سيّدات أولمبياد باريس... قصص إنسانية تتفوّق على البطولات الرياضيّة

سيّدات أولمبياد باريس... قصص إنسانية تتفوّق على البطولات الرياضيّة
TT

سيّدات أولمبياد باريس... قصص إنسانية تتفوّق على البطولات الرياضيّة

سيّدات أولمبياد باريس... قصص إنسانية تتفوّق على البطولات الرياضيّة

في سابقةٍ هي الأولى في تاريخ الألعاب الأولمبية، تعادلت النساء مع الرجال من حيث العدد ضمن أولمبياد باريس. استُكملت هذه المساواة الجندريّة العدديّة بلفتةٍ هي الأخرى فريدة في تاريخ الأولمبياد. فقد استُحدثت حضانة في «القرية الأولمبية» لاستقبال أطفال الرياضيين المشاركين، حتى يتسنّى للأمهات والآباء التركيز على مبارياتهم وإنجازاتهم.

أما على ضفاف الأولمبياد، وبعيداً عن عدّاد النتائج والميداليات، فقد نبتت حكاياتٌ ملهمة كثيرة بطلاتُها سيّداتٌ سرقن الضوء من الحدث الرياضيّ العالميّ. منهنّ مَن رفعن شعار أولويّة الصحة النفسية، ومنهنّ مَن تحدّين سنوات العمر والإعاقات الجسديّة، في حين وقفت أخريات في وجه التمييز والتنمّر، كما تسلّحت بعضهنّ بنعمة الأمومة في الطريق إلى تحقيق البطولة.

الحضانة المستحدثة على هامش أولمبياد باريس لاستقبال أطفال الرياضيين (الموقع الرسمي للألعاب الأولمبية)

لكن أبعد من الإلهام والتحفيز والدموع، تمكّنت تلك الحكايات من إثارة الجدل والنقاشات المجتمعيّة، واضعةً قضايا نسائيّة متعدّدة تحت المجهر. فلاعبة المبارزة بالسيف، المصريّة ندى حافظ، ليست أوّل سيّدة حامل تقوم بمهمّة شاقّة والجنين داخل أحشائها. وليست نجمة الجمباز الأميركية سيمون بايلز أول شابّة تحلّق عالياً في الهواء، وأكتافُها مثقلة بمعاناةٍ نفسيّة مبرّحة.

تماهت النساء حول العالم مع تلك القصص الطالعة من أولمبياد باريس. وجدن فيها انعكاساً لكفاحهنّ. أما إذا كانت أضواء الحدث الرياضيّ قد أتاحت للبطلات مشاركة حكاياتهنّ على الملأ، فكم من الحكايات والقضايا باقيةٌ أسيرة غرفٍ مغلقة وصمتٍ مطبق.

لاعبة المبارزة بالسيف المصرية ندى حافظ خلال حفل افتتاح أولمبياد باريس (إنستغرام)

سيمون بايلز... الاعتناء بالروح أكبر بطولة

بين مباراةٍ وأخرى وبين ذهبيّةٍ وفضّيّة، كانت سيمون بايلز على تواصل مستمرّ بمعالجها النفسيّ. تُوّجت بطلة الجمباز الأميركية بثلاث ميداليّات ذهبيّة، كما صنعت لنفسها عودةً مدوّية في باريس بعد انكفاءٍ رياضيّ استمرّ سنتَين، استدعته صحّتها النفسية المتدهورة.

في جعبة بايلز (27 عاماً) 11 ميدالية أولمبية و30 ميدالية عالميّة، ما يجعلها بطلة الجمباز الأبرز والأكثر تتويجاً عبر التاريخ. غير أنّ هذا المجد لم يَقِها الآلام النفسيّة التي انعكست على أدائها الرياضي. فخلال مشاركتها في أولمبياد طوكيو عام 2021، أعلنت الرياضيّة انسحابها من أجل التركيز على صحّتها النفسية. عانت بايلز من فقدان التوازن والحسّ بالمكان وهي تؤدّي قفزاتها في الهواء، وهذه أحد عوارض حالتها النفسيّة.

لم تتردّد حينذاك في المجاهرة بتفاصيل معاناتها، ولا في الحديث عن القلق الخانق الذي ينتابها. ورغم التجريح الذي تعرّضت له بتهمة التخلّي عن منتخب بلادها، ورغم خيبة الانسحاب من استحقاقٍ تدرّبت لأجله سنوات، فإن بايلز قالت: «لا يجب أن أخاطر بصحّتي النفسية. علينا أن نهتمّ بأنفسنا قبل أن نقوم بما يريد الناس أن نقوم به».

نجمة الجمباز الأميركية سيمون بايلز وحصاد الميداليات في أولمبياد باريس (رويترز)

تعود بايلز إلى الأضواء ليس بوصفها بطلةً أولمبيةً فحسب، بل بوصفها مُدافعةً عن أولوية الصحة النفسية. تخترق برسالتها الهادفة تلك نفوساً تسكنها المعاناة الصامتة، لترفع وصمة العار، وتقول إن الاعتناء بالروح هو البطولة الأكبر.

تعود كذلك متخفّفةً من «الأنا» التي تضخّمها النجوميّة؛ ففي مشهدٍ أسرَ القلوب خلال الأولمبياد وكان تجسيداً صادقاً للتضامن النسائي، انحنت بايلز احتفاءً بمنافستها البرازيليّة بعد فوزها بالميدالية الذهبيّة في إحدى المواجهات، بينما اكتفت هي بالفضّيّة.

بطلتا الجمباز الأميركيتان سيمون بايلز وجوردان كايلز تنحنيان للفائزة البرازيليّة ريبيكا أندرادي (أ.ب.)

إيمان خليف تتلقّى اللكمات

ما إن وجّهت إيمان خليف لكمةً إلى منافستها الإيطاليّة أنجيلا كاريني، حتى انهالت عليها اللكمات المعنويّة من كل حدبٍ وصوب. وقفت بطلة الملاكَمة الجزائريّة وحيدةً أمام عواصف التجريح والكراهية التي سخرت من ملامحها، وأمام حملات التشكيك بهويّتها الجنسيّة.

لم تسلَم حتى من إهانات الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب الذي كتب: «أعِدُ بأن أُبقيَ الرجال خارج الرياضات النسائيّة»، ولا من تلميحات رئيسة الحكومة الإيطالية جورجيا ميلوني التي قالت: «لا يجب أن يُسمح لمَن يملكون خصائص جينيّة ذكوريّة أن يشاركوا في المباريات الرياضية النسائية».

هذا التمييز على أساس الشكل واجهته خليف (25 عاماً) بتحقيق مزيدٍ من الإنجازات في أولمبياد باريس، مكتفيةً بتصريحٍ قصير قاومت خلاله دموعها: «أريد أن أقول للعالم أجمع إنني أنثى وسأبقى أنثى». تحصّنت كذلك بدعم الكثيرين، على رأسهم والدها الذي وصف ما تعرّضت له ابنته بالظلم، قائلاً: «ابنتي فتاة وربّيتُها كفتاةٍ مكافحة وقويّة».

الملاكمة الجزائرية إيمان خليف بعد انسحاب منافستها الإيطالية (رويترز)

جدّة البينغ بونغ

ليس تنمّراً إنما تَحبُّباً، تُلقّب جيينغ زينغ بـ«جدّة كرة الطاولة». فالرياضيّة التشيليّة الصينيّة البالغة 58 عاماً، شكّلت بدورها حالةً فريدة في الحدث الباريسيّ، من خلال مشاركتها الأولمبية الأولى وهي في هذه السنّ المتقدّمة.

في حديث مع شبكة «سي إن إن» قالت: «عندما كنت أُسأل طفلةً عن حلمي، كنت أجيب بأنني أريد أن أصبح رياضيّة أولمبية». إلّا أن 40 سنة فصلت ما بين حلم الطفولة وتحقيقه، إذ إنّ زينغ انقطعت عن التمرين الأولمبي في مطلع عشريناتها منتقلةً من الصين إلى تشيلي، ومتفرّغةً لتدريب الأطفال ولعائلتها ولعملها التجاريّ الخاص.

قبل سنوات، وخلال جائحة «كورونا»، التقطت المضرب من جديد وعادت إلى التمرين والمشاركة في بطولاتٍ محلّيّة. تلا ذلك تأهّلها إلى الألعاب الأولمبية، حيث لم تحقق الفوز، لكنّها على الأقلّ حققت الحلم، وألهمت الكثيرات بأن ليس للنجاح تاريخ صلاحية.

تشارك جيينغ زينغ في الأولمبياد للمرة الأولى وهي في سن الـ58 (أ.ف.ب)

ندى حافظ... أحمالٌ شاقّة

أبعد من فاصلٍ أولمبيّ جميل مع رياضيّةٍ تبارزت بالسيف وهي حامل في شهرها السابع، أضاءت قصة اللاعبة المصرية ندى حافظ على كفاحٍ نسائيّ من نوعٍ آخر لا يلقى ما يكفي من الانتباه.

عندما أطلّت حافظ (26 عاماً) على العالم وهي تحمل سلاحها الرياضيّ وبطنها الممتلئ بجنين، تنوّعت ردود الفعل ما بين التعاطف والانتقاد. غير أنّ أهمّ ما فعلته حكايتها، هو التذكير بالحوامل المرغمات على العمل، في ظلّ ظروفٍ أقسى من مباراة رياضيّة محاطة بالاهتمام الطبي والعاطفي والإعلامي.

ولعلّ ما كتبته حافظ في منشورها على «إنستغرام» هو لسان حال تلك النساء؛ «طفلي وأنا واجهنا ما يكفي من التحديات الجسديّة والعاطفية. رحلة الحمل صعبة بحدّ ذاتها، لكن المحاربة من أجل الحفاظ على التوازن ما بين الحياة والواجب الرياضي، كانت مهمة شاقّة».

حلمٌ بذراعٍ واحدة

مزيدٌ من الحكايات الملهمة روَتها الرياضيّات البارالمبيات، اللواتي ملأن احتياجات الجسد الخاصة بانتصاراتٍ وميداليّات. من بين أولئك، لاعبة كرة الطاولة البرازيلية برونا ألكسندر (29 عاماً) التي فقدت ذراعها اليمنى وهي في شهرها الثالث. لكنّ ذلك لم يحل دون احترافها كرة الطاولة منذ سنّ الـ7، مكتفيةً بذراعٍ واحدة لتحقيق انتصاراتٍ كثيرة في هذه الرياضة. أما أبرز إنجازات ألكسندر في أولمبياد باريس، فهو أنها مثّلت بلادها في كلٍ من الفريقَين الأولمبي والبارالمبي، وهذه سابقة في تاريخ البرازيل الرياضي.

في حديثٍ مع وكالة «رويترز» وجّهت ألكسندر رسالة إلى كل مَن يحتاج سماعها: «لا تتنازلوا عن أحلامكم، بغضّ النظر عمّا إذا كنتم تملكون رِجلاً واحدة أو ذراعاً واحدة. آمنوا بأنّ كل شيء ممكن».

لاعبة كرة الطاولة البارالمبية البرازيلية برونا ألكسندر خلال مشاركتها في أولمبياد باريس (أ.ف.ب)

من أجل نساء أفغانستان

حملت الأفغانيّة زكيّة خدادادي إلى أولمبياد باريس جرح البلاد وجرح الجسد. لاعبة التايكوندو المحرومة من يدها منذ الولادة، كانت أوّل أنثى أفغانيّة تشارك في حدث رياضي عالمي خلال «أولمبياد طوكيو 2021»، بعد عودة حركة «طالبان» إلى الحكم. جرى إجلاؤها من كابل حينذاك بمساعدة اللجنة البارالمبية الدوليّة، بعد أن كانت تتدرّب لسنواتٍ في الخفاء.

وها هي تعيد الكرّة في باريس بعد أن صارت مقيمةً في فرنسا، معلنةً أنها تتنافس باسمِ النساء في بلادها واللواتي جُرّدن من حقوقهنّ على مدى السنوات الثلاث الماضية. وفي تصريحٍ لوكالة «أسوشييتد برس» قالت خدادادي (26 عاماً): «أريد أن أفوز بميدالية، وأن أُظهر قوّتي لكل النساء والفتيات في أفغانستان».

أما مواطنتُها العدّاءة كيميا يوسفي (28 عاماً)، فقد رفعت لافتةً بعد حلولها ثانيةً في سباق الركض، كُتب عليها بألوان العلم الأفغاني: «تعليم. رياضة. هذه حقوقنا». وفي وقتٍ لا تعترف حكومة «طالبان» سوى بالرياضيين الرجال المشاركين في البعثة الأولمبية، قالت يوسفي المقيمة في طهران: «رسالتي للفتيات الأفغانيات هي ألّا يستسلمن وألّا يدعن أحداً يقرر عنهن».

العدّاءة الأفغانية كيميا يوسفي وشعار «تعليم. رياضة. حقوق الأفغانيات» (رويترز)

نمور في حضن الجزائر

في بلدها الأمّ الجزائر، وجدت نجمة الجمباز كيليا نمور ملجأً، بعد أن رفض اتّحاد الجمباز الفرنسي وطبيب المنتخب ضمّها إلى الفريق الأولمبي. أثارت قضية نمور سجالاتٍ على وسائل التواصل الاجتماعي، فالرياضية المولودة في فرنسا عام 2006، استُبعدت عن البعثة الفرنسية؛ بسبب خضوعها لعمليّتَين جراحيّتَين عام 2021. رجّح الاتّحاد بأن تكون كثافة التدريب هي السبب وراء تفاقم حالتها، وارتأى أنه يجب أن تعود إلى الرياضة بشكلٍ تدريجيّ.

نمور التي تمارس الجمباز منذ سن الخامسة، وجدت الحلّ في اللجوء إلى بعثة الجزائر، مسقط رأس والدها. وهي حققت الفوز الأول لوطنها الأم في رياضة الجمباز، مُحرزةً الميدالية الذهبية.

أحرزت كيليا نمور الذهبية الأولى للجزائر في رياضة الجمباز (رويترز)

فريق اللاجئين الأولمبي

أما لمَن لم يجدوا بلاداً يمثّلونها، فقد فتح فريق اللاجئين الأولمبي ذراعَيه. من بين هؤلاء الملاكمة سيندي نغامبا الكاميرونيّة الأصل والمقيمة في بريطانيا.

الملاكمة سيندي نغامبا الفائزة ببرونزيّة عن فريق اللاجئين الأولمبي (أ.ب)

أحرزت نغامبا (25 عاماً) الفوز الأول لبعثة اللاجئين، حاصدةً ميدالية برونزيّة. علّقت الرياضيّة التي وجدت في الملاكمة ملجأها الآمن: «أريد أن أدعو اللاجئين جميعاً حول العالم إلى أنه بمواصلة العمل والإيمان بأنفسهم. يستطيعون تحقيق كل ما يريدون». ويضمّ فريق اللاجئين في أولمبياد باريس 37 رياضياً من 11 دولة، يتنافسون عن 12 فئة.


مقالات ذات صلة

الهند تتقدم بملف «أحمد آباد» لاستضافة «آسياد 2038»

رياضة عالمية المجلس الأولمبي الآسيوي لم يقرر بعد بشان دورة الألعاب 2038 (الأولمبي الآسيوي)

الهند تتقدم بملف «أحمد آباد» لاستضافة «آسياد 2038»

تسعى الهند لترسيخ موقعها كمركز رياضي عالمي، من خلال التقدم رسمياً بطلب إبداء اهتمام لاستضافة دورة الألعاب الآسيوية 2038 في مدينة أحمد آباد.

«الشرق الأوسط» (سانيا)
رياضة عالمية المنظمون قالوا إن التذاكر بيعت في 85 دولة وفي جميع الولايات الأميركية الخمسين (أ.ب)

أولمبياد لوس أنجليس 2028: بيع 4 ملايين تذكرة في الطرح الأول

أعلن منظمو دورة الألعاب الأولمبية في لوس أنجليس 2028، الخميس، أنهم باعوا أكثر من أربعة ملايين تذكرة في الطرح الأول هذا الشهر، وهو مؤشر مبكر على الطلب القوي.

«الشرق الأوسط» (لوس أنجليس)
رياضة عالمية سيقام الملعب المؤقت في بومونا بجنوب كاليفورنيا (أ.ب)

انطلاق أعمال البناء في ملعب الكريكيت لأولمبياد لوس أنجليس 2028

أعلن المجلس الدولي للكريكيت، أمس (الأربعاء)، انطلاق أعمال البناء في ملعب الكريكيت الذي سيستخدم خلال دورة الألعاب الأولمبية لوس أنجليس 2028.

رياضة عالمية فلاديمير بوتين خلال استقباله لاعبين ولاعبات في بطولة الملاكمة (أ.ب)

بوتين يهاجم القيادة السابقة للجنة الأولمبية الدولية... ويصفها بـ«المخزية والجبانة»

انتقد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، أمس (الأربعاء)، القيادة السابقة للجنة الأولمبية الدولية، واصفاً إياها بأنها «مخزية وجبانة».

«الشرق الأوسط» (موسكو)
رياضة عالمية القرار يشكل انقساماً متصاعداً داخل أوساط السباحة الدولية (الاتحاد النرويجي للسباحة)

النرويج تنضم إلى بولندا في رفض استضافة سبّاحي روسيا

قال كاتو براتباك، رئيس «الاتحاد النرويجي للسباحة»، إن الاتحاد لن يستضيف أي بطولات دولية ما دام «الاتحاد الدولي للألعاب المائية» يسمح للاعبين الروس بالمشاركة.

«الشرق الأوسط» (أوسلو)

كشف أثري في وادي النطرون يوثق بدايات الرهبنة بمصر

جانب من نقوش الدير (رئاسة مجلس الوزراء المصري)
جانب من نقوش الدير (رئاسة مجلس الوزراء المصري)
TT

كشف أثري في وادي النطرون يوثق بدايات الرهبنة بمصر

جانب من نقوش الدير (رئاسة مجلس الوزراء المصري)
جانب من نقوش الدير (رئاسة مجلس الوزراء المصري)

جاء الإعلان عن كشف أثري جديد في وادي النطرون بمحافظة البحيرة (شمال القاهرة) ليسلِّط الضوء على بدايات الحياة الرهبانية في مصر خلال القرون الميلادية الأولى.

ويعكس المبنى الذي اكتُشف بواسطة البعثة الأثرية المصرية المشتركة بين المجلس الأعلى للآثار وكلية الآثار بجامعة القاهرة، تطور العمارة الرهبانية المبكرة بما يحمله من عناصر معمارية ودلالات دينية وتاريخية مميزة، ويعد هذا الاكتشاف إضافة نوعية تُعزِّز مكانة مصر بوصفها أحد أهم مراكز التراث الديني والثقافي على مستوى العالم.

وجاء اكتشاف المبنى الأثري ضمن منطقة الأديرة المطمورة في وادي النطرون، وهي إحدى أهم مناطق نشأة الرهبنة في مصر والعالم، وفق فيديو توضيحي نشرته صفحة رئاسة الوزراء بمصر على «فيسبوك».

ويرجع تاريخ الدير الأثري المكتشف إلى ما بين القرنين الـ4 والـ6 الميلاديين، وقد شُيِّد من الطوب اللبِن على مساحة 2000 متر مربع، ويتكون من فناء مكشوف محاط بوحدات معمارية تشمل أفنية فرعية تفتح عليها حجرات الرهبان المعروفة بـ«القلالي».

ويضم المبنى أيضاً «مجموعة من الملحقات الخدمية مثل الأفران، والمطابخ، والأماكن المخصصة لتخزين المؤن. كما كشفت أعمال الحفائر عن الأماكن المخصصة للدفن داخل المبنى الأثري، التي تحتوي على عظام بشرية من المرجح أنها تنتمي لرهبان الدير القدامى»، وفق ما أورده الفيديو.

جانب من المبنى المكتشف (رئاسة مجلس الوزراء المصري)

ووجدت البعثة الأثرية أيضاً مجموعة من النقوش القبطية التي توثق حياة الرهبان داخل الدير؛ ما يعد إضافة جديدة إلى خريطة السياحة الدينية والثقافية في مصر.

وقبل نحو شهر، كانت البعثة الأثرية المصرية التابعة للمجلس الأعلى للآثار، في منطقة الرباعيات بالقلايا في مركز حوش عيسى بمحافظة البحيرة (شمال غربي القاهرة)، قد أعلنت الكشف عن مبنى أثري من المرجح أنه كان يُستخدم بوصفه داراً للضيافة خلال المرحلة المبكرة من الرهبنة القبطية، ويرجع تاريخ المبنى إلى القرن الخامس.

وتضمن الكشف كثيراً من العناصر المعمارية التي أُضيفت إلى المبنى خلال مراحل تاريخية لاحقة على زمن إنشائه، بما يعكس تطور استخدامه عبر مراحل زمنية متعاقبة.

وتهتم مصر بالسياحة الدينية، خصوصاً ذات الطابع القبطي، وتسعى لإحياء مسار العائة المقدسة بوصفه مشروعاً قومياً على الخريطة السياحية المصرية من خلال أماكن عدَّة رُصدت لتطويرها، وتوفير الخدمات بها لجذب السائحين.

ويضم مسار رحلة العائلة المقدسة 25 نقطة تمتد مسافة 3500 كيلومتر من سيناء حتى أسيوط، ويحوي كل موقع حلت به العائلة مجموعة من الآثار، مثل الكنائس أو الأديرة أو الآبار، ومجموعة من الأيقونات القبطية الدالة على مرور العائلة المقدسة بتلك المواقع التي أقرتها الكنيسة القبطية الأرثوذكسية في مصر.

ووفق وزارة السياحة والآثار، بدأت رحلة دخول العائلة المقدسة من رفح بالشمال الشرقي للبلاد، مروراً بالفرما شرق بورسعيد، وإقليم الدلتا عند سخا في كفر الشيخ، وتل بسطا بالشرقية، وسمنود في الغربية، ثم انتقلت إلى وادي النطرون في الصحراء الغربية، حيث أديرة الأنبا بيشوي والسيدة العذراء «السريان»، و«البراموس»، و«القديس أبو مقار».


أسرة عبد الحليم حافظ تدعو لتخليد سيرته على غرار مايكل جاكسون

عبد الحليم حافظ (صفحة باسم منزله على فيسبوك)
عبد الحليم حافظ (صفحة باسم منزله على فيسبوك)
TT

أسرة عبد الحليم حافظ تدعو لتخليد سيرته على غرار مايكل جاكسون

عبد الحليم حافظ (صفحة باسم منزله على فيسبوك)
عبد الحليم حافظ (صفحة باسم منزله على فيسبوك)

دعت أسرة الفنان المصري الراحل عبد الحليم حافظ إلى تخليد سيرته في عمل فني، على غرار فيلم «مايكل» الذي يُعرض حالياً في دور السينما، ويتناول سيرة النجم الأميركي مايكل جاكسون، الملقب بـ«ملك البوب»، الذي رحل قبل 17 عاماً بعد أن حظي بشعبية عالمية استمرت لسنوات.

وأبدت أسرة عبد الحليم حافظ، الملقب بـ«العندليب»، إعجابها بتوثيق حياة جاكسون في عمل فني مبهر، إذ نشر حساب يحمل اسم «منزل عبد الحليم حافظ» على موقع «فيسبوك» منشوراً عبّرت من خلاله الأسرة عن رغبتها في إنتاج فيلم عنه، بمواصفات خاصة، على غرار فيلم «مايكل»، مؤكِّدة استعدادها لتقديم الدعم الكامل، بما في ذلك المعلومات والتفاصيل والأسرار الفنية، لضمان تقديم عمل مختلف عما سبق.

الملصق الترويجي لفيلم «مايكل» (إنستغرام)

كما أبدت الأسرة موافقتها على تصوير الفيلم داخل منزل عبد الحليم، ليعكس الواقع بدقة، مشيرة إلى أن حياته الفنية والشخصية ثرية وتستحق أكثر من عمل فني يتناول مختلف مراحلها منذ البدايات وحتى الرحيل.

في السياق نفسه، عبّر الفنان المصري محمود العزازي عن إعجابه بفيلم «مايكل»، مشيراً إلى شعوره بـ«غيرة فنية» بعد مشاهدته، لما يتميز به من إيقاع سريع وسرد جذاب للأحداث، ومؤكداً شغفه بأعمال السيرة الذاتية.

وكشف العزازي عن حلمه القديم بتجسيد شخصية «حليم» بأسلوب حديث وتقنيات متطورة، وهو ما حظي بدعم أسرة عبد الحليم التي اعتبرته الأنسب لتقديم الدور. وأوضح أن هذا الحلم تجدد بعد مشاهدة فيلم «مايكل»، لافتاً إلى تجربته السابقة في تجسيد الشخصية ضمن فيلم «سمير وشهير وبهير»، التي لاقت تفاعلاً إيجابياً.

وتابع العزازي: «حكاية صعود (حليم) وحتى انتهاء مشواره، حدوتة ثرية ومليئة بالأحداث، لأنه جزء من تاريخ مصر الحديث، وتوهجها السياسي والإنساني، وكيف عبر عنها في أعماله، وتأثر الناس بها محلياً ودولياً من خلال موسيقاه، وأغنياته في حياته وبعد رحيله».

وأضاف أن قصة صعود عبد الحليم حتى نهاية مشواره الفني تمثل مادة ثرية، كونه جزءاً من تاريخ مصر الحديث، وما شهده من تحولات سياسية وإنسانية انعكست في أعماله، التي أثرت في الجمهور محلياً وعالمياً.

وأشار إلى أن الأعمال السابقة لم تُبرز جميع جوانب حياة «العندليب»، مؤكداً أن المشروع الجديد يهدف إلى تقديم رؤية مختلفة تعتمد على التقنيات الحديثة وتطور صناعة السينما.

الفنان محمود العزازي في دور «حليم» بأحد الأفلام (صفحته على فيسبوك)

من جانبها، أكدت الناقدة الفنية ماجدة خير الله، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، أن أعمال السيرة الذاتية تتطلب إعداداً دقيقاً والاعتماد على معلومات موثوقة، نظراً لأهميتها في توثيق الشخصيات وتعريف الأجيال بمسيرتها. وأبدت تشككها في جدوى تقديم سيرة عبد الحليم حالياً، معتبرة أن جمهوره على دراية واسعة بأعماله وأرشيفه الفني.

وأوضحت أن فيلم «مايكل» استغرق سنوات من التحضير والتدريب المكثف لاختيار وتجسيد الشخصية بدقة، وهو ما يصعب تحقيقه بالآليات المتبعة في السينما العربية، التي تواجه تحديات تتعلق بانتقادات الجمهور، وعدم تطابق الشكل، والتحفظ في تناول بعض الجوانب الشخصية، مما قد يؤثر على موضوعية العمل.

يُذكر أن عبد الحليم حافظ (1929–1977) بدأ مسيرته في خمسينات القرن الماضي، وقدّم مجموعة كبيرة من الأغنيات العاطفية والوطنية والدينية، من أبرزها «توبة» و«موعود» و«قارئة الفنجان» و«عدى النهار» و«صورة»، إلى جانب أفلام سينمائية بارزة مثل «معبودة الجماهير» و«الوسادة الخالية» و«شارع الحب» و«أبي فوق الشجرة» و«الخطايا».


حين «تغنِّي» أزياء الأوبرا... قصة ستيفن رودويل منذ 1983

ستيفن رودويل يعمل في «أوبرا نورث» منذ عام 1983 (أوبرا نورث)
ستيفن رودويل يعمل في «أوبرا نورث» منذ عام 1983 (أوبرا نورث)
TT

حين «تغنِّي» أزياء الأوبرا... قصة ستيفن رودويل منذ 1983

ستيفن رودويل يعمل في «أوبرا نورث» منذ عام 1983 (أوبرا نورث)
ستيفن رودويل يعمل في «أوبرا نورث» منذ عام 1983 (أوبرا نورث)

بعد مسيرة امتدت أكثر من 4 عقود، يستعد ستيفن رودويل، أحد أبرز الأسماء في تصميم وتنفيذ الأزياء على خشبة المسرح في شمال إنجلترا، لتوديع هذا العالم.

عندما وقَّع رودويل -الذي شغل منصب رئيس قسم الملابس والأزياء في شركة «أوبرا نورث»- عام 1983، عقداً للعمل مدة 6 أشهر مسؤولاً عن الملابس في شركة إنتاج مقرها مدينة ليدز، لم يكن يتوقع أن تكون تلك هي الخطوة الأولى في مسيرة مهنية حافلة بالنجاحات والجوائز استمرت 43 عاماً.

وخلال عمله مع شركة «أوبرا نورث»، أشرف على تنفيذ وتصميم أزياء عدد كبير من الأعمال الفنية، من بينها أعمال كلاسيكية بارزة، مثل: «الأرملة المرحة»، و«قبِّليني يا كيت»، و«توسكا»، و«لا ترافياتا».

ويقول رودويل (64 عاماً): «أستطيع أن أرحل وأنا على يقين بأنني أديت عملي على أكمل وجه، وأشعر برضا تام». وفق ما ذكرت «بي بي سي».

بدأ شغف رودويل بالفنون في سن مبكرة؛ إذ درس الدراما في جامعة مانشستر، قبل أن يلتحق بـ«أوبرا نورث» في وظيفة مؤقتة لتغطية إجازة أبوة، ليتدرج بعدها في المناصب حتى تولَّى رئاسة قسم الأزياء عام 2001.

ويؤكد أنه ظل مرتبطاً بعمله على المستوى الشخصي طوال هذه السنوات، قائلاً: «كل ما أحمله هو ذكريات سعيدة».

ورغم استمرار المسرح في تقديم العروض الحية دون تأثر كبير بالتحولات التكنولوجية، فإن رودويل شهد تطورات ملحوظة في هذا الفن على مدى عقود. وأوضح قائلاً: «مع تطور تقنيات الإضاءة اليوم، بات كل ما نراه على خشبة المسرح أكثر وضوحاً، مما فرض توجهاً نحو تصميم أزياء أكثر دقة، تشبه ما يُعرض في السينما من حيث التفاصيل».

عمل ستيفن على عروض كلاسيكية على المسرح مثل «الأرملة المرِحة» (أوبرا نورث)

وأشار إلى أن بعض الأزياء القديمة لم تعد تتوافق مع معايير الصحة والسلامة الحديثة لعام 2026، نظراً لثقلها الذي قد يعيق حركة المؤدين.

وفي عام 2024، حصد رودويل جائزة رابطة فنيي المسرح البريطانيين في تصميم الأزياء، ليصبح أول من ينال هذا التكريم، تقديراً لدوره في تنفيذ الأزياء، إلى جانب تنسيق عمل الحرفيين، وشراء الأقمشة، والإشراف على القياسات، وتجهيز الأزياء للعرض على المسرح بما يحقق إبهار الجمهور.

من جانبها، أكدت سيان غيلروي، وهي مسؤولة إنتاج بارزة في شركة «أوبرا نورث»: «عندما تشاهد عرضاً، فإنك ترى حصيلة ساعات طويلة من العمل الذي بذله المسؤولون والعمال في تنفيذ الملابس والأزياء».

وقال رودويل، متأملاً مسيرة مهنية امتدت 43 عاماً في خدمة الأوبرا في شمال إنجلترا: «لقد كان مكاناً مميزاً للغاية للعمل، وتجربة استثنائية حقيقية كنت جزءاً منها».