة لا تتجاوز 5 دقائق يومياً.

ورغم احتمال الشعور ببعض آلام العضلات في البداية، خصوصاً عند عدم الاعتياد عليها، فإنّ هذه التمارين لا تتطلّب الألم لتحقيق الفائدة الصحية.

وقال الباحث الرئيسي في الدراسة بجامعة إديث كوان، الدكتور كين نوساكا، إنّ الاعتقاد بأنّ التمرين يجب أن يصل إلى حد الإرهاق الكامل يُثني كثيرين عن ممارسة النشاط البدني بانتظام.

وأضاف نوساكا، عبر موقع الجامعة: «بدلاً من ذلك، ينبغي التركيز على التمارين اللامركزية التي تُحقّق نتائج أقوى بجهد أقل بكثير من التمارين التقليدية، ومن دون الحاجة حتى إلى صالة رياضية، ممّا يجعلها عملية وسهلة الاستمرار».


«أنشودة الأرض» يوثق رحلة نازلي مدكور في عالم الفن التشكيلي

حضور المتناقضات حتى في العمل الواحد (الشرق الأوسط)
حضور المتناقضات حتى في العمل الواحد (الشرق الأوسط)
TT

«أنشودة الأرض» يوثق رحلة نازلي مدكور في عالم الفن التشكيلي

حضور المتناقضات حتى في العمل الواحد (الشرق الأوسط)
حضور المتناقضات حتى في العمل الواحد (الشرق الأوسط)

في تجربة فنية ثرية تعيد تأمل العلاقة بين الإنسان والطبيعة، افتتحت الفنانة التشكيلية المصرية نازلي مدكور معرضها الجديد بعنوان «أنشودة الأرض... سيرة فنية»، مُقدِّمةً رحلةً بصريةً تختزل عقوداً من البحث والتجريب.

منذ بدايات نازلي الأولى، ظهرت في أعمالها عناصر البيئة المصرية من صحارى مترامية، وواحات هادئة، ونخيل، وبيوت طينية، لكنها لم تقدِّمها بوصفها صوراً منقولة، بل مادة حية أعادت اكتشافها وفق رؤيتها الخاصة وإحساسها الداخلي.

ويضم هذا المعرض المستمر في «قاعة الزمالك للفن» حتى 7 مايو (أيار) 2026، أكثر من 100 عمل فني، تمتد من بدايات الفنانة في ثمانينات القرن الماضي حتى أحدث إنتاجها خلال العامين الأخيرين.

معرض «أنشودة الأرض» يُعدُّ استعادياً؛ فهو يُقدِّم خلاصة تجربة الفنانة المصرية، ويجمع 4 مراحل رئيسية من مسيرتها تحت سقف واحد.

تميل نازلي مدكور إلى ألوان قريبة من تدرجات الأرض وملامسها (الشرق الأوسط)

وتتمثَّل المرحلة الأولى من حياة نازلي الفنية في الانشغال بالمنظر الطبيعي، حيث كانت تنظر إليه من الخارج، وتتأمله بوصفه مشهداً بصرياً قائماً، ثم تعيد صياغته عبر تغييرات وتكوينات جديدة تحمل رؤيتها الخاصة.

تقول نازلي مدكور لـ«الشرق الأوسط»: «كنت خلال تلك المرحلة أسافر كثيراً إلى أمكنة مختلفة في مصر، لا سيما الواحات وسيناء وسيوة؛ لأتشبع بالطبيعة المصرية ومشاهدها، وحتى ألتقي أيضاً الناس الذين يعيشون في تلك البيئات المختلفة».

في حين تمثلت المرحلة التالية من رحلة نازلي الفنية في حضور المرأة داخل اللوحة، واندماجها مع مشاهد الطبيعة، قبل أن تنتقل لاحقاً إلى مرحلة جديدة أصبحت خلالها تنظر إلى المنظر الطبيعي من الداخل لا من الخارج: «خلال هذه المرحلة تكوّن لدي مخزون بصري ووجداني، وأصبحت أعمل من داخل الاستوديو، مستندة إلى إحساسي الأعمق بالأماكن؛ فصار تجسيدي لها نابعاً من الذاكرة والانفعال».

نازلي تعيد اكتشاف الطبيعة وفق رؤيتها الخاصة وإحساسها الداخلي (الشرق الأوسط)

وتمثل تجربة نازلي مدكور في الآونة الأخيرة عودة إلى المنظر الطبيعي، لكنها عودة مختلفة في الرؤية والمعالجة، بما يسمح للجمهور بإجراء مقارنة بين الأعمال، وهي مقارنة تكشف عن حجم التحول والنضج عبر كل هذه السنوات.

ويكتسب المعرض أهميةً إضافيةً مع صدور كتاب يوثِّق هذه الرحلة الفنية، يبدأ بحوار مع الفنانة حول مسيرتها، ويضم دراستين نقديتين لكل من الناقد المصري عز الدين نجيب، والناقد العراقي فاروق يوسف.

كما يستعيد المعرض جانباً من تعاونها مع دار نشر أميركية متخصصة في الكتب الفنية، اختارتها لإنجاز رسوم كتاب «ليالي ألف ليلة وليلة» للأديب المصري نجيب محفوظ.

وتقول: «كانت تلك تجربتي الأولى في رسم الكتب، وقدمت فيها شخصيات الرواية بروح مستلهَمة من المنمنمات العربية القديمة، وحققت نجاحاً كبيراً».

أعمال تجمع بين التجريد والتشخيص في أحدث معارض نازلي مدكور (الشرق الأوسط)

وفي المعرض الجديد؛ تُعرَض الرسومات الأصلية للكتاب إلى جانب نسخة من الإصدار نفسه.

وتكشف الأعمال المعروضة قدرة الفنانة على الحفاظ على موضوعاتها الأثيرة، مثل الربيع والطبيعة والمرأة، من دون الوقوع في أسر التكرار، إذ ظلت منفتحةً على التجريب، سواء في اللون أو الحركة أو البناء التشكيلي أو الخامات المُستخدَمة.

ويستكشف المتأمل للأعمال في المراحل الفنية المختلفة أنَّها لا تتوقف عند أسلوب واحد أو صيغة جاهزة. تقول نازلي: «يشكِّل التجريب عنصراً أساسياً في حياة الفنان، ولا ينبغي أن يقتصر على البدايات، أو على مرحلة محددة من المسيرة الإبداعية؛ فالفنان لا يمكن أن يتوقف عند صيغة واحدة يظل يكررها لسنوات طويلة».

نازلي مدكور تستعيد مسيرتها الفنية في معرض جديد بالقاهرة (الشرق الأوسط)

ومن أبرز ما يؤكده تأثير التجريب في أعمالها، هو إدخالها عناصر جديدة فيها باستمرار، سواء في اللون أو الحركة أو البناء التشكيلي أو غير ذلك من أدوات التعبير.

كما اقتحمت خامات جديدة وملامس متنوعة، واستخدمت عناصر طبيعية مثل الرمال وورق البردي والحبال ومزق الأقمشة، مضيفة: «الفنان ينضج من خلال هذه المغامرة المستمرة؛ لأنَّ التجريب لا يطوِّر العمل وحده، بل يطوِّر صاحبه أيضاً».

يبرز المعرض كذلك حضور المتناقضات حتى في العمل الواحد؛ حيث يلحظ المتلقي عدداً من التناقضات البصرية والوجدانية، مثل الجمع بين البنية القوية والعفوية، أو بين الهندسة الصارمة والانسيابية الحرة.

وهنا تؤكد أن «هذا التداخل يمثل عنصراً مهماً؛ لأنه يولّد الطاقة والحركة داخل اللوحة، ويمنحها حيوية خاصة تنعكس على إحساس المشاهد بها».

الفنانة المصرية نازلي مدكور (الشرق الأوسط)

وترى الفنانة أن هذا التداخل يعكس طبيعة الإنسان نفسه، بوصفه كائناً مشحوناً بالتناقضات، وهي تناقضات قد تخلق المشكلات، لكنها تقود أيضاً إلى حلول جديدة.

لكن لا يتوقف الأمر عند هذا الحد؛ إذ تمزج أعمالها بين النزعة التجريدية والاتجاه التشخيصي؛ وهو ما تبرره قائلة: «يميل التشخيص إلى سرد الحكاية بصرياً، بينما يتيح التجريد مساحة أوسع لنقل المشاعر والانفعالات، وهو ما أريد أن أجمع بينهما في أعمالي».

وتتجلى في اللوحات حالة واضحة من التلاحم بين الأشكال والأرضيات، حيث تبدو العناصر في اندماج عضوي داخل نسيج واحد؛ من دون فواصل حادة بين الكتل والخلفيات، بما يضفي على الأعمال تماسكاً وحيوية في آنٍ واحد.

وتختم مدكور: «أنظر إلى العالم بوصفه منظومةً متكاملةً ومصيراً مشتركاً؛ لذلك أتعامل مع الإنسان داخل اللوحة بالخشونة نفسها التي تحضر في الطين وعناصر الطبيعة، كما أميل إلى ألوان قريبة من تدرجات الأرض وملامسها».


قرية في ألاسكا تُعيد إحياء سياحة الدببة القطبية... بشروط صارمة

في أرض قاسية... كائنٌ يعرف كيف يبقى (أ.ف.ب)
في أرض قاسية... كائنٌ يعرف كيف يبقى (أ.ف.ب)
TT

قرية في ألاسكا تُعيد إحياء سياحة الدببة القطبية... بشروط صارمة

في أرض قاسية... كائنٌ يعرف كيف يبقى (أ.ف.ب)
في أرض قاسية... كائنٌ يعرف كيف يبقى (أ.ف.ب)

تطمح قرية نائية للسكان الأصليين في ألاسكا إلى استعادة مكانتها وجهةً أولى لمُشاهدة الدببة القطبية، بعد تراجع هذا النشاط خلال السنوات الماضية. ففي نهاية كلّ صيف، تتجمَّع الدببة البيضاء الضخمة قرب قرية كاكتوفيك الواقعة على حافة القارة داخل محميّة القطب الشمالي، لتتغذَّى على بقايا الحيتان وتنتظر تجمّد البحر، في مشهد كان يجذب أكثر من ألف سائح سنوياً.

وإنما جائحة «كوفيد-19» وقرار فيدرالي بوقف الجولات البحريّة أدّيا إلى شبه توقُّف هذه السياحة، وسط مخاوف من تأثير تدفُّق الزوار على نمط حياة السكان وسلوك الدببة. اليوم، يسعى قادة القرية إلى إعادة إحياء هذا النشاط، مع وضع ضوابط جديدة توازن بين الفوائد الاقتصادية وحماية البيئة والمجتمع المحلّي.

كائن يملك هذا العالم منذ زمن بعيد (أ.ف.ب)

ووفق «الإندبندنت»، يؤكد رئيس مؤسّسة «كاكتوفيك إينوبيات»، تشارلز لامب، أنّ السياحة يمكن أن توفّر دخلاً مهماً، لكن إدارتها يجب أن تختلف عمّا كانت عليه سابقاً. فخلال العقود الماضية، أدَّى تزايد أعداد الزوار، خصوصاً بعد تصنيف الدببة القطبية مهدَّدة بالانقراض عام 2008، إلى ضغط كبير على القرية الصغيرة التي لا يتجاوز عدد سكانها 250 شخصاً، ممّا تسبَّب في إرباك الحياة اليومية للسكان، وتراجع استفادتهم الاقتصادية.

كما أسهمت القيود التنظيمية ودخول شركات سياحية كبرى في تقليص دور السكان المحلّيين، في حين اشتكى الأهالي من سلوك بعض السياح، ومن ازدحام الرحلات الجوّية الذي أثَّر حتى في تنقّلاتهم الأساسية.

ومع توقُّف الجولات القاربية منذ 2021، بدأت الدببة تستعيد حذرها الطبيعي من البشر، بعدما أدّى الاعتياد السابق إلى زيادة المخاطر، حتى إنّ دوريات الحماية اضطرّت أحياناً إلى قتل عدد من الدببة سنوياً.

وتعمل القرية، حالياً، بالتعاون مع السلطات الأميركية، على إعادة إطلاق السياحة ربما بحلول 2027، ضمن إطار يضمن سلامة الجميع، مثل تحديد مدّة بقاء القوارب قرب الدببة، وتشجيع زيارات أطول وأكثر احتراماً لثقافة السكان.

ويرى القائمون على المبادرة أنّ السياحة المستقبلية يجب أن تمنح الزوار تجربة أعمق، تتيح لهم فهم الحياة في القطب الشمالي، لا مجرّد مشاهدتها من قرب.