سيّدات أولمبياد باريس... قصص إنسانية تتفوّق على البطولات الرياضيّة

سيّدات أولمبياد باريس... قصص إنسانية تتفوّق على البطولات الرياضيّة
TT

سيّدات أولمبياد باريس... قصص إنسانية تتفوّق على البطولات الرياضيّة

سيّدات أولمبياد باريس... قصص إنسانية تتفوّق على البطولات الرياضيّة

في سابقةٍ هي الأولى في تاريخ الألعاب الأولمبية، تعادلت النساء مع الرجال من حيث العدد ضمن أولمبياد باريس. استُكملت هذه المساواة الجندريّة العدديّة بلفتةٍ هي الأخرى فريدة في تاريخ الأولمبياد. فقد استُحدثت حضانة في «القرية الأولمبية» لاستقبال أطفال الرياضيين المشاركين، حتى يتسنّى للأمهات والآباء التركيز على مبارياتهم وإنجازاتهم.

أما على ضفاف الأولمبياد، وبعيداً عن عدّاد النتائج والميداليات، فقد نبتت حكاياتٌ ملهمة كثيرة بطلاتُها سيّداتٌ سرقن الضوء من الحدث الرياضيّ العالميّ. منهنّ مَن رفعن شعار أولويّة الصحة النفسية، ومنهنّ مَن تحدّين سنوات العمر والإعاقات الجسديّة، في حين وقفت أخريات في وجه التمييز والتنمّر، كما تسلّحت بعضهنّ بنعمة الأمومة في الطريق إلى تحقيق البطولة.

الحضانة المستحدثة على هامش أولمبياد باريس لاستقبال أطفال الرياضيين (الموقع الرسمي للألعاب الأولمبية)

لكن أبعد من الإلهام والتحفيز والدموع، تمكّنت تلك الحكايات من إثارة الجدل والنقاشات المجتمعيّة، واضعةً قضايا نسائيّة متعدّدة تحت المجهر. فلاعبة المبارزة بالسيف، المصريّة ندى حافظ، ليست أوّل سيّدة حامل تقوم بمهمّة شاقّة والجنين داخل أحشائها. وليست نجمة الجمباز الأميركية سيمون بايلز أول شابّة تحلّق عالياً في الهواء، وأكتافُها مثقلة بمعاناةٍ نفسيّة مبرّحة.

تماهت النساء حول العالم مع تلك القصص الطالعة من أولمبياد باريس. وجدن فيها انعكاساً لكفاحهنّ. أما إذا كانت أضواء الحدث الرياضيّ قد أتاحت للبطلات مشاركة حكاياتهنّ على الملأ، فكم من الحكايات والقضايا باقيةٌ أسيرة غرفٍ مغلقة وصمتٍ مطبق.

لاعبة المبارزة بالسيف المصرية ندى حافظ خلال حفل افتتاح أولمبياد باريس (إنستغرام)

سيمون بايلز... الاعتناء بالروح أكبر بطولة

بين مباراةٍ وأخرى وبين ذهبيّةٍ وفضّيّة، كانت سيمون بايلز على تواصل مستمرّ بمعالجها النفسيّ. تُوّجت بطلة الجمباز الأميركية بثلاث ميداليّات ذهبيّة، كما صنعت لنفسها عودةً مدوّية في باريس بعد انكفاءٍ رياضيّ استمرّ سنتَين، استدعته صحّتها النفسية المتدهورة.

في جعبة بايلز (27 عاماً) 11 ميدالية أولمبية و30 ميدالية عالميّة، ما يجعلها بطلة الجمباز الأبرز والأكثر تتويجاً عبر التاريخ. غير أنّ هذا المجد لم يَقِها الآلام النفسيّة التي انعكست على أدائها الرياضي. فخلال مشاركتها في أولمبياد طوكيو عام 2021، أعلنت الرياضيّة انسحابها من أجل التركيز على صحّتها النفسية. عانت بايلز من فقدان التوازن والحسّ بالمكان وهي تؤدّي قفزاتها في الهواء، وهذه أحد عوارض حالتها النفسيّة.

لم تتردّد حينذاك في المجاهرة بتفاصيل معاناتها، ولا في الحديث عن القلق الخانق الذي ينتابها. ورغم التجريح الذي تعرّضت له بتهمة التخلّي عن منتخب بلادها، ورغم خيبة الانسحاب من استحقاقٍ تدرّبت لأجله سنوات، فإن بايلز قالت: «لا يجب أن أخاطر بصحّتي النفسية. علينا أن نهتمّ بأنفسنا قبل أن نقوم بما يريد الناس أن نقوم به».

نجمة الجمباز الأميركية سيمون بايلز وحصاد الميداليات في أولمبياد باريس (رويترز)

تعود بايلز إلى الأضواء ليس بوصفها بطلةً أولمبيةً فحسب، بل بوصفها مُدافعةً عن أولوية الصحة النفسية. تخترق برسالتها الهادفة تلك نفوساً تسكنها المعاناة الصامتة، لترفع وصمة العار، وتقول إن الاعتناء بالروح هو البطولة الأكبر.

تعود كذلك متخفّفةً من «الأنا» التي تضخّمها النجوميّة؛ ففي مشهدٍ أسرَ القلوب خلال الأولمبياد وكان تجسيداً صادقاً للتضامن النسائي، انحنت بايلز احتفاءً بمنافستها البرازيليّة بعد فوزها بالميدالية الذهبيّة في إحدى المواجهات، بينما اكتفت هي بالفضّيّة.

بطلتا الجمباز الأميركيتان سيمون بايلز وجوردان كايلز تنحنيان للفائزة البرازيليّة ريبيكا أندرادي (أ.ب.)

إيمان خليف تتلقّى اللكمات

ما إن وجّهت إيمان خليف لكمةً إلى منافستها الإيطاليّة أنجيلا كاريني، حتى انهالت عليها اللكمات المعنويّة من كل حدبٍ وصوب. وقفت بطلة الملاكَمة الجزائريّة وحيدةً أمام عواصف التجريح والكراهية التي سخرت من ملامحها، وأمام حملات التشكيك بهويّتها الجنسيّة.

لم تسلَم حتى من إهانات الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب الذي كتب: «أعِدُ بأن أُبقيَ الرجال خارج الرياضات النسائيّة»، ولا من تلميحات رئيسة الحكومة الإيطالية جورجيا ميلوني التي قالت: «لا يجب أن يُسمح لمَن يملكون خصائص جينيّة ذكوريّة أن يشاركوا في المباريات الرياضية النسائية».

هذا التمييز على أساس الشكل واجهته خليف (25 عاماً) بتحقيق مزيدٍ من الإنجازات في أولمبياد باريس، مكتفيةً بتصريحٍ قصير قاومت خلاله دموعها: «أريد أن أقول للعالم أجمع إنني أنثى وسأبقى أنثى». تحصّنت كذلك بدعم الكثيرين، على رأسهم والدها الذي وصف ما تعرّضت له ابنته بالظلم، قائلاً: «ابنتي فتاة وربّيتُها كفتاةٍ مكافحة وقويّة».

الملاكمة الجزائرية إيمان خليف بعد انسحاب منافستها الإيطالية (رويترز)

جدّة البينغ بونغ

ليس تنمّراً إنما تَحبُّباً، تُلقّب جيينغ زينغ بـ«جدّة كرة الطاولة». فالرياضيّة التشيليّة الصينيّة البالغة 58 عاماً، شكّلت بدورها حالةً فريدة في الحدث الباريسيّ، من خلال مشاركتها الأولمبية الأولى وهي في هذه السنّ المتقدّمة.

في حديث مع شبكة «سي إن إن» قالت: «عندما كنت أُسأل طفلةً عن حلمي، كنت أجيب بأنني أريد أن أصبح رياضيّة أولمبية». إلّا أن 40 سنة فصلت ما بين حلم الطفولة وتحقيقه، إذ إنّ زينغ انقطعت عن التمرين الأولمبي في مطلع عشريناتها منتقلةً من الصين إلى تشيلي، ومتفرّغةً لتدريب الأطفال ولعائلتها ولعملها التجاريّ الخاص.

قبل سنوات، وخلال جائحة «كورونا»، التقطت المضرب من جديد وعادت إلى التمرين والمشاركة في بطولاتٍ محلّيّة. تلا ذلك تأهّلها إلى الألعاب الأولمبية، حيث لم تحقق الفوز، لكنّها على الأقلّ حققت الحلم، وألهمت الكثيرات بأن ليس للنجاح تاريخ صلاحية.

تشارك جيينغ زينغ في الأولمبياد للمرة الأولى وهي في سن الـ58 (أ.ف.ب)

ندى حافظ... أحمالٌ شاقّة

أبعد من فاصلٍ أولمبيّ جميل مع رياضيّةٍ تبارزت بالسيف وهي حامل في شهرها السابع، أضاءت قصة اللاعبة المصرية ندى حافظ على كفاحٍ نسائيّ من نوعٍ آخر لا يلقى ما يكفي من الانتباه.

عندما أطلّت حافظ (26 عاماً) على العالم وهي تحمل سلاحها الرياضيّ وبطنها الممتلئ بجنين، تنوّعت ردود الفعل ما بين التعاطف والانتقاد. غير أنّ أهمّ ما فعلته حكايتها، هو التذكير بالحوامل المرغمات على العمل، في ظلّ ظروفٍ أقسى من مباراة رياضيّة محاطة بالاهتمام الطبي والعاطفي والإعلامي.

ولعلّ ما كتبته حافظ في منشورها على «إنستغرام» هو لسان حال تلك النساء؛ «طفلي وأنا واجهنا ما يكفي من التحديات الجسديّة والعاطفية. رحلة الحمل صعبة بحدّ ذاتها، لكن المحاربة من أجل الحفاظ على التوازن ما بين الحياة والواجب الرياضي، كانت مهمة شاقّة».

حلمٌ بذراعٍ واحدة

مزيدٌ من الحكايات الملهمة روَتها الرياضيّات البارالمبيات، اللواتي ملأن احتياجات الجسد الخاصة بانتصاراتٍ وميداليّات. من بين أولئك، لاعبة كرة الطاولة البرازيلية برونا ألكسندر (29 عاماً) التي فقدت ذراعها اليمنى وهي في شهرها الثالث. لكنّ ذلك لم يحل دون احترافها كرة الطاولة منذ سنّ الـ7، مكتفيةً بذراعٍ واحدة لتحقيق انتصاراتٍ كثيرة في هذه الرياضة. أما أبرز إنجازات ألكسندر في أولمبياد باريس، فهو أنها مثّلت بلادها في كلٍ من الفريقَين الأولمبي والبارالمبي، وهذه سابقة في تاريخ البرازيل الرياضي.

في حديثٍ مع وكالة «رويترز» وجّهت ألكسندر رسالة إلى كل مَن يحتاج سماعها: «لا تتنازلوا عن أحلامكم، بغضّ النظر عمّا إذا كنتم تملكون رِجلاً واحدة أو ذراعاً واحدة. آمنوا بأنّ كل شيء ممكن».

لاعبة كرة الطاولة البارالمبية البرازيلية برونا ألكسندر خلال مشاركتها في أولمبياد باريس (أ.ف.ب)

من أجل نساء أفغانستان

حملت الأفغانيّة زكيّة خدادادي إلى أولمبياد باريس جرح البلاد وجرح الجسد. لاعبة التايكوندو المحرومة من يدها منذ الولادة، كانت أوّل أنثى أفغانيّة تشارك في حدث رياضي عالمي خلال «أولمبياد طوكيو 2021»، بعد عودة حركة «طالبان» إلى الحكم. جرى إجلاؤها من كابل حينذاك بمساعدة اللجنة البارالمبية الدوليّة، بعد أن كانت تتدرّب لسنواتٍ في الخفاء.

وها هي تعيد الكرّة في باريس بعد أن صارت مقيمةً في فرنسا، معلنةً أنها تتنافس باسمِ النساء في بلادها واللواتي جُرّدن من حقوقهنّ على مدى السنوات الثلاث الماضية. وفي تصريحٍ لوكالة «أسوشييتد برس» قالت خدادادي (26 عاماً): «أريد أن أفوز بميدالية، وأن أُظهر قوّتي لكل النساء والفتيات في أفغانستان».

أما مواطنتُها العدّاءة كيميا يوسفي (28 عاماً)، فقد رفعت لافتةً بعد حلولها ثانيةً في سباق الركض، كُتب عليها بألوان العلم الأفغاني: «تعليم. رياضة. هذه حقوقنا». وفي وقتٍ لا تعترف حكومة «طالبان» سوى بالرياضيين الرجال المشاركين في البعثة الأولمبية، قالت يوسفي المقيمة في طهران: «رسالتي للفتيات الأفغانيات هي ألّا يستسلمن وألّا يدعن أحداً يقرر عنهن».

العدّاءة الأفغانية كيميا يوسفي وشعار «تعليم. رياضة. حقوق الأفغانيات» (رويترز)

نمور في حضن الجزائر

في بلدها الأمّ الجزائر، وجدت نجمة الجمباز كيليا نمور ملجأً، بعد أن رفض اتّحاد الجمباز الفرنسي وطبيب المنتخب ضمّها إلى الفريق الأولمبي. أثارت قضية نمور سجالاتٍ على وسائل التواصل الاجتماعي، فالرياضية المولودة في فرنسا عام 2006، استُبعدت عن البعثة الفرنسية؛ بسبب خضوعها لعمليّتَين جراحيّتَين عام 2021. رجّح الاتّحاد بأن تكون كثافة التدريب هي السبب وراء تفاقم حالتها، وارتأى أنه يجب أن تعود إلى الرياضة بشكلٍ تدريجيّ.

نمور التي تمارس الجمباز منذ سن الخامسة، وجدت الحلّ في اللجوء إلى بعثة الجزائر، مسقط رأس والدها. وهي حققت الفوز الأول لوطنها الأم في رياضة الجمباز، مُحرزةً الميدالية الذهبية.

أحرزت كيليا نمور الذهبية الأولى للجزائر في رياضة الجمباز (رويترز)

فريق اللاجئين الأولمبي

أما لمَن لم يجدوا بلاداً يمثّلونها، فقد فتح فريق اللاجئين الأولمبي ذراعَيه. من بين هؤلاء الملاكمة سيندي نغامبا الكاميرونيّة الأصل والمقيمة في بريطانيا.

الملاكمة سيندي نغامبا الفائزة ببرونزيّة عن فريق اللاجئين الأولمبي (أ.ب)

أحرزت نغامبا (25 عاماً) الفوز الأول لبعثة اللاجئين، حاصدةً ميدالية برونزيّة. علّقت الرياضيّة التي وجدت في الملاكمة ملجأها الآمن: «أريد أن أدعو اللاجئين جميعاً حول العالم إلى أنه بمواصلة العمل والإيمان بأنفسهم. يستطيعون تحقيق كل ما يريدون». ويضمّ فريق اللاجئين في أولمبياد باريس 37 رياضياً من 11 دولة، يتنافسون عن 12 فئة.


مقالات ذات صلة

أولمبياد 2032: منظمون يتمسكون بموقع منافسات التجديف رغم كونه موطناً للتماسيح

رياضة عالمية نهر فيتزروي بوسط ولاية كوينزلاند لاستضافة منافسات التجديف (رويترز)

أولمبياد 2032: منظمون يتمسكون بموقع منافسات التجديف رغم كونه موطناً للتماسيح

قال مسؤول، اليوم (الخميس)، إن منظمي أولمبياد برزبين 2032 لا يفكرون في بدائل لنهر فيتزروي بوسط ولاية كوينزلاند لاستضافة منافسات التجديف.

«الشرق الأوسط» (ملبورن )
رياضة عالمية جين سايكس رئيس اللجنة الأولمبية والبارالمبية الأميركية (أ.ب)

اللجنة الأولمبية الأميركية تراقب التدقيق المحيط برئيس لجنة أولمبياد 2028

قالت اللجنة الأولمبية والبارالمبية الأميركية يوم الأربعاء إنها تراقب عن كثب تداعيات التدقيق المتزايد المحيط برئيس اللجنة المنظمة لأولمبياد لوس أنجليس 2028.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
رياضة عالمية آدم بيتي (رويترز)

بيتي يفوز بسباق 50 متراً «صدر»... وعينه على «أولمبياد 2028»

لم يمنح آدم بيتي نفسه سوى القليل من الوقت للاحتفال بفوزه في سباق 50 متراً (صدر) ضمن بطولة بريطانيا للسباحة أمس الأربعاء.

«الشرق الأوسط» (لندن)
رياضة عالمية آدم بيتي (رويترز)

بيتي يرى تحسناً بعد فوزه بلقب 100 متر لسباحة الصدر

قال آدم بيتي إنه يسعى لمواصلة تحسين أدائه بعد فوزه بسباق 100 متر لسباحة الصدر في «بطولة بريطانيا»، حيث يتطلع إلى المشاركة لرابع مرة في «دورة الألعاب الأولمبية».

«الشرق الأوسط» (لندن)
رياضة عالمية باتريك فيشر (أ.ب)

مدرب سويسرا لهوكي الجليد شارك في «أولمبياد 2022» بشهادة «كوفيد» مزوَّرة

اعترف باتريك فيشر، مدرب المنتخب السويسري لهوكي الجليد، الذي يستعد للرحيل عن الفريق، بأنه شارك في دورة الألعاب الأولمبية الشتوية عام 2022 بالعاصمة الصينية بكين.

«الشرق الأوسط» (برلين )

الدبلجة باللهجة اللبنانية... صناعة تشقُّ طريقها بثبات

مسلسل «فريد» شكّل النموذج الأول لهذه الصناعة (وسام بدين)
مسلسل «فريد» شكّل النموذج الأول لهذه الصناعة (وسام بدين)
TT

الدبلجة باللهجة اللبنانية... صناعة تشقُّ طريقها بثبات

مسلسل «فريد» شكّل النموذج الأول لهذه الصناعة (وسام بدين)
مسلسل «فريد» شكّل النموذج الأول لهذه الصناعة (وسام بدين)

بعد نجاح مسلسل «فريد»، اتجهت محطة «إم تي في» اللبنانية إلى توسيع تجربة الدبلجة بالعامية المحلية، فاختارت عرض مسلسلي «شراب التوت»، و«المشردون» بصوت لبناني. هذه الخطوة، التي شقّت طريقها بصعوبة في بداياتها، تبدو اليوم أكثر رسوخاً، لتؤكد أن المقولة القائلة بعدم استساغة اللهجة اللبنانية في الدراما المدبلجة ليست دقيقة. فقد تفاعل الجمهور مع هذه الأعمال بإيجابية، ما ساهم في كسر حاجز كان يُعد عائقاً أمام تطوّر هذا القطاع.

وسام بدين بدأ بصناعة الدوبلاج اللبناني من الصفر (وسام بدين)

ومع شركة «ديفكات ستوديوز»، التي يديرها وسام بدين، انطلقت عجلة الدبلجة اللبنانية بشكل فعلي، مستكملة مساراً كان قد بدأه في الثمانينات والتسعينات المخرج نقولا أبو سمح. يومها، فتح الباب أمام دبلجة المسلسلات المكسيكية إلى العربية الفصحى عبر استوديوهات «فيلملي»، واستطاع وضع لبنان على خريطة صناعة الدبلجة، من خلال أعمال أجنبية مدبلجة تركت أثرها لدى الجمهور اللبناني، ولا تزال حاضرة في الذاكرة حتى اليوم. وكان أول عمل هو «السندباد»، ثم توالت المسلسلات المكسيكية مثل «أنت أو لا أحد» و«سوف تدفع الثمن» و«ماريا مرسيدس» وغيرها.

غير أن انتشار الدبلجة باللهجة السورية لاحقاً أدى إلى تراجع حضور «فيلملي»، قبل أن يعيد بدين إحياء هذا المجال عبر تأسيس «ديفكات ستوديوز»، التي انطلقت بأعمال كرتونية وألعاب فيديو وبرامج إذاعية.

لم تولد فكرة الدبلجة باللهجة اللبنانية صدفة، بل جاءت بمبادرة من رئيس مجلس إدارة «إم تي في» ميشال المر، الذي رأى فيها مشروعاً واعداً. وكان «فريد» باكورة هذه التجربة، قبل أن تتوسع لتشمل أعمالاً تركية أخرى مثل «شراب التوت»، و«المشردون». ويؤكد بدين أن التخوّف من اللهجة اللبنانية تلاشى. فقد أبدى الجمهور حماسة لسماعها بأصوات ممثلين محليين، ما أضفى قرباً أكبر على مجريات العمل.

ويشير إلى أن اللهجة اللبنانية، بما تحمله من مرونة وانفتاح، قادرة على مواكبة الأعمال الأجنبية، ولا سيما أنها تتضمن مفردات دخيلة من لغات أخرى، ما يسهل اندماجها في سياقات درامية متنوعة، ولا يحصرها في نطاق الأعمال التركية فقط.

ويعلّق: «يشتهر لبنان بالانفتاح، ولهجته تشكّل نموذجاً حيّاً لتعدد الثقافات. وعادةً ما نستخدم عبارات ومفردات أجنبية، وقد اعتمدنا عليها في صناعتنا لتقديم نموذج واقعي يعكس أحاديثنا اليومية».

أحدث الأعمال المدبلجة المعروضة على «إم تي في» في «المشرّدون» (وسام بدين)

وقد أسهم حضور ممثلين لبنانيين بارزين في إنجاح هذه التجربة، من بينهم خالد السيد، وجمال حمدان، وجناح فاخوري، وتقلا شمعون، وميراي بانوسيان، ووجيه صقر، ورانيا عيسى وغيرهم. في حين يوقّع إخراج هذه الأعمال عدد من الأسماء المعروفة في هذا المجال، مثل رانيا حمندي، ومحمد قدورة، وريتا صبّاغة. وتشرف على تنفيذ هذه الأعمال ريتا نجم.

ورغم هذا النجاح، يلفت بدين إلى أن دعم «إم تي في» يبقى الأساس، داعياً محطات لبنانية أخرى إلى الانخراط في هذه الصناعة، لما توفره من فرص عمل لمئات العاملين في المجالين الفني والتقني. كما يوضح أن تكلفة دبلجة ساعة تلفزيونية أقل بكثير من إنتاج عمل درامي جديد، ما يدفع القنوات إلى اعتماد هذا الخيار في ظل الظروف الاقتصادية الراهنة.

يؤكد بدين أن هيكلية هذه الصناعة وأسسها أصبحت راسخة في لبنان، وباتت قادرة على تلبية حاجات أسواق أخرى. ويضيف: «أنا متأكد من أن المشاهد العربي يتقبل اللهجة اللبنانية، ونلمس ذلك من خلال التعليقات التي نتلقاها عبر وسائل التواصل الاجتماعي. فقناة (إم تي في) يشاهدها الملايين خارج لبنان، وأعمالنا المدبلجة باللبنانية تحقق نسب مشاهدة مرتفعة».

وعن مستقبل هذه الصناعة، يقول: «أنا منكب على تطوير هذا المجال منذ فترة طويلة، ولا أترك باباً أو منبراً إلا وأطرقه للترويج له. لكن الأمر لا يتعلق بالتفاؤل أو التشاؤم، بل هو مسار طويل يتطلب المثابرة والجهد والتشجيع. فقد وُلدت هذه الصناعة من الصفر، حتى إننا استحدثنا مترجمين لتقديم نصوص تتلاءم مع خصوصية اللهجة اللبنانية. ونأمل أن تتحسن الأوضاع في البلاد لضمان استمرارية أفضل».

ويختم وسام بدين: «نتطلع أيضاً إلى المنصات والقنوات الإلكترونية، مثل (أمازون) و(إم بي سي) وغيرهما، ونأمل أن تكون قد لاحظت نجاح الدبلجة باللبنانية، فتتجه إليها في إنتاجاتها المستقبلية».


البطل الحقيقي للمسلسل المصري «حكاية نرجس» يعثر على أهله

إسلام وسط عائلته (فيسبوك)
إسلام وسط عائلته (فيسبوك)
TT

البطل الحقيقي للمسلسل المصري «حكاية نرجس» يعثر على أهله

إسلام وسط عائلته (فيسبوك)
إسلام وسط عائلته (فيسبوك)

أخيراً، وبعد أن صار عمره 43 عاماً عثر البطل الحقيقي للمسلسل المصري «حكاية نرجس» على أسرته بعدما خطفته من المستشفى سيدة ارتكبت جرائم اختطاف عدة، وتم القبض عليها، لكنها لم تفصح عن أسرته أو مكان اختطافه (أدت دورها في المسلسل الفنانة ريهام عبد الغفور). وظهر إسلام الذي أطلق على نفسه لقب «إسلام الضائع» عبر حسابه بـ«تيك توك» في بث مباشر مساء الأربعاء ليعلن عثوره على أسرته الحقيقية وأنه أخيراً لم يعد ضائعاً بعد تطابق تحليل البصمة الوراثية «DNA» لوالديه معه.

وتحدث إسلام خلال البث مع والدته المصرية، ووالده الليبي الجنسية، اللذين كانا قد اعتقدا أنه مات بعد أن أخبرتهم إدارة المستشفى في الإسكندرية أن طفلهما قد توفي وبعدها سافرت الأسرة إلي ليبيا، وقد أعيته الحيل للوصول إليهم. وكشف إسلام أن اسمه الحقيقي محمد وأن والده ليبي الجنسية، لكنه عاش في مصر وتزوج والدته المصرية، وأضاف أن لديه 20 شقيقاً وشقيقة، وكان قد كشف في تصريحات تلفزيونية سابقة عن إجرائه 55 تحليلاً مع أسر فقدت أبناءها ولم يستدل منها على أسرته.

واقعة خطف إسلام تطرق إليها مسلسل «حكاية نرجس» المأخوذ عن قصة حقيقية، وتصدر «الترند» على منصة «غوغل» الخميس، بعد إعلان إسلام عثوره على أسرته. ويروي المسلسل حكاية نرجس التي تواجه نظرة مجتمعية قاسية لكونها عاقراً، فتنزلق لسيل من الأكاذيب التي تقودها إلي جرائم خطف الأطفال ونسبهم لها وزوجها رسمياً، وتتواصل رحلتها في خطف المزيد منهم والمتاجرة بهم حتى تنتهي حياتها بشكل مأساوي.

ريهام عبد الغفور في لقطة من مسلسل «حكاية نرجس» (الشركة المنتجة)

وأدى الممثل يوسف رأفت شخصية «يوسف» التي تعادل شخصية إسلام في الواقع، حيث خطفته نرجس طفلاً وتمسكت بادعاء أنه ابنها. في المسلسل ترفض نرجس إخبار يوسف عن عائلته الحقيقية وتنهي حياتها بالقفز من أعلى بناية لتلقى حتفها وتتركه في حيرته.

ومنذ حلقته الأولى لقي المسلسل تفاعلاً واسعاً وتصدّر استفتاءات «أفضل مسلسل رمضاني»، ونالت بطلته الفنانة ريهام عبد الغفور لقب أفضل ممثلة، وأشاد الجمهور والنقاد ببراعتها وبأداء جميع أبطال المسلسل الذي خاض مخرجه وكاتب القصة سامح علاء من خلاله أولى تجاربه التلفزيونية، بينما كتب المؤلف عمار صبري السيناريو والحوار، وضم بين أبطاله سماح أنور، وحمزة العيلي، وتامر نبيل، وأحمد عزمي.

وأبدى المؤلف عمار صبري سعادته بعثور إسلام على أسرته وقال في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»: «هذا خبر سعيد للغاية فإسلام هو الضحية الكبرى لهذه القصة وكنت أتابع منذ سنوات رحلة بحثه الطويلة عن أسرته، وإذا كان مسلسل (حكاية نرجس) قد تسبب في إثارة أزمته بشكل ساعد في وصوله لأسرته فهذا هدف نبيل للفن عامة»، وأشار إلى أن المسلسل يحكي قصة نرجس بينما جاءت قصة إسلام كحدث تابع.

وسادت فرحة كبيرة مواقع «السوشيال ميديا» لعثور إسلام على أسرته وأشاد متابعون بمسلسل «حكاية نرجس» لطرحه القصة التي كانت سبباً في إلقاء الضوء على أزمة إسلام، موجهين الشكر لأسرة العمل، فيما طالب بعض الجمهور بتقديم جزء ثانٍ من المسلسل بعد عودة إسلام، ونشرت الفنانة ريهام عبد الغفور عبر حسابها بـ«فيسبوك» خبر عثور إسلام على أسرته وعلقت عليه قائلة «الحمد لله».

إسلام البطل الحقيقي لمسلسل «حكاية نرجس» (فيسبوك)

ويقول عمار صبري عن ذلك: «قصة إسلام تستحق مسلسلاً خاصاً عنها لأنها ذات أبعاد درامية جذابة للغاية لقصة شاب عاش حياته متنقلاً بين أسر مختلفة يظن أن كلاً منها هي أسرته الحقيقية ولكنه يجد نفسه ضائعاً».

وعدت الناقدة الفنية المصرية، ناهد صلاح، أن مسلسل «حكاية نرجس» أول عمل درامي يساهم في عودة مختطف إلى أسرته ويكون عاملاً مهماً في أن يجد الطرفان بعضهما، محققاً رسالة إنسانية مهمة، وقالت لـ«الشرق الأوسط»: «لولا نجاح المسلسل ووصوله إلى الجمهور بهذه الطريقة لم تكن أسرة إسلام قد انتبهت وأجرت التحاليل اللازمة التي أكدت أنه ابنهم».

وأشارت ناهد إلى أن الدراما يمكن أن تكون عاملاً مساعداً ومهماً في قضايا عديدة كاسترداد حقوق وتغيير قوانين، «لكن العثور على مفقودين هي أول واقعة يحققها عمل فني فهناك كثير من الأفلام اللبنانية تناولت المفقودين في الحرب الأهلية اللبنانية ولم يتم العثور عليهم، من بينها الفيلم الروائي (مفقود) للمخرج بشير أبو زيد والوثائقي (خط التماس) إخراج سيلفي باليوت، مما يبرز قوة تأثير الدراما حين يتم تنفيذها بشكل متكامل. وتثير القصة أسئلة عامة عن حوادث خطف الأطفال الموجودة في المجتمع ولعل أقربها واقعة اختطاف طفلة رضيعة من مستشفى الحسين الجامعي قبل يومين».

في السياق؛ ألقت أجهزة الأمن المصرية القبض على السيدة المنتقبة التي اختطفت قبل يومين رضيعة بعد ساعات من ولادتها بمستشفى الحسين الجامعي (وسط القاهرة)، بعد أن تتبع فريق البحث الجنائي عبر كاميرات المراقبة المتهمة حتى العثور عليها بمنزلها بمدينة بدر.

وكانت والدة الطفلة قد أعطتها بحسن نية حسبما ذكرت في التحقيقات لسيدة منتقبة داخل المستشفى لتتمكن من تهدئة الطفلة لكنها غافلت الجميع واختفت في لحظات.

وأكد الإمام الأكبر شيخ الأزهر، الدكتور أحمد الطيب، متابعته الشخصية لتطورات هذ الحادث، باعتباره يخص مستشفى تابعاً لجامعة الأزهر، وأصدر بياناً عبر فيه عن أسفه على اختطاف الرضيعة، موجهاً بضرورة تنسيق الجهود مع الجهات المعنية لسرعة التوصل للطفلة.


أزمة في «أكاديمية الفنون» المصرية فجّرها قسم التصوير بمعهد السينما

المعهد العالي للسينما في مصر (فيسبوك)
المعهد العالي للسينما في مصر (فيسبوك)
TT

أزمة في «أكاديمية الفنون» المصرية فجّرها قسم التصوير بمعهد السينما

المعهد العالي للسينما في مصر (فيسبوك)
المعهد العالي للسينما في مصر (فيسبوك)

أصدرت أكاديمية الفنون المصرية بياناً حول الأزمة التي أثيرت بخصوص إلحاق طالب بالدراسات العليا في قسم التصوير بمعهد السينما في النصف الثاني من العام الدراسي، وهو ما رفضه قسم التصوير بالمعهد، واعتبره «إجراءً استثنائياً يمس نزاهة العملية التعليمية»، وفق بيان أصدره القسم، وردّت عليه الأكاديمية.

وجاء في بيان قسم التصوير بمعهد السينما أنه «تعذر تنفيذ إجراء استثنائي، رأى أنه قد يمس نزاهة العملية التعليمية وجودتها، أو يخلّ بمبدأ تكافؤ الفرص بين الطلاب». وأوضح في بيانه أن «المقترح محل الخلاف يتعلق بقبول حالة فردية للقيد بالدراسات العليا في منتصف الفصل الدراسي الثاني، مع استحداث جدول دراسي خاص للحالة، رغم عدم وجود طلاب مقيدين فعلياً في هذا المستوى خلال الفصل ذاته».

وأكّد البيان أن هذا الإجراء يمثل «استحالة فنية وأكاديمية»، ولا يمكن تمريره عبر استثناء إداري، خصوصاً أنه يمنح امتيازاً لطالب خارج الأطر الزمنية والتنظيمية المعتمدة، وهو ما يتعارض مع قواعد العدالة وتكافؤ الفرص داخل المؤسسة التعليمية».

وعرض مجلس القسم مبرراته القانونية والأكاديمية والفنية لرفض تنفيذ القرار، كما استنكر إحالة مجلس القسم وكذلك مجلس المعهد، إلى التحقيق من قبل رئيسة الأكاديمية، الدكتورة نبيلة حسن، ما وصفه البيان بأنه «سابقة غير معهودة»، محذراً من أن «تكون لها تداعيات خطيرة على بيئة العمل الأكاديمي»، وفق البيان الذي نشرته وسائل إعلام محلية.

فيما أصدرت أكاديمية الفنون بياناً، الخميس، أكدت خلاله أن «الإجراءات المتخذة كافة من قبل الأكاديمية تأتي تنفيذاً لصحيح أحكام القانون واللوائح المنظمة ذات الصلة، ونأياً عن أي اعتبارات شخصية».

د. نبيلة حسن رئيسة أكاديمية الفنون المصرية (أكاديمية الفنون)

​وأوضح البيان أنه «بخصوص ما أثير حول قبول أحد الطلاب بمرحلة الدراسات العليا بقسم التصوير بالمعهد العالي للسينما خلال الفصل الدراسي الثاني للعام الجامعي 2025 / 2026؛ وجب التأكيد على أن قرار مجلس الأكاديمية الصادر في يناير (كانون الثاني) 2026 - إبان فترة رئاسة رئيس الأكاديمية السابق - لم يتضمن منحاً للقبول النهائي، بل اقتصر على تمكين الطالب من تقديم ملف التحاقه وإخضاعه لكافة الاختبارات والضوابط التي خضع لها أقرانه دون أي استثناء إجرائي؛ إعلاءً لمبدأ تكافؤ الفرص»، مع الإشارة إلى أن الدراسة بدبلوم الدراسات العليا بالقسم المذكور لم تبدأ فعلياً لهذا العام إلا مع انطلاق الفصل الدراسي الثاني، وعقب صدور قرار مجلس الأكاديمية المشار إليه، ما يؤكد استقامة الجدول الزمني للعملية التعليمية وتوافقه مع الإجراءات الإدارية المتبعة.

​ وردّاً على تحفظ قسم التصوير على تنفيذ القرار بدعوى وجود طلاب آخرين يحق لهم الالتحاق؛ بادرت رئيسة مجلس الأكاديمية الدكتورة نبيلة حسن، بعقد اجتماع عاجل لمجلس الأكاديمية، تقرّر خلاله فتح باب الالتحاق لكافة الطلاب الراغبين ضماناً للعدالة المطلقة.

ويرى الناقد الفني المصري، أحمد سعد الدين، أن أزمة معهد السينما تعود إلى «محاولة إدراج طالب واحد في الدراسات العليا بالنصف الثاني من العام الدراسي، وهو إجراء استثنائي وفق ما ذكره ورفضه بيان قسم التصوير، ما اعتبرته رئيسة الأكاديمية تحدياً لقرار مجلس الأكاديمية، فأحالت القسم للتحقيق».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «المسألة تتعلق بقواعد عامة يحافظ عليها قسم التصوير في معهد السينما، وهو رفض استثناء حالة فردية لنجل أستاذ بالمعهد، وهو ما ردّ عليه بيان الأكاديمية بإتاحة التقديم للدراسات العليا في القسم للجميع لتحقيق مبدأ تكافؤ الفرص، لكن ما زالت الأزمة مستمرة لتمسك القسم برفض الحالة الفردية».

وتعدّ أكاديمية الفنون، التابعة لوزارة الثقافة المصرية، من مؤسسات التعليم العالي المتخصصة في تدريس الفنون التعبيرية بمصر، وأنشئت عام 1959، وتضم العديد من المعاهد العالية المتخصصة في السينما والموسيقى (الكونسرفتوار) والمسرح والباليه والنقد الفني والفنون والدراسات الشعبية.