معرض طرق الحرير... أوسع من طريق وأكثر من الحرير

يقيمه المتحف البريطاني في لندن ويتناول تبادل البضائع والثقافات والأفكار عبر التاريخ

مصحف بالخط الكوفي من العراق أو إيران في الفترة ما بين 1000 و1100 ميلادياً (المكتبة البريطانية)
مصحف بالخط الكوفي من العراق أو إيران في الفترة ما بين 1000 و1100 ميلادياً (المكتبة البريطانية)
TT

معرض طرق الحرير... أوسع من طريق وأكثر من الحرير

مصحف بالخط الكوفي من العراق أو إيران في الفترة ما بين 1000 و1100 ميلادياً (المكتبة البريطانية)
مصحف بالخط الكوفي من العراق أو إيران في الفترة ما بين 1000 و1100 ميلادياً (المكتبة البريطانية)

«ماذا تتخيَّل عندما تفكر في طريق الحرير؟ توابل، قوافل الجمال التي تعبر الكثبان الصحراوية ورحلات التجار حاملة البضائع النفيسة بين الشرق والغرب عبر طريق واحد أُطلق عليه اسم (طريق الحرير)؟ الواقع يحمل أكثر من ذلك بكثير». جملة تفتتح المعرض الضخم الذي يقيمه المتحف البريطاني بلندن، ويحمل عنوان «طرق الحرير»، ليحاول توسيع المعنى المتعارف لطرق التجارة المتشابكة التي كانت تسلكها القوافل والسفن، وتمرّ عبر جنوب آسيا. يقدم المعرض رؤية أوسع لطرق التجارة والتبادل ما بين الشرق والغرب، كثير من الطرق المتشعبة والمتشابكة تتضمن الرحلات بين المراكز التجارية في الصين ودول قريبة، مثل اليابان وكوريا، إلى بلاد ما بين النهرين وأنطاطية وسوريا وغيرها من الدول. نأتي إلى الحرير، ونجد أن البضائع والتبادلات تضمنت ما هو أكثر من الحرير الذي كان إحدى البضائع التي نقلت عبر طرق التجارة قديماً التي كانت تتكون من شبكات متداخلة تربط المجتمعات عبر آسيا وأفريقيا وأوروبا، من اليابان إلى بريطانيا، ومن الدول الإسكندنافية إلى مدغشقر.

مجسم حجري لأسد يعود لعهد الدولة الأموية في معرض «طرق الحرير» (الشرق الأوسط)

المعرض الجديد، الطموح في نطاقه والواسع في تغطيته الجغرافية، يمكن اعتباره مختلفاً في تركيزه على الطريقة التي شكلت الرحلات الملحمية للأشخاص والأشياء والأفكار على طول طرق الحرير. يتبنى المعرض فكرة أن طرق الحرير ظلت مُستخدَمة لآلاف السنين، ولكن التركيز انصب على فترة حاسمة في تاريخها، من نحو 500 - 1000 بعد الميلاد، وهي فترة شهدت قفزات كبيرة في الاتصال بين الدول والشعوب عبر القارات. يتحدى المعرض المفاهيم السائدة، ويفتح خزائن التاريخ ليثبت بالقطع النادرة والمنسوجات والمخطوطات علاقات متشابكة بين دول العالم القديم.

بداية الرحلة

تنطلق رحلة الزائر من خزانة وحيدة تضم تمثالاً صغيراً لبوذا، على بطاقة التعريف المرفقة نقرأ أن التمثال صُنِع في باكستان، وتم العثور عليه في مكان يبعد 5000 كلم في قرية بالسويد. التمثال هنا مقدمة للموضوع المثير، ومثال لما سنجده في باقي القاعات.

مجسم لامرأة تعزف العود تعود لعهد سلالة تانغ الصينية (متحف أشموليان بجامعة أكسفورد)

يبدأ المعرض من اليابان وكوريا وعلاقاتهما مع الصين خلال القرن السابع، وحتى القرن التاسع ميلادي، يتحدث هذا القسم عن انتقال الديانات والأفكار والبضائع، يستخدم لضرب الأمثلة القطع المختلفة التي تتراوح من المنحوتات الضخمة حتى أصغر القطع الزجاجية المتكسرة التي عثر عليها في اليابان في القرن السادس، وتعود أصولها لمنطقة الشرق الأوسط. في خزانة أخرى نجد كأساً من الزجاج باللون الأزرق عُثِر عليه في قبر أحد النبلاء في كوريا، ونعرف أنه صُنِع في مصر. وبحسب وصف بطاقة العرض، فإن وجود قطع من الزجاج التي تعود أصولها لمنطقة حوض البحر الأبيض المتوسط في المقابر بأماكن بعيدة، مثل كوريا، إنما يعكس أهمية تلك القطع بوصفها انعكاسات للثراء والمكانة في العالم القديم.

الحرير أهميته وقيمته

نأتي للحرير بطل العنوان والسلعة المنشودة وحكايات استخداماته المختلفة، لا يكتفي العرض بالحديث عن الحقائق، وإنما أيضاً يقدم الأمثلة عليها، وهو ما نجده في إحدى خزانات العرض، حيث نرى لفافة من الحرير عثر عليها في شمال غربي الصين، ويبدو عليها آثار الزمن، حيث تحولت لقطعة متماسكة مثل لوح من الحجر. يعتقد الخبراء أن سبب وجودها في هذه البقعة كان، بسبب أنها استخدمت في وقت ما لدفع رسوم لجنود إحدى الحاميات في المنطقة.

تأخذنا هذه اللفافة العتيقة لعالم كان فيه الحرير يتربع على عرش التجارة بوصفه سلعة ثمينة، وأيضاً عملة مالية خاصة في فترة حكم سلالة تانغ بالصين، حيث كان المواطنون يستخدمون الحرير لدفع ضرائبهم وللشراء، وهنا نرى مثلاً لذلك متجسداً في تمثال لحصان يعود لبلاط سلالة تانغ التي كانت تستورد الجياد من أواسط آسيا، وتدفع ثمنها بالحرير.

تمثال لحصان عثر عليه في لولان شمال غربي الصين (الشرق الأوسط)

بما أن التجارة هي صلب الموضوع فنرى هنا أيضاً إشارات لتجارة البخور والمسك وأهميتهم في العالم الإسلامي. هنا يضيف المعرض لتجربة الزائر عبر وضع صناديق بها ثقوب بغطاء يستطيع الزائر رفعه ليستنشق رائحة البخور والمسك، وهي لمسة تضيف حاسة جديدة للاستمتاع بالعرض.

العالم الإسلامي

يصل المعرض إلى قسم حول العالم الإسلامي، وهنا نجد معروضات متنوعة تعود لفترات مختلفة من التاريخ الإسلامي. يشير العرض عبر القطع وعبر الكتابة إلى أن التبادلات والصلات بين بلدان الشرق والغرب حملت إلى جانب البضائع أفكاراً وثقافات وأديان، وهنا يستكشف انتشار الدين الإسلامي. نرى في العرض عدداً من المصاحف الأثرية، ومن الطبيعي أن نجد الإشارة إلى الانتقال للورق في كتابة المصاحف. الورق الذي طورت صناعته في الصين انتقل عبر طرق الحرير لدول العالم الإسلامي، واستخدم بديلاً لرقع الجلد، وهو ما سمح بتطوير أساليب الكتابة والزخارف الجمالية.

خريطة العالم للإدريسي (مكتبة بودليان بجامعة أكسفورد)

إلى جانب المصاحف، نرى أمثلة أخرى على التبادل مع دول العالم الإسلامي. نرى أيضاً نسخاً من كتب علمية وجغرافية مثل كتاب «النجوم الثابتة» لعالم الفلك الفارسي عبد الرحمن الصوفي يعود لعام 969، وأيضاً خريطة الإدريسي التي رسمها لأمر ملك صقلية روجر الثاني. في رحلتنا من خلال التشابكات والعلاقات المتبادلة نرى القطع على نحو جديد فكل قطعة هنا لها قصة وأصل ومكان نشأت فيه، ومكان آخر انتقلت إليه، وأشخاص امتلكوها، وليسوا بالضرورة من مكان واحد؛ هذا ما يُحدِثه التواصل الإنساني الذي يلغي الحدود والجغرافيا. من الأمثلة في القاعات التالية، وفي قسم مخصص لمدينة القدس، قوارير من الزجاج صغيرة الحجم، نقرأ أن الزجاجات تنقلت مع الحجاج، ومع زوار مدينة القدس من المسيحيين والمسلمين، تحمل إشارات ونقوشاً تدل على صاحبها. من القطع المؤثرة هنا لوح من الرخام منقوش عليه توجيه ببناء الطريق ما بين القدس ومدينة الرملة لأمر الخليفة عبد الملك. ونعرف أن القطعة كانت موضوعة على بداية الطريق.

لوح من الرخام منقوش عليه أمر بناء الطريق ما بين القدس ومدينة الرملة من الخليفة عبد الملك (الشرق الأوسط)

يضم المعرض، الذي قُسِّم لخمس مناطق جغرافية تأخذ الزوار في رحلتهم الخاصة على طرق الحرير، أكثر من 300 قطعة (بما في ذلك القروض من 29 مقرضاً من مؤسسات وطنية ودولية)؛ من العقيق الهندي الموجود في سوفولك إلى الزجاج الإيراني المكتشَف في اليابان، تكشف هذه القطع عن النطاق المذهل لهذه الشبكات. تُعرَض بعض هذه القطع للمرة الأولى في بريطانيا، ويرجع الفضل في ذلك للتبادل بين المؤسسات الثقافية، وهو تبادل خرج من رحم طرق الحرير ليستقر في أرجاء العالم الحديث، ليربط بين الناس في جميع أنحاء العالم. مثال لذلك يقدم العرض أقدم مجموعة من قطع الشطرنج التي تم العثور عليها على الإطلاق، ولوحة جدارية ضخمة بطول ستة أمتار من «قاعة السفراء» في أفراسياب (سمرقند) بأوزبكستان. تستحضر اللوحة الطابع العالمي لأهل آسيا الوسطى الذين كانوا من كبار التجار خلال هذه الفترة.

جدارية «قاعة السفراء» في أفراسياب (سمرقند) بأوزبكستان (تصوير أندرية أراكليان - ACDF of Uzbekistan)

المعرض يتميز بتعدد القيمين (أمر منطقي بالنظر إلى المساحة الواسعة التي يتعامل معها) وفي أرجائه يلتقي الزوار بشخصيات تتشابك قصصها مع طرق الحرير، بما في ذلك ويليبالد، مهرب البلسم المبتكر من إنجلترا، وأميرة صينية أسطورية شاركت أسرار زراعة الحرير مع مملكتها الجديدة. المعرض يفتح أبواباً كثيرة من التاريخ الإنساني، ويثبت أن ما يجمع الناس أكثر بكثير مما يفرِّقهم، وأن الحضارات ترتكز دائماً وأبداً على التبادل والتنوُّع.

- طرق الحرير في المتحف البريطاني بلندن من 26 سبتمبر (أيلول) 2024 وحتى 23 فبراير (شباط) 2025.


مقالات ذات صلة

«آرت بازل قطر» يعلن عن الفنانين والصالات المشاركة في دورته المقبلة

يوميات الشرق برحة مشيرب في الدوحة (آرت بازل)

«آرت بازل قطر» يعلن عن الفنانين والصالات المشاركة في دورته المقبلة

أعلن معرض «آرت بازل قطر» قائمة صالات العرض المشاركة في دورته الثانية التي ستقام في شهر يناير (كانون الثاني) من العام المقبل.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق أغلب الأعمال وُلدت من مواد أُعيد تدويرها (وزارة الثقافة)

«ربع تون»... معرض فني جديد للفنان العراقي نصير شمّة

يقوم المعرض على إعادة توظيف نشارة الأخشاب وبقايا صناعة آلة العود، وتحويلها من وظيفتها التقليدية إلى تكوينات تشكيلية تنبض بالمقام والإيقاع.

عمر البدوي (الرياض)
يوميات الشرق يهدي الفنان معرضه إلى الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة (الشرق الأوسط)

أحمد البحراني يستعيد ذاكرة الطفولة بـ«ضفاف الفرات»

كيف يمكن لقطعة خشب أنهت رحلتها في البحر أن تبدأ حياة جديدة؟ وأي ذاكرة تختبئ في طائر صغير، لا يحاكي الطبيعة بقدر ما يستعيد بيتاً بعيداً وطفولة لا تزال تسكن صاحبه

نادية عبد الحليم (القاهرة )
يوميات الشرق جانب من معرض «النزول إلى النهر» (الشرق الأوسط)

محمد عبلة يعيد اكتشاف «النهر» بالحركة الصاخبة والألوان

في معرضه «النزول إلى النهر» يعود الفنان التشكيلي المصري محمد عبلة إلى نهر الطفولة الذي تشكلت على ضفافه ذاكرته البصرية.

منى أبو النصر (القاهرة)
يوميات الشرق ستّ محاولات للاحتفاظ بأماكن لا يمكن اصطحابها (الشرق الأوسط)

جميل ملاعب: 50 عاماً بين السماء والأرض على جدران معرض

بيروت نقطة الانطلاق والعودة، لكنّ العودة في الرسم تختلف عن العودة الجغرافية...

فاطمة عبد الله (بيروت)

زينة دكّاش... فكّت أصفاد السجناء وأصفادَها بقوّة المسرح

الممثلان والمخرجان زينة دكّاش وكريم شبلي شريكا مسرحية «زينا لبست خلخالها» (صور دكّاش)
الممثلان والمخرجان زينة دكّاش وكريم شبلي شريكا مسرحية «زينا لبست خلخالها» (صور دكّاش)
TT

زينة دكّاش... فكّت أصفاد السجناء وأصفادَها بقوّة المسرح

الممثلان والمخرجان زينة دكّاش وكريم شبلي شريكا مسرحية «زينا لبست خلخالها» (صور دكّاش)
الممثلان والمخرجان زينة دكّاش وكريم شبلي شريكا مسرحية «زينا لبست خلخالها» (صور دكّاش)

ليس المسرح في كل حالاته مساحةً للبهرجة والديكورات الضخمة وجحافل الممثلين على الخشبة. يمكن للمسرح أن يكون مساحة حميمة، مجرّدة من التفاصيل الكبيرة والصغيرة؛ كأن تطلّ ممثّلة بشَعرٍ مربوط، وبوَجهٍ لم يمرّ عليه قلم كحل، وبالملابس التي ترتديها في أي يومٍ عادي.

تُكلّم نفسها والجمهور وشريكها في المسرحيّة وأرواحَ من غابوا، بأريَحيّةِ مَن يبوحُ لنَفسِه في المرآة، وبكلماتٍ تشبه يوميات الناس. تروي حكاياتٍ شخصيّة يتماهى الجميع معها، لِما فيها من ندوبٍ وغصّاتٍ وابتساماتٍ متوارَثة عبر أجيالٍ من العائلات، على اختلاف الأسماء والانتماءات والأماكن.

يَحدُث أن يكونَ اسمُ تلك الممثّلة زينة دكّاش، صاحبة المسيرة غير التقليديّة على الخشبة وبعيداً عنها. فلأكثر من 20 سنة مضت، والفنانة اللبنانية منشغلة بتَفتيتِ كل ما هو خشبيّ، وبتحطيم القيود والقضبان، وبتمزيق قمصان التقييد عن أجساد أسراها.

زينة دكّاش صاحبة مسيرة غير اعتياديّة دمجت بين المسرح والعلاج بالدراما (صور دكّاش)

«كلُّنا مجرّدُ عابرين في هذه الدنيا. إذا امتلكنا موهبةً أو قدرة أو معرفة، لا يجب أن نبخل على الآخر بها». على هذه القاعدة تواصل زينة دكّاش المسير وفق ما تخبر «الشرق الأوسط». وعليها أيضاً ارتكزت لتقدّم آخر أعمالها المسرحيّة «زينا لبست خلخالها» بالاشتراك مع الممثل والمخرج كريم شبلي.

إذا كانت المسرحيّة تحمل الكثير من البَوح الشخصي الشافي، والمرتبط بالأب والأمّ والأخ الغائبين جسَداً والحاضرين روحاً، فهي «دعوة للمتفرّجين كذلك كي يبحثوا عن شفائهم الخاص»، تقول دكّاش. ومن المعروف عن المخرجة والممثلة أنها غاصت في عالم الـ«كثارسيس (catharsis)» أي العلاج النفسي بالدراما، إلى درجة أنّها شهدت على شفاء مساجين ومرضى درّبتهم لسنوات.

قبل أقلّ من عامين، وقف إلى جانبها على الخشبة سجينٌ سابق درّبته هو يوسف جول، كان قد أمضى 30 سنة خلف القضبان. على مدى عامٍ كامل، شاركَ زينة مسرحيّتها «اللي شبكنا يخلّصنا» كممثل أساسي. «يوسف نموذج على أنّ العلاج بالتمثيل والمسرح قادر فعلاً على تحقيق الشفاء. ومثلُه كثيرون حطّموا قضبانهم وتحرّروا بواسطة الفن»، توضح دكّاش.

في «اللي شبكنا يخلصنا» تشاركت دكّاش المسرح مع سجين سابق (إنستغرام)

من قلب المسرحيّة الجديدة، يصدح صوت زينة دكّاش الطالع من أسطوانةٍ سجّلتها قبل أعوامٍ كثيرة. كلمات الأغاني مثيرة للابتسام وألحانُها مثيرة للفرح. العائد بالذاكرة إلى زينة القديمة والناظر إلى تلك الواقفة على المسرح الآن، يندهش بالمسافتَين الروحيّة والفنية اللتَين قطعتهما، من دون أن تتخلّى عن خفّة ظلّ وعفويّة الشخصية التي تعرّفَ عليها الجمهور من خلالها قبل 25 سنة.

«في (زينا لبست خلخالها) تعمّدتُ أن أعانق وأحتضن كل قطعة مني وكل المراحل التي عبرتُها في حياتي»، تقول. صحيح أنّ دكّاش أنجزت «الكثارسيس» الخاص بها متابِعةً مشوار التفكيك النفسي منذ 25 سنة، هي التي وازنت في دراستها الأكاديمية وممارستها المهنية ما بين التمثيل وعلم النفس. لكن قبل سنوات قليلة، ومع رحيل الوالدَين، طفا على وجه الذاكرةِ والروح، ملفٌ لم يُقفَل بعد. يحمل الملفّ اسمَ «زوزو» أو جوزيف دكّاش، ذاك الأخ الذي رحلَ في الـ12 من عمره عن اعتلالٍ خلقيّ عصيّ على المداواة. كانت زينة حينها في الرابعة من عمرها ولم يتسنَّ لها منذ ذلك اليوم أن تتعمّق في ذلك الجرح إلى آخرِه.

في «زينا لبست خلخالها» تعمّدتُ أن أعانق كل قطعة مني وكل المراحل التي عبرتُها – (زينة دكّاش)

«قبل وفاة أمّي كان الصمتُ يلازمُ حكاية زوزو، تجنُّباً لتأثُّرها وانهيارها»، تُخبر دكّاش. لكن مع السكونِ الذي حلّ في البيت بعد غياب الوالد في 2019 والوالدة في 2023، شعرتْ وكأنّ أخاها لم يأخذ حقّه من الحكاية، ولمسَت جهوزيّةً في داخلها للبَوح ببعض تفاصيل تلك القصة العالقة في عُمق الذاكرة. وما الدموعُ التي انهمرت من عينَي زينة في ختام كل عرض، سوى «تعبيرٍ عن الامتنان لفرصة التواصل مع زوزو من خلال المسرح»، وفق تعبيرها.

كان كريم شبلي خيرَ سنَدٍ في رحلة اللقاء بزوزو. وكأنه ضربَ موعداً مع زينة في قاعة المسرح، ليساعدها في تفريغ الصناديق الممتلئة بالذكريات، وفي التخفّف من الأوراق المتراكمة في الملفّات. لم يقتصر الأمر على مجرّد كيمياء بين ممثّلَين على الخشبة وكاتبَين على الورق، بل تَجاوزَه إلى صِلةٍ روحيّة تجَلّت خصوصاً في نهاية العرض. عن تلك العلاقة التي نُسِجت خلال التحضير لـ«زينا لبست خلخالها»، تقول دكّاش: «إصرار كريم شبلي وإيجابيّته دفعاني إلى الإنجاز والتنفيذ وأنقذاني من التسويف، فرحلة الكتابة كانت شاقّة لا سيّما في الأجزاء المتعلّقة بأخي».

«إصرار كريم شبلي دفعني إلى التنفيذ وأنقذني من التسويف» – (زينة دكّاش)

ومَن خفّف عن دكّاش شقاء الرحلة كذلك وسكبَ معها أفكاراً على الورق، سيّدة تُدعى زلفا تواصلت معها قبل شهرٍ من العرض، معرّفةً عن نفسها: «أنا مَن كنت أساعدُكم في الاعتناء بزوزو عندما كنتما صغيرَين». رأت زينة في تلك الرسالة إشارةً علويّة من شقيقها برغبةٍ لديه في أن تُبصر المسرحيّة النور، مع العلم بأنّها لم تكن قد سمعت أي خبرٍ عن زلفا منذ رحيل شقيقها قبل أكثر من 40 سنة.

اجتمعت العناصر كافةً كي تستكمل زينة «الكثارسيس» خاصّتَها لكن هذه المرة أمام عيون الناس، وبجرأةِ المتصالحين مع أرواحهم وجراحهم، غيرِ العاتبين على قدَرٍ حمّلَ أكتافَهم أكثر من طاقتها.

تُستأنَف عروض المسرحيّة خلال فترة أعياد نهاية السنة (صور دكّاش)

البَوح العلنيّ أمام الناس، لا يُقلق زينة دكّاش بِقَدْرِ ما تُربِكُها لوجستيّات المسرح؛ بما فيها من تفاصيل إنتاجيّة كالحجوزات، والإعلانات، والإضاءة وغيرها. ففي عيون الممثلة، المسرح ليس خشبةً مستطيلة وقاعة ذات مقاعد مخمليّة حمراء؛ «المسرح أوسَع وأعمَق بكثير من أن نُكبّلَه بتفاصيل الإنتاج». تستعيد دكّاش هنا تجربتها التي امتدّت 18 سنة مدرّبةً عشرات المساجين في السجون والمرضى في المصحّات العقليّة اللبنانية: «في سجن رومية كنت أحوّل غرفة صغيرة أشبَه بزنزانة إلى مسرح، وفي مستشفى الأمراض العقليّة كانت الحديقة تتحوّل إلى محترف تمثيل».

قبل أن تلبس زينة خلخالها وتتمايل به مُعلنةً موسماً جديداً من الأمل والفرح، لم تَبخل به على كل مَن عملت إلى جانبهم. بدّلت أصفاد السجن بخلخال الحرية. أدخلت الفن إلى أماكن لا تدخلها الشمس، وجعلت التمثيل بديلاً عن الحبوب المهدّئة.


ناجية من هيروشيما لـ«الشرق الأوسط»: ما زلت أتذكر وأبكي

 ساداي كاساوكا 94 عاماً إحدى الناجيات من القنبلة النووية التي ألقيت على هيروشيما 1945 (الشرق الأوسط)
ساداي كاساوكا 94 عاماً إحدى الناجيات من القنبلة النووية التي ألقيت على هيروشيما 1945 (الشرق الأوسط)
TT

ناجية من هيروشيما لـ«الشرق الأوسط»: ما زلت أتذكر وأبكي

 ساداي كاساوكا 94 عاماً إحدى الناجيات من القنبلة النووية التي ألقيت على هيروشيما 1945 (الشرق الأوسط)
ساداي كاساوكا 94 عاماً إحدى الناجيات من القنبلة النووية التي ألقيت على هيروشيما 1945 (الشرق الأوسط)

رغم مرور 81 عاماً على المأساة، تستعيد اليابانية ساداي كاساوكا (94 عاماً) لحظات نجاتها من القنبلة الذرية التي ألقتها القوات الجوية الأميركية على هيروشيما في السادس من أغسطس (آب) 1945، وتقول بتأثر لـ«الشرق الأوسط» إنها ما زالت تتذكر تلك اللحظات وأحياناً تبكي.

ومع تلك المعاناة سعت السيدة إلى نقل تجربتها للأجيال؛ إذ عملت في حكومة محافظة هيروشيما، ثم مستشارةً للناجين حتى بلغت 79 عاماً وبدأت تروي تجربتها علناً عام 2000.

وكانت كاساوكا في الثانية عشرة من عمرها حينذاك، ولم تكن تعرف أن ذلك الصباح سيقسم حياتها إلى ما قبل القنبلة وما بعدها. وتقول: «كنت في منزل أسرتي بحي إبا، على بُعد نحو 3.5 كيلومتر من مركز الانفجار، أُنهي بعض الأعمال المنزلية البسيطة، فيما غادر والداي لمساعدة معارفنا في هدم منزل بوسط هيروشيما». وبعد نحو ثمانية عقود، لا تزال ساداي تستعيد المشهد كما لو أن الوميض البرتقالي لم ينطفئ، تروي قصتها، كما تقول، لا لتستعيد الألم وحده، بل كي لا تبقى تجربة الناجين رقماً في سجل الكارثة. لا تخفي كاساوكا أنها شعرت في السنوات التي أعقبت إلقاء القنبلة النووية التي تسميها بـ«كتلة شر» بغضب تجاه الولايات المتحدة، لكنها غيّرت نظرتها بعد أن التقت أشخاصاً كثيرين من بلدان مختلفة، ساعدوا ضحايا هيروشيما وعملوا من أجل السلام. وقالت: «لم أعد أكره شعباً؛ ما أكرهه هو القنبلة الذرية».


إطلاق «شتاء السعودية» بباقة فعاليات واسعة وأنشطة سياحية متنوعة

خيارات متنوعة يقدمها «شتاء السعودية» في وجهات الموسم (واس)
خيارات متنوعة يقدمها «شتاء السعودية» في وجهات الموسم (واس)
TT

إطلاق «شتاء السعودية» بباقة فعاليات واسعة وأنشطة سياحية متنوعة

خيارات متنوعة يقدمها «شتاء السعودية» في وجهات الموسم (واس)
خيارات متنوعة يقدمها «شتاء السعودية» في وجهات الموسم (واس)

أطلق وزير السياحة أحمد الخطيب جدول فعاليات برنامج «شتاء السعودية» لهذا العام، الذي يجمع باقة واسعة من الفعاليات والأنشطة السياحية المتنوعة في عدة وجهات شتوية داخل البلاد، بما يمنح الزوار خيارات متعددة لقضاء موسم حافل بالتجارب التي تلائم مختلف الاهتمامات والأعمار.

واستعدت مجموعة من الوجهات لاستقبال الزوار، منها الرياض والعلا والقصيم وحائل وجدة والخبر والأحساء والمدينة المنورة والبحر الأحمر، ويقدم الجدول تحت شعار «شتاء السعودية على ما تحب»، نافذة متكاملة لاستكشاف أبرز الفعاليات والأنشطة والتجارب التي تحتضنها خلال الموسم.

وتجمع الفعاليات بين الترفيه والثقافة والمغامرة والاسترخاء، بدءاً من المهرجانات والفعاليات الرياضية والعروض الحية والتجارب الثقافية والتراثية، وصولاً إلى الرحلات الطبيعية والمغامرات الصحراوية، والإقامة في المنتجعات.

ويُوفِّر الموسم خيارات متنوعة من المطاعم والمقاهي والتسوق والجلسات المطلة على البحر، بما يتيح للزوار من العائلات والأصدقاء تصميم رحلاتهم وفق اهتماماتهم، والجمع بين تجارب متعددة خلال زيارة واحدة.

ويعكس جدول فعاليات «شتاء السعودية» تنوع الخيارات التي تقدمها الوجهات الشتوية في المملكة، من الفعاليات العالمية الكبرى والتجارب الترفيهية في المدن، إلى المواقع التاريخية والمسارات الطبيعية والمغامرات الصحراوية، بما يمنح كل زائر مساحة لاختيار تجربته الخاصة، واكتشاف المزيد مما تقدمه البلاد خلال هذا الموسم.

كانت «هيئة السياحة» نظمت ورشة عمل لبرنامج «شتاء السعودية» لهذا العام، بمشاركة أكثر من 100 شريك من القطاعين العام والخاص، حيث يشمل البرنامج أكثر من 1800 منتج سياحي، إلى جانب العديد من الفعاليات والأنشطة النوعية والتجارب الثقافية والطبيعية، التي تلائم مختلف الشرائح وتعزز تنافسية الوجهات وترفع جاذبيتها خلال الموسم.