قلعة بعلبك صمدت في وجه الغُزاة والهزّات... فماذا عن الغارات؟

مخاوف من الاعتداءات الإسرائيلية على الموقع الأثري اللبناني المصنّف عالمياً

قلعة بعلبك الأثرية في لبنان وعواميد معبد جوبيتر (موقع اليونيسكو)
قلعة بعلبك الأثرية في لبنان وعواميد معبد جوبيتر (موقع اليونيسكو)
TT

قلعة بعلبك صمدت في وجه الغُزاة والهزّات... فماذا عن الغارات؟

قلعة بعلبك الأثرية في لبنان وعواميد معبد جوبيتر (موقع اليونيسكو)
قلعة بعلبك الأثرية في لبنان وعواميد معبد جوبيتر (موقع اليونيسكو)

كلّما اهتزّت مدينة بعلبك تحت وطأة الغارات الإسرائيلية، ارتعدت قلوب اللبنانيين وعشّاق التاريخ خوفاً على قلعةٍ عمرُها من عمر لبنان. منذ الفينيقيين المؤسسين، 5 آلاف سنة تعاقبت خلالها الحضارات كلّها على موقعٍ ازدان بمعابد وهياكل ضخمة، بدأ الرومان بتشييدها في القرن الثاني بعد الميلاد. قرونٌ متعاقبة أبصرت القلعة فيها غزاةً يتناحرون من أجل السطوة عليها، وسيولاً اجتاحتها ولم تستطع إغراقها.

بدأ الرومان بتشييد القلعة في القرن الثاني ميلادي (موقع اليونيسكو)

خمسة زلازل كبيرة ضربت القلعة عبر العقود، وفق ما يخبر المرشد السياحي محمد وهبة «الشرق الأوسط». لكنّ شيئاً لم يتمكّن من زعزعة صمودها. ورغم الحروب المتعاقبة على لبنان، حافظ الموقع على أصالته. إلا أنّ صباح الأحد 6 أكتوبر (تشرين الأول)، استفاق أهل بعلبك على دويّ غارة سقطت على بُعد 700 متر من الموقع التاريخي. وسرعان ما التقطت عدسات الصحافة العالمية سحب الدخان الأسود المتصاعد من خلفها.

«لحسن الحظ، لا أضرار مباشرة في الموقع الأثري»، يؤكد محافظ بعلبك الهرمل بشير خضر في حديث مع «الشرق الأوسط». لكنّ المسؤول يخشى على الحصن التاريخي من «الدخان، بما فيه من مواد ملوّثة، تؤذي الحجارة وقد تتسبّب باسودادها». تُضاف إلى مخاطر التلوّث، الارتجاجات جرّاء الانفجار التي يحذّر خضر من أن تصيب القلعة المعمّرة بتصدّعات.

دخان متصاعد من موقع الغارة الإسرائيلية التي استهدفت جوار قلعة بعلبك (أ.ف.ب.)

ما يُطمئنُ المحافظ قليلاً أنّ «القلعة تحت حراسة مشدّدة من قِبَل الأجهزة الأمنية اللبنانية الرسمية خوفاً من أي سرقة أو سوء استخدام للموقع»، وهو يؤكد أن «لا شيء مثيراً للريبة داخل القلعة». لكن «لا ضمانات مع العدوّ الإسرائيلي، لذلك فإن المطلوب تحرُّكٌ دبلوماسي إلى جانب منظمة اليونيسكو، بهدف الضغط من أجل تحييد المواقع الأثرية في لبنان، لا سيّما أن الإسرائيلي يتصرّف بجنون ويتعمّد محو الهوية والإرث».

محافظ بعلبك الهرمل بشير خضر

يوم أدرجت اليونيسكو موقع بعلبك الأثري على قائمة التراث العالمي عام 1984، ذكرت المنظمة الأممية في إعلانها أن «بعلبك، بهياكلها الجبّارة، هي من أعظم نماذج هندسة الإمبراطورية الرومانية في ذروة حضارتها».

يخبر وهبة، الذي أمضى عقوداً ثلاثة وهو يجول بالسيّاح في أرجاء الموقع التاريخيّ، أن 9 معابد رومانية مطمورة اليوم تحت المدينة الحالية، وأن الأعمدة الـ6 التي يهرع الزوّار اليوم لالتقاط الصور أمامها، كانت في الأساس 54. يرجّح المرشد السياحي أن تكون قد «هُدمت في القرن الرابع لبناء كاتدرائية بحجارتها». ومهما اختلفت النظريّات وتعدّدت، فإنّ الموقع واجه تحدياتٍ لا تُعدّ على مر العصور، لكنه حافظ على لقبه الذي أُطلقه الفينيقيون عليه خلال الألفيّة الثالثة قبل الميلاد، «مدينة الشمس». وعندما جاء الرومان في نهاية القرن الميلادي الثاني ليشيّدوا ما تبقّى اليوم من آثار عملاقة، لم ينزعوا اللقب، بل كرّسوه مع بناء معبد جوبيتر، «إله الشمس».

المرشد السياحي في قلعة بعلبك محمد وهبة

على ضخامتها، اهتزّت الهياكل مراتٍ عدة جرّاء زلازل ضربت المنطقة عبر التاريخ، ومعها اهتزّ معبدا باخوس وفينوس المجاوران لها. أخطرُ تلك الزلازل وقع في القرن الثاني عشر، حيث تهدّمت أجزاء كبيرة من جدران القلعة. كما عادت بعلبك لتنال نصيبها من الزلازل والهزّات الأرضية العنيفة عامَي 1459 و1759.

وما بين الارتجاجات التي صنعتها يد الطبيعة، كانت أيادي البشر تهزّ دعائم القلعة بين قرنٍ وآخر. ففي عام 748، تعرّض معبد جوبيتر للنهب من قِبَل جيش الخليفة الدمشقي مروان الثاني. وما بين القرنين الثامن والعاشر، شكّلت بعلبك جزءاً من ولاية دمشق تحت حُكم الأمويين والعباسيين، قبل أن يحتلّها الفاطميّون القادمون من مصر عام 942. أما في عام 974 ومع دخول البيزنطيين، فتعرّضت أعمدتها الشامخة ومداخلها الرخاميّة المنحوتة للهدم والنهب.

هياكل معبد جوبيتر مضاءة لاستقبال مهرجانات بعلبك الدولية في صيف 2023 (رويترز)

بقيت القلعة صامدة في وجه غزو الصليبيين، والمغول، والعثمانيين، وكان عليها انتظار القرن السادس عشر حتى تبدأ بتنفّس الصعداء، عندما حلّ السيّاح مكان الغزاة فتحوّلت مقصداً لزوّارٍ آتين من أوروبا.

المرشد السياحي محمد وهبة الذي وُلد ونشأ على مسافة 150 متراً من القلعة، يستبعد أن تكون في خطر على قاعدة أنها «بحماية اليونيسكو، وأنّ عيون الحرّاس والموظفين ووزارة الثقافة ساهرة عليها». كما أنّ لدى وهبة قناعة بأنّ «أبرز مقوّمات الصمود وعبور الأزمنة بالنسبة للموقع، هي الأحجام الضخمة للحجارة المكوّنة من الكلس الصلب الذي لا يتفتّت، إضافةً إلى 186 عموداً من الغرانيت».

حجارة الكلس الصلب وأعمدة الغرانيت من الأساسات الصلبة لقلعة بعلبك (موقع وزارة السياحة اللبنانية)

يلفت المحافظ بشير خضر إلى أن المديرية العامة للآثار، ومع بدء الحرب الإسرائيلية على غزة وجنوب لبنان، وضعت الشارة الزرقاء الكبيرة على القلعة، وهي مخوّلة حماية المواقع التراثية المصنّفة عالمياً. يتابع خضر: «لكن وزير الثقافة أمر بإزالتها على اعتبار أن العدو الإسرائيلي لا يحترم أي معاهدات دولية ولا أي قوانين أو مواثيق».

بعد الغارة الأخيرة التي استهدفت موقعاً قريباً من القلعة، تواصل خضر مع وزير الثقافة مطالباً بإعادة الشارة الزرقاء، لكنّ الأخير «اعتبر أن ذلك لا يحمي، إلا أنه أكد أنه على اتصال باليونيسكو من أجل الحصول على ضمانات بحماية الآثار اللبنانية من العدوان الإسرائيلي». بالتوازي ينشط سفير لبنان لدى ألمانيا مصطفى أديب إلى جانب المنظمة العالمية، وهو تَقدّم بطلبٍ عاجل لتأمين الحماية المعززة للمواقع الأثرية اللبنانية المدرجة على لائحة التراث العالمي وتلك غير المدرجة على حدٍ سواء.

في الأثناء، لا يخفي خضر قلقه على القلعة، قائلاً إنها «أهم موقع أثري في لبنان وأيقونة سياحة الآثار». ويوضح أنه لا يخشى على الحجارة بقدر خشيته على التاريخ والإرث والهوية، التي يسعى العدوّ إلى تهديمها.

صورة من داخل موقع بعلبك الأثري بعد الغارة الإسرائيلية المجاورة (المحافظ بشير خضر)

خلال «عدوان تموز» 2006، لم تتعرّض قلعة بعلبك لقصف مباشر لكنّ آثار الغارات المحيطة بها أدّت إلى سقوط بعض الحجارة. كل ما يتمنّاه القيّمون عليها وعشّاقها اليوم أن تنجو هذه المرة كذلك، لتعود إلى ألقِها السابق ومقصداً للسيّاح ولنجوم العالم الذين زيّنوا مهرجاناتها الخالدة.


مقالات ذات صلة

مدفن ابن حجر العسقلاني في مصر يظهر بحلة جديدة بعد ترميمه

يوميات الشرق ترميم مدفن ابن حجر العسقلاني (صفحة الباحث إبراهيم طايع على «فيسبوك»)

مدفن ابن حجر العسقلاني في مصر يظهر بحلة جديدة بعد ترميمه

بعد سنوات من الإهمال أوصلته لحالة من التدهور كادت تؤدي إلى ضياعه وتهدمه تماماً عاد مدفن الإمام ابن حجر العسقلاني للظهور بحلة تليق به بعد ترميمه.

حمدي عابدين (القاهرة )
يوميات الشرق وصف البروفسور هاكان أونيز حطام السفينة بأنه «كبسولة زمنية في قاع البحر» (صورة نشرها هاكان أونيز على إنستغرام)

«كبسولة زمنية في قاع البحر»... اكتشاف أقدم حطام سفينة بالعالم قبالة سواحل تركيا

اكتشف علماء آثار حطام سفينة قبالة سواحل تركيا يرجع تاريخها إلى ما بين 4400 و4700 عام أي للعصر البرونزي المبكر

«الشرق الأوسط» (أنقرة)
يوميات الشرق نقوش وكتابات هيروغليفية بالموقع (وزارة السياحة والآثار)

كشف أثري فريد يسلط الضوء على عواصم مصر التاريخية بالدلتا

أعاد كشف أثري فريد من نوعه بدلتا مصر تسليط الضوء على عواصم تاريخية قديمة.

محمد الكفراوي (القاهرة)
يوميات الشرق جانب من الاكتشاف الأثري في قرية بهبيت الحجارة بمحافظة الغربية (الصفحة الرسمية لوزارة السياحة والآثار المصرية)

بلاغ مواطن يقود إلى كشف أثري بارز في مصر

قاد إبلاغ مواطن مصري عن كتلة حجرية تحمل نقوشاً عُثر عليها في قطعة أرض يمتلكها أمام منزله بقرية بهبيت الحجارة بمحافظة الغربية، إلى كشف أثري ضخم.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
يوميات الشرق القطع الأثرية تعود في معظمها إلى القرنين السادس والخامس قبل الميلاد (إ.ب.أ)

في سابقة تاريخية... إسرائيل تعيد إلى اليونان 22 قطعة أثرية

أعادت إسرائيل، الثلاثاء، إلى اليونان 22 قطعة أثرية أُخرجت من البلاد «بشكل غير قانوني» وتعود في معظمها إلى القرنين السادس والخامس قبل الميلاد.

«الشرق الأوسط» (أثينا)

الغموض يحيط بمدفن الأديبة مي زيادة في القاهرة

مي زيادة الأديبة الفلسطينية اللبنانية (أرشيفية)
مي زيادة الأديبة الفلسطينية اللبنانية (أرشيفية)
TT

الغموض يحيط بمدفن الأديبة مي زيادة في القاهرة

مي زيادة الأديبة الفلسطينية اللبنانية (أرشيفية)
مي زيادة الأديبة الفلسطينية اللبنانية (أرشيفية)

حالة من الغموض تحيط بمدفن الأديبة اللبنانية من أصل فلسطيني مي زيادة «1886-1941» بعد إعلان باحث مصري في شؤون المقابر والجبانات عن اختفائه من موقعه في مدافن الطائفة المارونية.

وكان الباحث في شؤون الجبانات والمقابر إبراهيم طايع أعلن عن اختفاء المقبرة، مشيراً على صفحته بـ«فيسبوك» إلى أنه كان في زيارة هناك، ولم يجد لها أثراً، وقال طايع: «المعروف أن مي زيادة توفيت في القاهرة، وخرجت جنازتها من مستشفى المعادي في 17 أكتوبر (تشرين الأول) سنة 1941م ودفنت في مقابر الطائفة المارونية»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أنه «زار القبر أكثر من مرة، وقام بتصويره، وهو مدفن بسيط مرتفع عن الأرض، وموضوع عليه رخامة مكتوب عليها: الأديبة مي زيادة... نابغة الشرق، وعليه تاريخ وفاتها».

ويضيف طايع: «في الأيام الماضية حين دخلنا المقابر الخاصة بالطائفة المارونية، لم نجد أثراً لقبر مي ولا توجد رخامة، وكان مكانها رخامة بديلة دون كتابات أدت إلى تغيير شكل القبر تماماً، اختفى القبر كأن المكان لم يكن فيه مدفن من قبل».

وتساءل طايع أين اختفى قبر مي زيادة ومن فعل هذا؟ وما مصير رفاتها؟ وتابع: «حين توجهنا بهذه الأسئلة لبعض المسؤولين عن مقابر الجاليات أخبرونا أن بعض المدافن، عندما تمر عليها سنوات طويلة دون أن يسأل أحد عنها، تتم إزالتها وإعادة استخدام المكان لدفن موتى آخرين، لكن هل ينطبق هذا على مي زيادة، صاحبة الصالون الأدبي الشهير، التي اجتمع حولها كبار أدباء ومثقفي عصرها، وقال عنها أحمد شوقي: (إذا نطقت صبا عقلي إليها، وإن بسمت إليَّ صبا جناني)، ووصفها الشيخ مصطفى عبد الرازق بأنها: رائدة النهضة النسوية في الشرق».

شاهد قبر قديم لمي زيادة (الباحث إبراهيم طايع)

من جهته، قال ميشيل حنا الأديب والباحث في عمارة القاهرة، «إن قبر مي زيادة كان موجودا في خانة في الحائط، وإنه زارها منذ عامين، كان القبر هناك، لكن هذا المدفن لم يكن أول مكان دفنت به، كان هناك مدفن آخر لها، لكن رفاتها نقل إلى مكانها الذي رأيت المقبرة به آخر مرة»، ويضيف لـ«الشرق الأوسط»: «هي عادة يلجأ لها المسؤول عن المقابر عندما يجد مكاناً ليس له صاحب ولا يسأل عنه أحد فيقوم بنقل الرفات لإعادة وضع متوفى جديد».

كان لمي في الأصل مدفن خاص بها، حسب قول ميشيل حنا، لكنها نقلت بعد ذلك لمربع في الجدار، وتساءل: «لا أعرف كيف يحدث هذا مع شخصية مثل مي؟ فهي أديبة، وكاتبة، ومترجمة، وشاعرة مهمة، وتُعد واحدة من أبرز رائدات النهضة الأدبية والعمل النسوي في العالم العربي خلال النصف الأول من القرن العشرين».

مي مع والدتها في الناصرة (من الباحث إبراهيم طايع)

من جانبه، قال الأب نبيل رفُّول مسؤول الطائفة المارونية بالقاهرة لـ«الشرق الأوسط» إنهم لا يعلمون شيئاً عن اختفاء مدفن مي زيادة «فقد كان موجوداً بالفعل»، ويضيف رفُّول أن «هناك قضية مقامة ضد حارس المدافن بعد أن اكتشفنا أنه يتم العبث بها، فهو يدعي أنه ورثها عن جده»، ويضيف رفُّول أن «الطائفة المارونية في انتظار كلمة القضاء في هذا الشأن».

ولدت مي زيادة في مدينة الناصرة بفلسطين لأب لبناني وأم فلسطينية، وانتقلت لاحقاً مع عائلتها إلى مصر واستقرت في القاهرة حيث درست في جامعة القاهرة، واشتهرت بثقافتها الواسعة وإتقانها لعدة لغات أجنبية، وأنشأت صالونها الأدبي الأسبوعي الشهير في القاهرة، الذي كان ملتقى لكبار أدباء ومفكري العصر، مثل أحمد لطفي السيد، وخليل مطران، وعباس محمود العقاد، وطه حسين، ومصطفى صادق الرافعي.


السلاحف البحرية ترصد آثار الاحترار في المتوسط

سلحفاة بحرية صغيرة تزحف نحو البحر على شاطئ إيزتوزو ​​في تركيا (رويترز)
سلحفاة بحرية صغيرة تزحف نحو البحر على شاطئ إيزتوزو ​​في تركيا (رويترز)
TT

السلاحف البحرية ترصد آثار الاحترار في المتوسط

سلحفاة بحرية صغيرة تزحف نحو البحر على شاطئ إيزتوزو ​​في تركيا (رويترز)
سلحفاة بحرية صغيرة تزحف نحو البحر على شاطئ إيزتوزو ​​في تركيا (رويترز)

في كل صيف، تتكرر على شواطئ البحر المتوسط معجزة طبيعية عمرها ملايين السنين، حين تشق صغار السلاحف البحرية طريقها من الأعشاش الرملية إلى البحر. لكن هذا المشهد الآسر بات يحمل مؤشرات مقلقة لعلماء البيئة؛ إذ تكشف السلاحف ضخمة الرأس عن التأثير المتنامي لتغير المناخ على النظم البحرية، مع ارتفاع درجات الحرارة الذي يخلّ بالتوازن الطبيعي بين الذكور والإناث ويهدد مستقبل أحد أبرز الكائنات المهاجرة في المتوسط.

على شاطئ إيزتوزو التركي، أحد أهم مواقع تعشيش السلاحف البحرية في البحر المتوسط، تشق نحو 30 ألف سلحفاة صغيرة طريقها إلى البحر كل موسم بعد خروجها من مئات الأعشاش المنتشرة على امتداد الساحل. ورافقت «رويترز» عالم الأحياء البحرية يعقوب كاسكا وفريقه من المتطوعين خلال جولاتهم الليلية لمراقبة الأعشاش وحماية البيوض المدفونة في الرمال. وتنتشر فوق الأعشاش أقفاص هرمية الشكل تحول دون وصول الثعالب إليها، في حين يتحول الشاطئ، الذي يعج بالسياح نهاراً، إلى ملاذ هادئ لحماية السلاحف ليلاً.

صغار السلاحف البحرية تزحف نحو البحر على شاطئ إيزتوزو الواقع على ساحل البحر الأبيض المتوسط ​​في مقاطعة موغلا بتركيا (رويترز)

تميمة «كوب 31»

وأصبحت السلحفاة ضخمة الرأس، التي تحفر أعشاش بيوضها على شواطئ البحر المتوسط، التميمة الرسمية لمؤتمر الأطراف (كوب 31) للمناخ الذي تستضيفه تركيا الشهر المقبل. وستكون حماية البيئة البحرية من المحاور الرئيسية للقمة التي ستنعقد على ساحل أنطاليا.

ويقول باحثون إن تلك السلحفاة توضح كيفية تأثير تغير المناخ على النظم البيئية بمنطقة البحر المتوسط، التي تشهد اتجاهاً طويل الأمد نحو ارتفاع درجات الحرارة منذ أوائل ثمانينيات القرن الماضي.

درجات حرارة أعلى

أظهر تحليل أجرته «رويترز» أن المياه الأوروبية سجلت أعلى درجات حرارة صيفية على الإطلاق، مع تداعيات خطيرة على بعض المجتمعات الساحلية.

ويقول باحثون إن تغير المناخ يؤدي أيضاً إلى ارتفاع تدريجي في درجات حرارة الشواطئ في أنحاء البحر المتوسط ‌وهي الشواطئ التي ‌تضع فيها السلاحف بيوضها.

ويتحدد جنس صغار السلاحف وفقاً لدرجة حرارة العش؛ إذ تؤدي الرمال الأكثر ​دفئاً ‌إلى ⁠إنتاج أعداد ​أكبر ⁠من الإناث.

وقالت آيفر شيرين، المحاضرة في علم البيئة بجامعة أسكودار والتي أجرت أبحاثاً موسعة على السلاحف ضخمة الرأس: «تقدم لنا السلاحف البحرية نظام إنذار مبكراً وسريعاً للغاية». وأضافت أن تلك الكائنات تظهر عليها آثار التغيرات البيئية التي تؤثر في النظم الساحلية والبحرية لأنها من الأنواع التي تعتمد على اليابسة والبحر معاً.

وفي دراسة دكتوراه استمرت خمس سنوات في جامعة باموكالي، خلصت شيرين إلى أن ارتفاع درجات الحرارة يرتبط بتبكير مواعيد وضع البيوض وتقليص فترات الحضانة لها في الأعشاش وزيادة نسبة الإناث.

يراقب عالم الأحياء البحرية المتخصص في السلاحف البحرية يعقوب كاسكا وأحد المتطوعين سلحفاة صغيرة وهي تزحف نحو البحر على شاطئ إيزتوزو (رويترز)

وقدرت الدراسة التي أجريت على شاطئ باتارا أن نحو 70 في المائة في المتوسط من صغار السلاحف ضخمة الرأس عند الفقس من الإناث، وخلصت إلى أن تعديل السلوكيات وحده قد لا يكون كافياً للتخفيف ⁠من آثار تغير المناخ.

وقال كاسكا إن درجات حرارة الأعشاش في إيزتوزو ارتفعت بنحو درجة مئوية ‌واحدة خلال العشرين عاماً الماضية، مضيفاً أن تحليلات أوسع أشارت إلى أن الإناث ‌تمثل ما بين 80 و90 في المائة من صغار السلاحف في العديد من التجمعات.

ويقول ​العلماء إن استمرار ارتفاع درجات الحرارة قد يؤدي في نهاية المطاف ‌إلى انخفاض أعداد الذكور إلى حد لا يكفي لضمان نجاح التكاثر.

وأضافت شيرين أن درجات حرارة الأعشاش التي تتجاوز 30 ‌درجة مئوية تزيد أيضاً من خطر نفوق الأجنة. ووفقاً لفريق الخبراء المختص بالسلاحف البحرية، تصنف السلاحف ضخمة الرأس على أنها معرضة لخطر الانقراض على مستوى العالم.

أما في البحر المتوسط فتدرج ضمن فئة يقل القلق عليها، وهو ما يعكس نجاح جهود الحفاظ على الأنواع، لكن العلماء يقولون إن تغير المناخ يفرض ضغوطاً جديدة.

تعاون بين الدول

قال كاسكا إن نمط الهجرة الذي تتبعه السلاحف يبرز الحاجة إلى تعاون عابر للحدود خلال مؤتمر «كوب 31».

وتابع قائلاً: «قد ‌تضع بيوضها في تركيا، لكنها تتغذى في تونس أو في البحر الأدرياتيكي وغيرها من المناطق»، ودعا الدول إلى التعاون لحماية التنوع البيولوجي في البحر المتوسط.

وأشار كاسكا إلى أن إناث السلاحف ضخمة الرأس تعود عادة بعد عقود إلى الشواطئ التي فقست فيها لوضع البيوض، لكن التغيرات في الأنظمة البيئية دفعت بعضها إلى وضع البيوض في مناطق أبعد شمالاً وهو أمر لم يكن شائعاً من قبل.

سلحفاة بحرية صغيرة تزحف نحو البحر على شاطئ إيزتوزو ​​في تركيا (رويترز)

ويراقب المتطوعون على الشاطئ صغار السلاحف مستخدمين أضواء حمراء خافتة لتقليل أي إزعاج للحد الأدنى في أثناء توجهها نحو البحر، لكن الصغار يواجهون في البحر مخاطر أخرى، من بينها شباك الصيد والقوارب والنفايات البلاستيكية.

وقالت شيرين: «السلحفاة البحرية التي تعلق في شبكة صيد لا تستطيع الصعود إلى السطح للتنفس، وللأسف تموت غرقاً».

ويشكل التلوث بالبلاستيك مصدر قلق على وجه الخصوص. وقال كاسكا إن 60 في المائة من السلاحف التي تنقل إلى مركز للتأهيل يوجد في أجهزتها الهضمية ما لا يقل ​عن خمس قطع من البلاستيك.

وتابع قائلاً: «إلقاء كيس بلاستيكي في ​البحر يشبه ضرب السلاحف بالرصاص».


«ناس من شارعنا»... معرض قاهري يحكي قصصاً باريسية

لوحات تعكس حكايات باريسية (الفنان)
لوحات تعكس حكايات باريسية (الفنان)
TT

«ناس من شارعنا»... معرض قاهري يحكي قصصاً باريسية

لوحات تعكس حكايات باريسية (الفنان)
لوحات تعكس حكايات باريسية (الفنان)

في معرضه الأحدث، الذي يحمل عنوان «ناس من شارعنا»، يقدم الفنان المصري عبد الرازق عكاشة حكايات وقصصاً من فرنسا، إذ يرصد أحد الشوارع الباريسية التي عاش فيها واختلط بسكانها وروادها من الفنانين والمبدعين، ويقدم رؤيته الجمالية عنهم في نحو 30 لوحة تتداخل فيها الألوان الساخنة والباردة لتنسج حكايات باريسية مشوقة.

ويواصل عكاشة، في المعرض الذي افتُتح الخميس بغاليري «فلك» بوسط القاهرة، الرهان على جرأة استخدام الألوان، مع تكوينات تعبيرية وتجريدية تجعل للحكاية أبعاداً مختلفة في ذهن المتلقي، فتتعدد الرؤى والحكايات المنبثقة من العمل الواحد بقدر تعدد المشاهدين.

من أعمال المعرض (فيسبوك)

ويقول الفنان عبد الرازق عكاشة إن فكرة معرض «ناس من شارعنا» تستند إلى شارع «ريدي ذا بيس» في فرنسا، الذي عاش فيه، ويصفه بأنه شارع مهم جداً في منطقة مونمارتر، التي يعيش فيها الفنانون والأدباء والكتّاب، وتضم أيضاً «مولان روج» أو الطاحونة الحمراء، ويمر بها طريق بيكاسو إلى الهضبة العليا، كما سكنت داليدا بالقرب من هذا الشارع.

ويضيف، في كلمة مصورة تعريفية بالمعرض، أنه لم يختر الرسم عن شارع باريسي تنازلاً عن هويته أو تبادلاً للهويات، وإنما تعبير عن التفاعل الإنساني مع شارع وأشخاص من الفنانين والمبدعين عاش بينهم وقرر أن يرسمهم.

ويوضح: «في هذا المعرض، أعرِّف الجانب العربي أو المصري بكيفية تفكير الآخر ونمط حياته، وأحاول أن أصوِّر له هذا النمط وأنقله إليه كاملاً، فليس هناك تضارب في الهويات، بل محاولة للتقريب بينها».

لوحة تعبر عن حكاية بالمعرض (الفنان)

وتشي اللوحات بالعديد من الحكايات في الشارع الذي اختاره الفنان، من المقاهي وجلسات السمر إلى النزهات بالدراجات والجداريات على المترو، وجميعها تأتي في إطار من الألوان المبهجة والتكوينات الفنية ذات الدلالات المفتوحة على أكثر من حكاية وتفسير.

وأشار الفنان أيضاً إلى أن شغفه برسم الشارع لا يقتصر على الشارع الباريسي، إذ لديه، كما يقول، «مشروع فني منذ 10 سنوات عن العمارة في شوارع مصر»، يحاول من خلاله رصد كيفية عيش الناس في مصر، خصوصاً في الأحياء الإسلامية التراثية وبعض المناطق الشعبية، بما تشهده من زحام، مثل الحسين والعتبة والجمالية وحارة اليهود، وغيرها من الأماكن التي تتجلى فيها هوية الإنسان وخصوصيته.

جانب من المعرض (فيسبوك)

وفيما يلفت عكاشة إلى شروع متحف بيكاسو في باريس في دراسة عرض لوحاته عن غزة، يؤكد أن هذه اللوحات، التي خصص لها معرضاً سابقاً في القاهرة ورسم جدارية كبيرة عنها، تظل من أهم الأعمال التي قدمها، إذ تعبّر عما يشعر به فنان عربي تجاه مأساة غزة.

وسبق أن قدم عكاشة معرضاً بعنوان «جدارية غزة»، ضم أعمالاً ملحمية ومشاهد موجعة من المأساة التي شهدها القطاع جراء الحرب. ورصد في لوحاته مشاهد متعددة من داخل القطاع، استلهمها من نشرات الأخبار والصور والوقائع التي شاهدها العالم.