قضية محمد الفايد «تجمع العناصر الأكثر رعباً» من مثيلاتها... «كان وحشاً»

أكثر من 20 ضحية تحدَّثن بصراحة وكسرن «ثقافة الخوف»

اتّهمت 37 امرأة «من مختلف أنحاء العالم» الفايد بالاعتداء عليهنّ (أ.ف.ب)
اتّهمت 37 امرأة «من مختلف أنحاء العالم» الفايد بالاعتداء عليهنّ (أ.ف.ب)
TT

قضية محمد الفايد «تجمع العناصر الأكثر رعباً» من مثيلاتها... «كان وحشاً»

اتّهمت 37 امرأة «من مختلف أنحاء العالم» الفايد بالاعتداء عليهنّ (أ.ف.ب)
اتّهمت 37 امرأة «من مختلف أنحاء العالم» الفايد بالاعتداء عليهنّ (أ.ف.ب)

قال محامو ضحايا محمد الفايد المزعومين، إنّ القضية «تجمع بعضاً من العناصر الأكثر رعباً في القضايا التي تتضمّن جيمي سافيل، وجيفري إبستين، وهارفي واينستين».وذكرت «الغارديان» أنّ الراحل محمد الفايد وُصف بـ«الوحش» خلال مؤتمر صحافي عقده الفريق القانوني بُعيد وثائقي عرضته «بي بي سي» بعنوان «الفايد: المفترس في هارودز».

الاتهامات التي ظهرت بعد رحيله غير مسبوقة (أ.ف.ب)

وإذ اعتذرت سلسلة متاجر «هارودز» الفاخرة في لندن عن اتهامات موجَّهة إلى مالكها السابق، رجل الأعمال المصري الملياردير محمد الفايد، بالاغتصاب والاعتداء جنسياً على عدد من الموظّفات السابقات؛ تحدّثت أكثر من 20 موظّفة سابقة إلى المذيع بوصف هذا الحديث جزءاً من تحقيق خاص، وقدَّمن مزاعم الاعتداء والعنف الجسدي التي يُقال إنها وقعت في عقارات مقرّها لندن وباريس.

وذكرت «هارودز» في بيان: «نشعر بصدمة شديدة واستياء بشأن اتهامات اعتداءات ارتكبها محمد الفايد... هذه أفعال من شخص كانت نيّته الواضحة استغلال نفوذه».

وأضافت الشركة: «نقرّ أيضاً بأنه خلال هذه الفترة خذلنا الضحايا؛ ولهذا السبب نقدّم خالص اعتذارنا»، مشيرةً إلى أنّ سلسلة المتاجر حالياً هي «منظّمة مختلفة تماماً» عن تلك التي ملكها الفايد وسيطر عليها.

واتّهمت 37 امرأة «من مختلف أنحاء العالم» الفايد الذي توفي في أغسطس (آب) 2023 عن 94 عاماً، بالاعتداء عليهنّ جنسياً، وفق ما نقلت «وكالة الصحافة الفرنسية»، الجمعة، عن محامين يتولّون بوكالتهم عنهنّ مقاضاة المتجر الشهير مدنياً. وفي مؤتمر صحافي بلندن، الجمعة، قال المحامي ديرين أرمسترونغ كيسي إنه لم يرَ قط قضية مروعة مثل هذه. فهي تجمع بعضاً من العناصر الأكثر رعباً في القضايا التي تتضمَّن جيمي سافيل، وجيفري إبستين، وهارفي واينستين. سافيل لأنه في هذه القضية، كما سابقتها، كانت المؤسّسة على علم بالسلوك. إبستين لأنه في هذه القضية، كما سابقتها، كان ثمة نظام توريد قائم لتوفير النساء والفتيات؛ وكما تعلمون هناك بعض الضحايا الصغار جداً. أما واينستين، فلأنه كان شخصاً في أعلى قمة المنظمة يُسيء استخدام سلطته. سنقول بوضوح، محمد الفايد كان وحشاً». وفي المؤتمر الصحافي، قال محامٍ آخر يُدعى بروس دروموند: «على (هارودز) قبول المسؤولية عن الضرر الذي لحق بهؤلاء النساء». وتابع: «هذه واحدة من أسوأ حالات الاستغلال الجنسي للشركات التي رأيتها».

وكان الفيلم الوثائقي والبودكاست «الفايد: المفترس في هارودز» قد جمع أدلّة على أنه خلال ملكية الفايد، لم تفشل «هارودز» في التدخّل فحسب، بل ساعدت أيضاً في التستّر على مزاعم الاعتداءات.

وقال مالكو «هارودز» الحاليون إنهم «فزعوا تماماً» من المزاعم، واعتذروا عمّا حدث بصدق، وفق «بي بي سي».

«هارودز» حالياً هي «منظّمة مختلفة تماماً» عن تلك التي ملكها الفايد (رويترز)

شهادات مرعبة... «لم يملك أي بوصلة أخلاقية»

وذكرت إحدى السيدات إنّ الفايد اغتصبها بشقته في بارك لين: «لقد أوضحتُ أنني لا أريد أن يحدث ذلك. لم أعطِ موافقتي. أردت فقط أن ينتهي الأمر». وقالت أخرى إنها كانت مراهقة عندما اغتصبها بمقرّه في مايفير. وأضافت: «كان محمد الفايد وحشاً ومفترساً جنسياً، لم يملك أي بوصلة أخلاقية على الإطلاق».

وواجه الفايد ادّعاءات بالاعتداء الجنسي وهو على قيد الحياة، لكنَّ هذه الادّعاءات غير مسبوقة في النطاق والخطورة.

كان حديث الضحايا جزءاً من تحقيق خاص (أ.ف.ب)

تقول صوفيا، إحدى النساء التي عملت مساعدةً شخصيةً له من عام 1988 إلى عام 1991: «كان شريراً». وصرّحت أنه حاول اغتصابها أكثر من مرة.

في حين قالت جيما، التي عملت ضمن مساعدي الفايد الشخصيين بين عامي 2007 و2009: «سلوكه أصبح مخيفاً جداً في أثناء رحلات العمل في الخارج». وتابعت أنّ هذا السلوك بلغ ذروته عندما تعرّضت للاغتصاب في فيلا وندسور في بوا دو بولون بباريس، وهو منزل سابق للملك إدوارد الثامن وزوجته واليس سيمبسون بعد تنازلهما عن العرش.

«هارودز» تشعر بصدمة واستياء بشأن اعتداءات ارتكبها الفايد (أ.ف.ب)

«لم يكن الأمر سراً على الإطلاق»

بدوره، قال توني ليمينغ، مدير قسم «هارودز» من 1994 إلى 2004: «علمتُ بإساءة معاملة النساء عندما كنت في المصنع. لم يكن الأمر سراً على الإطلاق». وأضاف: «بما أنّي أعرف، فالجميع يعرفون. أي شخص يقول إنه لم يفعل ذلك فهو يكذب».

وتعدّ شهادة ليمينغ مدعومةً بأعضاء سابقين في فريق أمن الفايد.

«كنا على علم بأنه كان لديه هذا الاهتمام القوي بالفتيات الصغيرات»، وفق إيمون كويل، الذي انضم إلى «هارودز» عام 1979 محقّقاً في المتجر، ثم أصبح نائب مدير الأمن من 1989 إلى 1995.

وفي الوقت عينه، عمل ستيف لمصلحة الملياردير بين عامَي 1994 و1995، وقال إنّ موظفي الأمن «كانوا يعرفون أنّ أشياء معيّنة حدثت لبعض الموظّفات في هارودز وبارك لين».

أحد المحامين أكّد أنهى لم يرَ قط قضية مروعة مثل هذه (رويترز)

كسر «ثقافة الخوف»

وصفت جميع النساء اللواتي تحدّثت معهن «بي بي سي» شعورهن بالخوف في العمل، الأمر الذي جعل من الصعب عليهن التحدُّث علناً.

أوضحت سارة، إحدى العاملات في المتجر: «كانت ثمة بالتأكيد ثقافة خوف في جميع أنحاء المتجر، من أدنى الناس إلى أعلاهم منصباً».

وصرّحت أخريات بأنهن يعتقدن بأنّ الهواتف في «هارودز» كانت مُنصتة، وأن النساء كنّ خائفات من التحدُّث إلى بعضهنّ البعض بشأن إساءة الفايد؛ خوفاً من تصويرهن بكاميرات خفية.

الفايد وُصف بـ«الوحش» خلال مؤتمر صحافي عقده الفريق القانوني (أ.ف.ب)

وأكد كويل الأمر، موضحاً أنّ جزءاً من وظيفته كان الاستماع إلى أشرطة المكالمات المسجَّلة. وقال إنه جرى تركيب كاميرات قادرة على التسجيل في جميع أنحاء المتجر، بما فيها في الأجنحة التنفيذية. مضيفاً: «لقد كان (الفايد) يتجسَّس على كل مَن أراد التنصت عليه».

وكان متجر «هارودز» قد علَّق بأنّ هذه تُعدّ تصرفات فرد «عازم على إساءة استخدام سلطته»، وهو ما أدانته الشركة بأشد العبارات. وجاء في بيانه: «إنَّ (هارودز) اليوم هي منظمة مختلفة تماماً عن تلك التي كانت مملوكة وخاضعة لسيطرة الفايد بين عامَي 1985 و2010، وهي تسعى إلى وضع رفاهية موظفينا في قلب كل ما نقوم به»، وفق «بي بي سي».

وكشفت وسائل إعلام عدّة عن اتهامات بالاعتداء الجنسي موجَّهة للفايد في الماضي، من بينها مجلة «فانيتي فير» في عام 1995، وقناة «آي تي في» في 1997، و«تشانيل4» في 2017. ولم يكن لدى كثير من النساء الشجاعة للتحدُّث علناً عما تعرّضن له إلا بعد وفاة الجاني العام الماضي.


مقالات ذات صلة

القضاء التونسي يحكم بعدم سماع دعوى حل جمعية «الخط»

شمال افريقيا رئاسة الحكومة لم تكشف عن أسباب طلب حل الجمعية أو تراجعها عنه (أ.ف.ب)

القضاء التونسي يحكم بعدم سماع دعوى حل جمعية «الخط»

أصدر القضاء التونسي حكماً بعدم سماع دعوى حل جمعية «الخط»، التي تدير موقع «إنكفاضة» الاستقصائي المستقل، بعد تراجع رئاسة الحكومة عن طلب الحلّ.

«الشرق الأوسط» (تونس)
يوميات الشرق المشهد المفاجئ لإنقاذ طفل في مصر (فيسبوك)

«لقطة استثنائية»... احتفاء مصري بشاب أنقذ طفلاً من الموت عقب سقوطه

حظيت لقطة «استثنائية» لشاب في منطقة أرض اللواء بمحافظة الجيزة، يلتفت فجأة ويسرع باتجاه طفل سقط من أحد الأدوار العليا، ويتمكن من التقاطه.

محمد الكفراوي (القاهرة)
يوميات الشرق ما تركته الجدّة وصل إلى الحفيدة من دون وصيّة (الشرق الأوسط)

«من إيد لإيد»... الخيط الذي وَصَلَ ثلاث نساء

نائلة الحارس ابنةٌ تسمع في عائلة لا تسمع. وبين السمع والصمم، تشكَّلت علاقتها المُبكِرة بالعالم وبعائلتها...

فاطمة عبد الله (بيروت)
يوميات الشرق ياسمين عبد العزيز وأحمد العوضي

أحمد العوضي يعتذر لياسمين عبد العزيز عن إساءة فهم «تصريحات السيارات»

عادت فصول «العلاقة الشخصية والفنية» التي جمعت الفنان أحمد العوضي بالفنانة ياسمين عبد العزيز لسنوات للواجهة مجدداً رغم طلاقهما قبل عامين.

داليا ماهر (القاهرة )
شمال افريقيا الوزير الأول الجزائري خلال استقبال رئيس الحكومة الإسبانية في 20 يوليو 2026 (الوزارة الأولى الجزائرية)

بعد أزمة الصحراء... العلاقات الجزائرية - الإسبانية أمام اختبار جديد

تضع قضية تسليم رجل الأعمال أيوب عيسيو العلاقات بين الجزائر وإسبانيا أمام اختبار عسير، بعد أن خرجت منذ فترة قصيرة من أزمة حادة لامست القطيعة.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)

محمد الفرج... يحمل الأحساء في حقيبة الذاكرة إلى لندن

من المعرض... النخيل وصور الذكريات (الشرق الأوسط)
من المعرض... النخيل وصور الذكريات (الشرق الأوسط)
TT

محمد الفرج... يحمل الأحساء في حقيبة الذاكرة إلى لندن

من المعرض... النخيل وصور الذكريات (الشرق الأوسط)
من المعرض... النخيل وصور الذكريات (الشرق الأوسط)

محمد الفرج فنان سعودي يحمل موطنه معه في كل أعماله، يعبر عن بيئة الأحساء التي نشأ فيها بالصور والأفلام القصيرة وبالرسم وبالأعمال التركيبية، يرسم نخلات رشيقات بالفحم على الجدران ويستخدم تراب الواحة الغنية ويحوّله لعناصر حية تتشكل أمامنا وتختزل تلك العلاقة الأبدية ما بين الفنان وموطنه.

في معرضه الفردي الأول في لندن، الذي يحمل عنوان «القلب عش طير والعقل شبكة عنكبوت» يعزف محمد الفرج على النغمات الأثيرة لديه وينجح في جذب الزوار لتلك الواحة الغنية التي توجتها الطبيعة بأشجار النخيل الباسقة.

من العنوان يبدأ الفرج في حكاية قصص أعماله التي ينسجها من خيوط الذاكرة والمشاعر والقصص، الجزء الأول من العنوان، «القلب عش الطير»، يعبر عن الدفء والانتماء، بينما العقل، «شبكة العنكبوت»، ينشغل بالأفكار وتشابكاتها وتفريعاتها. بعنوان مثل هذا خارج من قلب الطبيعة يبدأ الفرج الرحلة معنا لاستكشاف معرضه.

من الأعمال في المعرض (الشرق الأوسط)

صور الذاكرة

يتحدث الفنان عن عمل يشغل مساحة ضخمة في العرض وهو عبارة عن مجموعة من الصور الفوتوغرافية الضخمة الموضوعة على الأرض بشكل متسق وفي الخلفية صورٌ أخرى تحتل جدار بأكمله.

تحتل صورة بالأسود والأبيض أغلب مساحة الجدار الخلفي، تصور أحد شوارع مدينته، نرى المباني والأشجار على جانب الطريق، هناك سيارات، ولكنها محجوبة بفعل صور أخرى موضوعة أمامها، تتقاطع صور الشارع مع صورٍ أخرى صغيرة مثبّتة فوقها؛ إحداها لمنظر غروب، وأخرى لطائر، وثالثة لشخص يتسلّق نخلةً لجني ثمارها.

صور من الذاكرة (الشرق الأوسط)

نعبر ببصرنا من الخلفية للمقدمة حيث تتناول بقية الصور مشاهد حياتية منها صور لنساء وأطفال على الشاطئ، رجل يجلس في غرفة تقليدية الطراز ولقطات أخرى.

يحمل العمل عنوان «كل ما أملكه هو هذه الإطارات، وأخشى أن أرمش فأفقدها»، يعبر عن الذاكرة ومحاولة الاحتفاظ بها. يصف الفنان الذكريات بأنها مثل «حفنة الرمل التي تتسرب من بين أصابعنا»، ويلجأ للكاميرا لمحاولة تجميد تلك اللحظات في صور، يقول: «أسرتني فكرة وجود أداة أو جهاز في حياتنا يتيح لنا الإمساك بذلك الشيء الذي نحاول التشبث به، رغم أن محاولاتنا غالباً ما تكون دون فائدة». ثم يضيف: «رغم ذلك أرى أن الكاميرا تمثل أعظم محاولة لالتقاط تلك الجوهرة».

تبدو طريقة عرض الصور أمامنا كمحاولة من الفنان لعيش التجربة مرة أخرى: «يراودني دائماً شعور بالإحباط بسبب الطبيعة ثنائية الأبعاد للصورة الفوتوغرافية، أي طريقة تمثيلها للذاكرة؛ إذ أتمنى لو كان بوسعي الدخول إلى داخل الصورة ورؤية عناصرها واحداً تلو آخر. وفي هذا العمل التركيبي نحاول تجسيد تلك الفكرة؛ حيث توجد صورة قد تظنها للوهلة الأولى، عند دخولك الغرفة، صورةً واحدةً متصلة، لكنك تكتشف عند الاقتراب منها أنها في الواقع مجزأة».

النخلات الباسقات وصورة العائلة (الشرق الأوسط)

الذاكرة تحمل أيضا تأثير المزارع والآبار وأشجار النخيل، تنطبع كلها بشكل أو بآخر في المعرض، تحضر أشجار النخيل في أكثر من عمل مرسومةً بالفحم على الجدران، تبدو نخلاته رشيقة، وتتدلّى ثمارها مثل أقراط الأذن كأنه يصور نساء عائلته، يشير إلى عملٍ أمامنا ويقول: «النخلة هي مثل برج ذاكرة بالنسبة لي؛ تمثل الصمود والقوة، وفيها كثير من العطاء... هي تمثل، بالنسبة إليّ، أشخاصاً من عائلتي».

العمل يصور 4 نخلات ويحمل عنوان «صورة العائلة»، يعلق أنه يجد في النخيل صور الأجداد والجدات ثم يضيف: «... والخالات بالذات، حتى من توفي منهن، أتذكرهن بصورة رومانسية جداً لأنهن من عالم ومن ثقافة مختلفة، ولهن اتصال عجيب جداً بالأرض».

حكاية البلبل

ننتقل لعمل منفصل يعتمد على مستطيل مكون من الرمل على الأرض وتنعكس عليه مشاهد فيلمية، يحمل اسم «تمرة المعرفة». ومرة أخرى نجد أنفسنا في الواحة بنخيلها ورمالها وطيورها، هذه المرة عبر الصورة والصوت والحركة.

يروي الفنان بصوته حكاية العمل ونستمع له خلال العرض عبر السماعات الشخصية، فتغدو التجربة ملموسة جداً، فالفنان - الراوي يحكي لنا شخصياً قصة العمل.

جانب من عمل «تمرة المعرفة» للفنان محمد الفرج (الشرق الأوسط)

لمحمد الفرج شغف بالحكايات والقصص والأمثال الشعبية، شغف يظهر في أعماله المختلفة وفي هذا العمل نعرف أن الحكاية من تأليفه هو شخصياً.

بطل قصته هو البلبل الذي نرى انعكاس صورته وهو يقفز على الرمل أمامنا، يقول الراوي: «يسمع البلبل حكاية متداولة تقول إن في كل نخلة تمرةً واحدة تحمل المعرفة الكونية كلها. مدفوعاً بالرغبة في الحصول على المعرفة يبدأ البلبل في أكل جميع الثمار في النخيل، وبالفعل يجد التمرة المنشودة ويأكلها ويحصل على المعرفة كما أراد، ولكنه يكتشف أن المعرفة حمل ثقيل جداً. عندما نعرف كل شيء تتحول المعرفة إلى نقمة. نفقد الدهشة والاكتشاف والفضول. عندما تعرف كل شيء، لا تعود قادراً على تغيير أي شيء».

يشير الفنان إلى فكرة القصة، خطرت له بعد نقاش مع أبناء شقيقته الذين تفاخروا بأنهم بمقدورهم معرفة كل شيء بفضل «تشات جي بي تي»، ويعلق: «الفيلم رسالة لي قبل أن يكون رسالة للناس، بأن لا تحاول أن تتحكم في كل شيء، واترك الحياة تسير بإيقاعها الطبيعي».

بالنسبة للبلبل كانت المعرفة الكاملة حملاً لم يستطع حمله فقرر التخلص منه ولجأ لصديق من الطيور ليساعده: «قال له صديقه تعال معي لنخرج للبرّ وسوف أعلمك ما يجب أن تفعله، هناك في الصحراء الخالية أشعل الصديق ناراً، وقال للبلبل: غرد بكل ما تعرفه في النار فهي سيدة النسيان»، ويغرد البلبل وينسى كل ما تعلمه.

ما تعبر عنه الرمال

في جانب من العرض 3 صور تلعب الرمال فيها دور البطولة، تُظهر تشكيلات مختلفة من الرمل، يطلق عليها الفنان عنوان «الرمال الزاحفة».

الفكرة خلف العمل أيضاً تأخذنا لعالم يعرفه الفرج جيداً، ويرتبط بذكريات الطفولة بشكل كبير: «الأمر بسيط للغاية؛ تأخذ حفنة من الرمل، وترميها في الهواء، وتلتقط صورة لها وهي تشكّل منحوتةً تدوم لجزءٍ من الثانية. هي مستوحاة من لعبة يمارسها الأصدقاء في لحظات اللهو. تتحول اللعبة البسيطة لدى محمد الفرج إلى سؤال عميق يحتاج لإجابة: تمثل (الرمية) السؤال، بينما تمثل الصورة التي تلتقطها للرمال المتساقطة الإجابة. الأمر أشبه بزيارة قارئة الطالع التي ترمي الحجارة لتخبرك بشيء ما؛ وما يتشكل من أشكال هو ما تبحث عنه... إنها سلسلة مثيرة للاهتمام للغاية بالنسبة لي؛ لأن الأشكال الناتجة عنها مذهلة وغير عادية».

«الرمال الزاحفة» ولهو الطفولة (الشرق الأوسط)

نخرج من المعرض محمّلين بصورٍ ومعانٍ وإحساسٍ بأننا زرنا واحة الأحساء عبر مشاعر محمد الفرج ولقطاته وتصاحبنا كلماته: «أنظر إلى مفهومي (الوطن) و(العائلة) بمعناهما الأوسع؛ فالحشرات هي أقاربي المفقودون منذ زمن بعيد والذين يرغبون في العيش على حسابي، والأبقار جيراني الصاخبون الذين بيني وبينهم (خلافات)، أما الطيور فتسأل عن أحوالي دائماً».


آن كارسون تحصد «نوبل للآداب» عبر «تكسير» القواعد التقليدية

آن كارسون (لجنة نوبل)
آن كارسون (لجنة نوبل)
TT

آن كارسون تحصد «نوبل للآداب» عبر «تكسير» القواعد التقليدية

آن كارسون (لجنة نوبل)
آن كارسون (لجنة نوبل)

الإعلان عن فوز الأديبة الكندية آن كارسون بجائزة «نوبل للآداب»، الخميس، أعاد تسليط الضوء على تجربتها التي تمتد عبر ما يقرب من نصف قرن في الاشتغال على الشعر والترجمة وبحوث اللغة والتاريخ والأدب، فضلاً عن دورها في الحياة الأكاديمية كباحثة ومحاضرة متخصصة في الآداب القديمة، لا سيما الأدب الإغريقي.

وبحسب نقاد ومتابعين، فإن أبرز ما يميز تلك التجربة هو براعة كارسون في «تكسير القواعد الأدبية المتعارف عليها»؛ إذ تخطت الحدود التقليدية التي تفصل بين الأنواع المختلفة، وجاءت أعمالها مزيجاً من القصيدة الشعرية والسرد القصصي وكتابة اليوميات والتأملات المفتوحة.

الأديب البارز محمد سلماوي عدّ آن كارسون بمنزلة «الشاعرة التي حوّلت الكلاسيكيات إلى مختبر للفكر المعاصر كما خلقت منه أشكالاً إبداعية حديثة، ومن ثم جاء فوزها بجائزة (نوبل) تتويجاً لمسيرة تمتد لأكثر من ثلاثة عقود، ترسخ خلالها اسمها كواحد من أكثر الأصوات الأدبية إثارة للتفكير في عصرنا».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «علاقتها بالعالم القديم بدأت في المدرسة الثانوية، عندما وافق مدرس اللاتينية على تعليمها اليونانية خلال استراحة الغداء بناء على طلبها، وقد حصلت على الدكتوراه في الدراسات الكلاسيكية عام 1981، كما درّست الأدب اليوناني واللاتيني في جامعات كبرى مثل ماكغيل وبرينستون».

فوز آن كارسون بجائزة «نوبل للآداب 2026» (لجنة نوبل)

وتهيمن على نصوص الأديبة الكندية «ثيمات» الفقد والحزن عبر لغة مرهفة تمس الوجدان وتحلل الواقع المعاصر، مع استلهام خاص لأجواء الأساطير اليونانية القديمة، وهو ما اعتبره كثيرون بمنزلة «الوجه الآخر» لمسيرتها الأكاديمية الصارمة وبحوثها المخلصة وترجماتها الدؤوبة، وهو ما يتجلى في الكثير من أعمالها، لا سيما «نوكس»، وهي مفردة تعني «الليل» باليونانية القديمة، وتستعيد فيه صدمة فقدها شقيقها المقرب منها.

وأعربت كارسون مراراً، عبر تصريحات إعلامية، عن أنها «لا تسعى إلى مجابهة الموت أو تحديه كقدر محتوم يختطف أحباءنا، وإنما تسعى بكل بساطة لأن تصنع من العجز عن مواجهته حالة أدبية خاصة تتميز بالصدق في التعبير عما يكتنف الروح من جراح لا تبرأ بسهولة».

وُلدت الأديبة المتوجة بـ«نوبل» عام 1950 بمدينة تورنتو، ومن أشهر مؤلفاتها «سيرة ذاتية للأحمر» الذي تتناول فيه وحشاً يظهر في أسطورة «هيركليز» الشهيرة بجناحين حمراوين ويبعث على الخوف، لكنه يتحول عبر سطورها إلى كائن يمتلك مشاعر إنسانية، على نحو يدعو للتعاطف معه.

وأشار الشاعر والمترجم المصري عبد الرحيم يوسف الذي ترجم لآن كارسون كتاب «إيروس- الحلو المر»، الصادر 1986، والمأخوذ عن أطروحتها للدكتوراه بعنوان «أحب وأكره إذن أنا موجود»، إلى أنها «تتناول مفهوم الرغبة والعاطفة عند اليونانيين القدماء»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «عالمها الإبداعي في نفس الوقت لا ينفصل عن إنسان العصر الذي تناقش أزماته الوجودية بعقل الباحثة وروح الشاعرة».

«إيروس» من الأعمال المترجمة لآن كارسون (غلاف الكتاب المترجم)

وعدّ الناشر المصري محمد البعلي، مدير دار «صفصافة» التي صدر عنها كتاب «إيروس»، فوز كارسون بمنزلة «انتصار للأدب الرفيع والجاد والذي يلامس هموماً حقيقية يعاني منها إنسان العصر»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أنها «لم تراهن يوماً على البعد التجاري، ولم تلهث أمام (الموضات) الأدبية مثل (الأكثر مبيعاً)، وركزت فقط على التعبير عن مشاعرها بصدق».

وأوضح سلماوي أنه «ربما كان أهم ما يميز الأديبة الكندية هو رفضها القاطع للتصنيفات الأدبية، والتي قد يضع عليها البعض لافتة (رواية) أو (شعر)، حيث نجد أنها تدمج القصيدة بالنثر بالمقال بالترجمة بالتصوير الدرامي... فضلاً عن تعاونها مع فنانين بصريين ومصممي رقص ومخرجي أوبرا».

ولفت إلى أنها «دائماً ما كانت تردد أن الأدب ليس وظيفته (تخدير القارئ) وإنما (تحريك عقله)، وربما لهذا السبب بالضبط، بعد أربعين عاماً من الكتابة، لا تزال نصوصها تشعرنا بأننا نقرأ أدباً مختلفاً لم يُكتب من قبل».


«مطلوب عائلياً»... عودة «غير مقنعة» لكريم عبد العزيز إلى الكوميديا

كريم مع صناع الفيلم على السجادة الحمراء (الشركة المنتجة)
كريم مع صناع الفيلم على السجادة الحمراء (الشركة المنتجة)
TT

«مطلوب عائلياً»... عودة «غير مقنعة» لكريم عبد العزيز إلى الكوميديا

كريم مع صناع الفيلم على السجادة الحمراء (الشركة المنتجة)
كريم مع صناع الفيلم على السجادة الحمراء (الشركة المنتجة)

يعود الفنان المصري كريم عبد العزيز إلى الكوميديا الاجتماعية عبر فيلمه الجديد «مطلوب عائلياً»، والذي انطلق عرضه في الصالات المصرية والعربية، وهو الفيلم الثاني له هذا العام بعد فيلم «7 دوجز»، الذي تصدّر شباك التذاكر بمصر والوطن العربي خلال موسم الصيف السينمائي.

ويراهن كريم في الفيلم، الذي كتبه شريف الليثي، وشاركته بطولته ياسمين صبري مع مصطفى خاطر وأخرجه معتز التوني، على العودة لأفلام الكوميديا الاجتماعية، من خلال شخصية «فاروق» الأب المشغول عن أبنائه بعمله مديراً لأحد محال التسوق الكبرى، فيما تكون زوجته «مي»، التي تقوم بدورها ياسمين صبري، مسؤولة عن أبنائهما بشكل كامل.

وفيما ينخرط «فاروق» في عمله بشكل مكثف، ساعياً إلى تحقيق نجاحات مستمرة، فإن علاقته مع أبنائه يشوبها نوع من التوتر المستمر غير المباشر بسبب انشغاله عنهم واكتفائه بالتركيز على تلبية مطالبهم المادية من دون الاهتمام بالأنشطة والتمارين الرياضية التي يشتركون فيها.

كريم عبد العزيز في العرض الخاص للفيلم (الشركة المنتجة)

ولا تتجاوز أحداث الفيلم 90 دقيقة، وتنحصر في استعراض انشغال «فاروق» بعمله وحياته اليومية، قبل أن تنقلب أوضاعه رأساً على عقب مع انتقال «جلال»، شقيق زوجته الذي يُجسد دوره مصطفى خاطر، للإقامة معه. وتتفاقم الأحداث عندما يجد «جلال» نفسه متورطاً في أزمة خطيرة، ما يدفع «فاروق» إلى محاولة إنقاذ نفسه وعائلته من قبضة عصابة تجبره على تنفيذ مهمة خلال مهلة زمنية محددة. ومع تعثر محاولاته لإبعاد عائلته عن الخطر، تصل العصابة إليهم قبل أن يتمكن من حمايتهم، لتنطلق سلسلة من المواقف والمطاردات التي تشكل محور الفيلم.

ويُمثل الفيلم التعاون السينمائي الثاني بين كريم عبد العزيز وياسمين صبري، بعد فيلم «المشروع إكس»، الذي شاركهما بطولته إياد نصار. وصُوّرت أحداث «مطلوب عائلياً» بين مصر وماليزيا، التي شكّلت موقعاً رئيسياً للنصف الثاني من أحداث الفيلم.

وقال الناقد الفني محمد عبد الرحمن لـ«الشرق الأوسط» إن فيلم «مطلوب عائلياً» ينتمي إلى نوعية الأفلام العائلية الكوميدية التي يجيدها كريم عبد العزيز، لكنه افتقد كثيراً من عناصر الجذب السينمائي، موضحاً أن تقديم فيلم كوميدي خفيف لا يقلل من ضرورة الاهتمام بجودة عناصره، وأن قدرة النجم على إضحاك الجمهور تحتاج إلى عمل متكامل يساندها.

وأضاف عبد الرحمن أن التصوير في ماليزيا لم يكن مقنعاً من الناحية الدرامية، إذ لم يُوظَّف المكان بصورة جيدة في السيناريو، ولم يظهر مبرر درامي مقنع لاختياره، مشيراً إلى أن الاستفادة من مواقع التصوير تحتاج إلى ارتباط واضح بالحكاية وتطور أحداثها، حتى تصبح جزءاً مؤثراً في التجربة السينمائية وتضيف إليها، بدلاً من الاكتفاء بحضورها بوصفها خلفية للأحداث.

وهو ما يؤكده الناقد علي الكشوطي، الذي يقول لـ«الشرق الأوسط»، إن «وجود كريم عبد العزيز في عمل سينمائي يُمثل في حد ذاته عامل جذب مهماً للجمهور لمشاهدة الفيلم، ورغم الجهد الكبير الذي بذله في العمل فإنه كان بحاجة إلى عناصر مساندة أكثر قوة من صناع العمل، تمنح أداءه إطاراً درامياً يساعده على تقديم تجربة سينمائية أكثر اكتمالاً».

وأضاف الكشوطي لـ«الشرق الأوسط» أن الفيلم ينطلق من فكرة جيدة، لكن المعالجة جاءت مفككة، ولم تنجح في بناء حبكة درامية متماسكة تستثمر إمكانات هذه الحكاية، محملاً مؤلف الفيلم شريف الليثي جانباً كبيراً من مسؤولية ضعف البناء الدرامي، لأن تطوير الفكرة كان يحتاج إلى اهتمام أكبر بترابط الأحداث ودوافع الشخصيات، حتى تصبح المواقف الكوميدية جزءاً من الحكاية وتسهم في دفعها إلى الأمام.

الملصق الترويجي للفيلم (الشركة المنتجة)

وأشار إلى أن «الفيلم لم يحسم هويته الدرامية، إذ يقدم نفسه بوصفه عملاً كوميدياً، في حين يطمح أيضاً إلى أن يكون فيلماً عائلياً واجتماعياً يحمل رسالة عن دور الأب»، مؤكداً أن «الخطوط الدرامية تبعثرت نتيجة ذلك في كثير من الأحيان، مع الانتقال من موقف كوميدي إلى آخر داخل بناء غير مكتمل، مع افتقار بعض تحولاته إلى المبررات الكافية».

ولفت الكشوطي إلى أن «ياسمين صبري تمتلك حضوراً لافتاً على الشاشة، لكنها تحتاج إلى تحدٍّ جديد يكشف إمكاناتها بصفتها ممثلة، ويتجاوز الاعتماد على حضورها الجمالي»، معتبراً أن «ثبات تعبيرات وجهها في المشهد الذي تعتقد فيه أن والدها توفي يكشف عن حاجة أدائها إلى تنوع أكبر، وقدرة أوضح على التعبير عن الانفعالات التي تفرضها المواقف الدرامية المختلفة».

وأضاف أن «مصطفى خاطر كان يحتاج إلى دراسة أعمق لدوره، حتى تتضح ملامح الشخصية المستهترة ولا تختلط بشخصية مراهقة غير ناضجة،» مؤكداً أن «هذه الملاحظات لا تنفي تقديم الفيلم جرعة من الكوميديا».