من «شوغن» الياباني إلى رسائل ضد ترمب... التنوّع نجمُ «إيمي»

الحفل السنوي للجوائز التلفزيونية يسحب البساط من تحت أقدام «نتفليكس»

فريق مسلسل «شوغن» الفائز الأكبر في ليلة جوائز «إيمي» (أ.ب)
فريق مسلسل «شوغن» الفائز الأكبر في ليلة جوائز «إيمي» (أ.ب)
TT

من «شوغن» الياباني إلى رسائل ضد ترمب... التنوّع نجمُ «إيمي»

فريق مسلسل «شوغن» الفائز الأكبر في ليلة جوائز «إيمي» (أ.ب)
فريق مسلسل «شوغن» الفائز الأكبر في ليلة جوائز «إيمي» (أ.ب)

إنها الليلة التلفزيونية الكبرى، ليلة الـEmmys (إيمي)؛ تلك التي ينتظرها نجوم الشاشة الصغيرة، أو بالأحرى منصات البثّ، حتّى يُكرَّموا عن مسلسلاتهم وأدوارهم.

في نسخته الـ76، اتّسم حفل «إيمي» بالتنوّع، إذ امتدّت هويّات الفائزين من اليابان إلى بورتوريكو، مروراً بأسكوتلندا.

«شوغن» الياباني نجم الدراما

الفائز الأكبر، في السهرة التي استضافها مسرح بيكوك في لوس أنجليس، كان مسلسل «شوغن (Shogun)»، الذي بثّت منصة FX موسمَه الأول، مطلع 2024، ساحباً البساط من تحت أقدام مُنافسيه مثل «ذا كراون»، و«ذا مورنينغ شو»، وحصد العمل ذو الإنتاج الأميركي والناطق باليابانيّة 18 جائزة «إيمي»، من أصل 25 ترشيحاً، على رأسها لقب أفضل مسلسل عن فئة الدراما.

حاز المسلسل الأميركي الناطق باليابانية على 18 جائزة «إيمي» من أصل 25 ترشيحاً (أ.ب)

تروي القصة التاريخية صراعاً بين بحّار إنجليزي ورجل يابانيّ نافذ، وتدور الأحداث بين القرنين الـ16 والـ17. وقد انعكست جماهيريّة المسلسل على مسرح «إيمي»، حيث انهمرت الجوائز عليه، من بينها كذلك أفضل إخراج لفردريك توي، وتمثيل لكل من النجم الياباني هيرويوكي سانادا، ومُواطنته آنا ساواي، والممثل الأميركي نيستور كاربونيل.

ساواي هي أول ممثلة من أصولٍ آسيوية تفوز بـ«إيمي»، وقد ألقت كلمةً مؤثّرة قالت فيها: «هذه الجائزة هي لكل امرأة لا تتوقّع شيئاً، لكنها تُواصل تقديم المثال الجيّد للجميع»، شاكرةً والدتها التي علّمتها الصلابة والرزانة.

النجمان اليابانيان هيرويوكي سانادا وآنا ساواي الحائزان على جائزتيْ أفضل تمثيل في مسلسل درامي (رويترز)

فرحة «ذا بير» لم تكتمل

أما ثاني أكبر الفائزين فكان «ذا بير (The Bear)» عن فئة الكوميديا، وذلك للسنة الثانية على التوالي. وتُواكب القصة يوميات شيف موهوب يتخلّى عن نجوميته، من أجل إنقاذ مطعم صغير ورثه عن شقيقه الذي أورثه معه مشكلاتٍ وديوناً لا تُحصى. نال العمل 11 «إيمي»، من أصل 23 ترشيحاً، مضاعِفاً بذلك فخر منصة FX التي خرجت مع العدد الأكبر من الجوائز، مطيحةً بمنافستَيها «نتفليكس» و«HBO».

رغم تضارب وجهات النظر حول ما إذا كان تصنيف «ذا بير» ضمن فئة الكوميديا ملائماً، فإن المسلسل المتأرجح بين الضحكة والدمعة جذب الأنظار إليه من جديد، عبر موسمه الثالث. إلى جانب أفضل إخراج لكريستوفر ستورر، نال «ذا بير» جوائز أفضل ممثل لجيريمي آلن وايت، وأفضل ممثل بدور مساعد لإيبون موس باكراك، وأفضل نجوم ضيوف على العمل للممثلين جون بيرنتال، والمخضرمة جيمي لي كورتيس، التي وصفت تجربتها بالاستثنائية.

حصد فريق ممثلي «ذا بير» ألقاب أفضل أداء عن فئة الكوميديا (رويترز)

لم تخلُ ليلة «إيمي» من بعض المواقف السياسية المنتقدة للمرشّح دونالد ترمب، ونائبه جي دي فانس، ولا سيّما في موضوعَي الخطاب المناهض للمهاجرين والنساء، والحيوانات الأليفة. وقد توجّهت ليزا كولون زاياس، الفائزة عن فئة أفضل ممثلة بدور مساعد في «ذا بير»، إلى «كل النساء اللاتينيات اللاتي يشاهدنني الآن»، بالقول: «لا تتخلّين عن الإيمان وانتخبن. انتخبن من أجل حقوقكنّ»، مع العلم بأن زاياس متحدّرة من بورتوريكو.

رغم فوزه بتلك الجوائز كلها، فإن «ذا بير» لم يُصنَّف على أنه أفضل مسلسل كوميدي، مُفسحاً المجال، هذا العام، لـ«هاكس (Hacks)» للفوز باللقب. حصل الموسم الثالث من هذه الكوميديا الأميركية التي تعرضها منصة «HBO»، على جائزة أفضل مسلسل عن فئة الكوميديا، إضافةً إلى أفضل كتابة تلفزيونية. أما على مستوى التمثيل، فقد نالت جين سمارت «إيمي» أفضل أداء بدور بطولة في سلسلة كوميدية.

فرحة فريق مسلسل «هاكس» الفائز بـ«إيمي» أفضل عمل كوميدي (أ.ب)

سمارت، البالغة 73 عاماً، بدت متأثّرة وممتنّة لدى تسلمها الجائزة، وقالت: «أُقدّر هذا التكريم كثيراً، لأنني لا أحظى عادةً بالانتباه الكافي». ويتمحور «هاكس» حول شخصية سمارت بدور «ديبوراه فانس»، النجمة الكوميدية التي بدأت تفقد بريقها بسبب تقدّمها في السن، وهي تحاول إنقاذ مسيرتها بمساعدة كاتبة شابة تُصارع الفشل والرفض.

في الـ73 فازت جين سمارت بإيمي أفضل ممثلة في مسلسل كوميدي (رويترز)

اعترافات مؤلّف «بيبي ريندير»

ثالث أبرز الفائزين في ليلة «إيمي» كان «بيبي ريندير (Baby Reindeer)»، عن فئة أفضل مسلسل قصير. وبذلك سجلت نتفليكس فوزها الأكبر، إذ حاز العمل البريطاني، المنتمي إلى فئتَي الكوميديا السوداء والدراما النفسية، على 6 جوائز.

صعد مؤلّف المسلسل وشخصيته الرئيسة ريتشارد غاد إلى المسرح مرتدياً الزيّ الأسكوتلندي التقليدي، في تحيةٍ إلى جذوره. وقد شكّل هذا الفوز لحظة استثنائية لغاد الذي تخطّى سنواتٍ من الإدمان والأزمات السلوكيّة، ليجد نفسه مكرَّماً على خشبة «إيمي» بجوائز أفضل مسلسل وكتابة وأداء تمثيلي. وفي كلمته أمام الحضور قال: «قبل 10 سنوات، كنت محبَطاً خارج الصورة. لم أتصوّر أنني سأعيد ترميم حياتي... وها أنا هنا، بعد 10 سنوات، أتسلّم إحدى أهمّ الجوائز التلفزيونية». كذلك حازت زميلته في المسلسل، جسيكا غانينغ، على «إيمي» أفضل ممثلة بدور مساعد.

ريتشارد غاد وجسيكا غانينغ بطلا مسلسل «بيبي ريندير» (أ.ب)

ديانا تنقذ نتفليكس

الموسم السادس من «ذا كراون (The Crown)»، والذي ودّع به المشاهدون حكاية العائلة البريطانية المالكة، اكتفى بجائزة واحدة، رغم ترشّحه عن فئات عدة. كان الـ«إيمي» الوحيد من نصيب الممثلة إليزابيث ديبيكي التي أدّت شخصية الأميرة الراحلة ديانا.

الممثلة الأسترالية إليزابيث ديبيكي فازت بإيمي عن أدائها شخصية الأميرة ديانا في مسلسل «ذا كراون» (أ.ف.ب)

من جهته، اكتفى نجم منصة «آبل تي في بلاس»، مسلسل «ذا مورنينغ شو (The Morning Show)»، بجائزة واحدة ذهبت للممثل بيلي كرودوب عن فئة أفضل أداء بدور مساعد.

مهاجرو السينما

أما النجمة السينمائية العابرة للأجيال جودي فوستر، فقد اختبرت تجربةً هي الأولى من نوعها، خلال رحلتها الفنية. فالممثلة الأميركية، الحائزة على جائزتيْ أوسكار، حصلت على أول «إيمي» في مسيرتها، وهي في الـ61 من العمر. وصفت فوستر اللحظة بالمؤثرة، وتجربتها في مسلسل «ترو ديتكتيف (True Detective: Night Country)» على منصة «HBO»، بالساحرة.

الممثلة الأميركية المخضرمة جودي فوستر وجائزتها التلفزيونية الأولى (أ.ف.ب)

ليس فوز فوستر بأهمّ جائزة تلفزيونية سوى دليلٍ إضافي على موسم الهجرة من الشاشة الكبيرة إلى الشاشة الصغيرة، الذي تشهده هوليوود منذ سنوات. وتأكيداً لذلك، فقد مازح مقدِّما الحفل الممثلان يوجين ودان ليفي الحضورَ لدى افتتاحهما السهرة بالقول: «أهلاً بكم إلى أكبر ليلة تلفزيونية تكرِّم نجوم السينما على منصات البث».


مقالات ذات صلة

دنيا سمير غانم تفتح صفحة غنائية جديدة عبر «الله يعيني»

يوميات الشرق الملصق الدعائي لأغنية «الله يعيني» (حسابها على فيسبوك)

دنيا سمير غانم تفتح صفحة غنائية جديدة عبر «الله يعيني»

تفتح الفنانة المصرية دُنيا سمير غانم صفحة غنائية جديدة في مسيرتها كونها مطربة عبر أحدث ألبوماتها «الدلال».

انتصار دردير (القاهرة)
يوميات الشرق كندة علوش - حسابها على فيسبوك

كندة علوش: شخصية الأم المسيطرة في «خمسين خمسين» استهوتني

قالت الفنانة السورية كندة علوش إن شخصية «رانيا» التي تجسدها في مسلسل «خمسين خمسين» جذبتها لما تحمله من تناقضات.

أحمد عدلي (القاهرة)
الولايات المتحدة​ صورة مركبة للجندي الأميركي جون بينيت (يميناً) والمجند الأميركي إيدي دونالد سلوفيك (يساراً)

تاريخ الإعدام العسكري في أميركا... من سلوفيك وبينيت إلى الرائد نضال حسن

من رصاص سلوفيك ومشنقة بينيت إلى زنزانة نضال حسن، تسلسل تاريخي لقرارات الإعدام العسكري السيادية التي وقعها رؤساء أميركا.

كوثر وكيل (لندن)
يوميات الشرق آر جيه ميت (أرشيفية - أ.ب)

وفاة الممثل آر جيه ميت نجم «بريكنغ باد» عن عمر 34 عاماً

توفي الممثل الشاب آر جيه ميت المعروف بشخصية والتر وايت جونيور في المسلسل التلفزيوني الشهير «بريكنغ باد»، عن عمر ناهز 34 عاماً.

«الشرق الأوسط» (لوس أنجليس)
يوميات الشرق منى زكي في لقطة من مسلسل «طالع نازل» (منصة شاهد)

منى زكي تعود إلى منطقتها الدرامية المفضلة عبر «طالع نازل»

تعود الفنانة المصرية منى زكي لمنطقتها الدرامية المفضلة لتناقش مجدداً هموم وقضايا المرأة عبر مسلسل «طالع نازل- الحب اللي كان».

انتصار دردير (القاهرة)

دواء لعلاج الأطفال المصابين بالتقزم يثير جدلاً أخلاقياً

يأمل الآباء أن يُسهم الدواء في الوقاية من مضاعفات صحية خطيرة (بكسلز)
يأمل الآباء أن يُسهم الدواء في الوقاية من مضاعفات صحية خطيرة (بكسلز)
TT

دواء لعلاج الأطفال المصابين بالتقزم يثير جدلاً أخلاقياً

يأمل الآباء أن يُسهم الدواء في الوقاية من مضاعفات صحية خطيرة (بكسلز)
يأمل الآباء أن يُسهم الدواء في الوقاية من مضاعفات صحية خطيرة (بكسلز)

أثار دواءٌ يُساعد الأطفال المصابين بالنوع الأكثر شيوعاً من التقزم على زيادة طولهم جدلاً أخلاقياً واسعاً. ففي حين يأمل الآباء أن يُسهم هذا الدواء، إلى جانب زيادة الطول، في الوقاية من مضاعفات صحية خطيرة، يخشى المنتقدون أن يُوحي علاجٌ يركز على زيادة الطول بأنَّ التقزم حالةٌ تستدعي العلاج.

ويُستخدم دواء «فوسوريتيد»، الذي يُباع تحت اسم «فوكسزوغو»، لعلاج الأطفال المصابين بالودانة، وهي حالة وراثية تُعيق نمو العظام. وقد تمت الموافقة عليه في أوروبا عام 2021، وهو مُصرّحٌ به الآن للأطفال من عمر أربعة أشهر، في وقت لا تزال عظامهم في طور النمو.

وتُشير التجارب السريرية إلى أن «فوسوريتيد» يُسرِّع النمو. لكن يبقى من غير المؤكد ما إذا كان بإمكانه الوقاية من مضاعفات طبية خطيرة أو تحسين جودة الحياة على المدى الطويل.

ويثير هذا الأمر تساؤلات صعبة حول معايير العلاج الناجح، ومدى حقّ الأشخاص المصابين بالتقزم الغضروفي في تحديد نتائجه.

وأصبحت الأدلة على أن دواء «فوسوريتيد» يزيد النمو راسخة. ويأمل الآباء أن يُسهم العلاج أيضاً في الحدّ من بعض المضاعفات الطبية المرتبطة بالتقزم الغضروفي. وتُظهر نتائج تجربة أُجريت في عام 2026 مؤشرات أولية على أن العلاج المبكر بـ«فوسوريتيد» قد يُحسِّن نمو العمود الفقري. كما وجدت دراسة أخرى انخفاضاً في معدلات بعض المضاعفات بين الأطفال في تجارب «فوسوريتيد» مقارنة بالبيانات المنشورة عن الأشخاص الذين لم يتلقوا الدواء. هذه النتائج واعدة، لكنها لا تُثبت بعد ما إذا كان العلاج سيمنع المضاعفات الخطيرة طوال الحياة. تابعت دراسة العمود الفقري الأطفال لمدة عام واحد فقط، وشملت أعداداً قليلة نسبياً.

ووفق مقال مشترك لكل من إيرين بريتشارد، المحاضرة الأولى في دراسات الإعاقة بجامعة ليفربول هوب الإنجليزية، وسامانثا ليلي، مدرّسة الصحة والتنمية الاجتماعية بجامعة ديكين الأسترالية، نُشر، الأربعاء، على موقع «كونفيرزيشين»، تُصعّب الدراسات الصغيرة تحديد ما إذا كانت الاختلافات تعكس تأثيرات علاجية حقيقية، خصوصاً فيما يتعلق بالمضاعفات النادرة.

ووفق المقال، توجد أيضاً أسباب تدعو إلى الحذر عند افتراض أن بدء العلاج مبكراً جداً سيمنع حدوث مضاعفات خطيرة.

أظهرت الأبحاث التي أُجريت على أشخاص مصابين بالتقزم الغضروفي أنهم قد يواجهون صعوبات تتعلق بالصحة والوظائف البدنية، إلى جانب الحواجز الاجتماعية المرتبطة بالعيش في عالم مصمم وفقاً لأجسام متوسطة الطول.

وكما أوضحت الباحثتان، فإن تجربة تلقي العلاج تستحق اهتماماً خاصاً أيضاً. يتطلب دواء «فوسوريتيد» حقناً يومية طوال سنوات النمو. ووجدت دراسة أُجريت على سبع عائلات لأطفال تتراوح أعمارهم بين سنتين وأربع سنوات أن الحقن قد تُسبب الخوف والألم والضيق لدى الأطفال.

ووفق المقال، تكتسب هذه التساؤلات أهمية خاصة بالنظر إلى تاريخ العلاجات التي تهدف إلى زيادة الطول. على سبيل المثال، لا تزال جراحة إطالة الأطراف مثيرة للجدل. فقد وجدت مراجعة منهجية أُجريت عام 2026 أنها قد تُحقق زيادات كبيرة في طول الأطراف، ولكنها تتطلب علاجاً طويل الأمد وتنطوي على مخاطر عالية لحدوث مضاعفات.

ويُولد نحو 80 في المائة من المصابين بالتقزم الغضروفي لآباء ذوي طول متوسط. وهذا ما يجعل تجارب البالغين المصابين بهذه الحالة ذات قيمة، خاصة عند تفكير العائلات في العلاج. ويتخذ الآباء عادةً قرارات بالموافقة على الرعاية الصحية لأطفالهم الصغار جداً. وهم في حاجة إلى معلومات واضحة تُفرِّق بين الفوائد المؤكدة والنتائج المرجوة أو غير المؤكدة.

لذا؛ يتجاوز النقاش الأخلاقي حول «فوسوريتيد» مجرد مسألة ما إذا كان الدواء يزيد من طول الأطفال، ليشمل أيضاً الفوائد الصحية التي تم إثباتها، وكيف يؤثر العلاج على الأطفال يومياً، ومن له الحق في تحديد مدى نجاحه.


«الزار»... طقس شعبي مصري يتطلع لقوائم الـ«يونيسكو»

«الزار» استخدم كطقس شعبي للعلاج النفسي ورصدته أفلام السينما والمرويات الشعبية (البحث المقدم لمؤتمر التراث اللامادي)
«الزار» استخدم كطقس شعبي للعلاج النفسي ورصدته أفلام السينما والمرويات الشعبية (البحث المقدم لمؤتمر التراث اللامادي)
TT

«الزار»... طقس شعبي مصري يتطلع لقوائم الـ«يونيسكو»

«الزار» استخدم كطقس شعبي للعلاج النفسي ورصدته أفلام السينما والمرويات الشعبية (البحث المقدم لمؤتمر التراث اللامادي)
«الزار» استخدم كطقس شعبي للعلاج النفسي ورصدته أفلام السينما والمرويات الشعبية (البحث المقدم لمؤتمر التراث اللامادي)

يستقر «الزار» في المرويات الشعبية كأحد الطقوس العلاجية المرتبطة بالغناء والموسيقى وربما التعاويذ القديمة، لكن تظل سمات «الزار» متفردة بأدواتها من الدفوف والبخور وحلقات الرقص المتصاعدة لتشكل طابعاً خاصاً في بيئات معينة. ومع تقلص حضور هذه الظاهرة، تسعى أبحاث علمية مصرية لتوثيقها ضمن قوائم التراث الثقافي العالمي غير المادي بمنظمة «اليونيسكو».

في هذا الإطار، عرضت الدكتورة دينا سليمان، المتخصصة في آثار مصر والشرق الأدنى القديم بكلية الآثار والإرشاد السياحي في «جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا» بحثاً بعنوان «الأصول الأثرية لطقوس الأداء الموسيقي الاستشفائي واستمراريتها الثقافية» ضمن مؤتمر عقده المجلس الأعلى للثقافة في مصر تحت عنوان «التراث الثقافي غير المادي إلى الأمام... الفرص والتحديات» بمناسبة اليوم العالمي للتراث.

وربط البحث بين طقوس «الزار» في الثقافة الشعبية الحديثة وامتداد ممارساته أو الأشكال الشبيهة به في الطقوس الاستشفائية والعلاجية بمصر القديمة، داعية في نهاية بحثها إلى توثيق النظم الإيقاعية والشفهية لفرائق «الزار» بمصر، وتسجيلها ضمن قاعدة بيانات التراث غير المادي. وضم هذا العنصر «الزار» الذي يمثل جزءاً من الممارسات والطقوس الشعبية لقائمة الصون العاجل للتراث غير المادي بـ«اليونيسكو».

جانب من الطقوس المصرية القديمة (البحث المقدم بمؤتمر التراث اللامادي)

وقالت لـ«الشرق الأوسط» إن «دراسة (الزار) المعاصر في ضوء الممارسات الطقسية في مصر القديمة تفتح مجالاً مهماً لفهم جذور بعض المعتقدات الشعبية وتحولاتها عبر الزمن. فالمجتمع المصري القديم عرف طقوساً ارتبطت بالموسيقى والإيقاع والرقص والإنشاد، ولم تكن هذه العناصر مجرد وسائل للتعبير الفني، بل شاركت في سياقات دينية واحتفالية متعددة، ارتبط بعضها بعبادة الآلهة وبالتصورات المتعلقة بالحماية والتطهير والتعامل مع القوى غير المرئية».

وتتابع: «تأتي الإلهة حتحور في مقدمة الشخصيات الدينية التي تستحق التوقف عندها في هذا السياق؛ فقد ارتبطت بالموسيقى والرقص والدفوف والاحتفالات، وظهرت في مناظر ونصوص تعكس حضور هذه العناصر في الممارسات الدينية المصرية القديمة. ومن هنا يمكن طرح تساؤلات حول أوجه التشابه بين بعض هذه الممارسات وبين (الزار)، الذي تتداخل فيه الإيقاعات المتكررة والرقص الجماعي والغناء وأداء طقوس ذات دلالات اعتقادية، في إطار التعامل مع ما يُعتقد أنه تأثير للأرواح أو القوى غير المرئية».

ورصدت الباحثة أوجه التشابه بين الطقوس المصرية القديمة والمظاهر الطقسية لـ«الزار» الحديث دون أن تقطع بالتطابق بينهما ولكن لفتح الباب لمعرفة الامتدادات التاريخية لهذه الفكرة وتأثيراتها وتمثلاتها المعاصرة.

د. دينا سليمان صاحبة البحث عن «الزار» وأصوله المصرية القديمة (الشرق الأوسط)

وقالت إن «مفهوم التطهير والحماية من القوى المؤذية أو استرضائها يمثل جانباً مهماً في دراسة المعتقدات القديمة والطقوس الشعبية، فقد عرفت مصر القديمة منظومة متنوعة من الممارسات الوقائية، شملت التعاويذ والتمائم والطقوس المرتبطة بالحماية من الأخطار، وهو ما يعكس أهمية التعامل مع العالم غير المرئي في التصورات الدينية آنذاك. أما (الزار)، فتتباين تفسيراته وممارساته بحسب البيئات والتقاليد المحلية، ولذلك ينبغي دراسة عناصره في سياقها الخاص، دون افتراض تطابقها مع الطقوس المصرية القديمة».

وتوضح أن أهمية هذا الموضوع تكمن في ضرورة التمييز بين التشابه في الأداء الطقسي والاستمرارية التاريخية الفعلية. ومن ثم، «فإن البحث في العلاقة بين طقوس مصر القديمة و(الزار) لا يقتصر على المقارنة الشكلية، بل يسعى إلى فهم كيفية تشكل الممارسات الطقسية وتغير وظائفها ودلالاتها عبر العصور»، على حد تعبيرها.

مجموعة آلات فرق «الزار» التراثية بمصر (البحث المقدم لمؤتمر التراث اللامادي)

وتؤكد أن قراءة «الزار» من منظور الآثار وتاريخ الأديان تمنحنا فرصة لفهم جانب من الموروث الشعبي المصري، وتطرح أسئلة مهمة حول الذاكرة الثقافية وإعادة إنتاج المعتقدات والممارسات. كما تؤكد أن دراسة الحضارة المصرية القديمة لا تقتصر على المعابد والمقابر والنصوص الدينية، بل تمتد إلى تحليل الطقوس والسلوكيات الإنسانية التي ارتبطت بالمعتقد، مع الالتزام بالفصل بين ما تثبته الأدلة ولا يزال في نطاق الفرضيات البحثية.

ونجحت مصر في سنوات سابقة في تسجيل 11 عنصراً ضمن قوائم «اليونيسكو» للتراث غير المادي، من بينها «السيرة الهلالية» و«الاحتفالات المرتبطة برحلة العائلة المقدسة في مصر» و«الحناء» و«الخط العربي»، وغيرها من العناصر.


مدفن ابن حجر العسقلاني في مصر يظهر بحلة جديدة بعد ترميمه

ترميم مدفن ابن حجر العسقلاني (صفحة الباحث إبراهيم طايع على «فيسبوك»)
ترميم مدفن ابن حجر العسقلاني (صفحة الباحث إبراهيم طايع على «فيسبوك»)
TT

مدفن ابن حجر العسقلاني في مصر يظهر بحلة جديدة بعد ترميمه

ترميم مدفن ابن حجر العسقلاني (صفحة الباحث إبراهيم طايع على «فيسبوك»)
ترميم مدفن ابن حجر العسقلاني (صفحة الباحث إبراهيم طايع على «فيسبوك»)

بعد سنوات من الإهمال أوصلته لحالة من التدهور كادت تؤدي إلى ضياعه وتهدمه تماماً عاد مدفن الإمام ابن حجر العسقلاني، الموجود في «قرافة الإمام الشافعي»، صاحب المصنفات الكثيرة وأشهرها «فتح الباري بشرح صحيح البخاري»، للظهور بحلة تليق به بعد ترميمه.

وكان قد وصف الباحث في شؤون القرافة والمدافن الإسلامية، إبراهيم طايع، تلك الأيادي التي قامت بالترميم بأنها «خبيرة وجديرة بالتصدي لمقابر تراثية أخرى للعديد من الأئمة والمحدثين وكبار العلماء والشخصيات البارزة في التاريخ الإسلامي»، مثل «مقبرة الإمام العز بن عبد السلام» التي لا تبعد خطوات من مدفن ابن حجر العسقلاني.

وقال طايع لـ«الشرق الأوسط» إن حالة المدفن قبل خمس سنوات كانت لا تليق بشيخ الإسلام ابن حجر العسقلاني، ويضيف: «كنا عندما نذهب لزيارته نراه في وضع متردٍّ. ظهر المدفن بمرور الزمن واستمرار الإهمال بلا أبواب بعد اختفائها، ودون نوافذ، كما تهالكت الجدران والسقف، وكان يمكن أن تضيع معالم المقبرة لولا بقاء الشاهد والتركيبة الحجرية المكتوب عليها اسمه، والعمامة الحمراء التي تقلدها كشيخ للإسلام، والتي تشير إلى مكانته في عصره».

وكانت الجدران المتهالكة حسب قول طايع «لا تشير إلى مقبرة شخصية بقيمة ابن حجر العسقلاني؛ فلم يكن هناك شيء يشير له من الخارج سوى كلمات مكتوبة بخط أزرق وضعها أحدهم على الحائط الخارجي للتعريف به، وكان السقف الموجود من عروق الخشب المتهالكة، وظل الحال هكذا حتى قام مجموعة من الطلبة الدارسين في الأزهر التابعين لبعض دول شرق آسيا بتنظيفه وترميمه وأعادوا له بعضاً من رونقه، وظل الأمر على حاله حتى كانت منحة معهد الدراسات الكلاسيكية بالمملكة المتحدة، بإشراف وزارة الأوقاف، وتمت إعادة بنائه وترميمه بمعرفة خبير الترميم الدكتور إسماعيل أنور الحسيني، لكن المؤسف أن المرممين طمسوا اسم الخطاط الذي كتب شاهد تعريف مقبرة الشيخ».

مدفن ابن حجر العسقلاني قبل الترميم (صفحة الباحث إبراهيم طايع على «فيسبوك»)

ولفت طايع إلى أن الزخارف التي اعتمدها المرممون جاءت مناسبة لزمن ابن حجر العسقلاني، في العصر المملوكي، وجاءت على درجة عالية من الإتقان، وقد استخدم المرممون في تنفيذها مواد بألوان قادرة على مقاومة المطر وعوامل الزمن، وهو ما منح المدفن نوعاً من البهاء وأعاده لما كان عليه حين تُوفي الإمام قبل 6 قرون، ويضيف: «لا يساوي مدفن ابن حجر العسقلاني في مظهره بعد ترميمه سوى قبة الإمام الشافعي؛ فقد تصدى لها خبراء على مستوى لائق أتقنوا مراحل الترميم، ما جعل ظهور القبة والمدفن في النهاية بما يليق بالمكانة الكبيرة للإمامين الراحلين».

وُلد الإمام الحافظ ابن حجر العسقلاني بمدينة الفسطاط زمن المماليك، سنة 773 هـجرية، وتُوفي في ذي القعدة سنة 852 هـجرية، وخلال حياته تولى مشيخة الحديث وتدريس الفقه بأماكن من الديار المصرية، وتولى نيابة القضاء بمصر مدة، ثم أعرض عنها، وفوّض إليه الملك المؤيد القضاء بالمملكة الشامية، فأصر على الامتناع، وفي عام 827 هـجرية فوّض إليه الملك الأشرف برسباي القضاء بالقاهرة وما معها، فأصبح قاضي القضاة الشافعية بالديار المصرية، واستمر حتى عام 852 هجرية. كما تولى الإشراف على مكتبة المدرسة المحمودية، والإفتاء لمدة 41 عاماً. وخطب في عدة أماكن بالقاهرة وخارجها، من بينها الجامع الأزهر وجامع عمرو بن العاص والقلعة. ويعد ابن حجر العسقلاني، حسب ما ذكرته دار الإفتاء المصرية على صفحتها الرسمية، من المكثرين في التصنيف، حتى إنه يصعب حصر جميع مؤلفاته، وذكر السخاوي ما يزيد على 270 عنواناً لمؤلفاته، وكان أولها «المائة العشارية» الذي ألّفه سنة 796 هـجرية وعمره ثلاث وعشرون سنة، وأشهرها «فتح الباري بشرح صحيح البخاري»، ثم توالت بعد ذلك كتبه التي منها «إتحاف المهرة بالفوائد المبتكرة من أطراف العشرة»، و«لسان الميزان»، و«الإصابة في تمييز الصحابة»، و«رفع الإصر عن قضاة مصر»، و«بلوغ المرام من أدلة الأحكام».