يوسف الملاح... عمرٌ من العمل الجبّار

ابن الدفاع المدني اللبناني تحوّل «أيقونة» التضحية الإنسانية

تحوّل رمزاً للتضحية وهو يتنقّل فوق الركام ويُنقذ ما تبقّى (حسابه الشخصي)
تحوّل رمزاً للتضحية وهو يتنقّل فوق الركام ويُنقذ ما تبقّى (حسابه الشخصي)
TT

يوسف الملاح... عمرٌ من العمل الجبّار

تحوّل رمزاً للتضحية وهو يتنقّل فوق الركام ويُنقذ ما تبقّى (حسابه الشخصي)
تحوّل رمزاً للتضحية وهو يتنقّل فوق الركام ويُنقذ ما تبقّى (حسابه الشخصي)

لا يذكُر رئيس شعبة العمليات الخاصة في المديرية العامة للدفاع المدني اللبناني، يوسف الملاح، كم مرَّ من العمر وهو يُراكم العمل الجبّار: «نسيتُ، ونسياني ردٌّ على عدد السنوات». تحوّل رمزاً للتضحية من أجل الغير وهو يتنقّل فوق الركام ويُنقذ ما تبقّى. تنتشر صوره بين متداوليها، على هيئة «أيقونية»، وهو يستجيب لنداء الاستغاثة المُتصاعد من تحت الأنقاض.

ولا يُصادر الجهود لنَسْبها حصراً إلى نفسه، وإنما يُشدّد على أنها جماعية؛ وبشيء أقرب إلى الإفراط في التواضع، يضيف أنه أقل مستحقّي التقدير بين آلاف يبذلون الأعمار في الساحات المشتعلة. يُخبر «الشرق الأوسط» أنّ المشهد لم يتغيّر في كل مرة يسقط ضحايا ويئنّ جرحى ويملأ الدخان الأسود سماء لبنان: «اعتادت أذني على سماع نداء أمهات يسألن عن أبناء تحت الحطام، وعلى أسئلة مُعذّبة مثل (هل لا يزال حياً؟ هل عثرتم على أشلاء؟ أين أطفالي؟). هذه تُضنيني. إنها حسرات على امتداد الوطن؛ تتشابه من شماله إلى جنوبه، وتؤلم بعمق».

المشهد لم يتغيّر في كل مرة يسقط ضحايا ويئنّ جرحى ويملأ الدخان سماء لبنان (أ.ب)

سقطت للدفاع المدني 4 أرواح وأصيب متطوّع في محاولة لإنقاذ شجر زيتون هبَّ الحريق الإسرائيلي في أغصانه. يُسمّيها «معركة» تلك التي يخوضها هؤلاء الشجعان لنجدة الأرض والإنسان مما يقول يوسف الملاح إنه يخرج عن الوصف ولا تنصفه بعد اليوم مصطلحات من وزن «عدوان». حتى «المجزرة»، يُكمل: «أقل من تجسيد ما يجري»؛ بعدما عمَّ الهول على مرأى العدالة الذبيحة. مُشاهداته تُبيّن الفظاعة بذروتها العصيّة على التبسيط.

ولكن ما يشحذ المعنويات ويقوّي العزيمة؟ ما الذي يجعل المخاطرة بالنفس زهرة تُضمّد اليباس وزقزقة تُرمّم الآهات؟ يجيب أنها العيون المتّخذة أشكال القناديل الساهرة على الوطن، والآذان المستجيبة للاستغاثة في أي وقت. «الدافع هو نحن، بعزيمة الشباب وشجاعة الروح»، يقول مَن تبلّغ وزملاءه من وزير الداخلية بسام المولوي والمدير العام للدفاع المدني ريمون خطار ضرورتين: الاستجابة لأي نداء، والانتباه للسلامة الشخصية. يعتذر لهما عن احتمال إغفال الضرورة الثانية، لِما قد تُخبّئه الأنقاض من قابلية لتشارُك الخطر ومرارة القدر. يُكمل: «مَن يرتدي بزّة الدفاع المدني لا يأبه للظرف. يقتحم ولا يوارب. مرتدوها أهلٌ للنخوة، وبترابطنا نستمرّ».

مَن يرتدي بزّة الدفاع المدني يقتحم ولا يوارب (حسابه الشخصي)

رشفة ماء أو عبارة «عافاكم الله» مِن مُقدِّر جهدٍ يلتقيه في مَهمّة، يقول إنهما مسحٌ للتعب. «لكنّ ما يُعزّي هو الدفء الآتي من يد شخص تحت الأنقاض لا يزال ينبض. حين تلتقي يدانا، أشعر بحرارة الامتنان. وعلى العكس، تحلّ الغصّة حين أرمق انكسار عيون تشهد فقدان عزيز تعذَّر إنقاذه. ألمح سؤالهم المؤلم (لِمَ صعُبت عليكم حياته؟). لا يدرون أنّ قِطع الحديد أحياناً لا تُزاح بسهولة والركام يُعاند. أخرج من بين الأنقاض فأجدهم ينتظرون الخبر السعيد. يبحثون فيَّ عن الأمل. وحين ترتقي أرواح أحبّتهم نتألم معاً. وجع تلك العيون أقسى ما أحتفظ به».

لا يُصادر الجهود لنَسْبها حصراً إلى نفسه وإنما يُشدّد على أنها جماعية (حسابه الشخصي)

تواضُع المعدّات يجد هِمماً تُناقض واقعَه، فيؤكد يوسف الملاح المعادلة: «إنْ تواضعت، فالمعنويات العالية تتفوّق على هذا التواضع». ذلك ليقول إنّ شيئاً لا يهزّ الهِمّة ولا يُحبِط، وما تهُم هي الإرادات واستعدادها للإقدام مُنصرفةً عما قد يُعرقل أو يُطفئ العزائم.

كان طفلاً دون عامه الثاني حين قتلت الحرب والدته وأحالته إلى اليُتم. كبُر وقد تدرّب على نبذ الأحقاد ورفض الشعور بالكراهية تجاه مَن تجنّى. يتطلّع إلى السماء وتتصوَّر له العدالة آتية، لا محالة، من الله. وإن لم يُرزق بأولاد، فينسب لنفسه صفة الأبوّة حيال آلاف الأطفال في لبنان. «كلهم أولادي وبناتي. إنقاذهم، متى طُلبنا، هو هدفنا السامي. لذا أُطلق نداء إنصاف لجميع زملائي في العطاء، فتُخرجهم الدولة من صفة التطوّع وتُدرجهم ضمن موظّفي الدفاع المدني. هؤلاء لا يتقاضون الأجور، ومع ذلك لا تغادرهم الابتسامة ولا يتراجعون».

خصّه الله بمحبة الناس من أجل أن تُعزّز عطاءه (حسابه الشخصي)

كلما سألناه عنه، حوَّل السؤال من الفرد إلى الجماعة. كيف يُفسّر أنه رمزٌ للعطاء الإنساني؟ لِمَ هو بين سائر الهِمم النبيلة؟ ردُّه أنه ليس سوى يد وسط حقل من الأيدي الخيِّرة: «ولو بحثتم جيداً، لوجدتم مثلي ما لا يُحصى. لنقل إنّ عديد الدفاع المدني 7 آلاف، فإنني الرقم الأخير بين الهِمم العالية. اندفاعهم يضاهي اندفاعي وتضحياتهم مضاعفة. لِمَ أنا؟ خصّني الله بمحبة الناس من أجل أن تُعزّز عطائي. أخشى خذلان ثقتهم. أنذر العمر لألبّي كل مستغيث وأنتشل الأمل من تحت الردم».


مقالات ذات صلة

ماكرون يحذّر من «احتلال» لبنان خلال افتتاحه معرضاً عن مدينة جبيل الأثرية

المشرق العربي الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يلقي خطاباً خلال زيارته لمعرض «جبيل، مدينة لبنان الألفية»، في معهد العالم العربي في باريس 23 مارس 2026 (أ.ب)

ماكرون يحذّر من «احتلال» لبنان خلال افتتاحه معرضاً عن مدينة جبيل الأثرية

أكد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الاثنين، أن أي «احتلال» لا يضمن «أمن أيّ شخص كان»، محذراً إسرائيل من مخاطر عملياتها البرية في لبنان.

«الشرق الأوسط» (باريس)
المشرق العربي صورة نشرها المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي أفيخاي أدرعي مساء الاثنين وقال إنها للأسلحة التي صادرها بعد استسلام عناصر «فرقة الرضوان»

الجيش الإسرائيلي يعتقل مسلحين من «قوة الرضوان» في جنوب لبنان

أعلن الجيش الإسرائيلي أنه اعتقل مسلحين من «قوة الرضوان» التابعة ﻟ«حزب الله» في جنوب لبنان بعد استسلامهم.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
المشرق العربي جنود لبنانيون في محيط المبنى الذي استهدف في منطقة الحازمية شرق بيروت حيث قتل شخص (أ.ف.ب)

اغتيال شرق بيروت وتصعيد إسرائيلي لفصل جنوب الليطاني عن شماله

طال القصف الإسرائيلي مرة جديدة شرق بيروت عبر غارة استهدفت شقة سكنية في منطقة الحازمية السكنية، فيما تشهد الجبهة الجنوبية تصعيداً متسارعاً.

كارولين عاكوم (بيروت)
المشرق العربي الجيش الإسرائيلي يحشد قواته عند الحدود مع لبنان (إ.ب.أ)

التوغل البري في جنوب لبنان يصطدم بحسابات التكلفة والجبهات المفتوحة

رغم الحشود العسكرية الإسرائيلية الكبيرة على الحدود مع لبنان؛ فإن القراءة العسكرية تكشف عن أن ما يجري حتى الآن محكوم بسقف المعركة...

صبحي أمهز (بيروت)
خاص رئيس الجمهورية جوزيف عون مستقبلاً رئيس البرلمان نبيه بري (الرئاسة اللبنانية)

خاص إيران تتعهد لحلفائها في لبنان شمولهم في أي صفقة محتملة لوقف الحرب

كشفت مصادر لبنانية لـ«الشرق الأوسط» أن إيران أبلغت قيادات في بيروت «تعهداً واضحاً» بشمول لبنان في أي صفقة تنهي الحرب الدائرة.

ثائر عباس (بيروت)

السعودية تتقدم 10 مراتب في تقرير السعادة العالمي

تحولات إيجابية شاملة شهدتها قطاعات السياحة والثقافة والترفيه والرياضة في السعودية (واس)
تحولات إيجابية شاملة شهدتها قطاعات السياحة والثقافة والترفيه والرياضة في السعودية (واس)
TT

السعودية تتقدم 10 مراتب في تقرير السعادة العالمي

تحولات إيجابية شاملة شهدتها قطاعات السياحة والثقافة والترفيه والرياضة في السعودية (واس)
تحولات إيجابية شاملة شهدتها قطاعات السياحة والثقافة والترفيه والرياضة في السعودية (واس)

حقَّقت السعودية تقدماً لافتاً في تقرير السعادة العالمي لعام 2026، إذ جاءت في المرتبة الـ22 عالمياً من بين 147 دولة، بتقدم 10 مراتب عن ترتيبها العام الماضي، وبدرجة تقييم بلغت 6.817 من 10 على مقياس تقييم الحياة.

ويصدر هذا التقرير السنوي عن مركز أبحاث الرفاهية في جامعة أكسفورد بالتعاون مع مؤسسة «غالوب» الدولية بالتزامن مع اليوم العالمي للسعادة في 20 مارس (آذار).

ويعتمد التقرير على استطلاعات رأي تشمل أكثر من 140 دولة، تقيس مستوى رضا الأفراد عن حياتهم وفق عدة عوامل رئيسية، أبرزها: الناتج المحلي الإجمالي للفرد، والدعم الاجتماعي، ومتوسط العمر الصحي المتوقع، والحرية في اتخاذ القرارات، والكرم، ومستوى مكافحة الفساد.

وتؤكد النتيجة نجاح الجهود المبذولة ضمن «رؤية السعودية 2030»، لا سيما عبر «برنامج جودة الحياة» الذي يعتمد هذا التقرير كأحد المؤشرات المرجعية له.

وتجاوزت مساهمة قطاعات جودة الحياة في الناتج المحلي الإجمالي للبلاد 20.5 مليار دولار، وجذبت ما يزيد عن 5.8 مليارات دولار في الاستثمارات غير الحكومية، كما عزَّزت الصادرات غير النفطية بأكثر من 5.6 مليارات دولار.

ويعكس التقدم المطرد في ترتيب السعودية الأثر الإيجابي للتحولات الشاملة التي شهدتها قطاعات السياحة والثقافة والترفيه والرياضة، حيث أسهمت في تعزيز أنماط الحياة الصحية بالمجتمع، وبناء منظومة متكاملة ترتكز على الإنسان وتُعزِّز رفاهيته.

وجاء ترتيب السعودية في التقرير متقدماً على عدة دول كبرى، إذ حلّت في مرتبة أعلى من الولايات المتحدة التي جاءت في المركز الـ23، وكندا الـ25، والمملكة المتحدة الـ29، فيما تصدرت فنلندا القائمة للعام التاسع على التوالي، تلتها آيسلندا والدنمارك.


«مصر للطيران» تتهم صناع «السلم والثعبان 2» بـ«الإساءة»

شركة «مصر للطيران» انتقدت أحد مشاهد فيلم «السلم والثعبان 2» (الشرق الأوسط)
شركة «مصر للطيران» انتقدت أحد مشاهد فيلم «السلم والثعبان 2» (الشرق الأوسط)
TT

«مصر للطيران» تتهم صناع «السلم والثعبان 2» بـ«الإساءة»

شركة «مصر للطيران» انتقدت أحد مشاهد فيلم «السلم والثعبان 2» (الشرق الأوسط)
شركة «مصر للطيران» انتقدت أحد مشاهد فيلم «السلم والثعبان 2» (الشرق الأوسط)

انتقدت شركة «مصر للطيران»، الناقل الوطني بمصر، مشهداً بفيلم «السلم والثعبان 2»، الذي انطلق عرضه مؤخراً عبر إحدى المنصات الإلكترونية، على خلفية ظهور بطلي العمل عمرو يوسف وأسماء جلال بملابس الشركة، في مشهد اعتبرته الشركة «غير لائق» ويمس «الصورة المشرفة المتأصلة لأطقم الركب الطائر في ذهن الجمهور»؛ بحسب بيان صدر (الاثنين).

واتهمت الشركة صناع الفيلم بـ«الإساءة لصورتها الذهنية وقيمتها المعنوية والانتقاص من مكانتها في مصر والعالم تحت دعوى الإبداع»، مؤكدة وقوفها بقوة «لحماية الحقوق المعنوية والأدبية للعاملين بالشركة ضد أي تشويه متعمد أو غير متعمد لصورتهم».

وتدور أحداث الفيلم - الذي حمل اسم «السلم والثعبان... لعب عيال» - ما بين الحب وطموحات الواقع، فيعيد طرح أسئلة الهوية والعاطفة من خلال قصة «أحمد»، الذي يقوم بدوره عمرو يوسف، المعماري المُبدع الذي يسعى لإعادة اكتشاف ذاته، و«ملك» التي تقوم بدورها أسماء جلال، رائدة الأعمال الطموحة التي تحاول الموازنة بين نجاحها المهني وحنينها العاطفي.

وشددت «مصر للطيران» على الاحتفاظ بحقها في «اتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة حيال استخدام الزي الرسمي المعتمد لأطقم الضيافة الجوية الخاص بالشركة وعلامتها التجارية المسجلة ضمن أحداث العمل دون الحصول على موافقة مسبقة من الجهات المختصة بالشركة، بالإضافة إلى الضرر الواقع بسبب استخدامها في (مشهد مسيء وغير لائق)»، بحسب البيان.

في السياق، أعلن طيار مصري يدعى أحمد فتح الله عبر حسابه على «فيسبوك» عن تقديم بلاغ للنائب العام ضد صناع الفيلم بتهمة «الإساءة للطيران»، مؤكداً أن تحركه جاء بدافع احترامه لمهنة الطيران ولكل من يعمل بها باعتبارها «من المهن التي لا يمكن السخرية منها».

المخرج طارق العريان خلال تحضيرات التصوير (الشركة المنتجة)

وعرض الجزء الثاني من «السلم والثعبان – لعب عيال» بعد 25 عاماً من عرض الجزء الأول، وهو من بطولة عمرو يوسف وأسماء جلال وظافر العابدين، ومن إخراج طارق العريان، وحقق إيرادات كبيرة مع عرضه بالصالات في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي.

وعلق الناقد الفني طارق الشناوي على الأزمة قائلاً إن «هناك حالة من التربص تجاه الأعمال الفنية خلال الفترة الأخيرة، وهذا المناخ يؤثر سلباً على حرية الإبداع»، مضيفاً أن «فقدان روح الدعاية والتفاعل الطبيعي مع الفن يعني خسارة جزء مهم من مقومات الحياة الثقافية».

وأضاف أن المشهد محل الجدل لا يتجاوز كونه «إيفيه» أو نكتة درامية قد تعجب البعض وقد لا تلقى قبولاً لدى آخرين، لكنه لا يحمل أي إساءة حقيقية أو تجاوز يستدعي هذا التصعيد، مشيراً إلى أن «الأزمة الحالية تعكس مشكلة أكبر بكثير من مجرد الاعتراض على مشهد داخل فيلم».

وأكد أن الأصوات المعترضة غالباً ما تكون الأعلى، لكنها لا تعبر بالضرورة عن الرأي العام، فتضخيم ردود الفعل أصبح ظاهرة متكررة، لافتاً إلى أن «بعض المهن، ومن بينها الطيارون وأطقم الضيافة، من المفترض أن يكون لديهم قدر من تقبل روح الدعابة، خاصة في إطار الأعمال الفنية التي تقوم بالأساس على الخيال والمعالجة الدرامية».

عمرو يوسف وأسماء جلال في مشهد من الفيلم (الشركة المنتجة)

واعتبر الناقد الفني أحمد سعد الدين أن تحركات «مصر للطيران» وغضب الطيارين «أمر غير مبرر»، مؤكداً أن «الفيلم لا يحمل أي إساءة، سواء للشركة أو للطيارين على حد سواء، لأنه يقدم مشهداً في إطار كوميدي، ومُوظف درامياً داخل الأحداث».

وأضاف في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» أن «ما يحدث من تصعيد يعكس حالة الاحتقان التي أصبحت موجودة لدى العديد من أصحاب المهن المختلفة الذين يعترضوا على ظهور نماذج سلبية أو أي مشاهد قد تكون محل تعليق على مواقع التواصل الاجتماعي»، مشيراً إلى أن «هذا الأمر يحمّل الأفلام السينمائية أكثر مما ينبغي ويجب عدم التعامل معها بهذا المنظور».

صناع الفيلم خلال العرض الخاص (الشركة المنتجة)

وأوضح أنه بالمنطق نفسه فإن العاملين بمجال الطيران كان يتوجب عليهم المطالبة بوقف عرض فيلم «مطاردة غرامية» الذي جمع بين فؤاد المهندس وشويكار في ستينات القرن الماضي وظهر خلاله البطل في وظيفة «مراقب جوي» متعدد العلاقات النسائية وتؤثر علاقته النسائية على عمله بشكل واضح يكاد يؤدي لحدوث كوارث في الحركة الجوية، لكن الواقع يشير إلى أن «الفيلم الذي قدمت أحداثه في معالجة مسرحية أيضاً يعد من كلاسيكيات السينما المصرية ومن الأفلام الكوميدية الناجحة، وصور بالفعل داخل مطار القاهرة آنذاك».


فيلم «إيجي بست» يستعيد حكاية أشهر مواقع القرصنة المصرية

أبطال الفيلم مع المخرج والمؤلف والمنتج خلال العرض الخاص (الشرق الأوسط)
أبطال الفيلم مع المخرج والمؤلف والمنتج خلال العرض الخاص (الشرق الأوسط)
TT

فيلم «إيجي بست» يستعيد حكاية أشهر مواقع القرصنة المصرية

أبطال الفيلم مع المخرج والمؤلف والمنتج خلال العرض الخاص (الشرق الأوسط)
أبطال الفيلم مع المخرج والمؤلف والمنتج خلال العرض الخاص (الشرق الأوسط)

يستعيد فيلم «إيجي بست» قصة أحد أشهر مواقع القرصنة على الأفلام -عنوان الفيلم نفسه- الذي مثّل نافذة مهمة لأجيال من الشباب لمشاهدة أحدث الأفلام والمسلسلات العربية والأجنبية مجاناً عبر الإنترنت، وقد حقق الموقع انتشاراً عربياً واسعاً، ونجح في استقطاب نحو 13.5 مليار زائر، محققاً أرباحاً تخطت 100 مليون دولار، وقد عرض نحو 2500 فيلم عربي وأجنبي، منذ تأسيسه عام 2009، وحتى إغلاقه في 2019، حسب أرقام أوردها صناع الفيلم في نهاية أحداثه.

الفيلم الذي بدأ عرضه ضمن أفلام موسم عيد الفطر يتسم بروح شبابية ويجمع اثنين من نجوم السينما الشباب، وهما: أحمد مالك وسلمى أبو ضيف، بمشاركة مطرب الراب مروان بابلو في أول أعماله ممثلاً، إلى جانب كل من ميشال ميلاد، وأحمد عبد الحميد، وأحمد الرافعي، وحنان يوسف.

وأخرج الفيلم مروان عبد المنعم في أول أعماله الطويلة، وإنتاج طارق نصر الذي عَدّ الفيلم عملاً شبابياً يعبّر عن طموحات جيل بأكمله ويناقش مرحلة محورية في تطور العصر الرقمي في مصر، مسلطاً الضوء على الصراع بين الشغف والمسؤولية في إطار إنساني يناقش الصداقة والحب، مثلما ذكر في تصريحات صحافية. وحقّق «إيجي بست» خلال أيام عيد الفطر إيرادات لافتة بلغت نحو 21 مليون جنيه (الدولار الأميركي يعادل 52.5 جنيه مصري) ليحتل المركز الثاني بعد فيلم «برشامة».

مروان بابلو وأحمد مالك وسلمى أبو ضيف على ملصق الفيلم (الشركة المنتجة)

وعبر دراما مستوحاة من وقائع حقيقية تنطلق أحداث الفيلم من زقاق صغير بحي المرج (شرق القاهرة)، حيث يجمع الشغف بالأفلام بين الصديقين «محمد شوقي» الذي يؤدي دوره أحمد مالك، وصديقه «صابر» الذي يؤديه مروان بابلو، لا يستطيع شوقي شراء تذكرتَي سينما لمشاهدة فيلم مع «أنوار» بائعة محل الملابس التي يحبها ويتطلّع إلى الزواج منها وتؤديها سلمى أبو ضيف، ويكتفي بتذكرة واحدة لها، لكنها تلقي له بالتذكرة ويحصل عليها «صابر» الذي يضع كاميرا خلسة لنسخ الفيلم.

ومن هنا تبدأ رحلتهما في عمل موقع لمشاهدة الأفلام مجاناً، معتمداً على ما يحققه من إيرادات الإعلانات، ليحقق الموقع صدى واسعاً بين الجمهور، ويبدو مثل المصباح السحري الذي يجد فيه محبو الأفلام كل ما يحلمون به، وتنهال عليهم الأموال ويتغير حالهم. وحَلّ الفنان أحمد فهمي ضيف شرف في الفيلم مؤدياً دور المنتج الذي يسعى للتعاون مع مؤسسي الموقع، في حين ترددت موسيقى شارة برنامج «نادي السينما» بما تمثله من «نوستالجيا» على خلفية بعض المشاهد لتعبّر عن تعلق كبير بالفن السابع.

وعلى الرغم من جماهيريته الواسعة لأنه أحد أهم مطربي الراب، فإن الفيلم يخلو من غناء مروان بابلو ويعتمد على غناء مطربي الراب أبيوسف، والفنان شوقي، والفنان موند، بالإضافة إلى أغنية «2 في 1» لهادي معمر وطارق الشيخ. وقد أصدر صناع الفيلم «ميني ألبوم» الذي طُرح تزامناً مع عرض العمل.

عرض مجاني

وأقام فريق العمل عرضاً مجانياً للجمهور ليلة أول أيام عيد الفطر في سينما «ميامي» بالقاهرة، حضره طاقم الفيلم، وقال المؤلف أحمد حسني لـ«الشرق الأوسط» إنهم أقاموا مسابقة عبر مواقع «السوشيال ميديا»، وقد شهد العرض نحو 800 شاب وفتاة، مؤكداً أن «مستوى تقييمات الجمهور للفيلم جيدة جداً، وأنها تجتذب جمهوراً جديداً كل يوم».

وكشف أحمد حسني عن أن فكرة الفيلم نبعت من رغبته هو والمخرج مروان عبد المنعم في تقديم فيلم عن شباب نجحوا في الإقدام على تجربة كبيرة بإمكانات محدودة، وأنهم وجدوا في «إيجي بست» تجربة مهمة، لأنهم أنفسهم تأثروا بها وشاهدوا أفلاماً كثيرة من خلالها زادت من تعلقهم بالسينما.

وأشار إلى أن الفيلم لا يروي سيرة هذا المشروع من البداية إلى النهاية، بل يختار منه ما يؤكد فكرته. وأضاف: «كان هدفي يتركز على مخاطبة من يشاهدون الأفلام بشكل غير قانوني وما يمثله ذلك من حرمانية وخسائر لصناعة السينما من خلال عمل درامي يتعرض للقرصنة، لكن بشكل غير مباشر»، مرجعاً التعاطف مع أبطاله إلى «أنهم لم يشعروا أنهم كانوا يقومون بعمل غير قانوني».

وحول تقديم مروان بابلو ممثلاً بالفيلم دون غناء، يقول حسني: «أردنا أن تكون التجربة تمثيلاً فقط، حتى لا نكسر إيهام المتفرج».

صورة جماعية لطاقم الفيلم بحضور الفنان عصام عمر الذي شارك منتجاً تنفيذياً به (الشرق الأوسط)

وعدّ الناقد طارق الشناوي فيلم «إيجي بست» عملاً عصرياً مأخوذاً من حالة عاشها شباب هذا الزمن، وقال في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»: «لقد راهنت عليه قبل أن أشاهده من خلال أبطاله وفكرته المأخوذة من حياة دافعي التذكرة؛ إذ إن 80 في المائة من جمهور السينما هم هذا الجيل الذي كان يشاهد (إيجي بست)، وأنه تأكد بعد مشاهدة الفيلم من صحة رهانه»، لافتاً إلى أنه «من الأفلام التي تحقق تراكماً نوعياً في الإيرادات».

وتابع قائلاً: «براعة الفيلم في أنه لا يُشعر المشاهد أن هناك سيناريو مكتوباً، ولا أن هناك حبكة درامية، وإنما حالة مأخوذة من الحياة دون تدخل درامي، وقد عاش صناعه الحالة، كما عاش أبطاله هذا الإحساس في أدائهم، في فيلم لا يتورع عن تقديم لحظات ضعفهم، فلم يقدم شخصيات مثالية، بل قدم بشراً لديهم لحظات ضعف قد تكون هي مصدر قوتهم».

ولفت الشناوي إلى أن «مروان بابلو لديه تلقائية وحضور أمام الكاميرا، وهو اختيار ذكي»، مشيراً إلى أن «مالك وسلمى من أكثر الفنانين عصرية في فن (الأداء الهامس) الذي يعتمد على أقل قدر من الانفعال، وأن المخرج مروان عبد المنعم قدم تجربة ناضجة في أول أفلامه، وقد حافظ على تلقائية ممثليه»، مشيداً بـ«مشاهد المواجهة بين بابلو ومالك وسلمى».