سعد الصويان... إرث علمي عصيّ على النسيان

زيارة وزير الثقافة السعودي أعادت التذكير بجهوده

وزير الثقافة الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان يكرّم د. سعد الصويان (وزارة الثقافة)
وزير الثقافة الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان يكرّم د. سعد الصويان (وزارة الثقافة)
TT

سعد الصويان... إرث علمي عصيّ على النسيان

وزير الثقافة الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان يكرّم د. سعد الصويان (وزارة الثقافة)
وزير الثقافة الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان يكرّم د. سعد الصويان (وزارة الثقافة)

بعد تواريه عن الأنظار، لفترة طويلة بسبب ظروفه الصحية الصعبة، أعادت زيارة ودية قام بها وزير الثقافة السعودي الأمير بدر بن عبد الله فرحان، لمنزل الباحث والأنثروبولوجي السعودي سعد الصويان في منزله بمدينة الرياض؛ لتسليمه جائزة «شخصية العام الثقافية» في السعودية، التذكير بمسيرته العلمية الرصينة التي أفنى فيها عقوداً من عمره.

وخلال العرس الثقافي والفني الذي أقيم، الاثنين، في مركز الملك فهد الثقافي بمدينة الرياض، نال الدكتور سعد الصويان جائزة «شخصية العام الثقافية»، ضمن الجوائز الثقافية الوطنية؛ وذلك تقديراً لجهوده البحثية في علم الاجتماع، وقد أخذ على عاتقه البحث والتدوين في التاريخ الشفهي، والشعر النبطي والتاريخ الاجتماعي في الجزيرة العربية.

ونظراً لظروفه الخاصة، توجّه وزير الثقافة السعودي الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان إلى منزل الباحث الصويان لتتويجه بالجائزة، وتسليمها له تثميناً لما أفناه من جهد ووقت في سبيل أعماله البحثية الرصينة.

وقد تم منح الأنثروبولوجي والباحث السعودي الدكتور سعد الصويان، جائزة «شخصية العام الثقافية» في السعودية لهذا العام؛ تثميناً لإسهاماته العلمية والأدبية والثقافية الكبيرة التي قدّمها على مدى سنواتٍ طويلةٍ في الميدان الثقافي، وأصدر خلالها مجموعةً من المؤلفات الأدبية والثقافية الثريّة في مختلف المجالات، مثل الأنثروبولوجيا، والشعر النبطي، والمأثورات الشفهية، وبتكريمه ينضم الصويان إلى كوكبة من المتوجين بالجوائز الثقافية الوطنية التي انطلقت لأول مرة عام 2020.

وبصوت هادئ ظهر الباحث الصويان عبر الفيديو على مسرح المناسبة، وأودع وهو على مشارف الثمانين من عمره، وصيته للأجيال الشابة، للاستثمار فيما ينعم به المجال الثقافي السعودي من سعة أفق، وإدراك وتشجيع لدى الجهات المسؤولة لكل مَن يبذل جهداً في مجاله.

إرث علمي ودراسات نوعية أنجزها د. الصويان خلال مسيرته (الشرق الأوسط)

الصحراء تستودع الصويان أسرارها

باحت الصحراء بأسرارها لباحث نحرير مثل الدكتور سعد الصويان، وفتحت مستودع أخبارها لعقله المتوقد، متسلحاً بأدواته العلمية التي نهلها من كبريات المؤسسات الأكاديمية الأميركية. قادماً من مسقط رأسه (عنيزة) التي ولد فيها عام 1944، وهي تتطلع وقتذاك مثل نظيراتها من المدن السعودية لتكتسي ثوب التطور والازدهار، توجّه الصويان شطر منصات المعرفة الحديثة، وحمل في حقيبته الدراسية مفاهيم وأدوات الصحراء، ليبحث في أسرارها، وقد استغرقته الدراسة أكثر من عقد، نال خلالها في عام 1971 بكالوريوس في علم الاجتماع من جامعة شمال إلينوي، ثم ماجستير في الأنثروبولوجيا من الجامعة نفسها، ثم الدكتوراه في الأنثروبولوجيا والفولكلور والدراسات الشرقية من جامعة كاليفورنيا في بيركلي عام 1982. وخلال دراسته، وعندما شرع في بناء منهجه العلمي، واستهدف أن يقطف ثمار رحلته الدراسية، أثنى ركبتيه عند رجال الصحراء، وغاص في كنوز شعرهم ومروياتهم الشفهية.

وقام الصويان بين الأعوام 1983 - 1990 بمشروع لجمع الشعر النبطي من مصادره الشفهية، ونجح في تسجيل مئات الساعات من المقابلات الشفهية مع المسنين من رواة البادية، وجمع كل ما يتعلق بحياة البادية من أشعار وقصص وأنساب ووسوم وديار وموارد وتاريخ شفهي.

وبين الأعوام 1991 - 2001 رأس الصويان مشروعاً لتوثيق سيرة الملك عبد العزيز آل سعود، وفترة حكمه في الوثائق الأجنبية، وصدرت في 20 مجلداً ضخماً، يقع كل منها في حدود 700 صفحة تحتوي على ملخصات عربية وافية لما لا يقل عن 50 ألف وثيقة، من الأرشيفات الأجنبية، وبين الأعوام 1991 - 2001 أشرف الصويان علمياً على مشـروع لتوثيق الثقافة التقليدية في السعودية، وصدرت في 12 مجلداً يقع كل منها في حدود 500 صفحة، تستوعب كافة جوانب الثقافة التقليدية.

وإلى جانب أدائه ونتاجه البحثي، سطع نجم الصويان في المؤسسات الأكاديمية السعودية، حيث عمل أستاذاً مساعداً في جامعة الملك سعود، وأشرف على متحف التراث الشعبي في كلية الآداب، ورأس قسم الدراسات الاجتماعية، وفي عام 2013 تمت ترقيته إلى درجة أستاذ، وفاز في 2016 بجائزة الشيخ زايد للكتاب عن كتابه «ملحمة التطور البشري»، كما أشرف على «وحدة الذاكرة السعودية» بمركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية.

توجّه الصويان شطر منصات المعرفة الحديثة وحمل في حقيبته الدراسية مفاهيم وأدوات الصحراء لبحث أسرارها (منصة إكس)

إرث عصيّ على النسيان

لم يكن الدكتور الصويان غائباً تماماً عن المشهد؛ فالإرث العلمي والدراسات النوعية التي أجراها في التراث الثقافي والإنساني للجزيرة العربية، من المستحيل تجاوزها عند إنجاز أي مشروع مرتبط بالموضوعات التي اشتغل عليها الصويان باحثاَ وفاحصاَ ومتتبعاَ لتفاصيل غير مرئية من نسيج الجزيرة العربية.

واستلمت وحدة الذاكرة السعودية التابعة لـ«مركز الملك فيصل للأبحاث»، إدارة مكتبة الباحث الصويان ومجموعته الفوتوغرافية والصوتية، بالإضافة إلى مجموعات أخرى مماثلة، وهي وحدة فريدة من نوعها، ونظائرها محدودة في العالم، وتتاح محتوياتها للباحثين والأكاديميين في مجالات التاريخ الشفهي والقبَلي والعادات والتقاليد في السعودية، وما اتصل بهذا التراث من تفاصيل مختلفة.

وتوفر الوحدة قائمة بيانات تشمل الكتب والمواد السمعية والبصرية وقواعد البيانات الببليوغرافية، وخدمات الباحثين بعد إدراج جميع مواد الصويان وفهرستها، سواء الكتب أو المواد السمعية والبصرية، ويمكن لأي باحث وفقاً لقواعد الاطلاع بالمركز أن يزور الوحدة ويستفيد من مجموعة الكتب المتخصصة النوعية والنادرة، التي تضم نحو 2447 كتاباً عربياً، ونحو 1820 كتاباً باللغة الإنجليزية واللغات الأخرى، ونحو 97 مخطوطة للشعر النبطي.

كما تضم المجموعة الصوتية للدكتور الصويان التي سجلها منذ عام 1403 للهجرة حتى عام 1410، وتحتوي على كتاب «أيام العرب الأواخر»، كما تحتوي على 585 تسجيلاً، تضم 378 ساعة، ومجموعة أخرى من التسجيلات والصور الفوتوغرافية الغنية بالمعلومات والأرشيف الثري والفريد.

وأشرف الدكتور الصويان شخصياً على فهرسة التسجيلات وفق منهج وفهرسة معينة قبل إدراجه في قواعد المعلومات، وتبنى المركز مؤخراً خطوة جديدة للاستفادة من هذه الثروة التوثيقية، وهي تفريغها نصياً وحرفياً، وقد تم تفريغ نحو 100 ساعة تقريباً جاءت في نحو 2000 صفحة.


مقالات ذات صلة

«موانئ» السعودية تضيف خدمة شحن جديدة عبر ميناء جدة الإسلامي

الاقتصاد ميناء جدة الإسلامي (موانئ)

«موانئ» السعودية تضيف خدمة شحن جديدة عبر ميناء جدة الإسلامي

أعلنت الهيئة العامة للموانئ (موانئ) إضافة خدمة الشحن الجديدة «آر إس 1» بالتعاون مع شركة «غريتا شيبينغ» في ميناء جدة الإسلامي.

«الشرق الأوسط» (جدة)
الاقتصاد عمال في موقع بناء بالعاصمة السعودية الرياض (رويترز)

ارتفاع الرقم القياسي لتكاليف البناء في السعودية 2.4 % خلال أبريل

سجَّل الرقم القياسي لتكاليف البناء في السعودية ارتفاعاً بنسبة 2.4 في المائة خلال شهر أبريل (نيسان) على أساس سنوي، في القطاعين السكني وغير السكني.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الخليج الدكتور توفيق الربيعة يتحدث للمسؤولين ورؤساء مكاتب شؤون الحجاج خلال لقائه بهم في جدة الأربعاء (واس)

وزير الحج السعودي: نجاح الموسم مسؤولية مشتركة بين الجميع

أكد وزير الحج السعودي، الدكتور توفيق الربيعة، أن نجاح الموسم مسؤولية مشتركة بين جميع الجهات ومكاتب شؤون الحجاج، التي يجمعها شرف خدمة ضيوف الرحمن والعمل لراحتهم.

«الشرق الأوسط» (جدة)
الخليج الدكتور عبد الفتاح مشاط أكد أن المرحلة المقبلة ستشهد انتقالاً من «تطوير أعمال الحج» إلى «تطوير تجربة الحاج» نفسها (الشرق الأوسط)

الحج... توحيد الجهود والتكامل لراحة ضيوف الرحمن

جمعت الجلسات التي عقدت على هامش «ندوة الحج الكبرى» قيادات الحج والأمن والخدمات وبرزت عبارة «أصبح موسم الحج يبدأ قبل أن ينتهي»

أسماء الغابري (جدة) إبراهيم القرشي
الاقتصاد مبنى هيئة السوق المالية في العاصمة السعودية الرياض (الشرق الأوسط)

هيئة السوق المالية السعودية تحيل 17 مشتبهاً في «سينومي ريتيل» إلى النيابة العامة

أحالت هيئة السوق المالية 17 مشتبهاً في «سينومي ريتيل» للنيابة العامة لاتهامات بمخالفات مالية وتلاعب وانطباعات مضللة واستغلال مناصب داخلية.

«الشرق الأوسط» (الرياض)

الواقع الافتراضي يمنح «غيرنيكا» حياة جديدة في باريس

«غيرنيكا»... بكاء العالم على نفسه (صور المعرض)
«غيرنيكا»... بكاء العالم على نفسه (صور المعرض)
TT

الواقع الافتراضي يمنح «غيرنيكا» حياة جديدة في باريس

«غيرنيكا»... بكاء العالم على نفسه (صور المعرض)
«غيرنيكا»... بكاء العالم على نفسه (صور المعرض)

ثمة دائماً طرائق جديدة لتقديم روائع الفنون القديمة والمعاصرة. ولم يعد المعرض مكاناً لتأمُّل لوحات معلقة على جدران هذه الصالة أو تلك، بل مغامرة تجريبية متجدّدة تُعيد وضع العمل الفنّي في موقعه من تطوّر الزمن وثورة التقنيات الحديثة.

وتنطبق هذه النظرة على المعرض المُقام حالياً في متحف بيكاسو حتى السادس من سبتمبر (أيلول) المقبل، بعنوان «تحولات غيرنيكا». وهي تجربة فريدة من نوعها للواقع الافتراضي تدور حول إحدى أشهر التحف الفنّية في القرن العشرين.

ويتيح المعرض فرصة مبتكرة وغير مسبوقة للغوص في أعماق جدارية بابلو بيكاسو الشهيرة، «غيرنيكا»، متتبّعاً تاريخها منذ تكليف الفنان برسمها لمعرض باريس الدولي عام 1937، وصولاً إلى تحوّلها إلى رمز عالمي للسلام.

وفور دخول الزائر، يجد نفسه مدعواً إلى رحلة تمر بمحطات أساسية في تاريخ اللوحة، من الجناح الجمهوري الإسباني حيث عرضت للمرة الأولى، إلى أطلال مدينة غيرنيكا الباسكية بعد القصف الذي ألهم الفنان رسمها، مروراً بمرسم بيكاسو الباريسي في شارع «غراند أوغسطين» حيث ولدت الجدارية، وصولاً إلى رحلاتها المتعدّدة قبل استقرارها النهائي في متحف الملكة صوفيا.

الواقع الافتراضي يعيد رسم الطريق إلى «غيرنيكا» (صور المعرض)

ويرافق الزائر في هذه التجربة صوتا شاهدين أساسيين: الكاتب خوان لاريا، عضو الوفد الجمهوري الإسباني، ودورا مار، الفنانة السريالية وشريكة بيكاسو، التي لعب التزامها بمناهضة الفاشية دوراً محورياً في ولادة العمل. وهي أيضاً مَن وثَّقت مراحل رسم الجدارية عبر سلسلة من الصور الفوتوغرافية الشهيرة.

ومَن يُشاهد صور بيكاسو خلال العمل على اللوحة يلاحظ ظهوره بكامل أناقته، مرتدياً سروالاً أسود وقميصاً أبيض وربطة عنق قاتمة، وكأنه يشارك في جنازة الأبرياء الذين قضوا تحت أنقاض منازلهم نتيجة قصف القوات الألمانية لبلدة غيرنيكا الإسبانية.

وفي تجربة حسية تجمع بين تاريخ الفن والانغماس العاطفي، يقدم معرض «تحولات غيرنيكا» منظوراً جديداً لفهم هذا العمل ذي الصدى العالمي، مستعيناً بدراسات أولية ووثائق أرشيفية وأعمال مرتبطة مباشرة بولادة الجدارية.

ورغم مئات الدراسات التي تناولت «غيرنيكا» عبر العقود، يرى القائمون على المعرض أن استحضارها اليوم بتقنيات الواقع الافتراضي يمنحها حياة جديدة، خصوصاً أنّ رسالتها المناهضة للحروب لا تزال تنسجم مع الزمن الراهن.

ومن المعروف أنّ بيكاسو رسم جداريته الشهيرة، التي يبلغ حجمها 349 في 776 سنتيمتراً، بين مايو (أيار) ويونيو (حزيران) 1937 مستخدماً الأسلوب التكعيبي، بناءً على طلب الحكومة الجمهورية الإسبانية لعرضها في الجناح الإسباني بمعرض باريس الكوني.

وجاءت اللوحة بمثابة صرخة إدانة للقصف الذي تعرضت له بلدة غيرنيكا خلال الحرب الأهلية الإسبانية، قبل أن تُحفظ في الولايات المتحدة خلال فترة الحكم الديكتاتوري بطلب من الفنان نفسه، ثم تعود إلى إسبانيا عام 1981.


شقيقان يتسابقان حول العالم... ثم يكتشفان نفسيهما على الشاشة

أحياناً نكتشف أنفسنا متأخّرين... على شاشة تلفزيون (إنستغرام)
أحياناً نكتشف أنفسنا متأخّرين... على شاشة تلفزيون (إنستغرام)
TT

شقيقان يتسابقان حول العالم... ثم يكتشفان نفسيهما على الشاشة

أحياناً نكتشف أنفسنا متأخّرين... على شاشة تلفزيون (إنستغرام)
أحياناً نكتشف أنفسنا متأخّرين... على شاشة تلفزيون (إنستغرام)

كشف الشقيقان هاريسون وكايتي ديفاين، المُشاركان في أحدث مواسم برنامج «ريس أكروس ذا وورلد» (سباق حول العالم) الذي تبثّه «بي بي سي»، عن التجربة الغريبة التي يعيشانها خلال مشاهدة نفسيهما على الشاشة، وذلك قبيل عرض الحلقة الأخيرة من البرنامج.

وسيظهر هاريسون، البالغ 24 عاماً، وشقيقته كايتي، 21 عاماً، وهما من مدينة مانشستر، في المرحلة النهائية من البرنامج، حيث يخوض المتسابقون مغامرة شاقّة في السفر من دون استخدام الهواتف المحمولة وبميزانية محدودة.

ووثَّق هذا الموسم رحلة الفرق المشاركة وهي تتسابق لمسافة تزيد على 12 ألف كيلومتر عبر أوروبا وآسيا.

وقال هاريسون، الذي يعمل مساعداً مالياً: «إنه شعور غريب... يبدو الأمر كأنك تُشاهد شخصاً آخر». وأضاف: «أنت تدرك أنّ مَن تراه على الشاشة هو أنت بالفعل، لكن الأمر يعود إلى مرحلة مضى عليها وقت طويل، كما أنّ كثيراً يحدث خلال يوم واحد لدرجة أنك لا تتذكر كلّ ما تراه على الشاشة». وتابع: «تقول أحياناً لنفسك: هل قلت ذلك فعلاً؟».

وأوضح أنّ مشاعره تتراوح بين الإحراج والضحك على نفسه، مضيفاً: «هذه تجربة غريبة جداً، وليست شيئاً معتاداً بالنسبة إلينا».

وتنطلق رحلة المتسابقين من مدينة باليرمو في جزيرة صقلية الإيطالية، وصولاً إلى قرية هاتغال النائية الواقعة على ضفاف بحيرة هوفسغول في شمال منغوليا، وذلك سعياً للفوز بالجائزة المالية البالغة 20 ألف جنيه إسترليني.

أما كايتي، التي تعمل مديرة حسابات، فقالت إنّ مشاهدة البرنامج أعادت إليها كثيراً من الذكريات. وأضافت: «عندما أشاهد الحلقات، أجد نفسي أضحك دائماً، لأنني لا أتذكر أن الأمور كانت تبدو بهذا الشكل». وتابعت: «أشعر أنّ الأحداث تبدو أكثر طرافة عند مشاهدتها لاحقاً».

وأوضحت أنّ التوتّر كان يرافقهم طوال مدّة التصوير، لكنها ترى الآن أنها تستطيع الاستمتاع بالتجربة بشكل كامل عند مشاهدتها مجدداً، قائلة: «في تلك اللحظات، ثمة كثير من الضغط النفسي، لكن عندما تُشاهد الأمر لاحقاً تستطيع أن تستمتع فعلاً بكلّ ما عشناه».

وكانت كايتي قد تحدَّثت سابقاً عن أن قضاء كل يوم مع شقيقها كان في الواقع الجزء الأسهل من التجربة. وقالت: «نعرف بعضنا بعضاً بشكل جيد جداً، وكأنّ كلاً منا امتداد للآخر».

وترى أنّ المشاحنات بينهما قد تكون في الواقع عاملاً إيجابياً يُساعدهما،

وأضافت أنّ بعض الأشقاء قد يعدُّون ذلك نوعاً من الشجار، لكنّ الأمر بالنسبة إليهما مختلف تماماً، موضحةً: «كلّما كنا أكثر قسوة مع بعضنا، أصبحت علاقتنا أقوى».


ليلة حب استثنائية لدعم لبنان أدارها العالمي إبراهيم معلوف في باريس

الفنانون على المسرح... وإبراهيم معلوف يبكي وهو يقرأ كلمات أغنيته (الشرق الأوسط)
الفنانون على المسرح... وإبراهيم معلوف يبكي وهو يقرأ كلمات أغنيته (الشرق الأوسط)
TT

ليلة حب استثنائية لدعم لبنان أدارها العالمي إبراهيم معلوف في باريس

الفنانون على المسرح... وإبراهيم معلوف يبكي وهو يقرأ كلمات أغنيته (الشرق الأوسط)
الفنانون على المسرح... وإبراهيم معلوف يبكي وهو يقرأ كلمات أغنيته (الشرق الأوسط)

حفل خيري لدعم لبنان، نظمه «معهد العالم العربي» في باريس، بإدارة فنية مشتركة من الموسيقي إبراهيم معلوف والفنانة هبة طوجي، وذلك برعاية الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون. وأتى هذا الحفل الاستثنائي الذي جمع نخبة من الفنانين في غالبيتهم لبنانيون أو من أصول لبنانية، في إطار جهود فرنسية للتضامن مع لبنان في محنته، بحيث خصصت عائداته بالكامل لمنظمات غير حكومية.

بحبك يا لبنان زينت واجهات معهد العالم العربي (الشرق الأوسط)

مساء الأربعاء كانت الباحة الخارجية لـ«معهد العالم العربي» في باريس، قد استعدت لاستقبال ضيوفها، وعلى خشبة المسرح الذي انتصب في الهواء الطلق، تناوب الفنانون المشاركون ومنهم أسامة الرحباني، وأميمة الخليل، وتانيا صالح، كذلك كان فرنسيون من أصول لبنانية، إيكاري (حسن عطية)، والأخوان ساري وعياد خليفة، وناش (أنّا شديد)، وفيرني روج (مانو دبس) وغيرهم. أما إبراهيم معلوف عازف البوق العالمي الموهوب، وهو مدير الحفل، ومحركه، فقد بقي على الخشبة يقدم الفنانين، يواكبهم بخفة ظل، ولمحات ذكية، والأهم بكثير من المحبة والدماثة، والحرص على أن تكون تلك الأمسية دعماً مادياً، ولكن معنوياً بشكل خاص: «أردت أن يعرف الذين يتألمون هناك، أننا معهم ونفكر بهم ونتضامن معهم».

إبراهيم معلوف مع أنَّا شديد «حفيدة أندريه شديد» على المسرح (الشرق الأوسط)

غنت هبة طوجي «لا بداية ولا نهاية» بينما شاركها أسامة الرحباني عزفاً على البيانو، في بدء الحفل كما في ختامه. وغنت أميمة الخليل «عصفور طلّ من الشباك» بصوت هادئ حزين. وبما أن إبراهيم معلوف يحب المفاجآت كما قال للحضور فكان ثمة فنانين من خارج البرنامج المعلن، ليضفوا جواً من البهجة على مناسبة ليست بالضرورة فرحة.

كان من الملاحظ أن الخيارات جاءت محافظة على موسيقى تجمع بين الجمالية والتأمل والحنين، كي لا نقول إنها أبقت على شيء من الشجن احتراماً لكل المآسي التي يعيشها لبنان.

لكن عندما اقترب الحفل من منتصفه، وبدا أن الحاضرين تعبوا، خاطبهم معلوف، قائلاً لهم: «المناسبة حزينة، لكن يحق لكم شيئاً من الفرح». لهذا من بين المفاجآت كانت فرقة عازفي الأبواق (مايكل أنج) بموسيقييها الستة الذين عزفوا بمشاركة معلوف، وأضفوا جواً حماسياً بهيجاً، كما دفعوا بالجمهور إلى التصفيق، والرقص، والدندنة، واستعادة الحيوية. ومن خارج البرنامج المعلن جاءت مشاركة الفنان المصري جوزيف كمال بأغنية داليدا «سالمة يا سلامة» على طريقته الخاصة.

عازفو الأبواق الستة من فرقة «مايكل أنج» (الشرق الأوسط)

الرموز مهمة، وهي كانت حاضرة بقوة. أعلام لبنانية، فرنسية وفلسطينية. لفت معلوف أثناء تقديمه الفنانين، إلى أن الجمع الحاضر هو من جنسيات مختلفة، وأديان عدَّة، ومناحي سياسية متباينة، لكن الموسيقى تجمع المختلفين وتنسيهم فروقاتهم. وأكمل ممازحاً «لا بدَّ يُختار السياسيون من بين خريجي المعاهد الموسيقية، ليحل السلام. ربما يكون هذا هو الحل».

أطل سيريل مكاويش على غيتاره ليغني «كما الأرزة في لبنان»، وعزف الشقيقان ساري وإياد خليفة، الأول على التشلّو، والثاني على البيانو قبل أن يأتي دور فرني روج (مانو دبس)، التي أدَّت أغنية مؤثرة عن حنينها إلى لبنان موطن طفولتها. وشرحت قبل بدء الغناء بصوت متهدج، أنها ولدت في لبنان وكبرت فيه، لكنها اضطرت للهجرة عام 2006 إلى وطن أمها الفرنسية بسبب الحرب، إنما قلبها يملأه الحنين، ولكن أيضاً بالحزن على من تركتهم خلفها هناك، وتعرف ما يعانون.

إبراهيم معلوف يبكي أثناء قراءة كلمات أغنيته (الشرق الأوسط)

لربما كان هذا الحفل نموذجاً نابضاً لاكتشاف أهمية مواهب المهاجرين اللبنانيين، خصوصاً الشباب، وكيف أن الغربة شتتهم. فالموسيقي إبراهيم معلوف بموهبته الكبيرة هو ابن شقيق الأديب أمين معلوف، هاجر مع أهله صغيراً بسبب الحرب. الأخوان الموسيقيان الموهوبان خليفة نالا العديد من الجوائز، وهما أبناء عازف الكمان المعروف أنطوان خليفة في الأوركسترا السمفونية الوطنية اللبنانية. أما أنّا شديد (ناس) التي غنت بموهبة لافتة لفيروز «حبيتك بالصيف» بكلمات فرنسية، فهي حفيدة الأديبة الراحلة أندريه شديد، التي كتبت بالفرنسية ونالت شهرة واسعة وترجمت إلى لغات عدة.

وتكريماً للسينما اللبنانية كانت تانيا صالح في أغنية «يا مرايتي» من فيلم «كراميل»، أو «سكر بنات»، في لفتة أيضاً لدور مخرجته نادين لبكي وزوجها الموسيقي خالد مزنر صانع موسيقى الفيلم.

وكما في الافتتاح، غنَّت هبة طوجي في الختام يرافقها أسامة الرحباني على البيانو أغنية «أنا بدي طير ما حدا بيلغي جناحاتي»، مهداة لكل نساء العالم الباحثات عن حريتهن.

وفي لفتة ذكية من منسق هذا الحفل إبراهيم معلوف قرأت الحفيدة شديد، بمشاركة وزيرة الثقافة الفرنسية السابقة ريما عبد الملك، قصيدة لجدتها أندريه شديد فيها حنين وذكريات وبحث عن الوطن.

تحية حب وتضامن من باريس إلى معذبي الوطن (الشرق الأوسط)

واللحظة الأكثر تأثيراً هي حين قرر دينامو الحفل معلوف، أن يقرأ كلمات أغنية كتبها عن ذكرياته في لبنان. لكن حين وصل إلى المقاطع الأخيرة غلبته دموعه، وجاهد ليكمل القراءة، قبل أن يؤدي الفنانون المشاركون معاً، هذه الأغنية المؤثرة التي تجول في شوارع لبنان ومناطقه من الشمال إلى الجنوب، مع وقفه على ميزة كل واحدة من هذه الأماكن، وجماليتها.

وبهذه المناسبة، أُنيرت واجهة «معهد العالم العربي الفنية» بزخرفها الشرقي الجميل، بكلمتين «بحبك يا لبنان» باللغتين الفرنسية والعربية.