سيّدات أولمبياد باريس... قصص إنسانية تتفوّق على البطولات الرياضيّة

سيّدات أولمبياد باريس... قصص إنسانية تتفوّق على البطولات الرياضيّة
TT

سيّدات أولمبياد باريس... قصص إنسانية تتفوّق على البطولات الرياضيّة

سيّدات أولمبياد باريس... قصص إنسانية تتفوّق على البطولات الرياضيّة

في سابقةٍ هي الأولى في تاريخ الألعاب الأولمبية، تعادلت النساء مع الرجال من حيث العدد ضمن أولمبياد باريس. استُكملت هذه المساواة الجندريّة العدديّة بلفتةٍ هي الأخرى فريدة في تاريخ الأولمبياد. فقد استُحدثت حضانة في «القرية الأولمبية» لاستقبال أطفال الرياضيين المشاركين، حتى يتسنّى للأمهات والآباء التركيز على مبارياتهم وإنجازاتهم.

أما على ضفاف الأولمبياد، وبعيداً عن عدّاد النتائج والميداليات، فقد نبتت حكاياتٌ ملهمة كثيرة بطلاتُها سيّداتٌ سرقن الضوء من الحدث الرياضيّ العالميّ. منهنّ مَن رفعن شعار أولويّة الصحة النفسية، ومنهنّ مَن تحدّين سنوات العمر والإعاقات الجسديّة، في حين وقفت أخريات في وجه التمييز والتنمّر، كما تسلّحت بعضهنّ بنعمة الأمومة في الطريق إلى تحقيق البطولة.

الحضانة المستحدثة على هامش أولمبياد باريس لاستقبال أطفال الرياضيين (الموقع الرسمي للألعاب الأولمبية)

لكن أبعد من الإلهام والتحفيز والدموع، تمكّنت تلك الحكايات من إثارة الجدل والنقاشات المجتمعيّة، واضعةً قضايا نسائيّة متعدّدة تحت المجهر. فلاعبة المبارزة بالسيف، المصريّة ندى حافظ، ليست أوّل سيّدة حامل تقوم بمهمّة شاقّة والجنين داخل أحشائها. وليست نجمة الجمباز الأميركية سيمون بايلز أول شابّة تحلّق عالياً في الهواء، وأكتافُها مثقلة بمعاناةٍ نفسيّة مبرّحة.

تماهت النساء حول العالم مع تلك القصص الطالعة من أولمبياد باريس. وجدن فيها انعكاساً لكفاحهنّ. أما إذا كانت أضواء الحدث الرياضيّ قد أتاحت للبطلات مشاركة حكاياتهنّ على الملأ، فكم من الحكايات والقضايا باقيةٌ أسيرة غرفٍ مغلقة وصمتٍ مطبق.

لاعبة المبارزة بالسيف المصرية ندى حافظ خلال حفل افتتاح أولمبياد باريس (إنستغرام)

سيمون بايلز... الاعتناء بالروح أكبر بطولة

بين مباراةٍ وأخرى وبين ذهبيّةٍ وفضّيّة، كانت سيمون بايلز على تواصل مستمرّ بمعالجها النفسيّ. تُوّجت بطلة الجمباز الأميركية بثلاث ميداليّات ذهبيّة، كما صنعت لنفسها عودةً مدوّية في باريس بعد انكفاءٍ رياضيّ استمرّ سنتَين، استدعته صحّتها النفسية المتدهورة.

في جعبة بايلز (27 عاماً) 11 ميدالية أولمبية و30 ميدالية عالميّة، ما يجعلها بطلة الجمباز الأبرز والأكثر تتويجاً عبر التاريخ. غير أنّ هذا المجد لم يَقِها الآلام النفسيّة التي انعكست على أدائها الرياضي. فخلال مشاركتها في أولمبياد طوكيو عام 2021، أعلنت الرياضيّة انسحابها من أجل التركيز على صحّتها النفسية. عانت بايلز من فقدان التوازن والحسّ بالمكان وهي تؤدّي قفزاتها في الهواء، وهذه أحد عوارض حالتها النفسيّة.

لم تتردّد حينذاك في المجاهرة بتفاصيل معاناتها، ولا في الحديث عن القلق الخانق الذي ينتابها. ورغم التجريح الذي تعرّضت له بتهمة التخلّي عن منتخب بلادها، ورغم خيبة الانسحاب من استحقاقٍ تدرّبت لأجله سنوات، فإن بايلز قالت: «لا يجب أن أخاطر بصحّتي النفسية. علينا أن نهتمّ بأنفسنا قبل أن نقوم بما يريد الناس أن نقوم به».

نجمة الجمباز الأميركية سيمون بايلز وحصاد الميداليات في أولمبياد باريس (رويترز)

تعود بايلز إلى الأضواء ليس بوصفها بطلةً أولمبيةً فحسب، بل بوصفها مُدافعةً عن أولوية الصحة النفسية. تخترق برسالتها الهادفة تلك نفوساً تسكنها المعاناة الصامتة، لترفع وصمة العار، وتقول إن الاعتناء بالروح هو البطولة الأكبر.

تعود كذلك متخفّفةً من «الأنا» التي تضخّمها النجوميّة؛ ففي مشهدٍ أسرَ القلوب خلال الأولمبياد وكان تجسيداً صادقاً للتضامن النسائي، انحنت بايلز احتفاءً بمنافستها البرازيليّة بعد فوزها بالميدالية الذهبيّة في إحدى المواجهات، بينما اكتفت هي بالفضّيّة.

بطلتا الجمباز الأميركيتان سيمون بايلز وجوردان كايلز تنحنيان للفائزة البرازيليّة ريبيكا أندرادي (أ.ب.)

إيمان خليف تتلقّى اللكمات

ما إن وجّهت إيمان خليف لكمةً إلى منافستها الإيطاليّة أنجيلا كاريني، حتى انهالت عليها اللكمات المعنويّة من كل حدبٍ وصوب. وقفت بطلة الملاكَمة الجزائريّة وحيدةً أمام عواصف التجريح والكراهية التي سخرت من ملامحها، وأمام حملات التشكيك بهويّتها الجنسيّة.

لم تسلَم حتى من إهانات الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب الذي كتب: «أعِدُ بأن أُبقيَ الرجال خارج الرياضات النسائيّة»، ولا من تلميحات رئيسة الحكومة الإيطالية جورجيا ميلوني التي قالت: «لا يجب أن يُسمح لمَن يملكون خصائص جينيّة ذكوريّة أن يشاركوا في المباريات الرياضية النسائية».

هذا التمييز على أساس الشكل واجهته خليف (25 عاماً) بتحقيق مزيدٍ من الإنجازات في أولمبياد باريس، مكتفيةً بتصريحٍ قصير قاومت خلاله دموعها: «أريد أن أقول للعالم أجمع إنني أنثى وسأبقى أنثى». تحصّنت كذلك بدعم الكثيرين، على رأسهم والدها الذي وصف ما تعرّضت له ابنته بالظلم، قائلاً: «ابنتي فتاة وربّيتُها كفتاةٍ مكافحة وقويّة».

الملاكمة الجزائرية إيمان خليف بعد انسحاب منافستها الإيطالية (رويترز)

جدّة البينغ بونغ

ليس تنمّراً إنما تَحبُّباً، تُلقّب جيينغ زينغ بـ«جدّة كرة الطاولة». فالرياضيّة التشيليّة الصينيّة البالغة 58 عاماً، شكّلت بدورها حالةً فريدة في الحدث الباريسيّ، من خلال مشاركتها الأولمبية الأولى وهي في هذه السنّ المتقدّمة.

في حديث مع شبكة «سي إن إن» قالت: «عندما كنت أُسأل طفلةً عن حلمي، كنت أجيب بأنني أريد أن أصبح رياضيّة أولمبية». إلّا أن 40 سنة فصلت ما بين حلم الطفولة وتحقيقه، إذ إنّ زينغ انقطعت عن التمرين الأولمبي في مطلع عشريناتها منتقلةً من الصين إلى تشيلي، ومتفرّغةً لتدريب الأطفال ولعائلتها ولعملها التجاريّ الخاص.

قبل سنوات، وخلال جائحة «كورونا»، التقطت المضرب من جديد وعادت إلى التمرين والمشاركة في بطولاتٍ محلّيّة. تلا ذلك تأهّلها إلى الألعاب الأولمبية، حيث لم تحقق الفوز، لكنّها على الأقلّ حققت الحلم، وألهمت الكثيرات بأن ليس للنجاح تاريخ صلاحية.

تشارك جيينغ زينغ في الأولمبياد للمرة الأولى وهي في سن الـ58 (أ.ف.ب)

ندى حافظ... أحمالٌ شاقّة

أبعد من فاصلٍ أولمبيّ جميل مع رياضيّةٍ تبارزت بالسيف وهي حامل في شهرها السابع، أضاءت قصة اللاعبة المصرية ندى حافظ على كفاحٍ نسائيّ من نوعٍ آخر لا يلقى ما يكفي من الانتباه.

عندما أطلّت حافظ (26 عاماً) على العالم وهي تحمل سلاحها الرياضيّ وبطنها الممتلئ بجنين، تنوّعت ردود الفعل ما بين التعاطف والانتقاد. غير أنّ أهمّ ما فعلته حكايتها، هو التذكير بالحوامل المرغمات على العمل، في ظلّ ظروفٍ أقسى من مباراة رياضيّة محاطة بالاهتمام الطبي والعاطفي والإعلامي.

ولعلّ ما كتبته حافظ في منشورها على «إنستغرام» هو لسان حال تلك النساء؛ «طفلي وأنا واجهنا ما يكفي من التحديات الجسديّة والعاطفية. رحلة الحمل صعبة بحدّ ذاتها، لكن المحاربة من أجل الحفاظ على التوازن ما بين الحياة والواجب الرياضي، كانت مهمة شاقّة».

حلمٌ بذراعٍ واحدة

مزيدٌ من الحكايات الملهمة روَتها الرياضيّات البارالمبيات، اللواتي ملأن احتياجات الجسد الخاصة بانتصاراتٍ وميداليّات. من بين أولئك، لاعبة كرة الطاولة البرازيلية برونا ألكسندر (29 عاماً) التي فقدت ذراعها اليمنى وهي في شهرها الثالث. لكنّ ذلك لم يحل دون احترافها كرة الطاولة منذ سنّ الـ7، مكتفيةً بذراعٍ واحدة لتحقيق انتصاراتٍ كثيرة في هذه الرياضة. أما أبرز إنجازات ألكسندر في أولمبياد باريس، فهو أنها مثّلت بلادها في كلٍ من الفريقَين الأولمبي والبارالمبي، وهذه سابقة في تاريخ البرازيل الرياضي.

في حديثٍ مع وكالة «رويترز» وجّهت ألكسندر رسالة إلى كل مَن يحتاج سماعها: «لا تتنازلوا عن أحلامكم، بغضّ النظر عمّا إذا كنتم تملكون رِجلاً واحدة أو ذراعاً واحدة. آمنوا بأنّ كل شيء ممكن».

لاعبة كرة الطاولة البارالمبية البرازيلية برونا ألكسندر خلال مشاركتها في أولمبياد باريس (أ.ف.ب)

من أجل نساء أفغانستان

حملت الأفغانيّة زكيّة خدادادي إلى أولمبياد باريس جرح البلاد وجرح الجسد. لاعبة التايكوندو المحرومة من يدها منذ الولادة، كانت أوّل أنثى أفغانيّة تشارك في حدث رياضي عالمي خلال «أولمبياد طوكيو 2021»، بعد عودة حركة «طالبان» إلى الحكم. جرى إجلاؤها من كابل حينذاك بمساعدة اللجنة البارالمبية الدوليّة، بعد أن كانت تتدرّب لسنواتٍ في الخفاء.

وها هي تعيد الكرّة في باريس بعد أن صارت مقيمةً في فرنسا، معلنةً أنها تتنافس باسمِ النساء في بلادها واللواتي جُرّدن من حقوقهنّ على مدى السنوات الثلاث الماضية. وفي تصريحٍ لوكالة «أسوشييتد برس» قالت خدادادي (26 عاماً): «أريد أن أفوز بميدالية، وأن أُظهر قوّتي لكل النساء والفتيات في أفغانستان».

أما مواطنتُها العدّاءة كيميا يوسفي (28 عاماً)، فقد رفعت لافتةً بعد حلولها ثانيةً في سباق الركض، كُتب عليها بألوان العلم الأفغاني: «تعليم. رياضة. هذه حقوقنا». وفي وقتٍ لا تعترف حكومة «طالبان» سوى بالرياضيين الرجال المشاركين في البعثة الأولمبية، قالت يوسفي المقيمة في طهران: «رسالتي للفتيات الأفغانيات هي ألّا يستسلمن وألّا يدعن أحداً يقرر عنهن».

العدّاءة الأفغانية كيميا يوسفي وشعار «تعليم. رياضة. حقوق الأفغانيات» (رويترز)

نمور في حضن الجزائر

في بلدها الأمّ الجزائر، وجدت نجمة الجمباز كيليا نمور ملجأً، بعد أن رفض اتّحاد الجمباز الفرنسي وطبيب المنتخب ضمّها إلى الفريق الأولمبي. أثارت قضية نمور سجالاتٍ على وسائل التواصل الاجتماعي، فالرياضية المولودة في فرنسا عام 2006، استُبعدت عن البعثة الفرنسية؛ بسبب خضوعها لعمليّتَين جراحيّتَين عام 2021. رجّح الاتّحاد بأن تكون كثافة التدريب هي السبب وراء تفاقم حالتها، وارتأى أنه يجب أن تعود إلى الرياضة بشكلٍ تدريجيّ.

نمور التي تمارس الجمباز منذ سن الخامسة، وجدت الحلّ في اللجوء إلى بعثة الجزائر، مسقط رأس والدها. وهي حققت الفوز الأول لوطنها الأم في رياضة الجمباز، مُحرزةً الميدالية الذهبية.

أحرزت كيليا نمور الذهبية الأولى للجزائر في رياضة الجمباز (رويترز)

فريق اللاجئين الأولمبي

أما لمَن لم يجدوا بلاداً يمثّلونها، فقد فتح فريق اللاجئين الأولمبي ذراعَيه. من بين هؤلاء الملاكمة سيندي نغامبا الكاميرونيّة الأصل والمقيمة في بريطانيا.

الملاكمة سيندي نغامبا الفائزة ببرونزيّة عن فريق اللاجئين الأولمبي (أ.ب)

أحرزت نغامبا (25 عاماً) الفوز الأول لبعثة اللاجئين، حاصدةً ميدالية برونزيّة. علّقت الرياضيّة التي وجدت في الملاكمة ملجأها الآمن: «أريد أن أدعو اللاجئين جميعاً حول العالم إلى أنه بمواصلة العمل والإيمان بأنفسهم. يستطيعون تحقيق كل ما يريدون». ويضمّ فريق اللاجئين في أولمبياد باريس 37 رياضياً من 11 دولة، يتنافسون عن 12 فئة.


مقالات ذات صلة

أولمبياد لوس أنجليس 2028: بيع 4 ملايين تذكرة في الطرح الأول

رياضة عالمية المنظمون قالوا إن التذاكر بيعت في 85 دولة وفي جميع الولايات الأميركية الخمسين (أ.ب)

أولمبياد لوس أنجليس 2028: بيع 4 ملايين تذكرة في الطرح الأول

أعلن منظمو دورة الألعاب الأولمبية في لوس أنجليس 2028، الخميس، أنهم باعوا أكثر من أربعة ملايين تذكرة في الطرح الأول هذا الشهر، وهو مؤشر مبكر على الطلب القوي.

«الشرق الأوسط» (لوس أنجليس)
رياضة عالمية سيقام الملعب المؤقت في بومونا بجنوب كاليفورنيا (أ.ب)

انطلاق أعمال البناء في ملعب الكريكيت لأولمبياد لوس أنجليس 2028

أعلن المجلس الدولي للكريكيت، أمس (الأربعاء)، انطلاق أعمال البناء في ملعب الكريكيت الذي سيستخدم خلال دورة الألعاب الأولمبية لوس أنجليس 2028.

رياضة عالمية فلاديمير بوتين خلال استقباله لاعبين ولاعبات في بطولة الملاكمة (أ.ب)

بوتين يهاجم القيادة السابقة للجنة الأولمبية الدولية... ويصفها بـ«المخزية والجبانة»

انتقد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، أمس (الأربعاء)، القيادة السابقة للجنة الأولمبية الدولية، واصفاً إياها بأنها «مخزية وجبانة».

«الشرق الأوسط» (موسكو)
رياضة عالمية القرار يشكل انقساماً متصاعداً داخل أوساط السباحة الدولية (الاتحاد النرويجي للسباحة)

النرويج تنضم إلى بولندا في رفض استضافة سبّاحي روسيا

قال كاتو براتباك، رئيس «الاتحاد النرويجي للسباحة»، إن الاتحاد لن يستضيف أي بطولات دولية ما دام «الاتحاد الدولي للألعاب المائية» يسمح للاعبين الروس بالمشاركة.

«الشرق الأوسط» (أوسلو)
رياضة عالمية إدي نكيتيا (رويترز)

العداء السريع نكيتيا يعزز طموحات أستراليا في المسافات القصيرة

بعد أسبوع واحد فقط من استيعاب الأستراليين أداء العداء جوت جوت المذهل في سباق 200 متر في البطولة الوطنية لألعاب القوى.

«الشرق الأوسط» (ملبورن )

مادة مبتكرة من الصوف لعلاج كسور العظام

الدكتور شريف الشرقاوي الباحث الرئيسي للدراسة بجامعة كينجز كوليدج لندن يحمل مجسماً لجمجمة بشرية (جامعة كينجز كوليدج لندن)
الدكتور شريف الشرقاوي الباحث الرئيسي للدراسة بجامعة كينجز كوليدج لندن يحمل مجسماً لجمجمة بشرية (جامعة كينجز كوليدج لندن)
TT

مادة مبتكرة من الصوف لعلاج كسور العظام

الدكتور شريف الشرقاوي الباحث الرئيسي للدراسة بجامعة كينجز كوليدج لندن يحمل مجسماً لجمجمة بشرية (جامعة كينجز كوليدج لندن)
الدكتور شريف الشرقاوي الباحث الرئيسي للدراسة بجامعة كينجز كوليدج لندن يحمل مجسماً لجمجمة بشرية (جامعة كينجز كوليدج لندن)

تمكن باحثون في بريطانيا من تطوير مادة حيوية مبتكرة مشتقة من الصوف، قد تمثل بديلاً واعداً للمواد المستخدمة حالياً في علاج كسور وإصابات العظام.

وأوضح الباحثون بجامعة كينجز كوليدج لندن أن الدراسة تضع الكيراتين المستخلص من الصوف في موقع منافس قوي للكولاجين، الذي ظلّ لعقود المادة الأساسية في ترميم العظام والأنسجة، حسبما نُشر، الجمعة، على موقع الجامعة.

والكولاجين هو بروتين طبيعي يدخل في تكوين العظام والغضاريف والأنسجة الضامة، ويُعدّ «المعيار الذهبي» في كثير من التطبيقات الطبية الخاصة بإصلاح العظام. ورغم فعاليته في إعادة بناء النسيج العظمي في مناطق الكسور أو التلف، فإنه يعاني من بعض القيود، أبرزها ضعف قوته الميكانيكية وسرعة تحلله داخل الجسم، ما قد يقلل من استمرارية دعمه للعظام في الحالات التي تتطلب تحمّل ضغط أو فترات شفاء طويلة.

وتعتمد المادة المبتكرة التي طورها الفريق على بروتين الكيراتين، وهو بروتين طبيعي يتم استخلاصه من الصوف وتحويله إلى أغشية حيوية يمكن استخدامها في ترميم العظام. وتعمل هذه الأغشية كسقالة حيوية توضع في مناطق التلف أو الكسور، حيث توفر بيئة داعمة تساعد الخلايا العظمية على النمو بشكل منظم داخل المنطقة المصابة، مما يساهم في تكوين نسيج عظمي جديد بدل الفراغات الناتجة عن الكسر أو التلف.

وتعتمد آلية عمل الكيراتين على قدرته على الاندماج مع الأنسجة المحيطة داخل الجسم، مع الحفاظ على ثباته لفترة كافية تسمح بحدوث عملية الالتئام. كما يساعد على تنظيم ترتيب الألياف العظمية الجديدة، بحيث تتشكل بنية أقرب إلى العظم الطبيعي من حيث القوة والتركيب.

وفي التجارب المعملية، تم اختبار المادة أولاً على خلايا عظم بشرية، وأظهرت النتائج أن الخلايا نمت بشكل صحي، وبدأت في تكوين نسيج عظمي جديد؛ ما يدل على توافق المادة مع البيئة الحيوية داخل الجسم.

ولاحقاً، انتقل الباحثون إلى التجارب الحيوانية، حيث تم زرع الأغشية الكيراتينية في فئران تعاني من عيوب في عظام الجمجمة لا تلتئم تلقائياً. وخلال أسابيع، نجحت المادة في دعم نمو عظام جديدة عبر المناطق المتضررة، مع اندماج جيد في الأنسجة المحيطة.

وعند مقارنة النتائج مع الكولاجين، تبيّن أن الكولاجين أنتج كمية أكبر من العظام، بينما تميز الكيراتين بتكوين عظام أكثر انتظاماً وصلابة، وبنية أقرب إلى العظام الطبيعية من حيث ترتيب الألياف.

كما أظهرت مادة الكيراتين قدرة عالية على الثبات داخل الجسم وعدم التحلل السريع، إضافة إلى سهولة اندماجها مع الأنسجة، وهي خصائص أساسية لنجاح المواد المستخدمة في ترميم العظام. ووفق الباحثين، تكمن أهمية هذا الابتكار أيضاً في اعتماده على الصوف كمصدر طبيعي متجدد ومنخفض التكلفة، ما يجعله خياراً مستداماً واعداً مقارنة بالمواد التقليدية.


مصر لدعم صناعة السينما بتسهيل التصوير في المواقع السياحية والتراثية

جانب من اجتماع وزيرة الثقافة مع صناع السينما (وزارة الثقافة)
جانب من اجتماع وزيرة الثقافة مع صناع السينما (وزارة الثقافة)
TT

مصر لدعم صناعة السينما بتسهيل التصوير في المواقع السياحية والتراثية

جانب من اجتماع وزيرة الثقافة مع صناع السينما (وزارة الثقافة)
جانب من اجتماع وزيرة الثقافة مع صناع السينما (وزارة الثقافة)

تسعى مصر لدعم صناعة السينما من خلال تيسير إجراءات التصوير أمام صُنّاع الأفلام في مختلف المحافظات والمواقع السياحية والتراثية، وذلك في إطار تعاون مشترك بين وزارات الثقافة، والسياحة والآثار، والتنمية المحلية، وفق ما أكدته وزيرة الثقافة المصرية، الدكتورة جيهان زكي، خلال اجتماعها مع عدد من المخرجين والمنتجين، حيث أشارت فيه إلى العمل على إعداد تصورات جديدة لدعم الإنتاج السينمائي، بالتنسيق مع غرفة صناعة السينما.

وأكدت الوزيرة، في بيان، الأحد، أهمية استعادة الريادة للسينما المصرية، بوصفها إحدى الركائز الأساسية للقوة الناعمة، وأداة فاعلة في تشكيل الوعي الثقافي لبحث سُبل تطوير صناعة السينما المصرية، وتعزيز قدرتها التنافسية في ظل التحديات الراهنة.

وتُمثل صناعة السينما أحد الملفات ذات الأولوية، في وزارة الثقافة وفق ما أكدته الوزيرة، لما لها من دور محوري في تعزيز القوة الناعمة المصرية، مشيرة إلى متابعتها المستمرة لهذا الملف، وحرصها على التفاعل المباشر مع أطروحات صُناع السينما، والعمل على إزالة العقبات التي تواجههم، بالتوازي مع دعم المهرجانات السينمائية.

ومن أبرز التحديات الإبداعية والإجرائية التي تواجه صناع السينما استخراج تصاريح التصوير الخارجي؛ حيث دعا المنتج أحمد بدوي خلال الاجتماع إلى تبسيط الإجراءات، والتوسع في استغلال المواقع التراثية المصرية بوصفها وجهات تصوير عالمية، بما يُسهم في دعم السياحة وتعزيز الصورة الذهنية لمصر، حسب البيان.

وزيرة الثقافة خلال افتتاح مهرجان أسوان الدولي لأفلام المرأة (الشرق الأوسط)

فيما طرح المنتج كريم السبكي خلال اللقاء رؤية لتطوير منظومة الرقابة على المصنفات الفنية، خصوصاً في مراحل ما قبل العرض، إلى جانب مراجعة آليات التصنيف العمري.

وأكد المنتج صفي الدين محمود أهمية دعم المواهب الشابة من طلاب وخريجي معاهد السينما، وإتاحة فرص التصوير الخارجي لهم مجاناً، بالتنسيق مع المحافظات لدمجهم في سوق العمل.

وشدّد المخرج أحمد دسوقي، خلال مداخلته، على ضرورة الحفاظ على حرية الإبداع، والتوسع في إنشاء دور العرض السينمائي في المحافظات، إلى جانب زيادة عدد الاستوديوهات المجهزة بأحدث التقنيات.

كما أشار المخرج كريم الشناوي إلى التحديات التي تواجه الجيل الجديد من المنتجين، مطالباً بتهيئة بيئة إنتاج أكثر مرونة، وإعادة النظر في تكاليف الإنتاج والإيجارات، بما يُشجع الشباب على الاستمرار في العمل السينمائي.

من جانبه، لفت المخرج يسري نصر الله إلى أن الاعتماد على مواسم عرض محددة، مثل عيدي الفطر والأضحى، يُمثل تحدياً هيكلياً يتطلب إعادة النظر في سياسات الإنتاج والتوزيع، بما يضمن استدامة الصناعة على مدار العام.

وتشهد مصر تراجعاً في عدد الأفلام السينمائية المنتجة سنوياً؛ إذ بلغ عددها 43 فيلماً عام 2024، قبل أن ينخفض إلى 32 فيلماً عام 2025. وخلال العقدين الماضيين، تراوح حجم الإنتاج السينمائي المصري بين 20 و30 فيلماً سنوياً.

فيما يرى الناقد الفني المصري طارق الشناوي أن الدولة ينبغي أن تتدخل لدعم صناعة السينما، وأن تنظر إليها بوصفها «أداة تسويقية» تُسهم في الترويج لعوامل الجذب المختلفة في مصر، من السياحة إلى الاستثمار وغيرها. لكنه يؤكد أن القرار لا يقتصر على وزارة الثقافة وحدها، في ظل تداخل اختصاصات عدد من الوزارات المعنية. وقال في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»: «غالباً سيكون هناك ضوء أخضر من رئيس الوزراء للتدخل وتبنّي هذه الأفكار الداعمة لصناعة السينما».

وأشار إلى ضرورة فتح باب الحرية أمام المبدعين، قائلاً: «على وزارة الثقافة أن تتخذ خطوة للدفاع عن حرية التعبير، وإعادة النظر في القواعد الرقابية التي أصبحت أكثر صرامة في السنوات العشر الماضية من أجل إنعاش الإبداع، كما يجب التفكير مجدداً في إعادة الدعم لبعض الأفلام، من خلال لجان تُحدد السيناريو الذي تدعمه الدولة، وبأي قيمة مادية، حتى لا تكون هناك أخطاء أو تجاوزات في هذا الصدد».


زيندايا... من نجمة «ديزني» المراهقة إلى صاحبة الأدوار الصعبة والشخصيات المعقّدة

الممثلة الأميركية زيندايا تخوض تجربة سينمائية لافتة في «The Drama» (أ.ب)
الممثلة الأميركية زيندايا تخوض تجربة سينمائية لافتة في «The Drama» (أ.ب)
TT

زيندايا... من نجمة «ديزني» المراهقة إلى صاحبة الأدوار الصعبة والشخصيات المعقّدة

الممثلة الأميركية زيندايا تخوض تجربة سينمائية لافتة في «The Drama» (أ.ب)
الممثلة الأميركية زيندايا تخوض تجربة سينمائية لافتة في «The Drama» (أ.ب)

كلّما أطلّت زيندايا في عملٍ جديد، سواء أكان فيلماً أم مسلسلاً، أثارت الضجّة حولها. نادراً ما انتُقدت على أداء، بل هي حاصلة على شبه إجماعٍ من النقّاد. وباستثناءِ عتبٍ على الكاتب والمخرج كريستوفر بورغلي؛ لأنه لم يوسّع قوس شخصيتها في «ذا دراما (The Drama)» بقَدرِ ما تستحقّ، لخرجت النجمة الأميركية الشابة من الفيلم الجديد بتقييم «5 نجوم».

في «ذا دراما»، زيندايا هي «إيما» التي تعيش قصة الحب المثالية مع «تشارلي» (الممثل البريطاني روبرت باتينسون). لكن عشيّة موعد الزفاف وبينما يضع الثنائي اللمسات الأخيرة على الحفل، تبوح إيما أمام تشارلي وأصدقاء مشتركين، بسرٍّ أخفَته لسنوات. يُعرّض السرّ الصادم صورتها للتشويه، كما يضع علاقتها بحبيبها وزواجهما المرتقب على المحكّ.

زيندايا وروبرت باتينسون في فيلمهما الجديد «The Drama» (الشركة المنتجة A24)

من أجواء رومانسية ورديّة، تتحوّل الحبكة إلى داكنة فيدخل الحبّ امتحاناً مصيرياً، ومعه تدخل زيندايا شخصيةً معقّدة أخرى، هي البارعة في تجسيد الأدوار الغامضة والمتعددة الطبقات النفسية؛ وأكبرُ شاهدٍ على ذلك مسلسل «يوفوريا (Euphoria)»، الذي أطلقها إلى النجومية عام 2019، والعائد حالياً في موسم ثالث على منصة «HBO».

لكن قبل «ذا دراما» و«يوفوريا» والأدوار الدرامية الدسمة، كانت نجوميّة زيندايا (29 سنة) من نوعٍ آخر. إذ انطلقت بوصفها إحدى بطلات شاشة «ديزني»؛ حيث ظهرت في برامج ومسلسلات خاصة بالمراهقين.

لم يخطر في بال والدَي زيندايا يوماً أنّ ابنتهما ستصير ما هي عليه حالياً. في مدرستها في أوكلاند - كاليفورنيا، كانت خجولة ومتحفّظة. ظنّ الوالدان المدرّسان أنهما بتسجيلها في أنشطة رياضية ربما تتخلص من خجلها وانغلاقها، لكن لا كرة السلّة ولا كرة القدم حرّرتاها. وحدَه الرقص صنع الفرق بعد أن انضمّت إلى فرقة هيب هوب.

في سنّ الـ11، كانت زيندايا قد حسمت قرارها بأنَّها تريد أن تصبح ممثلة. بدأت التدريب بالتزامن مع مشاركتها في مسرحيات موسيقية، وفي عروضٍ محلّية لأعمال شكسبير.

لم تكن قد بلغت الـ13 من عمرها عندما انتقلت مع أبيها للإقامة في لوس أنجليس، هو الذي أدرك تماماً ماذا كانت تريد ابنته، وفق تعبيرها. لكن في المقابل، كان عليها التضحية بسنوات اللهو وبوقتها الثمين إلى جانب أمّها، من أجل تحقيق حلمها.

زيندايا مع والدَيها كازيمبي كولمان وكلير ستورمر (فيسبوك)

كانت البداية في عرض أزياء الأطفال والمراهقين لعلامات تجارية معروفة، ثم تقدّمت زيندايا إلى تجارب الأداء الخاصة ببرنامج «Shake it Up» من إنتاج شبكة «ديزني». جرى اختيارها من بين 200 فتاة لتكون إحدى الشخصيات الأساسية في البرنامج التلفزيوني، الذي يمزج ما بين الموسيقى والرقص وحكايات المراهقين.

وفي عام 2011، بالتزامن مع عرض الموسم الثاني من البرنامج، أطلقت زيندايا أغنيتها الأولى، فهي لطالما حاولت التوفيق بين الموسيقى والتمثيل، مع العلم أنّ الأخير هو الذي يأخذ حصّة الأسد.

شهدَ عام 2012 الانطلاقة السينمائية لزيندايا، كما شاركت متباريةً في برنامج «الرقص مع النجوم (Dancing with the Stars)»؛ حيث وصلت إلى مراحل متقدّمة من المنافسة، رغم كونها المتنافسة الأصغر سناً في تاريخ البرنامج، إذ كانت حينها في الـ16 من عمرها.

على عكس أبناء سنّها، لم يُتَح لزيندايا أن تعيش طفولتها ولا مراهقتها. منذ الـ10 من عمرها وحتى اليوم وقد شارفت على الـ30، راكمت المشروع تلو الآخر. فما بين 2013 و2015 فقط، أصدرت ألبومَين غنائيَّين، وشاركت في فيلم آخر من إنتاج «ديزني».

زيندايا عام 2014 في بطولة فيلم «Zapped» (ديزني)

حصل الاختراق الجماهيريّ الفعليّ الأول عام 2017 مع مشاركتها في بطولة فيلم «سبايدر مان»، إلى جانب توم هولاند ومايكل كيتون وغوينيث بالترو. قالت عنها كبرى الصحف العالمية حينذاك إنها «سرقت المشاهد والأنظار»، لتكرِّس زيندايا نفسها في سنّ الـ21 رقماً صعباً على الشاشة الفضّية.

كذلك كان الأمر على الشاشة الصغيرة، عندما أطلقت منصة «HBO» أحد أكثر مسلسلاتها جماهيريةً «يوفوريا» عام 2019. أتقنت زيندايا دورها بشخصية «رو بينيت»، المراهقة المدمنة على المخدّرات. برعت الممثلة الشابة في تجسيد رحلة الكفاح التي خاضتها رو من أجل التعافي من مشكلاتها النفسية وإدمانها، والعثور على مكان لها في المجتمع، والتكيُّف في علاقاتها بعد إعادة التأهيل.

زيندايا في الموسم الأول من مسلسل « يوفوريا» (HBO)

لم يقتصر الثناء على أداء زيندايا على صحيفة «غارديان» البريطانية التي وصفته بـ«المذهل والساحر»، بل انسحب على مجلّة «نيويوركر» المرموقة التي علّقت: «يصبح من الصعب استذكار بداياتها في ديزني، لفَرط ما أتقنت هذا الدور الجديد المعتم». وقد تُوِّجت تجربتها في الموسم الأول من «يوفوريا» بحيازتها جائزة «إيمي» بوصفها أفضل ممثلة في مسلسل دراما عام 2020، لتصبح بذلك أصغر فنانة تنال ذلك التكريم في سن الـ24 عاماً.

توالت مواسم «يوفوريا» لتفوز الممثلة الشابة بـ«إيمي» ثانية، وبجائزة «غولدن غلوب» عن الموسم الثاني من المسلسل. وبالتزامن توالت أجزاء فيلم «سبايدر مان». وفي كلتا التجربتين وعلى مَرِّ المواسم والأجزاء، كانت شراكة زيندايا أمام الكاميرا ثابتةً مع الممثل توم هولاند.

سرعان ما تحوَّلت تلك الشراكة المهنية إلى شراكة عاطفية، وذلك في ظلِّ تغطية صحافية كثيفة أثارت استغراب وانزعاج زيندايا، التي سبق أن صرَّحت بأنَّ «اهتمام الإعلام غريب ومُريب ومربك ومتطفّل للغاية».

زيندايا وشريك الشاشة والقلب الممثل توم هولاند (أ.ب)

بقَدر وفائها لأفلامها مثل «سبايدر مان» و«ديون»، ومسلسلاتها وعلى رأسها «يوفوريا» عائدةً إليها في مواسمها الجديدة كافةً، تلتزم زيندايا بقصّتها وتوم هولاند. العلاقة العاطفية التي بدأت عام 2021، استُكملت بخطوبة النجمَين في 2024. وفي آخر إطلالاتها التلفزيونية ترويجاً لفيلمها الجديد «ذا دراما»، وضعت خاتم زواج في يدها اليُسرى، ما قد يؤكّد تصريح مصمّم أزيائها الخاص الذي قال الشهر الماضي إنّ زيندايا وهولاند تزوّجا سراً.