جون أشقر لـ«الشرق الأوسط»: ما أقدّمه على الخشبة يشبهني في الواقع

يمتاز بأسلوب «ستاند أب كوميدي» خاص به

حقق جون نجاحاً بعرضه المسرحي في «أعياد بيروت» (جون أشقر)
حقق جون نجاحاً بعرضه المسرحي في «أعياد بيروت» (جون أشقر)
TT

جون أشقر لـ«الشرق الأوسط»: ما أقدّمه على الخشبة يشبهني في الواقع

حقق جون نجاحاً بعرضه المسرحي في «أعياد بيروت» (جون أشقر)
حقق جون نجاحاً بعرضه المسرحي في «أعياد بيروت» (جون أشقر)

حقق عرض الـ«ستاند أب كوميدي» للفنان جون أشقر في مهرجانات «أعياد بيروت» النجاح المتوقع، فزحف الآلاف لمشاهدته، بعد أن كان برنامجه «طار الوقت» على شاشة تلفزيون «إل بي سي آي» العنوان الوحيد للالتقاء به أسبوعياً.

دخل جون أشقر هذا العالم بالصدفة، كما يذكر لـ«الشرق الأوسط»، فهو تخصّص في مجال بعيد كل البُعد عن الفن. وبدأ مشواره هذا على مسرح جمعية كشافة كان ينتمي إليها. وفي عام 2017 دخل هذا المعترك في عرضٍ قدّمه في منطقة مار مخايل، لكنه سجّل انتماءه الرسمي لمجال الـ«ستاند أب كوميدي» في عام 2022.

ومن يتابع جون أشقر في عروضه يلاحظ تمتّعه بأسلوب خاص. وكان لافتاً اعتماده في عروضه على التحدّث عن تجاربه الشخصية، ومن بينها طلاقه، الذي شكّل عنده صدمة نفسية وحالة إحباط قريبة من الانهيار العصبي. وهنا تسأله «الشرق الأوسط» عما إذا كانت عروضه أسهمت في تخطيه مشكلاته، وكانت بمثابة علاج لصحته النفسية.

يرد أشقر: «مررت بحالة طلاق صعبة، وتعرضت لسقطات عدة في حياتي. ولكن لا شيء يمكنه أن يحلّ مكان المعالج النفسي. وكان من البديهي أن أركن إليه كي أتخلَّص من قلقي. ولعلّ نجاحي في الـ(ستاند أب كوميدي) ينبع من اقتناعي التام بضرورة تمتعي بصحة نفسية جيدة».

يستعد جون أشقر لتقديم عرض خاص به في الأولمبياد (جون أشقر)

صحيح أن جون استخدم عروضه جسراً يتواصل من خلاله مع جمهوره العريض، فلجأ فيه أحياناً إلى نوع من الفضفضة والتحدث عن أموره الشخصية، ولكنه يشرح: «هذه الفضفضة تكون آنية، كالرسام الذي يستخدم ريشته لإخراج ما في أعماقه وترجمته بلوحة. وأستطيع الجزم بأن الكوميديا لا يمكن أن تنبع من شخص يعيش حياة مستقرة وثابتة. فهو يرى قصصه السلبية بأبعاد مختلفة، ويتناولها بسخرية».

يقول إنه في بداياته خاف؛ لأنه لا يُشبه أحداً ممّن سبقوه في المجال هذا. ويوضح لـ«الشرق الأوسط»: «لكنني لاحظت بعدها أن هذا الأمر يعود لسبب آخر، فعلى المسرح أنا أشبه حالي في حياتي العادية. هناك اختلاف طفيف يحضر من دون شك، ولكنني بالمجمل، أعكس نفسي على الخشبة. انتقدوني في البداية كوني أعتمد رواية القصص وتطويلها، ولكن تبيّن فيما بعد أن هناك مَن يحب هذا الأسلوب؛ ولذلك يصف بعضهم أسلوبي بالمغاير، فصار جزءاً لا يتجزأ من اختلافي عن الآخرين. فأنا في حياتي اليومية أتبع الطريقة نفسها في إخبار أصدقائي قصة معينة».

هذه التركيبة التي تؤلّف أسلوب جون أشقر تلقى اليوم انتشاراً واسعاً طال دولاً عربية وخليجية وغربية. في الأشهر الثلاثة الأخيرة قدّم نحو 35 عرضاً في دول عدة، فهل هي متأتية عن أبحاث أو عن خلطة شخصية يمتلكها؟ يرد: «ما أقدّمه لا ينتمي إلى الفن المسرحي؛ إنها حوارات يتفاعل معها الجمهور. فالـ(ستاند أب كوميدي) يعتمد على هذا العنصر أولاً، و90 في المائة ممّا أسرده على الناس هو محتوى أستوحيه من يومياتي، فأنا أشكّل نموذجاً حياً من حياة لبنانيين كثيرين. وعندما يضحكون لنكات وطرائف أقصّها عليهم فلأنها تذكّرهم بأنفسهم».

ويضيف: «بالنسبة للأبحاث فهي أيضاً تؤلف جزءاً من عروضي. فقبل التوجّه إلى أستراليا أو كندا ودبي أبحث عما يعانون منه هناك، وكذلك أطّلع على طبيعة حياتهم وإيقاع يومياتهم، فأقدم عند كل جمهور أزوره محتوى ينسجم مع تفكيره. ولديَّ فريق يساعدني في هذا الأمر. فمن الصعب جداً أن يقوم الكوميدي وحده بكل هذه الأمور».

أمام الشاشة الصغيرة، وعندما أطلّ جون أشقر للمرة الأولى عبرها لم يُحقق النجاح المطلوب، فهل هو أدرك هذه النتيجة؟ وكيف واجهها؟ يقول لـ«الشرق الأوسط»: «بالطبع عرفت بالأمر، لا سيما أنني أطالب فريقي دائماً بمدّي بردود فعل الناس مهما كانت سلبية أو إيجابية. أخذتها بعين الاعتبار، وبدّلت في فقرات البرنامج، فصار يحمل قيمة فنية ومعنوية، ويثير الضحك في الوقت نفسه. تعذبت مع فريق عملي للوصول إلى هذه النتيجة، وهذه التجربة ستكمل طريقها في مواسم جديدة، وأنا على يقين بأنه يجب أن أختار خطواتي، وأن يكبر عملي رويداً رويداً، فلست مستعجلاً على شيء».

التفاعل مع الجمهور هو العنصر الأهم (جون أشقر)

يفتخر أشقر كون فريقه المساعد يتألف من شخصيات متخصصة، وبينهم أساتذة جامعيون وباحثون وإعلاميون، وهو ما يُسهم في تقديم محتوى ذي قيمة، وعلى المستوى المطلوب: «ابتعدت عن أسلوب الهرج والمرج، وفضّلت المحتوى المعزز برسالة معينة ويضحك الناس في آنٍ واحد».

قريباً يقف جون أشقر على مسرح الأولمبياد الباريسي، فشهرته تتوسع يوماً بعد يوم، وقد صقلها بالجهد؛ لأن العمل الكوميدي ليس بالأمر السهل. وهل تتمنى يوماً الوقوف على المسرح مع كوميديين عالميين؟ «لطالما تأثرت بالكوميدي جاد المالح، وتمنيت أن ألتقيه يوماً، فهو يملك أسلوباً كوميدياً يميزه عن غيره. وبالفعل حصل هذا اللقاء عندما تم اختياري لافتتاح عرضه في دبي خلال مهرجان الكوميديا، ومن ثم أعدنا الكرّة معاً، وقدّم لي فرصة ذهبية في باريس».

يعترف جون أشقر بأن الاستمرارية تقلقه، ويختم: «أخاف طبعاً على ما أنجزته حتى اليوم؛ ولكن ما يعزّيني هو فريق عملي المحترف، فهو يقوّيني ويذكّرني بإبقاء قدمي على الأرض، ويدفعني إلى إعادة النظر في قراراتي. أشعر معه بالأمان وأضمن استمراريتي، أقله لعشر سنوات مقبلة».


مقالات ذات صلة

«ضاع شادي»... حين تصبح الخشبة ملاذاً لمحو ندوب الحرب

يوميات الشرق يتناول الهبر في «ضاع شادي» مدى تأثير الحرب على شخصيته (شادي الهبر)

«ضاع شادي»... حين تصبح الخشبة ملاذاً لمحو ندوب الحرب

في عمل مسرحي، ينهل شادي الهبر من ذاكرته المثقلة بالحرب الأهلية اللبنانية، فيقدّم «ضاع شادي» في حكاية تتجاوز فردية العنوان، وتلامس وجعاً جماعياً لم يندمل بعد.

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق ضحكٌ يمرّ مثل هواء بين جدارين (مسرح المونو)

«حنّة»: مسرحية كوميدية تُوازن بين الخفّة والمعنى

«حنّة» مسرحية تُدرك حدودها وتُحسن توظيفها، فتُقدّم تجربة متوازنة تلامس الواقع من دون إثقال...

فاطمة عبد الله (بيروت)
يوميات الشرق جانب من عرض «متولي وشفيقة» (وزارة الثقافة)

المسرح المصري لاستعادة بريقه بعروض شبابية ومغامرات «تراثية»

يسعى المسرح المصري إلى استعادة بريقه عبر عروض مسرحية تراهن على الشباب وعلى المغامرات التراثية.

محمد الكفراوي (القاهرة )
يوميات الشرق «كافيه مونو» يستضيف نجوم المسرح (مونو)

«كافيه مونو» فسحة ثقافية بيروتية تتحدَّى واقع الحرب

هذه المبادرة «خرقت العتمة» التي فرضتها الحرب، ووفَّرت متنفَّساً كان الناس في أمسّ الحاجة إليه...

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق الكاتب والممثل المسرحي زياد نجار (زياد نجار)

 «إلكُنْ»... مشروع مسرحي لزياد نجار في مواجهة الحرب

مشروع «إلكُنْ» فضاء مسرحي تفاعلي يوفِّر للناس متنفساً بعيداً عن الأجواء القاتمة... بل مساحة حرَّة للتعبير.

فيفيان حداد (بيروت)

«SRMG» تفوز بتشغيل قناة «الثقافية»

 ستشمل خطة التطوير إطلاق برامج جديدة وتعزيز جودة الإنتاج وتبني أساليب سرد عصرية مدعومة بالتقنيات الحديثة (الشرق الأوسط)
ستشمل خطة التطوير إطلاق برامج جديدة وتعزيز جودة الإنتاج وتبني أساليب سرد عصرية مدعومة بالتقنيات الحديثة (الشرق الأوسط)
TT

«SRMG» تفوز بتشغيل قناة «الثقافية»

 ستشمل خطة التطوير إطلاق برامج جديدة وتعزيز جودة الإنتاج وتبني أساليب سرد عصرية مدعومة بالتقنيات الحديثة (الشرق الأوسط)
ستشمل خطة التطوير إطلاق برامج جديدة وتعزيز جودة الإنتاج وتبني أساليب سرد عصرية مدعومة بالتقنيات الحديثة (الشرق الأوسط)

فازت المجموعة السعودية للأبحاث والإعلام (SRMG) بعقد تشغيل وإدارة قناة «الثقافية» التابعة لوزارة الثقافة؛ في خطوة تواكب النهضة الثقافية التي تشهدها المملكة بدعم وقيادة وزارة الثقافة للقطاع وتعكس مكانة «المجموعة» وثقة عملائها بخبراتها الإعلامية والتحريرية.

وتمثل هذه الشراكة امتداداً للجهود السابقة في تطوير قناة «الثقافية»، وستشهد المرحلة المقبلة تطويراً في المعالجات التحريرية وتوسيع نطاق المحتوى بما يلبي اهتمامات مختلف شرائح الجمهور، إلى جانب تعزيز الحضور الرقمي للقناة.

وقالت جمانا راشد الراشد، الرئيسة التنفيذية «للمجموعة»: «نعتز بثقة وزارة الثقافة، ونعتبر هذه الترسية لقناة بأهمية القناة (الثقافية) مسؤولية لإكمال المسيرة والجهود الضخمة التي قامت بها الوزارة منذ إطلاق القناة، كما تأتي تتويجاً لجهود المجموعة في التطوير والتوسع».


«ضاع شادي»... حين تصبح الخشبة ملاذاً لمحو ندوب الحرب

يتناول الهبر في «ضاع شادي» مدى تأثير الحرب على شخصيته (شادي الهبر)
يتناول الهبر في «ضاع شادي» مدى تأثير الحرب على شخصيته (شادي الهبر)
TT

«ضاع شادي»... حين تصبح الخشبة ملاذاً لمحو ندوب الحرب

يتناول الهبر في «ضاع شادي» مدى تأثير الحرب على شخصيته (شادي الهبر)
يتناول الهبر في «ضاع شادي» مدى تأثير الحرب على شخصيته (شادي الهبر)

في عمل مسرحي مونودرامي، ينهل شادي الهبر من ذاكرته المثقلة بالحرب الأهلية اللبنانية، فيقدّم «ضاع شادي» في حكاية تتجاوز فردية العنوان، وتلامس وجعاً جماعياً لم يندمل بعد. يقف وحده على الخشبة بوصفه كاتباً للنص وممثلاً ومخرجاً، يستعيد الأحداث في سردية مليئة بالجروح، ويتناول تأثيرها عليه مع عائلته التي تحضر فرضياً على شاشة عملاقة كخلفية بصرية. ومع أفراد من أهله وأعمامه يقيم حوارات جريئة، فتتحول إلى ما يشبه العلاج الشافي من ندوب الحرب.

يروي شادي الهبر حكايته الحقيقية منذ ولادته إلى حين بلوغه سن المراهقة، ويعدّها مرحلة أدت إلى تكوين شخصيته التي تطبعه اليوم. ويمر على حقبات الحرب منذ أيام التهجير من الجبل إلى حين إقامته في العاصمة. ويوضح لـ«الشرق الأوسط»: «إنه بمثابة عمل مسرحي أوثِّق فيه مرحلة مهمة من حياتي، وأتطرّق خلاله إلى موضوعات مختلفة. منها الذكورية، والعنف الأسري، والعلاقات العائلية».

يتحوَّل المسرح في «ضاع شادي» إلى مساحة مواجهة صادقة مع الذاكرة، في تجربة شخصية وجريئة يخوضها شادي الهبر على أكثر من مستوى. فهو يقف للمرة الأولى على الخشبة جامعاً بين أدوار الممثل، والكاتب، والمخرج، ليقدِّم في مسرح «شغل بيت» الذي أسَّسه عام 2015 حكايته الخاصة بكل ما تحمله من صدق ووجع.

يقول: «إنها سيرتي الذاتية، محمَّلة بمشاعر، وأحاسيس عشتها وواجهتها وحيداً. هذه المرحلة شكَّلت تكويني الحقيقي وبداياتي مع المسرح». ويوضح أن العمل يتكئ على عناصر بصرية وسمعية، تاركاً للصمت حيّزاً تعبيرياً أساسياً، مبتعداً عن النمط الوثائقي التقليدي، يتنقَّل بين محطات زمنية مختلفة من طفولته إلى المراهقة. ويضيف: «كانت الخشبة ملاذي، ومنها تعلَّمت كيف أعبِّر عن مكنوناتي بعدما كنت أخشى مواجهتها علناً».

يستعيد فترة زمنية تمتد من 1976 إلى 1990 (شادي الهبر)

على مدى 3 سنوات، عمل الهبر على بلورة هذا المشروع، ليقدِّمه في عرض لا يتجاوز 55 دقيقة، يختصر فيه رحلة طويلة من التجربة والنضج. ويشير: «أرى هذا العمل تتويجاً لمسيرتي بعد 26 عاماً في المهنة. وتقديمه في (شغل بيت) بحد ذاته إنجاز». ويؤكد أن تفاعل الجمهور فاجأه، إذ لمس أن كثيرين يشبهونه في صمتهم ومعاناتهم، مضيفاً: «خاطبتهم بلسان حالهم، وهذا ما انعكس عليهم إيجاباً».

ومنذ تأسيسه مسرح «شغل بيت» ساهم الهبر في تدريب مئات الهواة على التمثيل، من خلال ورش عمل أثمرت عن أكثر من 60 عرضاً مسرحياً. ويقول: «أعددت نحو 400 شخص اعتلوا الخشبة، وراكمت خبرة كبيرة، لتأتي (ضاع شادي) محطة مفصلية في مسيرتي».

ويؤكد أن الحرب كانت تحضر دائماً في الأعمال التي قدّمها: «بسبب تأثيرها الكبير عليَّ تناولتها في معظم مسرحياتي. وكما في (نرسيس)، و(قفير النحل)، كذلك في (رحيل الفراشات)، و(دفاتر لميا)، جميعها حضر فيها جزء من الحرب وأحياناً سادت أحداث العمل برمّته. ولكن في (ضاع شادي) أخرجت كل ما سبق وكتمته في قلبي من تداعيات ومصير مجهول، تسببت به الحرب».

ولا يخفي الهبر البعد العلاجي الذي يحمله العمل، موضحاً: «خضعت لجلسات علاج نفسي طويلة حتى تصالحت مع نفسي وأهلي. دخلت الفن متأخراً لأنني كنت أبحث عن وسيلة للتخلّص من ندوب كثيرة. ربما كانت (ضاع شادي) مساحة (فشّة خلق) منحتني سلاماً داخلياً».

ويقرّ بأن مصارحة الذات ليست أمراً سهلاً، لكنه اختار المواجهة بلا أقنعة. ويتابع: «في هذا العمل اكتشفت أحاسيس لم أختبرها من قبل، وشعرت بأنني اكتملت فنياً وإنسانياً، إذ اجتمع داخلي المخرج والكاتب والممثل للمرة الأولى».

تعرض مسرحية «ضاع شادي» على مسرح «شغل بيت» في فرن الشباك. ومن المقرر أن يمدد عرضها في مايو (أيار) المقبل.

أما على مستوى السينوغرافيا، فقد اختار عناصر بصرية مستوحاة من الحرب، من متاريس رملية، وأقمشة ممزقة، طغى عليها اللونان الأحمر والأبيض، في إشارة إلى شظايا الانفجارات. وتتكامل هذه العناصر مع إضاءة صمَّمها توفيق صفدي، لتخلق جواً متقلباً بين الضوء والعتمة، والحرّ والبرد، في محاكاة حسّية لذاكرة الحرب.


«حنّة»: مسرحية كوميدية تُوازن بين الخفّة والمعنى

ضحكٌ يمرّ مثل هواء بين جدارين (مسرح المونو)
ضحكٌ يمرّ مثل هواء بين جدارين (مسرح المونو)
TT

«حنّة»: مسرحية كوميدية تُوازن بين الخفّة والمعنى

ضحكٌ يمرّ مثل هواء بين جدارين (مسرح المونو)
ضحكٌ يمرّ مثل هواء بين جدارين (مسرح المونو)

يفتح الكاتب والمخرج إيلي كمال في مسرحيته «حنّة» باباً للضحك من حيث لا يبدو هذا الضحك ممكناً أصلاً، على خشبة «مسرح المونو»، في لحظة لبنانية خارجة للتوّ من اشتعال الحرب وثقل الجنائز. يريد مسرحيته مساحةً لالتقاط النَفَس، بعيداً عن الهروب الساذج من الواقع، فيسعى إلى تخفيف حدّته، لربما تمنح الخشبة المُتفرّج فرصة أن يضحك على ما يؤلمه.

النصّ خفيف، لكنه لا يقع في الخفّة السطحية. يذهب إلى الكوميديا عبر اللعب على الكلمات وسوء الفهم والمواقف المُتلاحقة، من دون أن يتخلَّى عن طبقة أعمق تتّصل بالدولة والاستشفاء وشركات التأمين، ومصير الإنسان حين يكبر أو يمرض أو يتركه أبناؤه للهجرة البعيدة.

ما يبدو بسيطاً... ليس كذلك تماماً (مسرح المونو)

تبدأ الحكاية مع «حنّة» التي تؤدّيها ندى أبو فرحات. امرأة تدخل المستشفى بعد حادث بهوية مجهولة، ويظنّ الجميع أنها فقدت عقلها أو ذاكرتها. إنما اللعبة تتكشَّف تدريجياً فيتراجع الفارق بين مَن يُفترض أنهم واعون ومَن يُنظَر إليهم على أنهم في غفلة. تبدو «حنّة» أحياناً خارج ما يجري، ثم تظهر واعية تماماً بما تريده، مُمسِكةً بالخيوط من سريرها، بينما يظنّ الآخرون أنهم يديرون المشهد.

ندى أبو فرحات تبني هذا الازدواج بحضور متوازن بين جسد مستسلم للغفلة، وعين تراقب، وصوت يحمل معرفة غير مُصرَّح بها. شخصيتها لا تُضحِك لأنها مُضحكة فقط، إنما لأنها تكشف اختلالات مَن حولها. ومع الوقت، تصبح «حنّة» نموذجاً يتقاطع فيه الجميع. فكلّ شخصية مثلها، تحمل هروباً ما، من يومياتها، ومن خيبتها، ومن الخريطة القاسية التي وُلدت داخلها.

ما يُخفى أكثر مما يُقال (مسرح المونو)

سلمى الشلبي، بدور «الأخت إيزابيل»، أكثر الشخصيات حضوراً في العمل. الراهبة عنصر كوميدي فاعل داخل البنية، يتحوّل إلى محرّك أساسي للمشهد. جسدها هو الحامل الأول للمعنى، قبل أن يتدخَّل الكلام لتفسيره. فانحناءة الظهر امتداد لثقل داخلي، وخطوتها المُتباطئة تفرض إيقاعاً خاصاً على الخشبة، فيما يمنح تقوُّس القدمين حضورها بُعداً شبه طَقْسي، كأنّ الشخصية تسير داخل نظام منضبط لا تسمح لنفسها بالخروج عنه. الوجه الخالي من الليونة، والنبرة المقفلة على ذاتها، يوحيان بتاريخ طويل من كبح الانفعال، ومن إقصاء كلّ ما يمكن أن يفتح مجالاً للانفلات أو المرح.

كلّ شيء في مكانه... إلا ما في الداخل (مسرح المونو)

من هذه الصرامة تولد الكوميديا. فكلّ خروج صغير عن القاعدة، وكلّ انزلاق في الرصانة، يصنع مُفارقة مسرحية. هنا يعرف التمثيل كيف يمنح الشخصيات حقّها في التجسُّد عبر دقّة التفاصيل، ضمن رؤية إخراجية لإيلي كمال تُمهّد الطريق لهذه الانكسارات الدقيقة كي تتشكَّل، وتحوّلها إلى جزء أساسي من حركة العرض وبنائه.

ويضيف كريم شبلي في دور المحقّق «خالد»، إلى المشهد، نبرة مرحة مُقنعة تُخفّف من ثقل خطّ التحقيق وتفتحه على تفاعل أكثر سلاسة. يدخل في مسار التقرُّب من الممرضة «سمر»، التي تؤدّيها جويس أبو جودة بقدرة على اختيار اللحظة المناسبة لإلقاء الجملة والاستجابة لما يدور حولها. وإنما تفصيل بصري بقي خارج انسجام هذا الخطّ، تمثَّل في محبس بإصبع يده، رغم أنّ مساره الدرامي يتّجه نحو استمالة الممرضة. قد يكون الأمر سهواً، لكنه يبقى تفصيلاً أمكن تداركه على خشبة تُقرأ فيها أدقّ العلامات.

خيطٌ رفيع بين ما نرى وما نفهم (مسرح المونو)

أما جويس أبو جودة فتمنح «سمر» حضوراً لافتاً لا يقوم فقط على الإلقاء، إنما على حركة الجسد وسرعة التقاط الموقف. شخصيتها تُسهم في تثبيت الكوميديا داخل المستشفى، وتجعل المكان أقل برودة وأكثر قابلية لانفجار المفارقات الصغيرة.

المسرحية تجربة متماسكة تنطلق من إمكانات محدودة وتعرف كيف توظّفها من دون افتعال. الديكور يكتفي بإشارات مضحكة إلى فضاء المستشفى، تاركاً للممثلين حرّية الحركة، وللإخراج مَهمّة تنظيم الفراغ وتحويله إلى مساحة دينامية. هنا يظهر دور إيلي كمال في ضبط حركة الشخصيات داخل المشهد وتوزيعها بحيث لا يطغى حضور على آخر، ممّا يمنح المواقف الكوميدية قوّتها من ذاتها.

خيطٌ رفيع بين ما نرى وما نفهم (مسرح المونو)

تتجلّى اللمسة الإخراجية أيضاً في انتقال «حنّة» من حالة إلى أخرى من دون قَطْع حاد، كأنّ التحوّل يحدث أمام العين تدريجياً، وفي وقوف «الأخت إيزابيل» لحظةً خارج مسار الحركة، ثابتة وسط اندفاع الآخرين، ممّا يُضاعف أثر حضورها، وفي المشهد الجماعي داخل المستشفى، حيث تتقاطع المسارات وتبدو الفوضى مُنظَّمة، فيبقى المشهد مقروءاً رغم تقاطُع خطوطه.

لا يفصل العرض الضحك عن سياقه، ولا يُحمِّل مضمونه ما يفوق احتماله، ويعمل على إيجاد مساحة متوازنة بينهما. «حنّة» مسرحية تُدرك حدودها وتُحسن توظيفها، فتُقدّم تجربة متوازنة تلامس الواقع من دون إثقال.