قلعة بعلبك صمدت في وجه الغُزاة والهزّات... فماذا عن الغارات؟

مخاوف من الاعتداءات الإسرائيلية على الموقع الأثري اللبناني المصنّف عالمياً

قلعة بعلبك الأثرية في لبنان وعواميد معبد جوبيتر (موقع اليونيسكو)
قلعة بعلبك الأثرية في لبنان وعواميد معبد جوبيتر (موقع اليونيسكو)
TT

قلعة بعلبك صمدت في وجه الغُزاة والهزّات... فماذا عن الغارات؟

قلعة بعلبك الأثرية في لبنان وعواميد معبد جوبيتر (موقع اليونيسكو)
قلعة بعلبك الأثرية في لبنان وعواميد معبد جوبيتر (موقع اليونيسكو)

كلّما اهتزّت مدينة بعلبك تحت وطأة الغارات الإسرائيلية، ارتعدت قلوب اللبنانيين وعشّاق التاريخ خوفاً على قلعةٍ عمرُها من عمر لبنان. منذ الفينيقيين المؤسسين، 5 آلاف سنة تعاقبت خلالها الحضارات كلّها على موقعٍ ازدان بمعابد وهياكل ضخمة، بدأ الرومان بتشييدها في القرن الثاني بعد الميلاد. قرونٌ متعاقبة أبصرت القلعة فيها غزاةً يتناحرون من أجل السطوة عليها، وسيولاً اجتاحتها ولم تستطع إغراقها.

بدأ الرومان بتشييد القلعة في القرن الثاني ميلادي (موقع اليونيسكو)

خمسة زلازل كبيرة ضربت القلعة عبر العقود، وفق ما يخبر المرشد السياحي محمد وهبة «الشرق الأوسط». لكنّ شيئاً لم يتمكّن من زعزعة صمودها. ورغم الحروب المتعاقبة على لبنان، حافظ الموقع على أصالته. إلا أنّ صباح الأحد 6 أكتوبر (تشرين الأول)، استفاق أهل بعلبك على دويّ غارة سقطت على بُعد 700 متر من الموقع التاريخي. وسرعان ما التقطت عدسات الصحافة العالمية سحب الدخان الأسود المتصاعد من خلفها.

«لحسن الحظ، لا أضرار مباشرة في الموقع الأثري»، يؤكد محافظ بعلبك الهرمل بشير خضر في حديث مع «الشرق الأوسط». لكنّ المسؤول يخشى على الحصن التاريخي من «الدخان، بما فيه من مواد ملوّثة، تؤذي الحجارة وقد تتسبّب باسودادها». تُضاف إلى مخاطر التلوّث، الارتجاجات جرّاء الانفجار التي يحذّر خضر من أن تصيب القلعة المعمّرة بتصدّعات.

دخان متصاعد من موقع الغارة الإسرائيلية التي استهدفت جوار قلعة بعلبك (أ.ف.ب.)

ما يُطمئنُ المحافظ قليلاً أنّ «القلعة تحت حراسة مشدّدة من قِبَل الأجهزة الأمنية اللبنانية الرسمية خوفاً من أي سرقة أو سوء استخدام للموقع»، وهو يؤكد أن «لا شيء مثيراً للريبة داخل القلعة». لكن «لا ضمانات مع العدوّ الإسرائيلي، لذلك فإن المطلوب تحرُّكٌ دبلوماسي إلى جانب منظمة اليونيسكو، بهدف الضغط من أجل تحييد المواقع الأثرية في لبنان، لا سيّما أن الإسرائيلي يتصرّف بجنون ويتعمّد محو الهوية والإرث».

محافظ بعلبك الهرمل بشير خضر

يوم أدرجت اليونيسكو موقع بعلبك الأثري على قائمة التراث العالمي عام 1984، ذكرت المنظمة الأممية في إعلانها أن «بعلبك، بهياكلها الجبّارة، هي من أعظم نماذج هندسة الإمبراطورية الرومانية في ذروة حضارتها».

يخبر وهبة، الذي أمضى عقوداً ثلاثة وهو يجول بالسيّاح في أرجاء الموقع التاريخيّ، أن 9 معابد رومانية مطمورة اليوم تحت المدينة الحالية، وأن الأعمدة الـ6 التي يهرع الزوّار اليوم لالتقاط الصور أمامها، كانت في الأساس 54. يرجّح المرشد السياحي أن تكون قد «هُدمت في القرن الرابع لبناء كاتدرائية بحجارتها». ومهما اختلفت النظريّات وتعدّدت، فإنّ الموقع واجه تحدياتٍ لا تُعدّ على مر العصور، لكنه حافظ على لقبه الذي أُطلقه الفينيقيون عليه خلال الألفيّة الثالثة قبل الميلاد، «مدينة الشمس». وعندما جاء الرومان في نهاية القرن الميلادي الثاني ليشيّدوا ما تبقّى اليوم من آثار عملاقة، لم ينزعوا اللقب، بل كرّسوه مع بناء معبد جوبيتر، «إله الشمس».

المرشد السياحي في قلعة بعلبك محمد وهبة

على ضخامتها، اهتزّت الهياكل مراتٍ عدة جرّاء زلازل ضربت المنطقة عبر التاريخ، ومعها اهتزّ معبدا باخوس وفينوس المجاوران لها. أخطرُ تلك الزلازل وقع في القرن الثاني عشر، حيث تهدّمت أجزاء كبيرة من جدران القلعة. كما عادت بعلبك لتنال نصيبها من الزلازل والهزّات الأرضية العنيفة عامَي 1459 و1759.

وما بين الارتجاجات التي صنعتها يد الطبيعة، كانت أيادي البشر تهزّ دعائم القلعة بين قرنٍ وآخر. ففي عام 748، تعرّض معبد جوبيتر للنهب من قِبَل جيش الخليفة الدمشقي مروان الثاني. وما بين القرنين الثامن والعاشر، شكّلت بعلبك جزءاً من ولاية دمشق تحت حُكم الأمويين والعباسيين، قبل أن يحتلّها الفاطميّون القادمون من مصر عام 942. أما في عام 974 ومع دخول البيزنطيين، فتعرّضت أعمدتها الشامخة ومداخلها الرخاميّة المنحوتة للهدم والنهب.

هياكل معبد جوبيتر مضاءة لاستقبال مهرجانات بعلبك الدولية في صيف 2023 (رويترز)

بقيت القلعة صامدة في وجه غزو الصليبيين، والمغول، والعثمانيين، وكان عليها انتظار القرن السادس عشر حتى تبدأ بتنفّس الصعداء، عندما حلّ السيّاح مكان الغزاة فتحوّلت مقصداً لزوّارٍ آتين من أوروبا.

المرشد السياحي محمد وهبة الذي وُلد ونشأ على مسافة 150 متراً من القلعة، يستبعد أن تكون في خطر على قاعدة أنها «بحماية اليونيسكو، وأنّ عيون الحرّاس والموظفين ووزارة الثقافة ساهرة عليها». كما أنّ لدى وهبة قناعة بأنّ «أبرز مقوّمات الصمود وعبور الأزمنة بالنسبة للموقع، هي الأحجام الضخمة للحجارة المكوّنة من الكلس الصلب الذي لا يتفتّت، إضافةً إلى 186 عموداً من الغرانيت».

حجارة الكلس الصلب وأعمدة الغرانيت من الأساسات الصلبة لقلعة بعلبك (موقع وزارة السياحة اللبنانية)

يلفت المحافظ بشير خضر إلى أن المديرية العامة للآثار، ومع بدء الحرب الإسرائيلية على غزة وجنوب لبنان، وضعت الشارة الزرقاء الكبيرة على القلعة، وهي مخوّلة حماية المواقع التراثية المصنّفة عالمياً. يتابع خضر: «لكن وزير الثقافة أمر بإزالتها على اعتبار أن العدو الإسرائيلي لا يحترم أي معاهدات دولية ولا أي قوانين أو مواثيق».

بعد الغارة الأخيرة التي استهدفت موقعاً قريباً من القلعة، تواصل خضر مع وزير الثقافة مطالباً بإعادة الشارة الزرقاء، لكنّ الأخير «اعتبر أن ذلك لا يحمي، إلا أنه أكد أنه على اتصال باليونيسكو من أجل الحصول على ضمانات بحماية الآثار اللبنانية من العدوان الإسرائيلي». بالتوازي ينشط سفير لبنان لدى ألمانيا مصطفى أديب إلى جانب المنظمة العالمية، وهو تَقدّم بطلبٍ عاجل لتأمين الحماية المعززة للمواقع الأثرية اللبنانية المدرجة على لائحة التراث العالمي وتلك غير المدرجة على حدٍ سواء.

في الأثناء، لا يخفي خضر قلقه على القلعة، قائلاً إنها «أهم موقع أثري في لبنان وأيقونة سياحة الآثار». ويوضح أنه لا يخشى على الحجارة بقدر خشيته على التاريخ والإرث والهوية، التي يسعى العدوّ إلى تهديمها.

صورة من داخل موقع بعلبك الأثري بعد الغارة الإسرائيلية المجاورة (المحافظ بشير خضر)

خلال «عدوان تموز» 2006، لم تتعرّض قلعة بعلبك لقصف مباشر لكنّ آثار الغارات المحيطة بها أدّت إلى سقوط بعض الحجارة. كل ما يتمنّاه القيّمون عليها وعشّاقها اليوم أن تنجو هذه المرة كذلك، لتعود إلى ألقِها السابق ومقصداً للسيّاح ولنجوم العالم الذين زيّنوا مهرجاناتها الخالدة.


مقالات ذات صلة

مصر تسترد 13 قطعة أثرية من أميركا تعود لعصور مختلفة

يوميات الشرق القطع المستردة تعود لعصور مختلفة (وزارة السياحة والآثار المصرية)

مصر تسترد 13 قطعة أثرية من أميركا تعود لعصور مختلفة

مصر تسترد 13 قطعة أثرية من الولايات المتحدة الأميركية تنتمي إلى عصور تاريخية مختلفة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
يوميات الشرق السيناريو المتحفي الجديد لقاعة الخبيئة بعد تطويره (وزارة السياحة والآثار المصرية)

عرض خبيئة معبد الأقصر كاملة للمرة الأولى

انتهت وزارة السياحة والآثار المصرية من أعمال تطوير قاعة الخبيئة بمتحف الأقصر، تمهيداً لافتتاحها خلال الفترة القليلة المقبلة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
يوميات الشرق مسؤولون مصريون خلال زيارة المقابر التي سوف يتم فتحها للجمهور قريباً (وزارة السياحة والآثار المصرية)

مصر: فتح مقبرتين للمرة الأولى أمام الزوار بالأقصر

تستعد وزارة السياحة والآثار المصرية لفتح مقبرتي «TT416» و«TT417» الأثريتين للمرة الأولى أمام الزوار خلال الفترة المقبلة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
يوميات الشرق جانب من الموقع الأثري (وزارة السياحة والآثار)

اكتشاف بقايا معبد «بلوزيوس» بسيناء يعيد كتابة تاريخ مدينة قديمة

جدد إعلان وزارة السياحة والآثار المصرية عن اكتشاف بقايا معبد «الإله بلوزيوس» تاريخ مدينة بلوزيوم القديمة في شمال سيناء.

محمد الكفراوي (القاهرة )
ثقافة وفنون 3 ألواح زخرفية من الجص المنحوت مصدرها موقع «قصر الحير الشرقي» في البادية السورية

تقاسيم زخرفية أموية من «قصر الحير الشرقي»

ازدهرت خلال الحقبة الأموية حِرَف الزينة المعمارية، وشكّل نتاجها المبتكر أساساً لجمالية الفن الإسلامي بأقاليمه المتعدّدة على مدى قرون من الزمن.

محمود الزيباوي

مصر: النهاية السعيدة لقصة «إسلام الضائع» تتحول إلى «كابوس»

«إسلام الضائع» أعلن أنه لم يتوصل إلى أسرته (فيسبوك)
«إسلام الضائع» أعلن أنه لم يتوصل إلى أسرته (فيسبوك)
TT

مصر: النهاية السعيدة لقصة «إسلام الضائع» تتحول إلى «كابوس»

«إسلام الضائع» أعلن أنه لم يتوصل إلى أسرته (فيسبوك)
«إسلام الضائع» أعلن أنه لم يتوصل إلى أسرته (فيسبوك)

تحولت قصة الشاب المصري الذي يبحث عن أسرته الحقيقية بعد أن ثبت اختطافه وهو صغير، من النهاية السعيدة التي أعلنها قبل أيام بالعثور على أسرته، وأنه ينتمي إلى عائلة ليبية، إلى «كابوس» على حد وصفه، في فيديو على «تيك توك» أعلن فيه أنه قرأ نتيجة تحاليل «DNA» بطريقة خاطئة، وأنه لا ينتمي إلى العائلة الليبية، موجهاً الاعتذار إليهم وإلى كل مشاهديه ومتابعيه، طالباً منهم نسيان ما يسمى بـ«إسلام الضائع».

وارتبطت قصة الشاب إسلام الذي يبحث عن أسرته بقضية عُرفت باسم «عزيزة بنت إبليس» التي اختطفته رضيعاً من أحد المستشفيات بالإسكندرية لإيهام زوجها بأنه ابنها وأنها قادرة على الإنجاب، وكان إسلام ضحية ضمن ثلاث ضحايا آخرين اختطفتهم عزيزة التي تم الحكم عليها وعلى زوجها بالسجن.

وشاعت القصة واشتهرت بعد تناولها درامياً في مسلسل «حكاية نرجس» من بطولة الفنانة ريهام عبد الغفور، الذي تناول قصة الشاب إسلام، وكان اسمه في العمل الدرامي «يوسف»، وبعد انتهاء العمل الذي لاقى نجاحاً لافتاً بفترة قصيرة، أعلن إسلام أنه تعرف على عائلته، وحظي باهتمام كبير حين نشر صوره مع أسرة ليبية من قبيلة «الحراري» وقال إن له 21 أخاً وأختاً.

ثم عاد وأعلن خطأه في قراءة تحليل الحمض النووي موجهاً الاعتذار إلى متابعيه وإلى قبيلة «الحراري» الليبية التي اعتقد أنه ينتمي إليها.

وبينما أشار مؤسس صفحة «أطفال مفقودة» رامي الجبالي، إلى أن نتيجة تحليل الحمض النووي لإسلام والأسرة الليبية جاءت سلبية، وأن المعمل حاول التواصل معه لكنه لم يرد عليهم، لفتت تعليقات إلى أن إسلام عمد إلى نشر فيديوهات وصور مع من قال إنهم «عائلته الحقيقية» لحصد مكاسب على «تيك توك»، ثم أكد مؤسس صفحة «أطفال مفقودة» في تحديث لمنشوره أنه تواصل معه، وأن إسلام أخبره بأنه قرأ نتيجة التحاليل بالخطأ، متمنياً له التوفيق في إيجاد أسرته. وكتب على صفحته في «فيسبوك»: «الحمد لله يا إسلام أنك عرفت الحقيقة قبل أن يتكرر ما حصل مع العائلة الأخيرة وتكتشف بعد سنين أنهم ليسوا أسرتك».

إسلام الضائع مع الأسرة الليبية (فيسبوك)

الخبير في «السوشيال ميديا» والإعلام الرقمي، محمد فتحي، قال إن قصة «إسلام الضائع» تكشف عن كيف تتحول الحكايات الإنسانية سريعاً إلى «ترند جماهيري»، ثم إلى ساحة للاتهامات والتشكيك؛ فبين تعاطف واسع في البداية، وانقلاب مفاجئ بعد نتيجة تحليل الحمض النووي، ظهر اتهام بأنه يسعى للشهرة وركوب الموجة؛ لكن الواقع أكثر تعقيداً. مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «القصة في أصلها بحث حقيقي عن الهوية، إلا أن تضخيمها إعلامياً أسهم في رفع سقف التوقعات؛ ومع صدمة النتيجة، تحوّل الدعم إلى نقد قاسٍ».

في النهاية، لا يتحمل الفرد وحده المسؤولية، بل يشارك الجمهور والإعلام في صناعة «الترند»، ثم في هدمه بنفس السرعة؛ وهو ما جعل إسلام نفسه يدعو الناس لنسيانه، وفق تصريحات فتحي.

كان إسلام قد أعلن العثور على أسرته بعد رحلة بحث امتدت 43 عاماً، ولفت الانتباه بفيديوهات مواكبة لمسلسل «حكاية نرجس»، وطالب متابعيه على «تيك توك» بزيادة التفاعل والوصول لأرقام معينة، ووعدهم بعرض تفاصيل حكايته كاملة، ثم كشف عن توصله لجذوره الحقيقية وأنها تعود إلى ليبيا، قبل أن يظهر في بث مباشر ويقر بأن ما اكتشفه كان خطأ.

وترى أستاذة علم الاجتماع بجامعة عين شمس، الدكتورة سامية خضر صالح، أن هذه القضية تشير إلى «ارتباك في الهوية والبحث عن الجذور، وهذا أمر إيجابي»، وأضافت لـ«الشرق الأوسط» أن «الهدف من قصة الشاب الضائع هو البحث عن العائلة للشعور بالدفء والسعادة، لكن دون أن يكون في الأمر مخالفة أو خداع لأحد، قد يستغل البعض هذا الموضوع في الحصول على مكاسب بوسائل التواصل الاجتماعي، ما دام لم يعتدِ على أحد فلا مشكلة، خصوصاً أنه لم يؤذِ أحداً ولم يفعل شيئاً ضد الدين أو ضد القيم».


صفحات تعود إلى زمن لبناني واكبت فيه الكتابة قلق مشهد يتبدَّل

الكلمات التي كُتبت يومها كانت تمشي نحو ما سيحدث (رويترز)
الكلمات التي كُتبت يومها كانت تمشي نحو ما سيحدث (رويترز)
TT

صفحات تعود إلى زمن لبناني واكبت فيه الكتابة قلق مشهد يتبدَّل

الكلمات التي كُتبت يومها كانت تمشي نحو ما سيحدث (رويترز)
الكلمات التي كُتبت يومها كانت تمشي نحو ما سيحدث (رويترز)

تعود الباحثة والصحافية الدكتورة بسكال عازار شلالاً إلى إحدى أكثر اللحظات اللبنانية احتداماً، عبر كتابها «دور الصحافة اللبنانية عشية حرب لبنان» الصادر عن «دار سائر المشرق»، فتستعيد مرحلة كان الكلام فيها يسبق الرصاص أحياناً، ويواكبه أحياناً أخرى، بينما كانت البلاد تمضي بخُطى متسارعة نحو الانفجار الكبير. وتكتسب هذه العودة معناها الإضافي في شهر ذكرى اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية تاريخ 13 أبريل (نيسان) 1975، بما يُحرّك تساؤلات الذاكرة، والعِبرة، والخوف من تكرار المآسي.

صفحات لم تكتفِ برصد اللحظة فلامست ما كان يتشكّل في الخفاء (بسكال عازار شلالا)

يستوقف الكتاب قارئه منذ فكرته الأولى. فهو لا يحدّ وظيفة الصحافة بالتدوين اليومي للأحداث، وإنما يضعها في متن التاريخ اللبناني الحديث، ويراها مساحة التقطت تصدّعات المجتمع، وعاينت انقساماته، وواكبت تبدُّل أفكاره، وعكست صراعاته السياسية، والطائفية، والثقافية. فمنذ نشأتها، احتلَّت الصحافة اللبنانية مكانة خاصة في المحيط العربي، فشكَّلت منبراً للأفكار، والآراء، والرسائل العابرة للحدود، ومقصداً للكتّاب، والمفكرين، والسياسيين، ومسرحاً واسعاً لنقاشات كانت تتجاوز لبنان إلى المنطقة.

ولا يبدو اختيار شلالا لموضوعها سهلاً. فالاقتراب من تلك المرحلة يحتاج إلى جهد بحثي شديد الحساسية، لأنّ المادة التي يتناولها الكتاب تقع عند تقاطُع التاريخ، والإعلام، والسياسة، والمجتمع، وتتداخل فيها الوقائع مع الانفعالات، والطرح مع مساراته. وهذا ما يظهر في سعيها إلى مُساءلة دور الصحافة عشية الحرب، بعيداً عن الأحكام السريعة، والاتّهام المُعلَّب الذي يضع الإعلام وحده في قفص المسؤولية، كأنّ الخراب وُلد من عنوان عريض، أو افتتاحية نارية فقط.

بين السطور... بلدٌ كتب قلقه قبل أن يشهد عليه (أ.ف.ب)

يستحضر الكتاب الخلفية التي راكمت الشروخ اللبنانية على امتداد عقود. فقيام «لبنان الكبير» لم يأتِ على أرض مُتجانسة الرؤية إلى الكيان، والهوية، إذ نشأ خلاف عميق بين تصوّرين للوطن، أحدهما رأى في الكيان تتويجاً لتجربة تاريخية، والآخر نظر إليه على أنه خسارة سياسية، وانفصال عن امتداد عربي أوسع. ثم جاء «الميثاق الوطني» ليُجمِّد هذا التناقض من دون أن يقضي عليه، قبل أن تعود التصدّعات إلى الظهور مع التحوّلات الإقليمية، وصعود الناصرية، وأزمة 1958، ثم مع تعاظُم مسألة المشاركة في الحكم، وتبدُّل موازين القوى، ودخول العامل الفلسطيني المُسلَّح إلى المشهد اللبناني.

على هوامش الجرائد... كان القلق يُصاغُ عناوينَ قبل أن يصير واقعاً (أ.ف.ب)

يسرد الكتاب هذه الخلفيات، ويربطها بكيفية تصرُّف الصحافة اللبنانية وسط المناخ المشحون. وعبر شهادات سياسيين، وإعلاميين، وقارئين لتاريخ لبنان، يُجيب على أسئلة من بينها اثنان محوريان: هل حفظت الصحافة مسافةً من النار؟ أم اقتربت منها أكثر ممّا ينبغي؟ وهل كانت صفحات الجرائد مرآة لأزمة تتكوَّن في الشارع؟ أم تحوّلت في بعض اللحظات إلى شريك في رفع الحرارة العامة؟ ذلك يتيح تقدُّم أهمية العمل، لأنه لا يقرأ الصحافة من موقع التمجيد، ولا من موقع الإدانة المُسبقة. يقرأها من موقع الفحص المُتروّي لِما كتبته، وكيف؟ وفي أيّ سياق؟

وتزداد هذه المقاربة أهمية حين نستعيد صورة تلك المرحلة كما يرسمها الكتاب، عبر مشهديات التعبئة السياسية الشعبية الواسعة، والتعبئة الإعلامية، والآيديولوجية في موازاتها، وسط خطاب تصادمي مُتشنّج، ومنشورات حزبية موجَّهة، وتصاعُد في نفوذ الأحزاب الراديكالية، والمنظّمات الفلسطينية على المستويات الإعلامية، والسياسية، والعسكرية. أمام هذا المناخ، راحت اللغة تفقد توازنها شيئاً فشيئاً، وصار التخاطُب العام أكثر قسوة، وحدّةً، فيما كانت الدولة تتراجع، والجيش يُحاصَر بالشكوك، والانقسامات، ويعجز عن الإمساك بالشارع قبل أن ينفلت نهائياً.

صفحات تُمسك بلحظة كان فيها الكلام أقرب إلى ما سيأتي (أ.ب)

لهذا يبدو الكتاب أكثر من دراسة عن الصحافة. إنه قراءة في اللحظة التي يمكن أن يتحوّل فيها الكلام إلى أداة اصطفاف حادّ، وتفقد المفردات دورها في الشرح، والتقريب، لتصبح جزءاً من التعبئة النفسية، والمعنوية. وهذه مسألة تمسّ اللبنانيين اليوم أيضاً، بعدما عرف بلدهم حروباً متتالية، وخرج من جراح ليدخل في أخرى، وعاد في السنوات الأخيرة إلى اختبار القلق نفسه، وإنْ تبدّلت الوجوه، والعناوين، والساحات. من هنا يلامس الكتاب حساسيةً راهنة، لأنه يؤكّد أنّ المجتمعات المُتعَبة لا تنفجر من فراغ، وإنما تصل إلى حافة الهاوية عبر تراكُم طويل من الانقسامات، والخطابات المشحونة، والعجز عن إنتاج مساحة مشتركة.

اختارت شلالا أن تبني بحثها على رصد يومي يمتد سنةً كاملة، من 13 أبريل 1974 إلى 13 أبريل 1975، مُتتبعةً افتتاحيات، ومانشيتات 5 صحف هي: «النهار»، و«العمل»، و«النداء»، و«المحرّر»، و«السفير». وهذه المنهجية تمنح الكتاب ثقله الفعلي، لأنها تنقل النقاش من العموميات إلى المتابعة الدقيقة، وتتيح مقاربة الخطاب الصحافي كما تشكَّل يوماً بعد يوم على إيقاع الأحداث المُتلاحقة، لا كما يُدوَّن لاحقاً تحت ضغط الذاكرة، أو الانطباع الشخصي.


باي باي ناتالي باي

باي باي ناتالي باي
TT

باي باي ناتالي باي

باي باي ناتالي باي

لم تكن الأبهى جمالاً ولا الأعمق موهبة. لكن ناتالي باي، الممثلة التي أودى بها المرض أمس كانت النجمة الفرنسية الأكثر ألفة. وكان الرئيس ماكرون مصيباً حين قال في رثائها: «كبرنا معها وأحببناها».

ليس سهلاً أن تنال شابة عادية الملامح شهرة تفوق بها ممثلات من خامة كاترين دينوف وآنوك إيميه وإيزابيل أوبير وكارول بوكيه وفاني آردان. بدأت رحلتها بعد التخرج من الكونسرفتوار ولفتت انتباه المخرج فرانسوا تروفو الذي قدمها في فيلم «الليلة الأميركية»، ومن بعده اختطفها جان لوك غودار وكلود شابرول ووصلت إلى ستيفن سبيلبيرغ في فيلم «امسكني إن استطعت» أمام النجمين الأميركيين توم هانكس وليوناردو دي كابريو.

دوراً بعد دور حفرت ناتالي باي موقعها على الشاشة. إنها الممثلة الصالحة لكل الأدوار والحاصلة على 4 جوائز «سيزار» للسينما الفرنسية. وبقدر ما كانت متأنية في مسيرتها السينمائية فإنها تهورت عاطفياً يوم ارتبطت بالمغني جوني هاليداي. كان النجم المتقلب قليل الظهور في السينما وقد شاركها بطولة فيلم «التحري السري» للمخرج ووقعت في شباكه ورزقت منه بابنتها الوحيدة لورا. وفيما بعد احترفت ابنتها التمثيل أيضاً، وظهرت على الشاشة مع والدتها. وبعد انتهاء علاقتها مع هاليداي لم تعرف لها قصص حب تذكر سوى صداقة حميمة مع الممثل فيليب ليوتار.

نشأت ناتالي باي في جنوب فرنسا لوالدين رسامين فقيرين، وتركت المدرسة في سن 14 لتدخل معهداً للرقصات في موناكو. وقبل بلوغها سن الرشد طارت إلى الولايات المتحدة على أمل أن تصبح راقصة محترفة. لكنها كانت خجولاً وعادت إلى فرنسا لتلتحق بدورات «سيمون» للتمثيل ثم تحصل على قبول في كونسرفتوار باريس. وفي عام 1972 تخرجت لتنطلق في التمثيل وتؤسس لنفسها اسماً مميزاً ونمطاً يتسم بالهدوء. كانت نموذج الطيبة حتى وهي تؤدي دور فتاة الليل.

عانت باي من الصرع في طفولتها. ولازمها بعد بلوغها مرضاً عصبياً يشبه مزيجاً من الباركنسون والزهايمر. وهو الذي أودى بها عن 77 عاماً.