«أحمد ماطر تذروه الرياح»... 25 عاماً من الفن

قال لـ«الشرق الأوسط»: أقدم في المعرض خلاصة مرحلة وأستعد للمستقبل

أحمد ماطر أمام أحد أعماله (الفنان)
أحمد ماطر أمام أحد أعماله (الفنان)
TT

«أحمد ماطر تذروه الرياح»... 25 عاماً من الفن

أحمد ماطر أمام أحد أعماله (الفنان)
أحمد ماطر أمام أحد أعماله (الفنان)

«أحمد ماطر... تذروه الرياح» في «كريستيز» ليس مجرد معرض لفنان سعودي من أهم فناني جيله، بل هو مراجعة كاملة وسجل لـ25 عاماً مضت من حياة ماطر وعمله، عبّر من خلالها عن نفسه إنساناً وطبيباً، وعبّر عن مجتمع في طور التغير، والأهم من كل ذلك أنه يمكن رؤيته كنظرة على العالم وأحداثه الكبرى من خلال انعكاسها على أعمال الطبيب الشاب الذي بدأ إبداعه في قرية المفتاحة الفنية في مدينة أبها بالسعودية، حيث يكلل السحاب قمم الجبال.

المعرض يفتتح للجمهور يوم 17 من الشهر الحالي، وحالياً تجري استعدادات مكثفة لتحويل جميع مساحات العرض في الدار لتقديم أعمال أحمد ماطر منذ بداياته، حتى الآن، على نحو آخر يقدم العرض مرحلة عمرية لفنان سعودي خرج بفنه من القرية للعالم.

«البرق» (أحمد ماطر)

تذروه الرياح

عند الحديث مع ماطر لا بدَّ من الدخول في ثنايا تفكيره وقراءاته ومشاهداته، كيف يرى العالم، وكيف يعبر عن نفسه لجمهوره أولاً ثم للعالم الخارجي ثانياً.

خلال حوارنا ينساب الحديث، وينتقل من نقطة لأخرى، ومن عمل لعمل، وبحكم أن المعرض يقدم ما يربو على 100 عمل يبدو الحديث وكأنه تسجيل لذاكرة ماطر وممارسته الفنية عبر 25 عاماً. اختار لمعرضه عنوانين، أحدهما بالإنجليزية «Chronicles» يترجم لكلمة سجلات، أما العنوان العربي ففيه الكثير من الطبقات والإيحاءات والمعاني الظاهرة والمبطنة، ويمتد في دلالته المستوحاة من النص الديني ليشمل تغيرات المناخ والطبيعة والنفس البشرية والحضارة.

يقول في بداية حديثه مع «الشرق الأوسط»: «(تذروه الرياح) تعبير جميل أراه قريباً في معناه من العنوان الإنجليزي (Chronicles) ويعني سجلات زمنية. فهو عنوان مرتبط بالزمن وبالتوثيق والتسجيل الثقافي والفني والسياسي وأيضا الديني». تعبير «تذروه الرياح» يذكره أيضاً بكلمات أغنية المغني بوب ديلان «يتطاير مع الريح»، يقول: «أشياء كثيرة تذهب مع الريح، وتذهب مع الزمن، من الذكريات، ومن السجلات، ومن الوثائق، ذهبت مع الزمن، ولكن ما يبقى هو ذاكرة الأشياء. شعرت أن التعبير اللغوي عظيم، فكل شيء سيذهب مع الريح، ومع الوقت».

استوحى عنوانه في الأساس من الآية القرآنية: «وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ مُّقْتَدِراً» (الكهف، آية 45)، بالنسبة إليه يثير النص فكرة النهاية وأيضاً البداية، «نعم لأني أرى دورة الأشياء، فالهشيم الذي تذروه الرياح ينتقل من مكان لمكان، وقد يكون البداية لشيء جديد».

ثلاثية «مغناطيسية» (الفنان)

كيف يعبر العنوان إذن عن محتويات المعرض والرسالة خلفه؟ يقول: «أرى أنه سيرة زمنية لأعمالي الفنية وقصتي. أردت عرض كل أعمالي السابقة قبل الانتقال لتجربة جديدة».

بشكل ما يعبر المعرض عن الماضي وبتقديمه يكمل ماطر تسجيل وتوثيق مرحلة مهمة من مشواره الفني. يشغله المستقبل بعد ذلك، المستقبل الذي يبدأ الآن.

يتحدث عن مشهد فني متغير في المملكة بتفاؤل وثقة: «هناك متاحف في طور الإنشاء في السعودية، هناك سوق فنية سَتُبْنَى، هناك قصة حوار بين المجتمع والفن». باختصار يرى مرحلة بناء لثقافة جديدة كاملة تشيد حالياً عبر حركة دائبة في مجال الفنون.

لا يرى في عرضه بدار مزادات شهير دلالات تجارية، وهو أمر مهم الإشارة له، فالعرض ليس تجارياً، فهو مجاني ومفتوح للجمهور، وتحت هذا الضوء تصبح «كريستيز» بمقرها بوسط لندن «منصة مهمة»، يضيف: «ليس بالضرورة أن يكون تجارياً، الحديث هذا كان عندما لم يكن لدي مكان لأعرض أعمالي. (كريستيز) بالنسبة إليّ هي منصة تسمح لجمهور من محبي الفن في الشرق والغرب الذي يزور لندن بأن يأتي ويشاهد العرض».

25 عاماً من الفن

المعرض هو الأكبر في تاريخه، وله أهمية خاصة، فهل نرى من خلاله تطور أحمد ماطر وفكره منذ البدايات وحتى الآن؟ وما هو الخط الزمني والبصري لهذا التطور؟

«إضاءات IV» (أحمد ماطر-الهيئة الملكية للعلا)

«هذا التطور يتكلم عن تجربة 25 سنة، فيها رحلة زمنية ورحلة مكانية وجغرافية»، يشير إلى تنقله بين مدن السعودية خلال عمله بالفن «انتقلت من مدينة أبها بمحافظة عسير إلى مكة ثم جدة والمدينة والرياض، حيث أسست مرسماً ضخماً لي بحي جاكس للفنون بالدرعية. هذه رحلة مكانية. وهناك أيضاً رحلة مهنية شهدت الصراع الداخلي بين حياة الطبيب ومستقبلها المالي المضمون وبين حياة الفنان المغامر»، ما يصنع الفرق لأي فنان «مغامر»، حسب ماطر، هو رعاية الدول «الفنون لا تنجح من دون رعاية الدول، يمكن للفن أن يكون مستقلاً في جوهره، ولكنه يجب أن يكون معبراً عن الأمم والحضارات».

الحديث عن عمله طبيباً يأخذنا لنقطة مهمة «يظهر في أعمالك الاعتماد على العلم والتكنولوجيا مثل استخدام الأشعة السينية أو تجربة شذرات الحديد والمغناطيس؟ هل يغلب عليك الجانب العلمي أم الجانب الخلاق والمبتكر؟»، يقول: «التجربة العلمية أعطتني قوة ولغة جديدة في التعبير الفني، أقرب مثال لها هو المغناطيس وهو لغة علمية بحتة لكن النظرة من المتلقين كانت شاعرية جداً، ولهذا أقول إن أعمالي تتناغم بين الشاعرية أو الذاتية وبين الموضوعية العلمية».

من القط العسيري لوادي الفن

ينتقل الحديث عن العرض والقطع المختارة، نعرف أن بعض القطع لم تعرض من قبل منها رسم نفذه أحمد ماطر في مراهقته ورسم من تنفيذ والدته التي اشتهرت بكونها واحدة من أشهر فنانات «القط العسيري»، وهو النقش على الجدران في بيوت منطقة عسير. ولكن يجب القول إن الحديث عن ماطر عادة ما يثير في الذهن صورة أشهر أعماله وهو «مغناطيسية». أشير إلى أن العمل ظل لفترة طويلة مسيطراً على صورة فن أحمد ماطر فهل خرج من دائرة المغناطيسية؟

«كتاب المغناطيسية» (أحمد ماطر)

يقول: «كنت أحاول أن أخرج منها للجديد، والآن وجدت أن الاستمرار هو الحل، في المعرض عمل جديد بعنوان (كتاب المغناطيسية) أعده استمراراً للعمل الأول، وهناك عملان آخران قادمان من السلسلة نفسها».

عمل «كتاب المغناطيسية» يتحدث عن فكرة قداسة الكتاب في تاريخ البشرية، الكتاب كنص مقدس، «بمعنى أعم أرى أن الكتاب أقدم اختراعات تاريخ البشرية لأن الكتاب يحفظ كل الذكريات، وكل القيم من جيل لجيل دائماً، أياً كان. وبالنسبة إلى (كتاب المغناطيسية) الخاص بي فهو يمثل قداسة مختلفة لأي جيل كان ولأي قصة، تأويل العمل مفتوح جداً».

يتحدث عن العمل قائلاً: «كان صعباً جداً رغم أنه يبدو بسيطاً في تكوينه فهو كتاب أبيض وشذرات حديدة مصطفة على الصفحتين المتقابلتين. شذرات الحديد متجهة للأعلى، تعبر عن الإنسان، وكأن الحروف وقفت، تحولت من الشكل الثنائي الأبعاد إلى الثلاثي الأبعاد».

يشير إلى أن العمل ليس الأخير في علاقته بعمل المغناطيسية، ويحضرنا لفيلم قادم يأخذ من شذرات الحديد أبطالاً تتحرك وتتفاعل.

سجل التغيرات والتطور

أقول له: «أعمالك عموماً ارتبطت بالتغيرات في المملكة، فخلال الـ20 سنة الماضية تغيّرت المملكة إلى حد بعيد جداً، لأي أحد يزورها، هل تتبعت ذلك التغيير، وقصدت التعبير عنه؟»، يقول: «في العمل الفني لا يوجد قصد واضح لتتبع شيء معين، صدقيني العمل الفني دائماً فيه جانب شاعري، لكن المهم كيف أتخلص من كل المعطيات، وأعبر عن حياتي على نحو حقيقي، التغيرات جزء كبير من محتوى الحياة اليومية، والفنان مرآة صادقة. والتغيرات في السعودية مهمة جداً لها حضور فكري وثقافي في الوطن العربي، وفي العالم أجمع، في حياتنا المحلية، وبالطبع تسجيلها هو أمر مهم».

أعمال مرتبطة بمشروع «أشهب اللال» ضمن مشروعات «وادي الفن» بالعلا (الهيئة الملكية للعلا)

د. رضا مؤمني منسق المعرض: «ماطر عالمي في محليته»

الدكتور رضا مؤمني، رئيس مجلس إدارة قسم الشرق الأوسط وأفريقيا بـ«كريستيز»، ومنسق العرض، تحدث لـ«الشرق الأوسط» حول تجربة تنسيق عرض يحاول تقديم أحمد ماطر لجمهور متنوع الثقافات في لندن.

بداية أسأله: «كيف استطعت تحديد أولوياتك في هذا العرض والمراحل الأساسية التي أردت إبرازها؟»، يجيب قائلاً: «مبدئياً غصت في أعمال أحمد ماطر لتحديد ما الذي يمكن عرضه. كانت الفكرة أن الجميع يعرفون ماطر عبر أعمال أيقونية مثل (مغناطيسية) و(تطور الإنسان)، لكن بالنسبة إليّ كان الأهم واللافت في أعماله هو قدرته على تطوير أي فكرة بغض النظر عن الحجم والأبعاد، كان دائماً مغامراً، ويجد دائماً حلولاً، وإذا لم يجد حلولاً يقوم بالتعاون مع آخرين للوصول لذلك».

«حدود» (أحمد ماطر)

الهدف الأساسي لمنسق العرض كان، حسب تعبيره، «كيف أنقل وجهة نظر جديدة عن أحمد ماطر للزائر».

يشير إلى أن العرض مقسم على مراحل: «هناك قسم للسنوات الأولى، وفيها عمل له من 1995، وهو رسم منظر طبيعي لأبها. سيكون هناك أيضاً في العرض قسم حول مشروعه المعنون (البقرة الصفراء) الذي يبرز اهتمامه الدائم بفكرة الروحانية التي قادته خلال المراحل المختلفة من أعماله»، يستطرد قائلاً إن خطة العرض تضمنت أيضاً تسجيل اهتمام الفنان بتوثيق «الحالة الإنسانية والتطور الاجتماعي والخريطة الثقافية للمملكة والأحداث الاجتماعية والسياسية في المنطقة، خصوصاً وأنها ولدت لديه ردود فعل فنية، وألهمته بشكل أو بآخر».

يعرج العرض لأعمال شهيرة مثل «مغناطيسية»، ويقدم صوراً فوتوغرافيةً للعمل الأصلي، إضافة إلى آخر إصدارات الفنان في السلسلة نفسها. ويخصص المعرض أيضاً مساحة لمشروع «صحراء فاران». أما الغرفة الكبرى في الدار فستخصص لمجسم ضخم لعمله «أشهب اللال» الذي يقدمه ضمن مشروع «وادي الفن بالعلا».

«هل تتوقع أن يستطيع الزائر الوصول لإحساس بأن الأعمال هنا تدور حول ما هو أبعد من البقعة الجغرافية؟»، يجيب د. مؤمني: «بالفعل فأحمد ماطر يطرح أسئلة عالمية، ولكن يبدأها عبر مكانه المحدد في محليته، كفنان يتحدث عن موضوعات يشعر بها كل فنان في أماكن أخرى في آسيا أو جنوب أميركا أو العالم العربي فهي تتحدث عن الإنسان».


مقالات ذات صلة

ألوان ماتيس «المحلّقة» في معرض باريسي

يوميات الشرق لوحة «الحزمة» لهنري ماتيس في معرض «ماتيس: 1941-1954» بباريس (رويترز)

ألوان ماتيس «المحلّقة» في معرض باريسي

يتحدى المعرض النظرة التقليدية للسنوات «الأخيرة» من حياة أي فنان كفترة اضمحلال فنرى هنا دافعاً مزدهراً دؤوباً لتجربة وسائط جديدة وبساطة شديدة يتطلب إنجازها عمراً

إميلي لابارج (باريس)
يوميات الشرق الفن يتحوَّل ملاذاً واللوحات تعكس علاقة الفنان بوطنه المفقود (الشرق الأوسط)

«أمومة» في القاهرة... الهميم الماحي يستحضر الوطن عبر صورة الأم

على المستوى الثقافي، تلعب الأم دور الحارس الأمين للتراث؛ فهي التي تحفظ الحكايات الشعبية...

نادية عبد الحليم (القاهرة )
لمسات الموضة لقاء الفن والموضة وجهان لعملة واحدة في الدار منذ تأسيسها ورقته الرابحة كانت ولا تزال أنه لم يُقدس الماضي فيتقيد به بل حاوره بلغة معاصرة وواقعية

«سكياباريللي» تتجلَّى في متحف «فيكتوريا وألبرت» بلندن

أخيراً أصبح بإمكان زوار لندن الاستمتاع بدعابات وإبداعات إلسا سكياباريلي الفنية، أو بالأحرى التعرف عن قرب على معنى «الفنون جنون» في مجال التصميم.

جميلة حلفيشي (لندن)
يوميات الشرق قطع أثرية في معهد العالم العربي معظمها من لبنان وأخرى مُعارة من «اللوفر» (أ.ب)

«بيبلوس في باريس»... معرض يولد تحت القصف ويحمل ذاكرة لبنان إلى العالم

في الكلمة التي ألقاها، قال ماكرون إنّ المعرض «يروي كثيراً عن مصير لبنان ومقاومته للإمبراطوريات»...

ميشال أبونجم (باريس )
المشرق العربي الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يلقي خطاباً خلال زيارته لمعرض «جبيل، مدينة لبنان الألفية»، في معهد العالم العربي في باريس 23 مارس 2026 (أ.ب)

ماكرون يحذّر من «احتلال» لبنان خلال افتتاحه معرضاً عن مدينة جبيل الأثرية

أكد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الاثنين، أن أي «احتلال» لا يضمن «أمن أيّ شخص كان»، محذراً إسرائيل من مخاطر عملياتها البرية في لبنان.

«الشرق الأوسط» (باريس)

«الإغلاق المبكر» يهدد السينما المصرية بفقد نصف أرباحها

مخاوف من أن يؤدي الإغلاق المبكر للصالات السينمائية لخسائر كبيرة (حساب مخرج «سفاح التجمع» على «فيسبوك»)
مخاوف من أن يؤدي الإغلاق المبكر للصالات السينمائية لخسائر كبيرة (حساب مخرج «سفاح التجمع» على «فيسبوك»)
TT

«الإغلاق المبكر» يهدد السينما المصرية بفقد نصف أرباحها

مخاوف من أن يؤدي الإغلاق المبكر للصالات السينمائية لخسائر كبيرة (حساب مخرج «سفاح التجمع» على «فيسبوك»)
مخاوف من أن يؤدي الإغلاق المبكر للصالات السينمائية لخسائر كبيرة (حساب مخرج «سفاح التجمع» على «فيسبوك»)

أبدى صُنَّاع للسينما في مصر تخوفهم من خسائر كبيرة قد تتجاوز نصف إيرادات دور العرض، مع بدء تطبيق القرار الحكومي الخاص بترشيد استهلاك الطاقة، اعتباراً من السبت 28 مارس (آذار) الحالي ولمدة شهر، والذي ينصُّ على إغلاق جميع صالات السينما في تمام التاسعة مساءً، ضمن حزمة إجراءات أوسع تستهدف خفض استهلاك الكهرباء في قطاعات عدة، على خلفية تداعيات الحرب الإيرانية.

وبموجب القرار الجديد، ستتأثر خريطة عرض الأفلام بشكل مباشر، حيث ستبدأ آخر الحفلات السينمائية في الأيام العادية في السابعة مساءً، بينما تكون آخر العروض في عطلة نهاية الأسبوع عند الثامنة مساءً، ما يعني تقليص عدد الحفلات اليومية، خصوصاً في فترة السهرة التي تُمثِّل عادةً النسبة الأكبر من إيرادات شباك التذاكر.

ويثير هذا التغيير مخاوف لدى المنتجين وأصحاب دور العرض، الذين يعتمدون بشكل أساسي على حفلات المساء لتحقيق أعلى نسب حضور، مع وجود 4 أفلام مصرية تُحقِّق إيرادات جيدة في شباك التذاكر.

وسجَّلت إيرادات السينما المصرية أداءً قوياً خلال الفترة الماضية مع انطلاق موسم عيد الفطر، حيث حقَّقت إيرادات اقتربت من 100 مليون جنيه في 10 أيام فقط، مدفوعة بعرض 3 أفلام رئيسية هي «برشامة» بطولة هشام ماجد، و«فاميلي بيزنس» لمحمد سعد، و«إيجي بيست» لأحمد مالك. وانضم إليها لاحقاً فيلم «اعترافات سفاح التجمع» بطولة أحمد الفيشاوي، والذي شهد أزمةً رقابيةً أدت إلى سحبه مؤقتاً من دور العرض لنحو أسبوع قبل إعادة طرحه.

الملصق الترويجي لفيلم «برشامة» (الشركة المنتجة)

وقال الموزِّع السينمائي محمود الدفراوي لـ«الشرق الأوسط» إن «تأثير القرار سيكون كبيراً للغاية على إيرادات السينما، لكون حفلات ما بعد التاسعة وحتى منتصف الليل تمثل عادة ما بين 60 و70 في المائة من إجمالي الإيراد اليومي، وهو ما يعني فقدان النسبة الأكبر من الدخل اليومي لدور العرض، مع إلغاء الحفلات التي تُمثِّل الركيزة الأساسية لشباك التذاكر، في ظلِّ ضعف الإقبال على الحفلات الصباحية بطبيعتها».

وأوضح أن «الأزمة لن تقتصر على تراجع الإيرادات فقط لأفلام العيد، بل ستمتد إلى قرارات الإنتاج والتوزيع لكون الصناعة تعتمد على عدد كبير من العاملين. ومع تقليص عدد الحفلات اليومية لن يكون هناك حافز كافٍ لطرح أفلام جديدة، الأمر الذي سيدفع صُنَّاع السينما للتريث ومراقبة تطورات الوضع، في وقت لن يغامر فيه أي منتِج بطرح فيلم جديد في ظلِّ عدد حفلات محدود، وهو ما قد يؤدي إلى حالة من التباطؤ في حركة السوق».

وأضاف الدفراوي أن «هذا الوضع قد يدفع إلى إعادة النظر في طرح عدد من الأفلام، خصوصاً ذات الميزانيات الكبيرة، نظراً لاعتماد الصناعة بشكل أساسي على كثافة الحفلات اليومية، وهو ما يجعل أي تقليص فيها مؤثراً بشكل كبير».

صناع فيلم «برشامة» في العرض الخاص (الشركة المنتجة)

ووصف المنتِج والموزع السينمائي جابي خوري القرار بـ«الكارثة». وقال لـ«الشرق الأوسط» إنه «سيؤدي إلى مشكلات كبيرة داخل صناعة السينما ويفاقم أزماتها لكونه يؤثر على منظومة العمل بشكل كامل، وفي ظلِّ خسائر متوقعة لن تقل عن 50 إلى 60 في المائة»، لافتاً إلى أن «تداعيات القرار ستنعكس سريعاً على حركة طرح الأفلام، ولن يكون هناك إقبال من المنتجين على تقديم أعمال جديدة في ظل هذه الظروف، بما يهدد استقرار السوق السينمائية خلال الفترة المقبلة».

رأي دعمه المستشار الإعلامي لـ«الشركة العربية للإنتاج والتوزيع» عبد الجليل حسن، الذي أكد لـ«الشرق الأوسط» أن «القرار تسبَّب فعلياً في إلغاء ما لا يقل عن 3 حفلات يومياً بدور العرض»، موضحاً أن «الحفلة الوحيدة التي تشهد إقبالاً ملحوظاً هي التي تبدأ في السادسة مساءً، بينما تظل الحفلات الصباحية ضعيفة من حيث الحضور».

وأضاف أن «هذا الوضع سيؤدي إلى خسائر كبيرة لن تقل عن 60 في المائة من إجمالي الإيرادات، مع تقليص فرص تحقيق إيرادات كافية لتغطية تكاليف التشغيل داخل صالات السينما ذاتها».


ألوان ماتيس «المحلّقة» في معرض باريسي

لوحة «الحزمة» لهنري ماتيس في معرض «ماتيس: 1941-1954» بباريس (رويترز)
لوحة «الحزمة» لهنري ماتيس في معرض «ماتيس: 1941-1954» بباريس (رويترز)
TT

ألوان ماتيس «المحلّقة» في معرض باريسي

لوحة «الحزمة» لهنري ماتيس في معرض «ماتيس: 1941-1954» بباريس (رويترز)
لوحة «الحزمة» لهنري ماتيس في معرض «ماتيس: 1941-1954» بباريس (رويترز)

قال الفنان الفرنسي هنري ماتيس، عام 1950، وهو في الثمانين من عمره: «آمل أن نموت شباباً حتى إن عشنا عمراً طويلاً». رغم أنه عاش لـ4 سنوات أخرى بعد ذلك، كان قد شعر بالفعل طوال عقد، منذ اقترابه من الموت خلال عملية جراحية لمحاربة سرطان الأمعاء، أنه كان يمر بمرحلة جديدة من النمو الإبداعي العميق، أو «حياة ثانية» كما وصفها في خطاب إلى ابنه بيير.

وشهدت هذه الحقبة أعمال الفنان، التي يضمّها معرض باريسي مبهر، يخطف الأنفاس بعنوان «ماتيس... 1941 - 1954». وهو تعاون بين مركز «بومبيدو»، الذي تم إغلاق مقره لأعمال التجديد حتى 2030، وصالة عرض «غراند باليه»، ويستمر حتى يوليو (تموز) 2026.

جانب من معرض «ماتيس: 1941-1954» المقام في غراند باليه بباريس (رويترز)

الحياة الثانية لماتيس

يضم المعرض أكثر من 300 عمل مستعار من جميع أنحاء العالم، وبعضها يُعرض لأول مرة، توضح جميعها كيف تجاوزت الأعمال الفنية الرائعة لذلك الفنان الفرنسي المتميز نطاق لوحاته الشهيرة، لتضم رسوماً ابتكارية وقصاصات من الجواش، وكتباً مصورة، ومنسوجات، ونوافذ من الزجاج الملون المعشّق.

كذلك يتحدى النظرة التقليدية للسنوات «الأخيرة» من حياة أي فنان، كفترة اضمحلال حتمي، حيث نرى هنا دافعاً مزدهراً دؤوباً لتجربة وسائط جديدة وبساطة شديدة يتطلب إنجازها عمراً بأكمله.

جانب من معرض «ماتيس: 1941-1954» المقام في غراند باليه بباريس (إ.ب.أ)

كانت بداية العقد الرابع من القرن العشرين فترة ثرية مشحونة بالنسبة لماتيس، لأسباب بعيدة عن مرضه الشخصي. عندما غزا النازيون فرنسا في يونيو (حزيران) 1940، كان الفنان يزور باريس، لكنه سرعان ما عاد إلى منزله بجنوب فرنسا، التي كانت لا تزال منطقة حرة آنذاك. وظل في هذه المدينة النابضة بالحياة المطلّة على البحر حتى عام 1943، عندما دفعه اقتراب التهديد الألماني باتجاه الشمال نحو التلال حيث وجد الاسترخاء في فيلا مستأجرة تحمل اسم «لا ريف» (الحلم).

ولم تكن الأمور على ما يرام، رغم أن ماتيس كان محاطاً بالخضرة الكثيفة والضوء الذي ذكّره برحلة مؤثرة سابقة إلى تاهيتي. في ربيع 1944، ألقى «الغيستابو» (جهاز أمن الدول الألماني) القبض على زوجته إيميلي وابنته مارغريت للقيام بأعمال مقاومة، وسُجنت إيميلي 6 أشهر، وعُذبت مارغريت ورُحّلت. ورفض ماتيس، الذي صنّفه النازيون بأنه «فنان منحلّ وفاسد»، عرض أعماله أثناء الحرب، بل رفض أيضاً مغادرة فرنسا، في خطوة شعر أنها سوف تكون تخلياً عن البلد وعن مستقبله. مع ذلك، واصل ماتيس العمل بإصرار ومثابرة على نطاق خاص ضيق.

ألوان ومزهريات

يفتتح معرض «غراند بالي»، الذي تُرتب فيه الأعمال زمنياً، العرض بلوحات مضيئة على قماش القنب تتحدى قليلاً الفوضى والخطر الذي أحاط بفترة إبداعها. مع ذلك، تظل ألوان الأحمر والأخضر والأصفر والمغرة (درجة لونية تتراوح بين الأصفر الداكن والأحمر والبني الفاتح) تهيمن على حياة مزهريات، منثور عليها زهر الليمون على طاولات.

لوحة «القميص الروماني» لهنري ماتيس في معرض «ماتيس: 1941-1954» بباريس (رويترز)

وتوجد سلسلة من التصميمات الفنية الداخلية بدرجات لونية مماثلة ومحددة بخطوط سميكة مبسّطة لإظهار غرف تغمرها أشعة الشمس، بها نساء يتكئّن باسترخاء وحدهن على مقاعد مخططة، أو يجلسن في باريس على طاولة.

إنهن يقرأنّ أو يأكلنّ سوياً، بينما توجد وراءهن نافذة مفتوحة على مصراعيها، وتظهر أوراق الشجر المتساقطة على بعد.

«موضوعات وتنويعات»

في الوقت ذاته، اتجه الفنان إلى الرسم والعمل على المطبوعات، التي أشار إليها بأنها كتب «مزيّنة» أكثر من كونها «مصوّرة»، حيث كان يعتقد أن العناصر البصرية مكافئة للنص، ولا تقلّ عنه أهمية. ورسم ماتيس بغزارة، حيث أنتج مئات الصور الشخصية، التي كانت تشهد تكراراً للوجوه نفسها، مع بعض الاختلافات الطفيفة الثانوية.

تعرض مجموعة من 12 لوحة، تصور الكاتب الفرنسي لوي آراغون في أوضاع متباينة، وبتعبيرات وزوايا متنوعة. ومجموعات أخرى، تصور بعضها امرأة متكئة أو حياة ساكنة، وكل صورة مختلفة قليلاً، مثل حركة الكادرات والصور السينمائية المتتابعة. وتوضح تلك المجموعة المتسلسلة، التي أطلق عليها ماتيس «موضوعات وتنويعات»، الخط المتموج المميز للفنان المختزل لأبسط صور من الضربات المفردة الواثقة للحبر على الورق.

عالم من القصاصات

ويخصص المعرض غرفة دائرية مظلمة تذاع فيها مقطوعة صوتية معدّة خصيصاً، لعرض مجموعة من 20 مطبوعة تتمحور حول موضوع السيرك، مصنوعة من القصاصات الورقية الملونة بالجواش والألوان المائية، تتميز بلمساتها النهائية غير اللامعة والدرجات اللونية المشبّعة بكثافة.

تلك الأعمال ذات الألوان المشبّعة العميقة المشعّة المستلهمة من ألوان الأحجار الكريمة صغيرة الحجم، لكنها مذهلة من حيث المضمون والألوان، حيث تتناوب بين الأنماط البسيطة ذات اللونين، وبين التصميمات المعقّدة والمزخرفة بشدة لأشكال ورموز مجردة موجزة.

لوحة «إيكاروس» لهنري ماتيس في المعرض المقام بباريس (رويترز)

من تلك الرسومات «إيكاروس» التي أعاد ماتيس إنتاجها مرات عديدة، وتصور شخص إيكاروس الطائر نحو الشمس، في هيئة جسد أسود بذراعين في وضع ممتد، ونقطة حمراء صغيرة تمثل القلب، ويمثل وضعية السقوط عبر سماء بلون حجر اللازورد الأزرق، مرصّعة بنجوم صفراء مسننة.

وبحلول عام 1948، كانت جدران مرسمه في «لا ريف» قد تغطت بأعمال الكولاج المستخدمة بها ألوان الجواش بمختلف الأحجام، التي كان أحياناً ما تكون كبيرة الحجم، وكثيراً ما تكون مع صور تستدعي الطبيعة مثل سعف النخيل والمرجان والطيور والسمك والنجوم والشمس.

الألوان المحلّقة الطائرة

كان المرسم بالنسبة إلى ماتيس مكاناً لإنتاجية لا تتوقف أو تنتهي. وكان يطلق عليه اسم «المصنع». ويوضح فيلم نادر يعود إلى عام 1951 استخدام ماتيس لمقصات ضخمة، عادة ما تستخدم في تفصيل الفساتين، من أجل قصّ أشكال من الورق الملون، وكانت حركاته سلسة وغريزية، مثل ضربات الفرشاة أو القلم الرصاص، في امتداد مستمر لعمله باستخدام وسائط أخرى.

وقال الفنان عام 1952: «لا يمكن تصور المدة التي قضيتها في فترة أعمال القصاصات. لقد ساعدني الشعور بالتحليق الذي تفجر داخلي في تهذيب حركة يدي، عندما كانت هي المرشد على طريق المقصات». ويظهر هذا الاقتباس في أحد الأقسام الأخيرة للمعرض، الذي يتجلى من خلاله هذا الشعور بالألوان المحلّقة الطائرة، في سلسلة من الخطوط البصرية المبهرة مع عمل واحد كبير متألق يقود إلى التالي ثم التالي.

جدارية من الزجاج الملون في معرض «ماتيس: 1941-1954» بباريس (رويترز)

وتمهد المربعات ذات اللون المتداخل في لوحة «ذا سنيل» (الحلزون) لأوراق النبات المنسابة في لوحة «أفنثوس» (نبات الأفنثوس)، وسعف النخيل المتألق في لوحة «ذا شيف» (الحزمة)، وأخيراً للأشكال المتعرجة في لوحة «ذا أكروبات» (الألعاب البهلوانية)، و4 أعمال باسم «بلو نيود».

في تلك الأعمال الأخيرة، يظهر شكل امرأة تموجات من خلال أوضاع متنوعة محددة ببراعة بدرجة لونية برّاقة وبعض القصاصات الورقية الملصقة على لوحة خالية من قماش القنب.

إنه لأمر منعش ومطمئن بشكل غريب أن نشاهد كيف خلقت البساطة المكتسبة بمشقة 84 عاماً من الفن.

* خدمة «نيويورك تايمز»


المخرجة اللبنانية رانية الرافعي: لا أؤمن بالحياد في السينما

اعتمد الفيلم على أرشيف متنوع لطرابلس (الشركة المنتجة)
اعتمد الفيلم على أرشيف متنوع لطرابلس (الشركة المنتجة)
TT

المخرجة اللبنانية رانية الرافعي: لا أؤمن بالحياد في السينما

اعتمد الفيلم على أرشيف متنوع لطرابلس (الشركة المنتجة)
اعتمد الفيلم على أرشيف متنوع لطرابلس (الشركة المنتجة)

قالت المخرجة اللبنانية رانية الرافعي إن فكرة فيلمها الوثائقي «يوم الغضب... حكايات من طرابلس» لم تبدأ من قصة محددة، وإنما انطلقت من أسئلة طويلة رافقتها لسنوات حول العلاقة بين الفرد والتاريخ والسياسة، موضحة أن اهتمامها الأساسي كان دائماً منصباً على فهم كيفية تشكّل الإنسان داخل سياقه السياسي والاجتماعي، وكيف تؤثر الأحداث الكبرى في حياة الأفراد ومساراتهم الشخصية.

وأضافت لـ«الشرق الأوسط» أن هذا الإحساس بالانتماء دفعها دائماً إلى التساؤل عن دور الفرد في مواجهة التاريخ، وعن معنى أن يكون الإنسان جزءاً من جماعة تتعرض لتحولات وصدمات متتالية، مشيرة إلى أن سؤال «الممكن» ظل يلاحقها باستمرار، خصوصاً أن جيلها عاش لحظات أمل وتغيير سرعان ما أعقبتها كوارث وانتكاسات، وهو ما جعل فكرة الثورة والتغيير موضوعاً شخصياً بالنسبة إليها، وليس مجرد موضوع سياسي أو نظري.

يقدّم فيلم «يوم الغضب... حكايات من طرابلس» قراءة سينمائية مركبة لتاريخ مدينة طرابلس اللبنانية، من خلال استعادة خمس محطات مفصلية تمتد من لحظة الاستقلال عام 1943 وصولاً إلى احتجاجات عام 2019. ولا يكتفي الفيلم بتوثيق هذه الأحداث بوصفها وقائع تاريخية متفرقة، بل يحاول تفكيك تداخلاتها وتأثيرها العميق في هوية المدينة وسكانها.

وعُرض الفيلم للمرة الأولى عالمياً في النسخة الماضية من مهرجان «برلين السينمائي»، وهو حاصل على دعم من «مؤسسة البحر الأحمر السينمائي»، وينتمي إلى السينما الوثائقية التجريبية التي تبتعد عن السرد التقليدي.

المخرجة اللبنانية خلال عرض الفيلم في برلين (إدارة المهرجان)

وقالت المخرجة اللبنانية إن عودتها إلى مدينة طرابلس شكّلت نقطة تحول مهمة في هذه الرحلة، خصوصاً بعد الأزمة الاقتصادية التي شهدها لبنان عام 2019، إذ دفعتها الظروف الاقتصادية والوجودية إلى العودة للعيش في المدينة بعد سنوات طويلة في بيروت وخارج لبنان، مؤكدة أن هذه العودة جعلتها تشعر بالحاجة إلى إعادة اكتشاف المدينة التي كانت قد غادرتها سابقاً، والتي شعرت في مراحل سابقة بأنها كانت تضيق عليها بصفتها امرأة وبصفتها فنانة تحمل أفكاراً تقدمية.

وأوضحت أن عودتها إلى طرابلس أعادت طرح سؤال الهوية والانتماء لديها، وبدأت تبحث من خلال الفيلم عن موقعها الشخصي داخل هذه المدينة، وعن علاقتها بها في هذا الوقت تحديداً، وأدركت بعد إنجاز الفيلم أن طرابلس أصبحت بالنسبة إليها فضاءً أساسياً لصناعة أفلامها المقبلة، سواء كانت وثائقية أو روائية.

وتطرقت رانية إلى تجربة الاحتجاجات اللبنانية عام 2019، مؤكدة أنها عاشت تلك اللحظة عن قرب، ونزلت إلى الشارع مثل كثيرين غيرها، لكنها في الوقت نفسه كانت تفكر في دورها بصفتها مخرجة، وهذا الواقع دفعها بشكل طبيعي إلى العودة للتفكير في تاريخ المدينة ومراحلها المختلفة، خصوصاً أنها تنتمي إلى عائلة ذات خلفية قومية عربية، وكان والدها من المتأثرين بالفكر الناصري.

وأكدت أن علاقتها بوالدها الذي رحل خلال تصويرها الفيلم كانت من أكثر العناصر الشخصية تأثيراً في الفيلم، لأنها كانت تشعر دائماً بأن جيل والدها حمل أحلاماً كبرى، خصوصاً حلم القومية العربية، لكنه تعرّض لاحقاً لسلسلة من الانكسارات السياسية والتاريخية، فوالدها عاش الحرب الأهلية اللبنانية بكل ما حملته من صدمات، لكنه نادراً ما كان يتحدث عن تلك التجارب؛ إذ كان منشغلاً أكثر بتأمين حياة أفضل لأسرته وتعليم أبنائه.

تناول الفيلم مراحل مختلفة في تاريخ طرابلس (الشركة المنتجة)

وأوضحت المخرجة اللبنانية أن هذا الصمت الذي ميّز جيل والدها أثار لديها الكثير من الأسئلة، مؤكدة أنها كانت تشعر دائماً بأن هناك وجعاً كبيراً لم يتم التعبير عنه بالكلمات، لأن الفيلم يحاول الاقتراب من هذه المساحة الصامتة، ومن التساؤل الذي ظل يلاحقها وهو: «ماذا حدث لنا؟ وماذا حدث لذلك الجيل؟».

وأكدت أن الفيلم يتناول أيضاً مسألة الفجوة بين الأجيال؛ لأن هذا التواصل في كثير من الأحيان يبدو مستحيلاً، لكون الأسئلة التي يحملها الجيل الجديد لا تجد دائماً مساحة للحوار مع الجيل السابق، لافتة إلى أن الرسالة الطويلة التي تكتبها لوالدها داخل الفيلم جاءت بعد وفاته، لأن بعض الأسئلة لم يكن من الممكن طرحها عليه في أثناء حياته.

وحول البعد السياسي للفيلم، قالت رانية إن «العمل ليس محايداً»، مؤكدة أنها لا تؤمن أصلاً بفكرة الحياد في السينما؛ لأن أفكارها تميل بوضوح إلى اليسار، لكنها ترى اليسار قبل كل شيء بوصفه «موقفاً أخلاقياً يقوم على الانشغال بالآخرين والسعي لبناء مجتمع يهتم فيه الناس بعضهم ببعض»، على حد تعبيرها.

حصل الفيلم الوثائقي على دعم من إدارة «مهرجان البحر الأحمر» (الشركة المنتجة)

وأكدت أن هدفها الأساسي من صناعة الأفلام هو فتح مساحة للتفكير المشترك، فالسينما بالنسبة إليها ليست مجرد وسيلة للتعبير الشخصي، بل محاولة لمدّ اليد إلى الآخرين والدعوة إلى الحوار والتساؤل الجماعي، لافتة إلى أنها تشعر أحياناً بالانزعاج حين تنحصر أفلامها في دائرة المهرجانات السينمائية فقط، لأنها تتمنى أن يشاهدها أيضاً الأشخاص الذين صُوِّرت قصصهم داخل الفيلم.

وعن صعوبة مرحلة المونتاج، أكدت المخرجة اللبنانية أنها كانت المرحلة الأكثر تعقيداً في إنجاز الفيلم، لأن العمل كان يحاول الجمع بين طبقات زمنية متعددة تمتد من أربعينات القرن الماضي حتى اليوم، فالتحدي الأكبر كان يتمثّل في كيفية تركيب هذه الأزمنة المختلفة داخل بنية واحدة تجمع بين التاريخَين الشخصي والعام.

وأوضحت أنها عملت على المونتاج بمفردها، لأنها عادة ما تنتج أفلامها بشكل مستقل، مشيرة إلى أن هذه العملية استغرقت وقتاً طويلاً قبل أن تتمكّن من اكتشاف الخيط الذي يربط بين مختلف عناصر الفيلم، فالعمل الوثائقي غالباً ما يُكتب فعلياً على طاولة المونتاج، حيث تتشكّل المعاني النهائية من خلال ترتيب المواد المصورة وإعادة بنائها.