هدم «قبة تاريخيّة» في جبَّانة القاهرة يفجر موجة من الغضب

فنانون ونواب أعربوا عن صدمتهم جراء أعمال الإزالة

«قبة حليم باشا» خلال عملية الهدم (حساب الفنان محمد عبلة على «فيسبوك»)
«قبة حليم باشا» خلال عملية الهدم (حساب الفنان محمد عبلة على «فيسبوك»)
TT

هدم «قبة تاريخيّة» في جبَّانة القاهرة يفجر موجة من الغضب

«قبة حليم باشا» خلال عملية الهدم (حساب الفنان محمد عبلة على «فيسبوك»)
«قبة حليم باشا» خلال عملية الهدم (حساب الفنان محمد عبلة على «فيسبوك»)

أثار هدم قبة مدفن «مستولدة محمد علي باشا» الشهير بمدفن «حليم باشا» بجبَّانة الإمام الشافعي في القاهرة التاريخية موجة واسعة من الغضب بعد نشر ناشطين ومهتمين بالتراث والآثار صوراً توثق عملية هدم القبة التي كانت تتميز بطراز معماري فريد ونقوش مميزة. وذلك بعد أيام من هدم مدفن إبراهيم النبراوي، مع مدافن أخرى وُصفت بأنها «تراثية يستحيل تعويضها».

وعلَّق فنانون وإعلاميون من بينهم خالد النبوي على هدم مدافن في جبانة القاهرة، قائلاً عبر حسابه على «فيسبوك»: «عمرها آلاف السنين... عاوزين تخلوا عمرها صفر ليه؟».

«قبة حليم باشا» قبل الهدم (حساب الباحث الأثري إبراهيم طايع على «فيسبوك»)

كما انتقدت الإعلامية لميس الحديدي، هدم قبة «حليم باشا» عبر حسابها على منصة «إكس»، مساء الثلاثاء، قائلةً: «وقف الخلق ينظرون جميعاً كيف أبني قواعد المجد وحدي... ووقفوا بعد دهر ينظرون كيف يهدم أبنائي تاريخي وذاكرة السنين... هكذا تتحدث مصر عن نفسها».

ورأت الحديدي في منشور لها العام الماضي أن «الإقدام على هدم المقابر يؤثر بالسلب على ترشيح خالد العناني وزير السياحة والآثار الأسبق لرئاسة اليونيسكو»، مضيفةً: «أول سؤال سوف يُسأل فيه: ماذا فعلت في التراث؟»، على حد تعبيرها.

وقالت الأثرية مونيكا حنا: «إلى متى يستمر الانتقام من الماضي... مدينة الألف مئذنة تحولت إلى مدينة الألف بلدوزر». وعلَّق زيزو عبده، مؤسس مبادرة «سيرة القاهرة»، على هدم القبة قائلاً: «هذه الصورة مفجعة... وقفت كثيراً عندها وتلجم اللسان الذي يريد أن يقول أشياء كثيرة غير لماذا وكيف تم الهدم؟». وفق تعبيره.

كما انتقد الفنان التشكيلي المصري محمد عبلة هدم مدفن «حليم باشا» عبر حسابه على «فيسبوك» قائلاً: «أنقذوا مصر»، فيما تقدم النائب عبد المنعم إمام، رئيس حزب العدل، بطلب إحاطة موجه إلى وزيري السياحة والآثار، والتنمية المحلية، بشأن هدم قبة مستولدة محمد علي باشا، التي عدّها «جزءاً مهماً من التراث الثقافي والتاريخي لمصر».

وأشار إلى «أن القبة تحمل قيمة معمارية وأثرية لا تقدَّر بثمن» معتبراً أن «هدم القبة يمثل تهديداً للمواقع الأثرية والتراثية التي تشكل جزءاً كبيراً من الهوية المصرية».

«قبة حليم باشا» بعد اكتمال هدمها (حساب الباحث الأثري إبراهيم طايع على «فيسبوك»)

كما علقت النائبة مها عبد الناصر على هدم القبة قائلةً: «تجاهُل القيمة التاريخية والتراثية لهذه المواقع يشكل خسارة كبيرة لا يمكن تعويضها»، مطالبةً بوقف أعمال الهدم، وعمل مراجعة شاملة من جميع الجهات المعنية لكل الأعمال لحماية ما تبقى من هذه الثروات الحضارية.

في المقابل، قال الدكتور مجدي شاكر، كبير الأثريين بوزارة السياحة والآثار، إن هذه القبة ليست أثراً وغير مسجلة ضمن قائمة الآثار، مشيراً إلى أنه «يتم تسجيل المباني التاريخية مباني أثرية منذ صدور قانون رقم 117 لعام 1983م والتي مر عليها 100 عام».

لكنَّ الدكتور أحمد سلامة، مدرس الحضارة الإسلامية بجامعة الأزهر، يؤكد أن تاريخ المدفن يعود إلى القرن التاسع عشر ويزيد عمره على 155 عاماً، وهو نفس تاريخ إنشاء مقابر «حوش الباشا» أو مقابر أسرة محمد علي، والمسجلة ضمن قوائم الآثار والقريبة من قبة حليم باشا.

ويرى سلامة أن «طراز القبة التي تم هدمها أهم من طراز مقابر حوش الباشا، لأنها تعد نموذجاً فريداً يحاكي الطرز المملوكية، أما قباب حوش الباشا فهي تعد حديثة نسبياً».

وانتقد سلامة تصريحات شاكر التي تبرَّأ فيها من كون قبة حليم باشا أثرية، وقال: «إذا لم تكن أثرية فلماذا لم تسجلها ضمن قوائم الآثار لا سيما أن قانون الآثار يوجب ضم أي مبنى مر على إنشائه أكثر من مائة عام إلى قائمة الآثار؟».

مدفن إبراهيم النبراوي قبل هدمه (الشرق الأوسط)

ويعبّر سلامة عن حزنه الكبير لهدم القبة: «دخلتها كثيراً وكنت أستمتع بنقوشها وزخارفها وتصميمها البديع، وأشعر بالصدمة وعدم القدرة على الحديث بعد رؤية صور هدمها».

وهو نفس ما تشعر به الدكتورة سهير حواس، أستاذة العمارة والتصميم العمراني بقسم الهندسة المعمارية بجامعة القاهرة، التي تقول لـ«الشرق الأوسط»: «أشعر بغصّة في حلقي، ويتملكني الحزن بسبب هدم قبة حليم باشا، فقد أفنيت عمري في حماية التراث، لكنني راهناً أرى المدافن التراثية والمسجَّلة بقوائم التراث ضمن جهاز التنسيق الحضاري تُهدَم من دون أي تعليق أو توضيح».

وترى حواس أن «تصريحات شاكر غير موفقة وتُدينه، لأنه يبدي اهتماماً بإجراء تسجيل الآثار بوصفه إجراءً روتينياً ووظيفياً، لكنه لا يكترث لأهمية المباني التراثية المعبِّرة عن الحضارة المصرية والمفترض أن يحميها».

جانب من أعمال هدم مدافن منطقة الإمام الشافعي (الشرق الأوسط)

وتنصلت وزارة السياحة والآثار المصرية في أكثر من مناسبة من «مسؤوليتها عن أعمال هدم مدافن في قرافة الإمام الشافعي والسيدة عائشة»، وقالت إنها ليست أثرية، وهو ما انتقده أثريون من بينهم الدكتور محمد عبد المقصود، الأمين العام الأسبق للمجلس الأعلى للآثار.

وتتساءل حواس: «كيف يتم هدم كل هذه المدافن والقباب البديعة من دون تدخل اللجنة الدائمة لحصر المباني التابعة لمحافظة القاهرة؟»، مضيفةً أنه تم «رفع عشرات المدافن من قائمة التراث الحضاري لتسهيل هدمها خلال الفترة الماضية».

شارع الإمام الشافعي (الشرق الأوسط)

وفي بداية الشهر الجاري، انتقد علاء مبارك، نجل الرئيس الراحل محمد حسني مبارك، إقدام السلطات المصرية على إزالة مدفن عائلة «ثابت» -عائلة والدته سوزان مبارك- بمنطقة الإمام الشافعي، وكتب عبر حسابه على «إكس»: «مدفن عائلة ثابت بالإمام الشافعي ضمن مدافن أخرى يتم نقل رفات الموتى منها مع إزالة المدفن»، ووصف الأمر بأنه «محزن ومؤلم»، منتقداً «إزالة مدافن تجاوز عمرها المائة والعشرين عاماً من أجل تنفيذ مشاريع توسعية من دون أي مراعاة لحرمة الموتى»، على حد تعبيره.

وتسعى الحكومة المصرية لإنشاء محاور مرورية جديدة للربط بين شرق وجنوب القاهرة عبر هذه الجبانة التاريخية، المسجَّلة في قوائم تراث «اليونيسكو».

وشارك في إنشاء مدافن القاهرة عدد من كبار المعماريين الأجانب، منهم المهندس الإيطالي إرنستو فيروتشي، كبير المهندسين في السرايات الملكية، وصاحب تصميم قصر رأس التين، ومبنى معهد الموسيقى العربية، وإضافات قصر عابدين.

أعمال الإزالات مستمرة لإنشاء جسر جديد (الشرق الأوسط)

وتضم جَبَّانة القاهرة بين جوانبها مقابر بعض الشخصيات الشهيرة، أمثال الإمام ورش، صاحب «قراءة ورش» القرآنية، ومقام الإمام وكيع مقرئ الإمام الشافعي، والشيخ محمد رفعت، وعبد الخالق باشا ثروت، والشمسي باشا، وعثمان مصطفى، ومحمد نسيم توفيق.

كما تضم رفات فنانين مشاهير، من بينهم يوسف وهبي، وأم كلثوم، وعبد الحليم حافظ، وأسمهان، وفريد الأطرش، وهند رستم، وصلاح ذو الفقار.


مقالات ذات صلة

محاولات لإنقاذ هرم هوارة بالفيوم للوصول إلى غرفة الدفن

يوميات الشرق متابعة التطوير والترميم في العديد من المواقع الأثرية (وزارة السياحة والآثار)

محاولات لإنقاذ هرم هوارة بالفيوم للوصول إلى غرفة الدفن

تنفذ وزارة السياحة والآثار المصرية مشروعاً لسحب المياه الجوفية أسفل هرم هوارة في محافظة الفيوم (جنوب القاهرة).

محمد الكفراوي (القاهرة)
يوميات الشرق جانب من نقوش الدير (رئاسة مجلس الوزراء المصري)

كشف أثري في وادي النطرون يوثق بدايات الرهبنة بمصر

جاء الإعلان عن كشف أثري جديد في وادي النطرون بمحافظة البحيرة (شمال القاهرة)  ليسلط الضوء على بدايات الحياة الرهبانية في مصر خلال القرون الميلادية الأولى.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
يوميات الشرق اكتشاف تمثال غرانيتي أثري بعد ضبط 5 أشخاص (وزارة الداخلية المصرية)

مصر: جرائم التنقيب عن الآثار تعيد «التجارة الممنوعة» للواجهة

أعادت واقعة القبض على 5 أشخاص بالبدرشين (جنوب القاهرة) أثناء التنقيب عن الآثار، وبحوزتهم تمثال كبير، جرائم التنقيب غير المشروع عن الآثار إلى الواجهة.

محمد الكفراوي (القاهرة)
يوميات الشرق موقع تل فرعون الأثري بدلتا مصر (وزارة السياحة والآثار المصرية)

اكتشاف تمثال ضخم في منطقة أثرية بدلتا مصر

يسلط اكتشاف تمثال أثري ضخم بموقع تل فرعون بمركز الحسينية بمحافظة الشرقية (دلتا مصر) الضوء على الكثير من مظاهر النشاط الديني والملكي في منطقة شرق الدلتا.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
احتفت مصر بالنيل في اليوم العالمي للتراث (وزارة السياحة والآثار)

مصر: معارض أثرية تحتفي بالنيل في يوم التراث العالمي

اختارت وزارة السياحة والآثار المصرية نهر النيل موضوعاً لاحتفالها هذا العام بيوم التراث العالمي، ونظمت متاحف أثرية سلسلة من المعارض المؤقتة والفعاليات الثقافية.

فتحية الدخاخني (القاهرة )

جيريمي كومتيه: «بارادايس» رحلة لاستكشاف معنى الثقة وتوابع الخيانة

عمل المخرج على الفيلم لنحو 10 سنوات (الشركة المنتجة)
عمل المخرج على الفيلم لنحو 10 سنوات (الشركة المنتجة)
TT

جيريمي كومتيه: «بارادايس» رحلة لاستكشاف معنى الثقة وتوابع الخيانة

عمل المخرج على الفيلم لنحو 10 سنوات (الشركة المنتجة)
عمل المخرج على الفيلم لنحو 10 سنوات (الشركة المنتجة)

قال المخرج الكندي جيريمي كومتيه إن فيلمه «بارادايس» لم يولَد بين ليلة وضحاها، بل كان نتيجة رحلة طويلة امتدت لأكثر من 10 أعوام من البحث والتفكير والتجارب المختلفة، موضحاً أن البذرة الأولى للفيلم تعود إلى تجربة شخصية عاشها في مرحلة المراهقة. وأضاف، لـ«الشرق الأوسط»، أن تلك التجربة دفعته إلى التفكير في موضوعات معقدة مثل الثقة والخيانة، وكيف يمكن لحادثة واحدة في حياة الإنسان أن تترك أثراً عميقاً يلازمه لسنوات طويلة، وهو ما حاول استكشافه سينمائياً عبر هذا العمل.

يتتبع فيلم «بارادايس»، الذي عُرض للمرة الأولى عالمياً في مهرجان «برلين السينمائي» بنسخته الماضية ضِمن برنامج «البانوراما»، حكايتين تسيران بالتوازي في مكانين متباعدين من العالم، لكنهما تتقاطعان على مستوى التجربة الإنسانية. وتدور القصة حول شابّين يعيشان في بيئتين مختلفتين تماماً؛ أحدهما في غانا، والآخر في مقاطعة كيبيك الكندية، حيث يكبر كل منهما وسط ظروف قاسية وتحديات شخصية معقّدة. ورغم اختلاف الثقافة والمكان، فإن الشابّين يمران بحالة متشابهة من الوحدة والبحث عن معنى لحياتيهما، خصوصاً في ظل غياب نموذج الأب أو الشعور بالأمان الذي يحتاجان إليه في تلك المرحلة الحساسة من العمر.

ومِن خلال هذا البناء السردي المُوازي، ينسج الفيلم رابطاً عاطفياً خفياً بين الشخصيتين، إذ يكشف كيف يمكن لتجارب إنسانية متشابهة أن تتكرر في أماكن متباعدة من العالم، ومع تطور الأحداث يجد كل منهما نفسه مدفوعاً إلى اتخاذ قرارات صعبة. ويشير كومتيه إلى أن المشروع تطوّر تدريجياً عندما بدأ مرحلة البحث، حيث تعرّف، خلال تلك الفترة، على صديق مقرَّب من غانا، وهو ما فتح أمامه نافذة مختلفة على العالم؛ لأن الصداقة بينهما تحولت مع الوقت إلى شراكة إبداعية، إذ قررا معاً تطوير قصة تدور بين بلدين مختلفين تماماً هما غانا وكندا، مؤكداً أن «العمل على الفيلم استغرق سنوات من السفر والبحث واللقاءات والنقاشات الطويلة، حتى تبلورت الفكرة بالشكل الذي ظهرت به على الشاشة».

المخرج الكندي جيريمي كومتيه (الشركة المنتجة)

ولفت إلى مفهوم «الفقد الغامض»؛ وهو ذلك الشعور الذي يعيشه البطلان عندما يواجهان حدثاً مؤلماً دون إجابة واضحة أو نهاية حاسمة لما حدث، لافتاً إلى أن هذا النوع من الفقد يترك الإنسان عالقاً في حالة من القلق وعدم اليقين، وهو ما أراد أن يجسده في رحلة الشخصيتين داخل الفيلم.

وأضاف أن «مِن الأفكار الأساسية التي حاول العمل عليها أثناء الكتابة خلق تشابهات إنسانية بين عالمين مختلفين ظاهرياً، فالثقافة والبيئة قد تختلفان كثيراً بين غانا وكندا، لكن المشاعر الإنسانية الكبرى مثل الوحدة والخوف والبحث عن المعنى تظل متشابهة في كل مكان، لذلك حاول في السيناريو أن يربط بين مساري الشخصيتين بطريقة تجعل المُشاهد يشعر بأنهما يعيشان التجربة نفسها رغم اختلاف السياق».

وتحدّث المخرج عن التحديات التي واجهته أثناء كتابة الفيلم وإخراجه، قائلاً إن «الموازنة بين العالمين لم تكن سهلة على الإطلاق، لذا مرت عملية تطوير السيناريو بمراحل طويلة من المراجعة والتعديل، ثم استمرت هذه العملية، خلال مرحلة المونتاج؛ لأن بناء الإيقاع الصحيح للفيلم كان يتطلب دقة كبيرة في توزيع المعلومات التي يحصل عليها المشاهد».

وأوضح أن «الفيلم يتعمد أحياناً عدم تقديم كل الإجابات بشكل مباشر، بل يترك للمشاهد مساحة للتفكير وربط الخيوط بنفسه، وهذا الخيار كان يحمل بعض المخاطرة؛ لأن بعض المتفرجين قد يفضّلون السرد الواضح والمباشر، لكنني كانت مقتنعاً بأن هذه الطريقة أقرب إلى التجربة الإنسانية التي أحاول نقلها».

وقال المخرج الكندي إنه كان حريصاً أيضاً على أن يضع المتفرج أمام أسئلة أخلاقية معقدة، بحيث يجد فيها نفسه مضطراً إلى إعادة التفكير في أحكامه المسبقة تجاه الشخصيات؛ لأن السينما بالنسبة له ليست مجرد وسيلة لسرد قصة، بل مساحة لطرح الأسئلة ومواجهة المناطق الرمادية في السلوك الإنساني.

اختار المخرج الاعتماد على وجوه لم تخض تجربة التمثيل (الشركة المنتجة)

وتطرّق المخرج إلى الجانب البصري للعمل، موضحاً أنه استخدم المؤثرات البصرية بطريقةٍ تخدم الحالة الشعورية للفيلم؛ لأن الفكرة كانت تقوم على خلق تحول تدريجي في الصورة يتماشى مع التحولات النفسية التي تمر بها الشخصيات، بحيث يشعر المشاهد بأن الشكل البصري نفسه يتغير ويتطور مع تطور القصة.

وأوضح أن «هذا الأسلوب يعكس أيضاً فكرة الترابط بين الأشياء الصغيرة والكبيرة في العالم، إذ يمكن لتفصيلة بسيطة جداً أن تقود إلى حدث كبير يغيّر حياة الإنسان بالكامل، لذلك حاولت جعل الصورة السينمائية تعكس هذا الإحساس بالاتساع والتداخل بين العوالم المختلفة». وتحدّث المخرج كذلك عن تجربته في العمل مع الممثلين، لافتاً إلى أن «بعض المشاركين في الفيلم لم يكونوا ممثلين محترفين، وأن هذا الأمر كان خياراً مقصوداً؛ لأنه أراد أن يمنح الشخصيات قدراً أكبر من الصدق والعفوية».

وأضاف أن «الممثل الذي أدى دور الشاب في غانا كان يتمتع بطبيعة تلقائية أمام الكاميرا، وقد خضعا معاً لعدد كبير من البروفات والنقاشات حول تفاصيل الشخصية، حتى أصبح قادراً على إعادة تفسير بعض الجمل بطريقته الخاصة». أما بالنسبة للشخصية الأخرى التي تعيش في كندا، فأوضح كومتيه أنهم كانوا يبحثون عن شاب حقيقي يمارس رياضة التزلج على الألواح؛ لأن هذه الرياضة تشكل جزءاً مهماً من حياة الشخصية، وعثروا بالفعل على شاب يعيش في إحدى المناطق الريفية بكيبيك، وكان قريباً جداً من روح الشخصية التي كتبها، وهو ما جعل الأداء يبدو طبيعياً ومقنعاً إلى حد كبير.

وخلص المخرج إلى أن العمل مع ممثلين غير محترفين قد يكون تحدياً في بعض الأحيان، لكنه، في المقابل، يمنح الفيلم طاقة مختلفة يصعب تحقيقها مع الأداء التقليدي، مؤكداً أن العلاقة التي نشأت بين الممثلين والكاميرا كانت طبيعية للغاية، وهو ما ساعد على خلق إحساس قوي بواقعية المشاهد.


علاج مبتكر يقلل مخاطر تسمم الحمل

المتابعة الدقيقة من أهم عوامل الحد من مخاطر تسمم الحمل (مستشفى سيدرز سايناي)
المتابعة الدقيقة من أهم عوامل الحد من مخاطر تسمم الحمل (مستشفى سيدرز سايناي)
TT

علاج مبتكر يقلل مخاطر تسمم الحمل

المتابعة الدقيقة من أهم عوامل الحد من مخاطر تسمم الحمل (مستشفى سيدرز سايناي)
المتابعة الدقيقة من أهم عوامل الحد من مخاطر تسمم الحمل (مستشفى سيدرز سايناي)

نجح باحثون من مستشفى «سيدرز سايناي» بالولايات المتحدة، في تطوير علاج جديد وفعّال للنساء اللواتي يعانين من حالات شديدة ومبكرة من تسمم الحمل.

وأوضح الباحثون، أنَّ هذا العلاج المبتكر يعتمد على تقنية متقدمة لتنقية دم الأم من بروتين ضار تفرزه المشيمة، بما يتيح إطالة فترة الحمل وتحسين فرص نمو الجنين، ونُشرت النتائج، الاثنين، في دورية «Nature Medicine». وتسمم الحمل هو أحد المضاعفات الخطيرة التي تصيب النساء في أثناء الحمل، ويتميَّز بارتفاع شديد في ضغط الدم غالباً بعد الأسبوع الـ20 من الحمل، وقد يصاحبه وجود بروتين في البول وتضرر في بعض الأعضاء مثل الكبد والكلى.

وتكمن خطورته في أنه قد يتطوَّر بسرعة ويهدِّد حياة الأم والجنين إذا لم يتم التعامل معه بشكل طبي عاجل، إذ يمكن أن يؤدي في الحالات الشديدة إلى مضاعفات مثل الولادة المبكرة، أو انخفاض تدفق الدم إلى المشيمة. ويُعد التدخل الطبي المبكر والمتابعة الدقيقة للحامل من أهم عوامل الحد من مخاطره والسيطرة على تطور الحالة.

وركّزت الدراسة على استهداف السبب الجذري للمرض؛ حيث حدَّد الباحثون بروتيناً ضاراً في الدم يُعرَف باسم «sFlt-1»، تفرزه المشيمة، ويسهم في إتلاف الأوعية الدموية ورفع ضغط الدم، ما يؤدي إلى تطور الأعراض. ويقوم النهج العلاجي الجديد على تصميم بروتين مناعي متخصص يرتبط بالبروتين الضار في الدم، ثم يُزال باستخدام جهاز لتنقية الدم بتقنية شبيهة بغسل الكلى. وتتيح هذه التقنية التخلص من البروتين الضار دون التأثير على مكونات الدم الأساسية الأخرى، ما يساعد على استقرار الحالة الصحية للحامل.

وشملت الدراسة 16 امرأة مصابة بمقدمات تسمم حمل شديدة ومبكرة. وأظهرت النتائج تحسناً في مستويات ضغط الدم لدى المشارِكات، واستمرار نمو الأجنة بشكل طبيعي خلال فترة العلاج، إلى جانب إطالة مدة الحمل بنحو 10 أيام إضافية في المتوسط، وهو ما يزيد بأكثر من الضعف مقارنة بالحالات التي لا تتلقى هذا النوع من العلاج.

مضاعفات خطيرة

ووفق الفريق، فإنَّ العلاج الحالي الوحيد في الحالات الخطيرة هو إنهاء الحمل مبكراً، وهو ما يعرِّض الطفل لمضاعفات صحية كبيرة، بينما قد يمنح النهج الجديد الأطباء مرونةً أكبر في اتخاذ القرار العلاجي. وأشار الباحثون إلى أنَّ هذا النهج قد يغيِّر طريقة التعامل مع حالات تسمم الحمل المبكر الشديد، من خلال توفير وقت آمن إضافي لنمو الجنين.

كما أوضح الباحثون أنَّ أهمية هذه التقنية تكمن في أنَّها لا تعتمد على إضافة أدوية جديدة، بل على إزالة العامل المسبب للمرض بشكل مباشر، مما قد يقلل من احتمالات الآثار الجانبية. ورغم النتائج المشجعة، فإنَّ الفريق شدد على أن الدراسة لا تزال في مرحلة مبكرة، وقد شملت عدداً محدوداً من الحالات، ما يستدعي إجراء تجارب سريرية أوسع قبل اعتماد العلاج بشكل رسمي.


محاولات لإنقاذ هرم هوارة بالفيوم للوصول إلى غرفة الدفن

متابعة التطوير والترميم في العديد من المواقع الأثرية (وزارة السياحة والآثار)
متابعة التطوير والترميم في العديد من المواقع الأثرية (وزارة السياحة والآثار)
TT

محاولات لإنقاذ هرم هوارة بالفيوم للوصول إلى غرفة الدفن

متابعة التطوير والترميم في العديد من المواقع الأثرية (وزارة السياحة والآثار)
متابعة التطوير والترميم في العديد من المواقع الأثرية (وزارة السياحة والآثار)

تنفذ وزارة السياحة والآثار المصرية مشروعاً لسحب المياه الجوفية أسفل هرم هوارة بمحافظة الفيوم (جنوب القاهرة) في محاولة لإنقاذه من أضرار هذه المياه، والوصول إلى غرفة الدفن على عمق 18 متراً، ضمن خطة ينفذها المجلس الأعلى للآثار لترميم وتطوير ورفع كفاءة الخدمات المقدمة بالمواقع الأثرية المصرية، للحفاظ عليها وتعزيز قيمتها الحضارية، وتحسين التجربة السياحية فيها.

وقال الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار، الدكتور هشام الليثي، خلال جولة قام بها في مناطق كوم أوشيم وهرم هوارة واللاهون ودير الملاك غبريال بمحافظة الفيوم، إن هذه الجولات الميدانية تأتي في إطار المتابعة المستمرة لمشروعات الترميم والتطوير بمختلف المواقع الأثرية، مشيراً إلى أن المجلس الأعلى للآثار يولي اهتماماً كبيراً بتطبيق أحدث المعايير الدولية في أعمال الصيانة والحفاظ، إلى جانب تطوير الخدمات المقدمة للزائرين. وأضاف أن هذه الجهود تسهم في تعزيز مكانة مصر بوصفها وجهة سياحية ثقافية عالمية، وتدعم خطط الدولة لتحقيق التنمية المستدامة في قطاع السياحة والآثار. وفق بيان لوزارة السياحة والآثار.

وفي محافظة الفيوم، تفقد الأمين العام متحف كوم أوشيم والمخازن المتحفية في المنطقة، وعقد اجتماعاً في موقع هرم هوارة لمناقشة تطورات مشروع سحب المياه الجوفية، والدراسات الفنية لاختيار أنسب الحلول الآمنة للتعامل مع المياه داخل الهرم وخارجه، بما يتيح الوصول إلى غرفة الدفن الواقعة على عمق يقارب 18 متراً أسفل منسوب سطح الأرض.

وفي موقع هرم اللاهون، تابع الليثي أعمال الترميم ودرء الخطورة، والتي تشمل تدعيم وترميم الأنفاق السفلية وتطوير السلم، إلى جانب ترميم الجدران الأثرية باستخدام مواد متوافقة مع طبيعة الموقع، وتدعيم الغرف الانتقالية، مع معالجة الفراغات بما يضمن استقرار العناصر الأثرية، كما شملت الزيارة موقع دير الملاك غبريال، أحد أقدم الأديرة بالمحافظة، وتفقد أعمال الحفائر التي تنفذها البعثة البولندية.

جولات مكثفة بمناطق أثرية بالفيوم والدلتا (وزارة السياحة والآثار)

وتُسلّط محاولات إنقاذ هرم هوارة الضوء على إشكالية مركّبة في إدارة التراث الأثري، حيث تتقاطع الضرورات العلمية مع الضغوط البيئية المتزايدة، فالحديث عن سحب المياه الجوفية من داخل بنية هرمية يعود تاريخها إلى عصر أمنمحات الثالث لا يمكن فصله عن السياق الأوسع لتحولات المشهد البيئي في وادي النيل، وما تفرضه من تحديات على استدامة المواقع الأثرية»، وفق كلام الدكتورة دينا سليمان، المتخصصة في آثار مصر والشرق الأدنى القديم بكلية الآثار والإرشاد السياحي في جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا.

وأضافت لـ«الشرق الأوسط»: «تمثل هذه الخطوة تدخلاً تقنياً مشروعاً في إطار الحفاظ الوقائي، لكنها تثير في الوقت نفسه جملة من التساؤلات المنهجية؛ إذ إن التعامل مع المياه الجوفية لا يقتصر على إزاحتها مؤقتاً، بل يتطلب فهماً دقيقاً للبنية الجيولوجية والهيدرولوجية المحيطة، تجنباً لحدوث اختلالات قد تؤثر بالسلب في استقرار الأثر على المدى الطويل، كما أن أي محاولة للوصول إلى غرفة الدفن يجب أن تُوازن بين قيمة الاكتشاف المحتمل وخطر الإخلال بالسياق الأثري، الذي يُعد في حد ذاته مصدراً أساسياً للمعرفة».

وتضمنت الجولة التفقدية للأمين العام للمجلس الأعلى للآثار مواقع أثرية في محافظتي الغربية والدقهلية، كما أجرى قبل يومين جولة في مواقع أثرية بالأقصر، مؤكداً على استمرار خطط الترميم والتطوير لمعابد الأقصر والكرنك وحتشبسوت وسيتي الأول. بما يحافظ على قيمة هذه المواقع، ويحسن التجربة السياحية بها.

ويرى الخبير الأثري المتخصص في المصريات، أحمد عامر، أن «المياه الجوفية بمثابة كارثة دائماً ما تهدد أساسات المباني الأثرية والأحجار، ويكون لها تأثير سلبي في ارتفاع نسبة الرطوبة والأملاح داخل جدران المعابد والمباني؛ ما يستدعي قيام وزارة السياحة والآثار بسرعة تنفيذ مشاريع خفض المياه الجوفية، والمتابعة المستمرة للمناطق الأثرية التي يكثر وجود المياه الجوفية أسفلها».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «الطريقة الصحيحة لمعالجة المياه الجوفية سحبها على فترات متباينة حتى نستطيع المحافظة على سلامة المبنى الأثري والمواقع من الضرر»، وأشار إلى أن هرم هوارة الذي يُعْرف بـ«الهرم الأسود» أحد الأهرامات التي قام بإنشائها الملك «أمنمحات الثالث» بالفيوم في عهد الأسرة الثانية عشرة بالدولة الوسطى، «وتهدده المياه الجوفية منذ فترات طويلة، ما يستوجب المتابعة والمعالجة الدورية»، على حد تعبيره.

ومن أشهر الأماكن التي عانت من وجود المياه الجوفية «أسفل تمثال أبو الهول وصان الحجر، ومعبد مونتو بالأقصر، ومعبد أبيدوس، وجامع الظاهر بيبرس، ومعبدا سيتي الأول وهابو في الأقصر، ودير أبو مينا في الإسكندرية، وكذلك مقابر كوم الشقافة في الإسكندرية»، وفق تصريحات عامر.