صنّاع الأفلام الشباب يبثّون الروح في شوارع طرابلس

للسنة الثالثة... «مهرجان طرابلس للأفلام» يتفرّد بتقديم الدعم للأفلام العربية القصيرة

«مهرجان طرابلس للأفلام» ملتقى للمواهب السينمائية الشابة من لبنان والعالم العربي (إدارة المهرجان)
«مهرجان طرابلس للأفلام» ملتقى للمواهب السينمائية الشابة من لبنان والعالم العربي (إدارة المهرجان)
TT

صنّاع الأفلام الشباب يبثّون الروح في شوارع طرابلس

«مهرجان طرابلس للأفلام» ملتقى للمواهب السينمائية الشابة من لبنان والعالم العربي (إدارة المهرجان)
«مهرجان طرابلس للأفلام» ملتقى للمواهب السينمائية الشابة من لبنان والعالم العربي (إدارة المهرجان)

في مدينةٍ لا صالة سينما فيها، يأتي مهرجانٌ صغيرٌ في حجمه، وكبيرٌ في معانيه، ليُعيد طربلس إلى الشاشة ويعيدَ الشاشة إليها، وإن لأسبوعٍ واحد.

كما في كل عام، يُختتم فصل الصيف في عاصمة الشمال اللبناني بزحمةٍ بين أزقّة منطقة المينا المحاذية للبحر. إنّهم سيّاحٌ من نوعٍ آخر؛ هم صنّاع أفلام وخبراء سينمائيون لبنانيون وعرب قصدوا المكان للمشاركة في «مهرجان طرابلس للأفلام» الذي بلغ، هذه السنة، دورته الـ11.

تمتد فعاليات المهرجان بين 19 و25 سبتمبر (إدارة المهرجان)

مصر بضيافة «المينا»

أكثر ما يلفت المُنتج المصري محمد تيمور في هذا الحدث الثقافي، هو «تلك الحميميّة التي تتيح فرصة التعارف عن قربٍ وبعُمق بين صنّاع أفلام آتين من حول العالم العربي». يوافقه زميله وابنُ بلده، المُخرج محمود عاصي، الرأي، ويضيف، لـ«الشرق الأوسط»، أنه «لا وقت ضائع هنا، فالمساحات الضيّقة ولّادة أفكار وإلهام»، وأنّ «سرّ مهرجان طرابلس للأفلام ليس في كمّ ما يقدّم، بل في نوعه».

الشابان المصريان، اللذان يحمل كل منهما مشروعه السينمائي إلى طرابلس، مع أمل الحصول على دعم، لم يتردّدا في السفر إلى لبنان، رغم الظروف الأمنية الدقيقة. وجدا نفسَيهما يستمدّان الطمأنينة والضحكة من حلقةٍ من زملاء المهنة.

قصد المخرج محمود عاصي والمنتج محمد تيمور المهرجان من مصر لتقديم مشروعيهما (إدارة المهرجان)

الإصرار على الاستمرار

موسماً تلو آخر، يتكرّس المهرجان ملتقى للمواهب السينمائية العربية الصاعدة، ولروّاد مخضرمين في المجال، وهذا ما يؤكّده مؤسس ومدير «مهرجان طرابلس للأفلام» إلياس خلاط. يقول خلاط، لـ«الشرق الأوسط»: «رغم الأزمات التي لا تُحصى، والأثمان المعنوية والمادية الباهظة، ولا سيّما صعوبة تأمين التمويل، نحن متمسّكون بإصرارنا على الاستمرار».

ولعلّ أبرز ما رسمَ تلك الهويّة الشابة للمهرجان، وجعل منه مقصداً للأجيال الجديدة من المخرجين والمنتجين، منتدى «أيام صنّاع الأفلام». يشرح خلاط أن «هذا المنتدى المتخصص يأخذ حيّزاً أكبر، عاماً تلو عام»، أما أهمّ ما انبثق عنه فهي «منصة دعم الفيلم العربي القصير».

إلياس خلاط مؤسس ومدير «مهرجان طرابلس للأفلام» (إدارة المهرجان)

منصة فريدة عربياً

تكمن فرادة تلك المنصة في كونها الوحيدة في العالم العربي المخصصة لدعم الأفلام القصيرة. تخبر فاطمة رشا شحادة، منسقة المنتدى، كيف وُلدت فكرة المنصة منذ 3 سنوات: «لطالما لاحظنا، إلياس وأنا، خلال جولاتنا على المهرجانات السينمائية العربية، أنّ التمويل محصور بالأفلام الطويلة. وكنّا ندرك مسبقاً كم أنّ معاناة مخرجي الأفلام القصيرة كبيرة في الحصول على دعم مادّي، لذلك قررنا إطلاق المنصة في دورة 2022 من المهرجان».

حققت المنصة أول نجاحاتها مع وصول باكورة الأفلام التي دعمت؛ وهو «سكون»، من الأردن إلى «مهرجان برلين السينمائي». أما اليوم فقد تضاعفت حظوظ الأفلام القصيرة بالحصول على تمويل مع تضاعف عدد الداعمين المؤمنين بالمنصة، وهم يتنوّعون ما بين منظّمات غير حكومية وشركات إنتاج من كل من أوروبا والعالم العربي.

صحيحٌ أن المبالغ المقدّمة ليست كبيرة، ولا يزيد مجموعها عن 6 آلاف دولار، إلا أنّ لهفة المخرجين الشباب لعرض مشاريعهم ضمنها تَشي بأهمّيتها الفنية والمعنوية بالنسبة إليهم.

منسّقة منتدى المهرجان فاطمة رشا شحادة (إدارة المهرجان)

أبعد من الدعم المادي

تقف المخرجة اللبنانية شيرين كرم على المنبر أمام الحضور، ولجنة التحكيم التي ستقرر ما إذا كان فيلمها القصير يستحقّ الدعم. تدافع عن فكرتها كمَن يدافع عن أغلى القضايا على قلبه. هذا الانغماس في المشروع والتمسّك بإيصاله إلى الجمهور، يلعبان دوراً محوَرياً في اختيار الأفلام المستحقّة إلى تصفيات المنصة. تشدّد شحادة على تلك النقطة وتضيف: «وصل إلينا، هذه السنة، 39 مشروعاً من مختلف أنحاء العالم العربي. وقد اخترنا الأفلام المؤهّلة على أساس الفكرة المطروحة، كما نظرنا إلى المخطط التمويلي مركّزين على المشاريع التي يفصلها عن التنفيذ مبلغٌ صغير، فدفعنا بها إلى الأمام».

من بين هؤلاء المخرجين، الذين لم يعد ينقصهم سوى مبلغ صغير لإتمام مشروعهم، اللبناني إيلي نجيم الذي وصل إلى مراحل فيلمه النهائية من هندسة الصوت والتلوين. اختار نجيم، في دقائقه السينمائية الـ20، قصة واقعية عن رجل يبيع عبوات المياه على الطريق، ويجمع مدخوله ليشتري به تابوته. يقول المخرج والممثل الشاب إنّ مشاركته في مهرجان طرابلس بصفته طالب دعم، تتخطّى البُعد المادّي؛ لأنّ المكان بالنسبة إليه هو «نقطة التقاء لتبادل الأفكار والمشاغل في هذه الفترة الصعبة، ومصدر إلهام واسترجاع الطاقة لكثيرين منّا».

المخرج والممثل اللبناني إيلي نجيم مقدّماً مشروع فيلمه القصير للجنة التحكيم (إدارة المهرجان)

المنتج المصري محمد تيمور، الحاضر مع فيلم «صفرة» للمخرج شريف البنداري، يشارك نجيم رأيه. يلفت تيمور إلى أنّ «المنصّة، ورغم المبالغ المتواضعة التي تُقدَّم، فإنها واجهة مميّزة للشباب العامل في قطاع الأفلام». يضيف: «هنا باستطاعتنا بناء سُمعة جيّدة للفيلم، وزيادة احتمالات انتشاره عربياً».

يذهب زميله المخرج محمد عاصي أبعد من ذلك ليقول: «وجودنا هنا في هذه اللحظة الأمنية الدقيقة، ووسط المخاطر المحيطة بلبنان، هو أهمّ ما في الأمر، فأسمى أهداف السينما هو تقريب الناس من بعضها البعض».

صنّاع الأفلام الشباب الذين قدّموا مشاريعهم إلى منصة الدعم (إدارة المهرجان)

فوز جماعيّ

حانَ وقت الإعلان عن الفائزين. الرهبة واضحة على ملامح المُخرجين والمنتجين الصاعدين، فأي دعم صغير سيدفع بمشاريعهم أشواطاً إلى الأمام. تذهب الجائزة الكبرى لشيرين كرم وفيلمها «عصفورين بحجر»، وتتوزّع المبالغ المتبقية على كل من نجيم وتيمور. لكنّ السعادة لا تقتصر على الرابحين، فالجميع يرفع شهادة المشاركة في المهرجان مبتسماً.

إن لم يكن الفوز مادياً فهو حتماً مهنيّ وفنّيّ. فإلى جانب فرصة التقدّم إلى منصة الدعم، يتيح المهرجان أمام صنّاع الأفلام الشباب المشاركة في ورش تدريب وندوات تُعنى بالشأن السينمائي من جوانبه كافةً.

يتجاور في المهرجان الفنانون المخضرمون والمواهب الصاعدة (إدارة المهرجان)

تقول شحادة، في هذا الإطار، إنّ إدارة المهرجان تسعى إلى «بناء جسور بين الشباب والخبراء المخضرمين في المجال». ويمكن معاينة ذلك عن قرب، خلال التجوّل في القاعات المستضيفة للأنشطة، إذ يتجاور هنا الممثل السبعينيّ بالمخرج العشرينيّ، والمنتجة المحترفة بكاتب السيناريو الصاعد، ليتبادل الجميع الخبرات السينمائية بتواضعٍ وسخاء.


مقالات ذات صلة

محمد ممدوح يقتحم قضايا حرجة في «مشاكل داخلية 32B»

يوميات الشرق محمد ممدوح يوكد أن موضوع الفيلم شائك (إدارة المهرجان)

محمد ممدوح يقتحم قضايا حرجة في «مشاكل داخلية 32B»

حظي الفيلم الروائي القصير «مشاكل داخلية 32B» باهتمام خلال عرضه في افتتاح الدورة الـ12 لـ«مهرجان الإسكندرية للفيلم القصير».

انتصار دردير (الإسكندرية)
يوميات الشرق المكرمون في لقطة مع رئيس المهرجان (إدارة المهرجان)

«سينما الشباب» تستحوذ على جوائز «جمعية الفيلم» في مصر

استحوذت 4 أفلام مصرية من صناعة جيل الشباب على أكبر عدد من جوائز مهرجان جمعية الفيلم في دورته الـ52 .

انتصار دردير (القاهرة )
يوميات الشرق الفنانة إلهام شاهين تتسلم تكريمها في افتتاح مهرجان عنابة (إدارة المهرجان)

«عنابة للفيلم المتوسطي» يحتفي بالسينما المصرية

يحتفي مهرجان «عنابة للفيلم المتوسطي» الجزائري بالسينما المصرية التي اختارها ضيفة شرف دورته الـ6.

انتصار دردير (القاهرة)
يوميات الشرق «ثريا حبيبتي» وثائقي يحكي قصة حبّ ثريا وزوجها الراحل مارون بغدادي (الجهة المنظّمة)

«ما زلنا هنا وما زلنا نروي»... انطلاق «بيروت الدولي لسينما المرأة»

يتضمَّن المهرجان توزيع جوائز على فئات تدخل في المسابقة الرسمية، وتشارك أفلام أخرى ضمن مسابقات «قصتها» و«صنّاع التأثير» وغيرها...

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق فيلم «هجرة» حصد جائزة مهرجان أسوان (إدراة المهرجان)

«هجرة» السعودي ينال جائزة أفضل فيلم في «أسوان السينمائي»

حصد فيلم «هجرة» السعودي، جائزة أفضل فيلم في «مهرجان أسوان الدولي لأفلام المرأة» بدورته العاشرة، التي أُقيمت من 20 إلى 25 أبريل (نيسان) الحالي.

«الشرق الأوسط» (أسوان (مصر))

ما الوقت الذي تبلغ فيه رغبة تناول الطعام ذروتها خلال اليوم؟

امرأة تتناول رقاق البطاطس (بيكسلز)
امرأة تتناول رقاق البطاطس (بيكسلز)
TT

ما الوقت الذي تبلغ فيه رغبة تناول الطعام ذروتها خلال اليوم؟

امرأة تتناول رقاق البطاطس (بيكسلز)
امرأة تتناول رقاق البطاطس (بيكسلز)

يمرّ كثيرون بلحظات مفاجئة من الرغبة الشديدة في تناول الطعام، وغالباً ما يتساءلون عمّا إذا كانت لهذه الرغبات توقيتات محددة خلال اليوم. وفي هذا السياق، كشفت دراسة حديثة عن نمط لافت يحدد توقيت الذروة لهذه الرغبة، إلى جانب عادات وسلوكيات مرتبطة بها لدى عدد كبير من الأشخاص.

وأظهرت الدراسة أن الرغبة الشديدة في تناول الطعام تبلغ ذروتها عند الساعة الـ3:42 مساءً، وهو توقيت يتكرّر لدى شريحة واسعة من المشاركين.

وشملت الدراسة استطلاعاً لآراء 5 آلاف أميركي موزعين بالتساوي بين مختلف الولايات، حيث حُللت أنماط الرغبة الشديدة في تناول الطعام بأنحاء البلاد. وبيّنت النتائج أن الشخص العادي يشعر بنحو رغبتين شديدتين في تناول الطعام يومياً، في حين أفاد نحو ربع المشاركين (24 في المائة) بأنهم يعانون من هذه الرغبات بشكل متكرر، وفقاً لما نقلته صحيفة «نيويورك بوست».

وبصرف النظر عن توقيت هذه الرغبات، فقد أظهرت النتائج أن 6 من كل 10 مشاركين (57 في المائة) لا يستطيعون مقاومة هذه الرغبة أكثر من ساعة، بينما يستسلم واحد من كل 5 (21 في المائة) خلال 15 دقيقة أو أقل.

كما كشفت الدراسة، التي أجرتها شركة «توكر ريسيرش (Talker Research) لمصلحة «إيفري بليت»، عن أن الأشخاص عند شعورهم بالجوع يميلون إلى تفضيل أنواع محددة من الأطعمة، حيث يتوق 33 في المائة منهم إلى ما تُعرف بـ«الأطعمة المريحة»، بينما يفضّل 22 في المائة الأطعمة المقلية، والنسبة نفسها تميل إلى الأطعمة المالحة.

وبغض النظر عن هذه التفضيلات، فقد أشار نحو ثلثي المشاركين إلى أنهم يفضّلون إشباع رغباتهم في المنزل بدلاً من طلب الطعام الجاهز.

ويمتد تأثير هذه الرغبات إلى عادات التسوق أيضاً؛ إذ أفاد 35 في المائة من المشاركين بأن رغباتهم الغذائية خلال الأسبوع السابق تؤثر بشكل منتظم على قائمة مشترياتهم للأسبوع التالي.

وفي تعليق على هذه النتائج، قال بنجامين غريبل، مدير «تطوير الطهي» في شركة «إيفري بليت»: «في عصر الراحة، من المشجّع أن نرى أن ثلثي الأميركيين يفضّلون تلبية رغباتهم في المنزل بدلاً من طلب الطعام الجاهز. وهذا يدل على أن الناس يعرفون أذواقهم جيداً؛ وكل ما يحتاجونه هو القليل من الثقة بالمطبخ لإعادة إحياء نكهاتهم المفضلة».

وأضاف: «لا يتطلب إعداد وجبة شهية قضاء ساعة كاملة في المطبخ. فبالنسبة إلى معظم الناس، لا تكمن الصعوبة في الطهي بحد ذاته، بل في العبء الذهني المرتبط بالتخطيط والاختيار وإعداد الوجبات من الصفر. وعندما يجري التخلص من هذا العبء، يصبح إعداد الطعام أمراً بسيطاً، ومجرد تجربة ممتعة لتناول طعام لذيذ وسهل التحضير».


«فتنة غذائية» تربك مصريين وتؤجج هواجسهم نحو «الطعام الصحي»

تصاعد الجدل في مصر حول نظام «الطيبات» الغذائي (وزارة التموين المصرية)
تصاعد الجدل في مصر حول نظام «الطيبات» الغذائي (وزارة التموين المصرية)
TT

«فتنة غذائية» تربك مصريين وتؤجج هواجسهم نحو «الطعام الصحي»

تصاعد الجدل في مصر حول نظام «الطيبات» الغذائي (وزارة التموين المصرية)
تصاعد الجدل في مصر حول نظام «الطيبات» الغذائي (وزارة التموين المصرية)

رغم رحيل صاحبه، وربما بسبب موته المفاجئ، تحول الجدل المتصاعد حول نظام «الطيبات» إلى «فتنة غذائية»، أحدثت ارتباكاً بين قطاعات عديدة من المصريين، فاقمت الهواجس نحو «الطعام الصحي»، وسط انقسام مجتمعي عَدّه خبراء «مواجهة بين العلم والخرافات».

وتصاعد الجدل حول نظام «الطيبات» الغذائي، عقب وفاة صاحبه الطبيب المصري ضياء العوضي، استشاري التخدير والعناية المركزة، خلال وجوده في دولة الإمارات العربية المتحدة قبل نحو أسبوع، عن عمر ناهز 47 عاماً.

ويقوم نظام «الطيبات»، الذي روج له العوضي، على تصنيف الأطعمة إلى «طيبات» مناسبة للجسم ويكتفي بها، وأخرى «غير ملائمة» ينبغي الاستغناء عنها. ومن وسائل «الشفاء» التي كان يدعو لها، شرب الماء عند العطش دون الإكثار منه. ومن بين النقاط المثيرة للجدل التي طرحها العوضي، تحذيره من تناول الدواجن، والزعم بأن منتجات الألبان تضاف إليها مواد خطيرة، وتفضيل الإفطار بـ«النوتيلا» على الأطعمة التقليدية مثل الفول، والدعوة إلى استهلاك كميات كبيرة من السكر يومياً، والتحذير من الخضراوات رغم قيمتها الغذائية المعروفة.

الطبيب المصري الراحل ضياء العوضي صاحب نظام «الطيبات» الغذائي (صفحته على فيسبوك)

وشهدت منصات التواصل الاجتماعي خلال الأيام الماضية سجالاً ما زال مستمراً بين مؤيدين لآراء العوضي أسسوا صفحات للترويج لنظامه الغذائي الذي يعتمد على «صفر دواء»، ومعارضين يرون أن ما طرحه يعد نوعاً من «الدجل والخرافة»، و«يتعارض مع أبسط المفاهيم العلمية».

وأكد مستشار الرئيس المصري لشؤون الصحة والوقاية، الدكتور محمد عوض تاج الدين، أنه «لا توجد أطعمة قادرة على علاج الأمراض، فكل مرض له علاج علمي محدد حسب بروتوكولات علاج يحددها الأطباء»، وقال تاج الدين في مداخلة تلفزيونية، مساء الاثنين، إن «الأطباء هم من يحددون الأغذية المناسبة للمرضى، كل وفق حالته وطبيعة مرضه»، داعياً المواطنين إلى «الاعتدال في الطعام ليكون متوازناً يشمل عناصر غذائية متنوعة».

وفي مارس (آذار) الماضي أسقطت نقابة الأطباء المصرية عضوية العوضي بسبب ما عدّته «نشر معلومات طبية مضللة وغير مثبتة علمياً عبر مواقع التواصل الاجتماعي»، وقالت حينها إن ما يقدمه «يشكل خطراً على صحة المواطنين».

وفي رأي العميد الأسبق لـ«المعهد القومي للتغذية» أستاذة التغذية الدكتورة زينب بكري، فإنه ثمة عوامل كثيرة ساهمت في الجدل المثار بشأن نظام «الطيبات»، وقالت لـ«الشرق الأوسط» إن «الموت المفاجئ لصاحب هذه الآراء ساهم في الترويج لها، بجانب غياب الوعي المجتمعي، وميل الناس إلى الأفكار غير المألوفة ومحاولة تجربتها، (مثل الزار والدجالين)، وبجانب الأزمة الاقتصادية وارتفاع تكلفة الرعاية الصحية سواء الكشف الطبي أو الأدوية مما يدفع الناس إلى تجربة الأعشاب والعطارين، كما أن الجدل القائم يعكس أيضاً قدراً من عدم الثقة في النظام الصحي، وهو ما يتطلب حملات توعية».

جدل حول الغذاء الصحي في مصر (المعهد القومي للتغذية)

وأكدت زينب أن «كل ما يروج له نظام (الطيبات) يتعارض مع أبسط المفاهيم العلمية الطبية ونظريات علوم التغذية، فالنظام الغذائي لكل مريض يحدده الطبيب بحسب المرض، والشخص الذي لا يعاني أمراضاً واضحة يتبع نظاماً غذائياً عادياً ويمكنه تناول ما يشاء باعتدال ودون إسراف»، لافتة إلى أن «الارتباك الذي حدث لدى الكثيرين بشأن النظام الغذائي يستوجب أن تقوم مؤسسات الدولة بحملات توعية وشرح وتفنيد الحقائق العلمية حول الأطعمة والمنتجات المختلفة»، وأكدت أنه رغم هذا الارتباك، فإن ما يحدث «فتنة ستأخذ وقتها وتمر وسينسى الناس كل هذا الجدل».

متابعة «الفتنة الغذائية» والآراء المختلفة، دفعت الخمسيني، محمود حسان، (الذي يقيم بحي عابدين بوسط القاهرة، ويعمل في ورشة لإصلاح الأجهزة الكهربائية) إلى التراجع عن شراء الدواجن، وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «ابنته طالبة جامعية تتابع (السوشيال ميديا) أخبرته بالجدل الدائر، وأثار الأمر نقاشات مع زوجته، فقرروا ألا يشترون دواجن أو منتجات ألبان حتى يتضح الموقف»، لكن المشكلة بحسب حسان حدثت لأنهم «لم يستطيعوا تحديد الطعام المناسب والصحي؛ لأن نظام (الطيبات) تحدث عن ضرر لمعظم الأطعمة التي تعوّدوا على أكلها».

الجدل بشأن نظام «الطيبات» أصاب أسراً مصرية بالارتباك (وزارة التموين المصرية)

وهو ما حدث نفسه مع المصرية الثلاثينية، سلوى حسن (ربة منزل تقيم في حي شبرا بوسط القاهرة)، قالت لـ«الشرق الأوسط» إنها «تابعت الحديث عن ضرر الكثير من الأطعمة مما سبب ارتباكاً كبيراً»، موضحة أن «ما ينشر على مواقع التواصل الاجتماعي والأخبار جعلني في حيرة، ولا أعرف ماذا نأكل وماذا نتجنب».

وأكدت استشاري التغذية العلاجية الدكتورة مها راداميس لـ«الشرق الأوسط» أن «حالة الارتباك التي سببها الترويج لنظام (الطيبات) تشكل خطراً على صحة المصريين، وكلها آراء غير علمية وخرافات ساهمت (السوشيال ميديا) في انتشارها»، ورجحت أنها «(فرقعة) وستنتهي».

حالة الارتباك التي أعقبت «الفتنة الغذائية» والتي صاحبت الجدل حول نظام «الطيبات» لم تقتصر على فئات بعينها، بل امتدت إلى أوساط الفنانين، وناشد الفنان تامر حسني وزارة الصحة، بتقديم توضيحات علمية مبسطة حول التغذية السليمة، وكتب عبر حسابه على «فيسبوك» الاثنين: «في ظل الفتنة الغذائية اللي حاصلة في مصر وحديث كل الناس دلوقتي عن إيه المفيد لينا وإيه المضر، هل ممكن أناشد وزارة الصحة المصرية وكبار الدكاترة المختصة وأصحاب المستشفيات بردود كافية فيها شرح مفصل عن إيه الأكل المفيد لينا، وإيه اللي مش مفيد».

ورد الطبيب المصري، الدكتور خالد منتصر، على تامر حسني، مؤكداً في منشور على «فيسبوك» أن «ما كان يقوله دكتور ضياء يا أخ تامر اسمه في الطب ضلالات، والضلالات لا تناقش».وكان الفنان علي الحجار قد أكد أنه «يتبع نظام (الطيبات) منذ نحو 11 شهراً»، وقال خلال مراسم عزاء الطبيب ضياء العوضي، إنه كان يعاني من «عدة مشكلات صحية»، والتزامه بتعليمات العوضي من خلال مقاطع الفيديو «ساعده على التعافي».


جيريمي كومتيه: «بارادايس» رحلة لاستكشاف معنى الثقة وتوابع الخيانة

عمل المخرج على الفيلم لنحو 10 سنوات (الشركة المنتجة)
عمل المخرج على الفيلم لنحو 10 سنوات (الشركة المنتجة)
TT

جيريمي كومتيه: «بارادايس» رحلة لاستكشاف معنى الثقة وتوابع الخيانة

عمل المخرج على الفيلم لنحو 10 سنوات (الشركة المنتجة)
عمل المخرج على الفيلم لنحو 10 سنوات (الشركة المنتجة)

قال المخرج الكندي جيريمي كومتيه إن فيلمه «بارادايس» لم يولَد بين ليلة وضحاها، بل كان نتيجة رحلة طويلة امتدت لأكثر من 10 أعوام من البحث والتفكير والتجارب المختلفة، موضحاً أن البذرة الأولى للفيلم تعود إلى تجربة شخصية عاشها في مرحلة المراهقة. وأضاف، لـ«الشرق الأوسط»، أن تلك التجربة دفعته إلى التفكير في موضوعات معقدة مثل الثقة والخيانة، وكيف يمكن لحادثة واحدة في حياة الإنسان أن تترك أثراً عميقاً يلازمه لسنوات طويلة، وهو ما حاول استكشافه سينمائياً عبر هذا العمل.

يتتبع فيلم «بارادايس»، الذي عُرض للمرة الأولى عالمياً في مهرجان «برلين السينمائي» بنسخته الماضية ضِمن برنامج «البانوراما»، حكايتين تسيران بالتوازي في مكانين متباعدين من العالم، لكنهما تتقاطعان على مستوى التجربة الإنسانية. وتدور القصة حول شابّين يعيشان في بيئتين مختلفتين تماماً؛ أحدهما في غانا، والآخر في مقاطعة كيبيك الكندية، حيث يكبر كل منهما وسط ظروف قاسية وتحديات شخصية معقّدة. ورغم اختلاف الثقافة والمكان، فإن الشابّين يمران بحالة متشابهة من الوحدة والبحث عن معنى لحياتيهما، خصوصاً في ظل غياب نموذج الأب أو الشعور بالأمان الذي يحتاجان إليه في تلك المرحلة الحساسة من العمر.

ومِن خلال هذا البناء السردي المُوازي، ينسج الفيلم رابطاً عاطفياً خفياً بين الشخصيتين، إذ يكشف كيف يمكن لتجارب إنسانية متشابهة أن تتكرر في أماكن متباعدة من العالم، ومع تطور الأحداث يجد كل منهما نفسه مدفوعاً إلى اتخاذ قرارات صعبة. ويشير كومتيه إلى أن المشروع تطوّر تدريجياً عندما بدأ مرحلة البحث، حيث تعرّف، خلال تلك الفترة، على صديق مقرَّب من غانا، وهو ما فتح أمامه نافذة مختلفة على العالم؛ لأن الصداقة بينهما تحولت مع الوقت إلى شراكة إبداعية، إذ قررا معاً تطوير قصة تدور بين بلدين مختلفين تماماً هما غانا وكندا، مؤكداً أن «العمل على الفيلم استغرق سنوات من السفر والبحث واللقاءات والنقاشات الطويلة، حتى تبلورت الفكرة بالشكل الذي ظهرت به على الشاشة».

المخرج الكندي جيريمي كومتيه (الشركة المنتجة)

ولفت إلى مفهوم «الفقد الغامض»؛ وهو ذلك الشعور الذي يعيشه البطلان عندما يواجهان حدثاً مؤلماً دون إجابة واضحة أو نهاية حاسمة لما حدث، لافتاً إلى أن هذا النوع من الفقد يترك الإنسان عالقاً في حالة من القلق وعدم اليقين، وهو ما أراد أن يجسده في رحلة الشخصيتين داخل الفيلم.

وأضاف أن «مِن الأفكار الأساسية التي حاول العمل عليها أثناء الكتابة خلق تشابهات إنسانية بين عالمين مختلفين ظاهرياً، فالثقافة والبيئة قد تختلفان كثيراً بين غانا وكندا، لكن المشاعر الإنسانية الكبرى مثل الوحدة والخوف والبحث عن المعنى تظل متشابهة في كل مكان، لذلك حاول في السيناريو أن يربط بين مساري الشخصيتين بطريقة تجعل المُشاهد يشعر بأنهما يعيشان التجربة نفسها رغم اختلاف السياق».

وتحدّث المخرج عن التحديات التي واجهته أثناء كتابة الفيلم وإخراجه، قائلاً إن «الموازنة بين العالمين لم تكن سهلة على الإطلاق، لذا مرت عملية تطوير السيناريو بمراحل طويلة من المراجعة والتعديل، ثم استمرت هذه العملية، خلال مرحلة المونتاج؛ لأن بناء الإيقاع الصحيح للفيلم كان يتطلب دقة كبيرة في توزيع المعلومات التي يحصل عليها المشاهد».

وأوضح أن «الفيلم يتعمد أحياناً عدم تقديم كل الإجابات بشكل مباشر، بل يترك للمشاهد مساحة للتفكير وربط الخيوط بنفسه، وهذا الخيار كان يحمل بعض المخاطرة؛ لأن بعض المتفرجين قد يفضّلون السرد الواضح والمباشر، لكنني كانت مقتنعاً بأن هذه الطريقة أقرب إلى التجربة الإنسانية التي أحاول نقلها».

وقال المخرج الكندي إنه كان حريصاً أيضاً على أن يضع المتفرج أمام أسئلة أخلاقية معقدة، بحيث يجد فيها نفسه مضطراً إلى إعادة التفكير في أحكامه المسبقة تجاه الشخصيات؛ لأن السينما بالنسبة له ليست مجرد وسيلة لسرد قصة، بل مساحة لطرح الأسئلة ومواجهة المناطق الرمادية في السلوك الإنساني.

اختار المخرج الاعتماد على وجوه لم تخض تجربة التمثيل (الشركة المنتجة)

وتطرّق المخرج إلى الجانب البصري للعمل، موضحاً أنه استخدم المؤثرات البصرية بطريقةٍ تخدم الحالة الشعورية للفيلم؛ لأن الفكرة كانت تقوم على خلق تحول تدريجي في الصورة يتماشى مع التحولات النفسية التي تمر بها الشخصيات، بحيث يشعر المشاهد بأن الشكل البصري نفسه يتغير ويتطور مع تطور القصة.

وأوضح أن «هذا الأسلوب يعكس أيضاً فكرة الترابط بين الأشياء الصغيرة والكبيرة في العالم، إذ يمكن لتفصيلة بسيطة جداً أن تقود إلى حدث كبير يغيّر حياة الإنسان بالكامل، لذلك حاولت جعل الصورة السينمائية تعكس هذا الإحساس بالاتساع والتداخل بين العوالم المختلفة». وتحدّث المخرج كذلك عن تجربته في العمل مع الممثلين، لافتاً إلى أن «بعض المشاركين في الفيلم لم يكونوا ممثلين محترفين، وأن هذا الأمر كان خياراً مقصوداً؛ لأنه أراد أن يمنح الشخصيات قدراً أكبر من الصدق والعفوية».

وأضاف أن «الممثل الذي أدى دور الشاب في غانا كان يتمتع بطبيعة تلقائية أمام الكاميرا، وقد خضعا معاً لعدد كبير من البروفات والنقاشات حول تفاصيل الشخصية، حتى أصبح قادراً على إعادة تفسير بعض الجمل بطريقته الخاصة». أما بالنسبة للشخصية الأخرى التي تعيش في كندا، فأوضح كومتيه أنهم كانوا يبحثون عن شاب حقيقي يمارس رياضة التزلج على الألواح؛ لأن هذه الرياضة تشكل جزءاً مهماً من حياة الشخصية، وعثروا بالفعل على شاب يعيش في إحدى المناطق الريفية بكيبيك، وكان قريباً جداً من روح الشخصية التي كتبها، وهو ما جعل الأداء يبدو طبيعياً ومقنعاً إلى حد كبير.

وخلص المخرج إلى أن العمل مع ممثلين غير محترفين قد يكون تحدياً في بعض الأحيان، لكنه، في المقابل، يمنح الفيلم طاقة مختلفة يصعب تحقيقها مع الأداء التقليدي، مؤكداً أن العلاقة التي نشأت بين الممثلين والكاميرا كانت طبيعية للغاية، وهو ما ساعد على خلق إحساس قوي بواقعية المشاهد.