«ليالي بيروت الصعبة»... كيف تتحدى الأرق الذي يسببه اشتداد القصف ليلاً؟

اللبنانيون يعانون مشاكل النوم وسط القلق الدائم من الغارات الإسرائيلية

الدخان يتصاعد جراء غارة جوية إسرائيلية على الضاحية الجنوبية لبيروت (أ.ب)
الدخان يتصاعد جراء غارة جوية إسرائيلية على الضاحية الجنوبية لبيروت (أ.ب)
TT

«ليالي بيروت الصعبة»... كيف تتحدى الأرق الذي يسببه اشتداد القصف ليلاً؟

الدخان يتصاعد جراء غارة جوية إسرائيلية على الضاحية الجنوبية لبيروت (أ.ب)
الدخان يتصاعد جراء غارة جوية إسرائيلية على الضاحية الجنوبية لبيروت (أ.ب)

دخل التصعيد الإسرائيلي في لبنان أسبوعه الرابع، مع امتداد القصف إلى مناطق متعددة في البلاد، من قرى الجنوب إلى البقاع وجبل لبنان، وصولاً إلى بلدات في الشمال أيضاً، حيث إن فكرة «المناطق الآمنة» لم تعد تُقنع الكثير من المواطنين.

ويقبع السكان تحت ضغط نفسي هائل، ليس فقط بسبب توسع نطاق الاستهدافات الإسرائيلية، بل جراء القصف الكثيف الذي تتعرض له بعض الأماكن، خصوصاً ضاحية بيروت الجنوبية، حيث تشتد الغارات عادة في ساعات الليل المتأخرة.

ففي الأسابيع الأخيرة الماضية، عبّر الكثير من رواد وسائل التواصل الاجتماعي عن قلقهم الكبير من القصف الليلي، والإنذارات التي يُصدرها المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي، أفيخاي أدرعي، في أوقات متأخرة من الليل، لسكان المباني لإخلائها، وأحياناً ضمن ساعات الفجر الأولى أيضاً.

ولهذه الأسباب؛ يعاني الكثير من اللبنانيين صعوبة في الدخول بنوم عميق، وسط التفكير المستمر باحتمالية اشتداد القصف، واقترابه منهم.

تصاعد ألسنة اللهب والدخان في منطقة استهدفتها غارة جوية إسرائيلية في الضاحية الجنوبية لبيروت (أ.ف.ب)

«أخاف الموت وأنا نائمة»

تقول الشابة العشرينية لينا جمال، التي تعيش في منطقة الشويفات بالضاحية الجنوبية لبيروت، وتعمل مدرسة، لـ«الشرق الأوسط»: «منذ بداية التصعيد والقصف في ضاحية بيروت الجنوبية، أعيش برعب دائم من الليل، خصوصاً أن القصف يشتد في ساعات ما بعد منتصف الليل».

وتتابع: «لا يمكننا التنبؤ للأسف بالأماكن التي قد تستهدفها إسرائيل؛ ولذلك أخاف أن أنام وألا أكون على اطلاع حال أصدر أدرعي إنذارات بالإخلاء... أخاف من الموت وأنا نائمة».

وتصف جمال «ليلية دامية صعبة»، على حد تعبيرها، عندما قصف الجيش الإسرائيلي أحد شوارع الضاحية الجنوبية بشكل متكرر خلال ساعات الليل، في الأسبوع الثاني ما بعد التصعيد، وتقول: «كنت قد غفوت بعد ليالٍ متعددة من الأرق المستمر، وعند الساعة الثانية ما بعد منتصف الليل، بدأت إسرائيل قصف الضاحية بشكل كثيف، فشعرت من شدة خوفي بأن منزلنا ينهار، مع أن الغارات كانت بعيدة عنّا بضعة كيلومترات».

وتشير إلى أن والدتها أُجبرت على الصراخ في وجهها كي تستيقظ من حالة الذعر والهلع التي تعيشها، وتشرح «أعتقد أنني عشت ما يُسمى نوبة هلع، ومنذ ذلك الحين، لا يمكنني النوم بشكل عميق في الليل... أحاول تعويض النوم في ساعات النهار بعد الانتهاء من عملي».

الدخان يتصاعد جراء حريق سببته غارة إسرائيلية على منطقة الشويفات (إ.ب.أ)

وفي هذا السياق، تشرح الاختصاصية والمعالجة النفسية جين نصر، في حديثها لـ«الشرق الأوسط»، أنه وسط الوضع النفسي الصعب الذي يعيشه اللبنانيون أجمعون، تبقى هنالك خطوات لمحاربة الأرق، ومحاولة السيطرة على أفكارنا قدر الإمكان، وهي:

الحدّ من متابعة الأخبار

تشرح نصر أنه من المهم متابعة ما يجري من حولنا، لكن «الأهم هو وضع حد لذلك، ومحاولة إلهاء أنفسنا عبر القيام بأنشطة أخرى... قد تكون أموراً عادية مثل تحضير وجباتنا المفضلة أو تنظيف المنزل أو ترتيب الأغراض، أو الالتزام بمهام عملنا المهنية والتركيز عليها».

العودة إلى «الروتين»

تقول الاختصاصية النفسية أنه من الضروري تحقيق بعض الروتين، خصوصاً لدى العائلات التي تضم أطفالاً، وتوضح: «من الطرق الأساسية لترتيب أفكارنا هي خلق روتين لاتباعه معاً بصفتنا عائلة... فيجب تنظيم أوقات تناول الوجبات، ووضع جدول يومي لقراءة الكتب واللعب معاً ولو لنصف ساعة، وسماع الموسيقى، وهي كلها أنشطة ترفيهية مهدئة للدماغ، تساعده في العودة للعمل بشكل طبيعي بعد الصدمات».

الاهتمام بالنظام الغذائي

قد لا يربط البعض بين أهمية ما نتناوله من أطعمة خلال النهار، وجودة النوم. لكن، تؤكد نصر على أن الاهتمام بنظامنا الغذائي يعدّ أمراً ضرورياً لمساعدة أنفسنا على النوم بطريقة أفضل خلال الظروف الصعبة الراهنة. وتقول: «يجب الابتعاد قدر الإمكان عن الأطعمة التي تحتوي على السكر، والوجبات المصنعة والسريعة؛ لأنها تساهم في زيادة القلق، وليس العكس».

وتشدد أيضاً الخبيرة على أهمية القيام بحركة جسدية يومية، مثل المشي أو اللعب مع الأطفال أو ممارسة بعض التمارين الرياضية ولو في المنزل؛ بهدف محاربة الغضب والمشاعر السلبية؛ مما يساعد على نوم أفضل خلال الليل.

تعويض النوم... وتقديم الدعم

تشير نصر إلى أهمية تعويض النوم خلال النهار، وتقول: «من المهم بعد الليالي التي يسودها الأرق، أن نأخذ بعض القيلولات خلال النهار؛ للحفاظ على توازن عمل جسمنا وعقلنا».

وتتحدث أيضاً المعالجة النفسية عن أهمية تقديم الدعم للآخرين بعد ليلة من انعدام النوم، وتقول: «من الضروري أن نتحدث بطريقة إيجابية مع أفراد العائلة من حولنا... عند الاستيقاظ في الصباح يمكننا استخدام تعابير مثل (غداً أجمل)، أو (أزمة وستمر)، للتأكيد على أن الوضع الراهن لن يرافقنا طوال حياتنا».

التطلع لتحقيق الأهداف... والتعبير عن الذات

في السياق نفسه، تشرح نصر أهمية التطلع إلى تحقيق أحلامنا عند انتهاء الحرب، وتقول: «من المهم أن نستمر في القيام بالأمور التي تخدم أهدافنا – ولو بخطوات بسيطة نظراً للظروف، والتطلع إلى تحقيق أحلامنا عبر التمسك بها والتفكير بها يومياً».

وتؤكد على أن ذلك يساعد الدماغ في تحقيق بعض الاستقرار والتعافي؛ مما قد يحارب الأرق ليلاً.

وتشدد على أهمية التعبير عن الذات، وتتابع نصر: «عند الإحساس بالخوف، تحدّث عن ذلك، وعبّر بأي طريقة ترغب فيها... إما عبر الكتابة، أو الرقص، أو إجراء محادثة مع صديق، أو حتى البكاء بشدة... فالتعبير عن المشاعر يساعدنا على التعافي من الأحاسيس السلبية بشكل أسرع».

دخان يتصاعد من منطقة استهدفتها غارة إسرائيلية في الضاحية الجنوبية لبيروت (أ.ف.ب)

كيف نساعد الأطفال على تحدي الخوف؟

البالغون ليسوا الوحيدين المتأثرين بأصوات القصف الصاخبة، حيث إن الأطفال أيضاً يعانون الخوف ويشعرون بالأجواء السلبية المحيطة بهم، وفقاً لنصر. لذلك؛ تقدم المعالجة النفسية نصائح يجب اتباعها معهم، لمساعدتهم على النوم بشكل طبيعي خلال الليل:

منعهم من مشاهدة الأخبار

تشرح نصر: «يجب أن نحاول شرح ما يجري للأطفال، لكن بطريقة سطحية، ومن الضروري إبعادهم عن مشاهدة نشرات الأخبار والفيديوهات العنيفة التي تحتوي على مناظر دموية؛ لأنها تعلق في الأذهان، وقد ترافقهم في أحلامهم ليلاً».

روتين ما قبل النوم

توضح الخبيرة النفسية: «يجب على الأهل اتباع روتين ليلي محدد مع الأطفال، مثل تناول العشاء معاً بصفتنا أسرة، والاستماع إلى موسيقى هادئة مباشرة قبل النوم، وتنظيف الأسنان، والاستحمام، والخلود إلى الفراش في وقت محدد، وقراءة قصة أو كتاب معاً».

وتؤكد نصر على أهمية الجلوس مع الطفل في الفراش قليلاً قبل النوم لتحقيق الاستقرار الفكري والحماية العاطفية، وتضيف: «إذا أراد الطفل من الأهل الجلوس إلى جانبه للنوم، يجب تحقيق رغبته في هذه الأوضاع وإعطاؤه كل الدعم النفسي الممكن».

تمارين التنفس

تشرح نصر أنه من الضروري ممارسة تمارين التنفس البطيئة مع الطفل وسط حالات القلق، وتقول: «من المهم تحديد وقت في اليوم للجلوس مع الطفل في مكان هادئ، وتعليمه طرق التنفس بشكل بطيء، حيث نأخذ النفس من الأنف بشكل قوي، ونشعر به يغادر فمنا ببطء... ويساعد ذلك على تفريغ التوتر والتحسين من جودة النوم».


مقالات ذات صلة

كاتس: نعيم قاسم يلعب بنار ستحرق «حزب الله» وكل لبنان

شؤون إقليمية وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس (د.ب.أ)

كاتس: نعيم قاسم يلعب بنار ستحرق «حزب الله» وكل لبنان

أكد وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس الاثنين أن الأمين العام لجماعة «حزب الله» نعيم قاسم «يلعب بالنار» مهدداً بأنها «ستحرق (حزب الله) وكل لبنان».

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
المشرق العربي سيارة محملة بالأمتعة في مدينة صيدا حيث يعود النازحون هرباً من تجدد التصعيد بجنوب لبنان (رويترز)

لبنان بين شبح جولة حرب جديدة وواقع الاشتباك المضبوط

يتسارع التصعيد الإسرائيلي في لبنان متجاوزاً «الخروق» إلى عمليات أوسع تطول الجنوب وتمتد إلى البقاع.

صبحي أمهز (بيروت)
المشرق العربي الرئيس اللبناني جوزيف عون يتوسط رئيس البرلمان نبيه برّي ورئيس الحكومة نواف سلام (أرشيفية - رويترز)

اجتماع «رئاسي» لاعتماد مقاربة موحدة للمفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية

تبقى الأنظار المحلية والدولية مشدودة للقاء الأربعاء في بعبدا بين رؤساء الجمهورية العماد جوزيف عون والمجلس النيابي نبيه برّي والحكومة نواف سلام.

محمد شقير (بيروت)
المشرق العربي الرئيس اللبناني جوزيف عون مستقبلاً وفداً من فعاليات حاصبيا والعرقوب (رئاسة الجمهورية)

عون يواجه «حزب الله»: الخائن من أخذ بلده للحرب تحقيقاً لمصالح خارجية

رسم الرئيس اللبناني جوزيف عون معالم المرحلة السياسية الراهنة، محدداً بوضوح موقع الدولة وخياراتها وموجّهاً رسالة مباشرة إلى «حزب الله».

كارولين عاكوم (بيروت)
خاص علم لبناني يرفرف على خيمة نازحين في مخيم مؤقت وسط وقف مؤقت لإطلاق النار بين لبنان وإسرائيل... في بيروت (رويترز)

خاص اقتصاد لبنان «يتوغّل» في حال عدم اليقين... والتضخم يستعيد زخم الارتفاع

حسم مصرف لبنان المركزي جدليّات التباين الصريح في التقديرات الرقمية لتحديثات حجم الناتج المحلي، ليستقر عند مستوى 33 مليار دولار مطلع العام الحالي.

علي زين الدين (بيروت)

أسرة عبد الحليم حافظ تدعو لتخليد سيرته على غرار مايكل جاكسون

عبد الحليم حافظ (صفحة باسم منزله على فيسبوك)
عبد الحليم حافظ (صفحة باسم منزله على فيسبوك)
TT

أسرة عبد الحليم حافظ تدعو لتخليد سيرته على غرار مايكل جاكسون

عبد الحليم حافظ (صفحة باسم منزله على فيسبوك)
عبد الحليم حافظ (صفحة باسم منزله على فيسبوك)

دعت أسرة الفنان المصري الراحل عبد الحليم حافظ إلى تخليد سيرته في عمل فني، على غرار فيلم «مايكل» الذي يُعرض حالياً في دور السينما، ويتناول سيرة النجم الأميركي مايكل جاكسون، الملقب بـ«ملك البوب»، الذي رحل قبل 17 عاماً بعد أن حظي بشعبية عالمية استمرت لسنوات.

وأبدت أسرة عبد الحليم حافظ، الملقب بـ«العندليب»، إعجابها بتوثيق حياة جاكسون في عمل فني مبهر، إذ نشر حساب يحمل اسم «منزل عبد الحليم حافظ» على موقع «فيسبوك» منشوراً عبّرت من خلاله الأسرة عن رغبتها في إنتاج فيلم عنه، بمواصفات خاصة، على غرار فيلم «مايكل»، مؤكِّدة استعدادها لتقديم الدعم الكامل، بما في ذلك المعلومات والتفاصيل والأسرار الفنية، لضمان تقديم عمل مختلف عما سبق.

الملصق الترويجي لفيلم «مايكل» (إنستغرام)

كما أبدت الأسرة موافقتها على تصوير الفيلم داخل منزل عبد الحليم، ليعكس الواقع بدقة، مشيرة إلى أن حياته الفنية والشخصية ثرية وتستحق أكثر من عمل فني يتناول مختلف مراحلها منذ البدايات وحتى الرحيل.

في السياق نفسه، عبّر الفنان المصري محمود العزازي عن إعجابه بفيلم «مايكل»، مشيراً إلى شعوره بـ«غيرة فنية» بعد مشاهدته، لما يتميز به من إيقاع سريع وسرد جذاب للأحداث، ومؤكداً شغفه بأعمال السيرة الذاتية.

وكشف العزازي عن حلمه القديم بتجسيد شخصية «حليم» بأسلوب حديث وتقنيات متطورة، وهو ما حظي بدعم أسرة عبد الحليم التي اعتبرته الأنسب لتقديم الدور. وأوضح أن هذا الحلم تجدد بعد مشاهدة فيلم «مايكل»، لافتاً إلى تجربته السابقة في تجسيد الشخصية ضمن فيلم «سمير وشهير وبهير»، التي لاقت تفاعلاً إيجابياً.

وتابع العزازي: «حكاية صعود (حليم) وحتى انتهاء مشواره، حدوتة ثرية ومليئة بالأحداث، لأنه جزء من تاريخ مصر الحديث، وتوهجها السياسي والإنساني، وكيف عبر عنها في أعماله، وتأثر الناس بها محلياً ودولياً من خلال موسيقاه، وأغنياته في حياته وبعد رحيله».

وأضاف أن قصة صعود عبد الحليم حتى نهاية مشواره الفني تمثل مادة ثرية، كونه جزءاً من تاريخ مصر الحديث، وما شهده من تحولات سياسية وإنسانية انعكست في أعماله، التي أثرت في الجمهور محلياً وعالمياً.

وأشار إلى أن الأعمال السابقة لم تُبرز جميع جوانب حياة «العندليب»، مؤكداً أن المشروع الجديد يهدف إلى تقديم رؤية مختلفة تعتمد على التقنيات الحديثة وتطور صناعة السينما.

الفنان محمود العزازي في دور «حليم» بأحد الأفلام (صفحته على فيسبوك)

من جانبها، أكدت الناقدة الفنية ماجدة خير الله، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، أن أعمال السيرة الذاتية تتطلب إعداداً دقيقاً والاعتماد على معلومات موثوقة، نظراً لأهميتها في توثيق الشخصيات وتعريف الأجيال بمسيرتها. وأبدت تشككها في جدوى تقديم سيرة عبد الحليم حالياً، معتبرة أن جمهوره على دراية واسعة بأعماله وأرشيفه الفني.

وأوضحت أن فيلم «مايكل» استغرق سنوات من التحضير والتدريب المكثف لاختيار وتجسيد الشخصية بدقة، وهو ما يصعب تحقيقه بالآليات المتبعة في السينما العربية، التي تواجه تحديات تتعلق بانتقادات الجمهور، وعدم تطابق الشكل، والتحفظ في تناول بعض الجوانب الشخصية، مما قد يؤثر على موضوعية العمل.

يُذكر أن عبد الحليم حافظ (1929–1977) بدأ مسيرته في خمسينات القرن الماضي، وقدّم مجموعة كبيرة من الأغنيات العاطفية والوطنية والدينية، من أبرزها «توبة» و«موعود» و«قارئة الفنجان» و«عدى النهار» و«صورة»، إلى جانب أفلام سينمائية بارزة مثل «معبودة الجماهير» و«الوسادة الخالية» و«شارع الحب» و«أبي فوق الشجرة» و«الخطايا».


حين «تغنِّي» أزياء الأوبرا... قصة ستيفن رودويل منذ 1983

ستيفن رودويل يعمل في «أوبرا نورث» منذ عام 1983 (أوبرا نورث)
ستيفن رودويل يعمل في «أوبرا نورث» منذ عام 1983 (أوبرا نورث)
TT

حين «تغنِّي» أزياء الأوبرا... قصة ستيفن رودويل منذ 1983

ستيفن رودويل يعمل في «أوبرا نورث» منذ عام 1983 (أوبرا نورث)
ستيفن رودويل يعمل في «أوبرا نورث» منذ عام 1983 (أوبرا نورث)

بعد مسيرة امتدت أكثر من 4 عقود، يستعد ستيفن رودويل، أحد أبرز الأسماء في تصميم وتنفيذ الأزياء على خشبة المسرح في شمال إنجلترا، لتوديع هذا العالم.

عندما وقَّع رودويل -الذي شغل منصب رئيس قسم الملابس والأزياء في شركة «أوبرا نورث»- عام 1983، عقداً للعمل مدة 6 أشهر مسؤولاً عن الملابس في شركة إنتاج مقرها مدينة ليدز، لم يكن يتوقع أن تكون تلك هي الخطوة الأولى في مسيرة مهنية حافلة بالنجاحات والجوائز استمرت 43 عاماً.

وخلال عمله مع شركة «أوبرا نورث»، أشرف على تنفيذ وتصميم أزياء عدد كبير من الأعمال الفنية، من بينها أعمال كلاسيكية بارزة، مثل: «الأرملة المرحة»، و«قبِّليني يا كيت»، و«توسكا»، و«لا ترافياتا».

ويقول رودويل (64 عاماً): «أستطيع أن أرحل وأنا على يقين بأنني أديت عملي على أكمل وجه، وأشعر برضا تام». وفق ما ذكرت «بي بي سي».

بدأ شغف رودويل بالفنون في سن مبكرة؛ إذ درس الدراما في جامعة مانشستر، قبل أن يلتحق بـ«أوبرا نورث» في وظيفة مؤقتة لتغطية إجازة أبوة، ليتدرج بعدها في المناصب حتى تولَّى رئاسة قسم الأزياء عام 2001.

ويؤكد أنه ظل مرتبطاً بعمله على المستوى الشخصي طوال هذه السنوات، قائلاً: «كل ما أحمله هو ذكريات سعيدة».

ورغم استمرار المسرح في تقديم العروض الحية دون تأثر كبير بالتحولات التكنولوجية، فإن رودويل شهد تطورات ملحوظة في هذا الفن على مدى عقود. وأوضح قائلاً: «مع تطور تقنيات الإضاءة اليوم، بات كل ما نراه على خشبة المسرح أكثر وضوحاً، مما فرض توجهاً نحو تصميم أزياء أكثر دقة، تشبه ما يُعرض في السينما من حيث التفاصيل».

عمل ستيفن على عروض كلاسيكية على المسرح مثل «الأرملة المرِحة» (أوبرا نورث)

وأشار إلى أن بعض الأزياء القديمة لم تعد تتوافق مع معايير الصحة والسلامة الحديثة لعام 2026، نظراً لثقلها الذي قد يعيق حركة المؤدين.

وفي عام 2024، حصد رودويل جائزة رابطة فنيي المسرح البريطانيين في تصميم الأزياء، ليصبح أول من ينال هذا التكريم، تقديراً لدوره في تنفيذ الأزياء، إلى جانب تنسيق عمل الحرفيين، وشراء الأقمشة، والإشراف على القياسات، وتجهيز الأزياء للعرض على المسرح بما يحقق إبهار الجمهور.

من جانبها، أكدت سيان غيلروي، وهي مسؤولة إنتاج بارزة في شركة «أوبرا نورث»: «عندما تشاهد عرضاً، فإنك ترى حصيلة ساعات طويلة من العمل الذي بذله المسؤولون والعمال في تنفيذ الملابس والأزياء».

وقال رودويل، متأملاً مسيرة مهنية امتدت 43 عاماً في خدمة الأوبرا في شمال إنجلترا: «لقد كان مكاناً مميزاً للغاية للعمل، وتجربة استثنائية حقيقية كنت جزءاً منها».


بعد 68 عاماً... فندق «زهرة الشرق» يغادر المشهد العمراني لمدينة الرياض

تم الانتهاء من بنائه وافتتح أبوابه للزوار وكبار الضيوف عام 1958 ميلادياً (أمانة منطقة الرياض)
تم الانتهاء من بنائه وافتتح أبوابه للزوار وكبار الضيوف عام 1958 ميلادياً (أمانة منطقة الرياض)
TT

بعد 68 عاماً... فندق «زهرة الشرق» يغادر المشهد العمراني لمدينة الرياض

تم الانتهاء من بنائه وافتتح أبوابه للزوار وكبار الضيوف عام 1958 ميلادياً (أمانة منطقة الرياض)
تم الانتهاء من بنائه وافتتح أبوابه للزوار وكبار الضيوف عام 1958 ميلادياً (أمانة منطقة الرياض)

بينما تتسارع خطى الرياض نحو مستقبل ومشهد عمراني متطور، يُسدل طريق الملك عبد العزيز ستارة الفصل الأخير على أحد أهم شواهده التاريخية، فندق «زهرة الشرق»، الذي شُيّد في قلب حي الملز عام 1958، بوصفه أولى بوادر العمارة الحداثية، ويستعد الآن للرحيل والإزالة، مخلفاً وراءه قصصاً سكنت شرفاته، وصوراً خلدها المصور كيث ويلر، وذاكرة عصية على الهدم.

ويُعد فندق «زهرة الشرق» من أوائل المباني الحديثة في مدينة الرياض، وصُمّم بشكل يعكس التطور الذي ظهر في مدينة الرياض آنذاك، ومحاولة عكس صور التحديث في شتى المجالات. وأورد إصدار «ذاكرة الرياض» أن الفندق، الذي أُقيم على طريق الملك عبد العزيز، بحي الملز في الرياض، من تصميم المعماري المصري سيد كريم، وتنفيذ مؤسسة محمد بن لادن، وهو من الفنادق التي أنشأتها الدولة في الخمسينات، وتم الانتهاء من بنائه في 1958، بالتزامن مع فندق «اليمامة» وتسلمه محمد بن لادن بوصفه مستخلصاً مالياً، وانتقلت ملكية الفندق إليه، واستمر على هذا الحال حتى تاريخ إزالته.

الفندق كان يمثل وجهاً حضارياً للعاصمة السعودية في عصره وتتوافر فيه مساحات وملاعب وفق القياسات العالمية (أمانة منطقة الرياض)

سبعة عقود من التاريخ

قال الكاتب والباحث منصور العساف إن عمر الفندق قارب على السبعين سنة، مضيفاً: «كانت ملكيته في أول الأمر لعيد بن سالم، وهو أحد الوجهاء والمسؤولين في بلاط الملك سعود، ثم آلت ملكيته إلى رجل الأعمال محمد بن لادن، بالإضافة إلى فندق (اليمامة) وأصبحا ملكاً له، منذ افتتاحهما».

وأضاف العساف: «يُعدّ (زهرة الشرق) من الفنادق الأولى في مدينة الرياض، وسبقه عدد من الفنادق، وسكن في الفندق خلال تاريخه عدد من المسؤولين والكثير من ضيوف المملكة، وكان مقراً لإقامة عدد من منتخبات وأندية كرة القدم المشاركة في مسابقات رياضية متعددة أُقيمت في الرياض».

ووصف العساف الفندق بأنه كان يمثّل وجهاً حضارياً للعاصمة السعودية، وكان يضم مساحات وملاعب على أعلى طراز وحسب القياسات العالمية، بالإضافة إلى صالة للأفراح ‏بقسمَين للرجال والنساء.

وقال العساف: «كانت قاعة أفراح الفندق، زاخرة بالمناسبات الاجتماعية لا سيما للطبقة المخملية في فترة ‏الستينات والسبعينات، وانحسر وهجه في الثمانينات، عندما بدأ بناء الفنادق الجديدة وبدأت الطفرة العمرانية والاقتصادية في المملكة التي بدأت معها حقبة جديدة من إنشاء الفنادق وقاعات المناسبات الكبيرة التي أُقيمت تلبية للاحتياجات والظروف الاجتماعية المعاصرة».

اشتهر المصور كيث ويلر أحد نزلائه بصوره لتوثيق مدينة الرياض وتفاصيل الفندق مطلع الستينات الميلادية (أمانة منطقة الرياض)

وأورد إصدار «ذاكرة الرياض» الذي أصدرته أمانة منطقة الرياض لتوثيق التطور العمراني للعاصمة السعودية، أنه ومع بداية الطفرة في منتصف السبعينات كانت صالة الأفراح في الدور الأرضي للفندق تُحجز مسبقاً بما لا يقل عن شهرَين بسبب كثرة المناسبات التي كانت تُقام في الفندق، وتم تشغيل مرافق الفندق بطاقتها القصوى خلال فترة السبعينات وبداية الثمانينات.

وعن تفاصيل البناء، ورد في إصدار الذاكرة أن المبنى صُمّم مستخدماً مفردات بصرية حداثية غير مألوفة في عمارة الرياض آنذاك، أفقية المبنى متعدد الأدوار، تتقاطع مع رأسية عناصر الحركة العمودية للمبنى، واستخدام لون مختلف لتمييز الكتل البنائية، وكذلك أضاف نوعاً من التفرد لواجهة المبنى، وهناك عنصر آخر يتميز به تصميم المبنى، وهو انسيابية الخطوط في العنصر الرأسي الأبرز في المبنى الذي يحدد مدخل الفندق الرئيسي.

وكانت الفكرة التصميمية للفندق عبارة عن كتلة رئيسية مستطيلة تحتوي على غرف الإقامة للنزلاء، وكانت غرف النزلاء عبارة عن صفين يفصلهما ممر في المنتصف على طول محور هذا المبنى، ومعظم الغرف تحتوي على شرفات خارجية، ويحتوي الفندق على مطعم، وملاعب لكرة القدم والتنس، وقاعات للمناسبات.

تم تشغيل مرافق الفندق بطاقتها القصوى خلال فترة السبعينات وبداية الثمانينات (أمانة منطقة الرياض)

كيث ويلر... ذاكرة مدينة

قال الباحث منصور العساف إن «من بين من سكن في الفندق المصور كيث ويلر الذي صور معظم معالم مدينة الرياض في مطلع الستينات الميلادية، وهو الذي زوّد المكتبة المحلية السعودية بعمل توثيقي مهم لمدينة الرياض وكذلك مدينة الخرج».

واشتهر المصور كيث ويلر بصوره لتوثيق مدينة الرياض، وقد التقط صوراً للفندق في مطلع الستينات الميلادية، وهو أفضل من وثّق الرياض في ستينات القرن الماضي، ولذلك تُعد صوره من أفضل الشواهد والوثائق في كثير من الكتب التي تتحدث عن الرياض في مرحلة الستينات.

وانتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي صور للفندق في أثناء هدمه، وتشاركوا ذكريات ومواقف ربطت أجيالاً من السعوديين وسكان مدينة الرياض وزوارها مع الفندق الذي بقي لنحو 7 عقود واحداً من معالم العاصمة السعودية.

وعلق بعض المشاركين من الباحثين والمهتمين بتراث المدينة على مواقع التواصل الاجتماعي، عن أهمية حفظ معالم وتراث المدينة الماثل في أحيائها، لا سيما في ظل وجود سجل وطني للتراث العمراني يسهم في صون التراث والمحافظة عليه، وضم في قوائمه آلاف المباني ذات الصبغتَين الحضرية والتاريخية.

وأعلنت هيئة التراث مطلع هذا العام تحقيق المستهدف المعتمد للهيئة بالوصول إلى تسجيل 50 ألف أصل تراث عمراني على مستوى السعودية، وهو أحد المستهدفات التي وُضعت ضمن خطتها في بداية عام 2025.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended