فيلم «هجّان» السعودي يحل ضيفاً على أرضه الثانية ضمن مهرجان عمّان السينمائي

الطفل السعودي عمر العطوي بدور «مطر» في فيلم «هجّان» (الشرق الأوسط)
الطفل السعودي عمر العطوي بدور «مطر» في فيلم «هجّان» (الشرق الأوسط)
TT

فيلم «هجّان» السعودي يحل ضيفاً على أرضه الثانية ضمن مهرجان عمّان السينمائي

الطفل السعودي عمر العطوي بدور «مطر» في فيلم «هجّان» (الشرق الأوسط)
الطفل السعودي عمر العطوي بدور «مطر» في فيلم «هجّان» (الشرق الأوسط)

منذ انطلاقته في سبتمبر (أيلول) الماضي وفيلمُ «هجّان» السعوديّ يجول حول العالم، متنقّلاً بين المهرجانات السينمائية ودُور العرض. أما محطته اليوم فهي «أرضه الثانية الأردن» وفق ما تقول المنتجة الشريكة في الفيلم رولا ناصر لـ«الشرق الأوسط».

يحلّ «هجّان» ضيفاً مكرَّماً في بيته، مستحقاً عن جدارة الإضاءة من قِبَل «مهرجان عمّان السينمائي الدولي». توضح رولا ناصر أن الفيلم ليس حاضراً في هذا الحدث الثقافي الأردني من باب المنافسة على جائزة «السوسنة السوداء»، إنما هو بمثابة ضيف شرف يعود إلى الأرض الثانية التي انطلق منها، في عرضٍ واحد تستضيفه «الهيئة الملكيّة للأفلام».

ليس «هجّان» من بين الأفلام المتنافسة بل يحلّ ضيفاً ضمن خانة «إضاءة» (الموقع الرسمي لمهرجان عمّان السينمائي)

فيلم «هجّان» السعوديّ الإنتاج والقصة، والذي أبصر النور من رحم مشروع «إثراء – مركز الملك عبد العزيز الثقافي العالمي» لدعم المبادرات الثقافية والفنية السعودية، هو من إخراج المصريّ أبو بكر شوقي وبطولة الممثلَين السعوديَين عبد المحسن النمر وإبراهيم الحساوي، إلى جانب مجموعة كبيرة من الممثلين السعوديين. وبينما جرى تصوير الجزء الأكبر منه في صحراء تبوك في المملكة العربية السعودية، فإنّ وادي رُم الأردني استضاف قسماً من تصوير المشاهد الصحراويّة وسباقات الإبل.

الممثل السعودي عبد المحسن النمر بدور «جسّار» (الشرق الأوسط)

تدور الحكاية حول الطفل «مطر» الذي يواجه وحيداً مآسي عائلية عدّة، من بينها وفاة شقيقه الأكبر «غانم». الحدث المؤسف الذي يصيب العائلة، يدفع «مطر» اليتيم واليافع إلى خوض رياضة سباق الإبل لتفادي خسارة ناقته الغالية جداً على قلبه «حفيرة»، والتي يريد التاجر الجشع «جاسر» الاستيلاء عليها. يُدخله هذا التحدّي الأكبر من سنّه في دوّامةِ صراعٍ من أجل البقاء، وهو الفتى الطريّ العود وسط أشخاصٍ يتفّوقون عليه خبرةً وقوةً بدنيّة.

ينتمي الفيلم إلى فئة «سينما الصحراء» وهو مرتبطٌ مباشرةً بالبيئة الطالع منها. تشير رولا ناصر إلى أن «هجّان»، ورغم خصوصيّة هويّته، فإنه انتشر على المستويين العربي والعالمي. أما السرّ وراء ذلك، وفق ما تقول المنتجة السينمائية الأردنيّة، فهو «أنه يحمل رسالة إنسانية مهمة جداً بغضّ النظر عن هويّته». أضِف إلى ذلك أنه ملائم للفئات العمريّة كلّها، فهو بمثابة فيلم عائليّ «بما أنّ جوهر القصة إنساني ويمكن أن يتماهى معه المشاهدون أينما حلّوا في العالم، تأكيداً على نظرية أن السينما لغة إنسانية تجمع البشر على اختلاف انتماءاتهم».

بذلك، يتلاقى «هجّان» مع الشعار الذي يرفعه مهرجان عمّان السينمائي في دورته الخامسة هذه، وهو «احكيلي». تشدّد رولا ناصر على أنه «حان الوقت بالنسبة إلينا كعرب، كي نحكي قصصنا لأن ذلك واجب علينا وضرورة من أجل الدفاع عن هويّتنا». وتضيف أنّ «هجّان» هو انعكاس لهذه السرديّة العربيّة، بما أنه «يضيء على تقليد سباق الإبل الذي يُعتبر من أبرز خصوصيات الصحراء السعوديّة». وهو لا يقتصر على الرياضة والمنافسة فحسب، بل يذهب أعمق من ذلك، إذ إنه يقوم أساساً على العلاقة الوثيقة التي تجمع ما بين الإبل وأصحابها.

ينتمي فيلم «هجّان» إلى فئة سينما الصحراء (الشرق الأوسط)

رغم أنّ ميزانيّته لم تكن كبيرة، فإنّ فريق عمل «هجّان» رسم أهدافاً طموحة لمشروعه. أراد له إخراجاً ذا مستوى عالميّ يستطيع اختراق الجمهور في كل بقاع الأرض. كما أنه استعان بحِبر الأديب والروائي السعودي مفرج المجفل لكتابة القصة.

توضح رولا ناصر أنها دخلت المشروع بعد انتهاء مرحلة معالجته الدراميّة؛ «تسلّمتُ تنفيذ الإنتاج ولا أنكر أن التحدّيات كانت كبيرة، لا سيّما أنه كان علينا السير مع ميزانيّة صغيرة».

أما عن قولها إن الأردن هو «الوطن الثاني لهجّان»، فتوضح رولا ناصر أنّ «القسم الأكبر من سباقات الإبل جرى تصويره في منطقة وادي رُم الأردنية القريبة من الحدود مع السعوديّة وكان التنقّل يحصل براً نظراً لقُرب المسافات، كما أن المملكتَين تعاونتا إنتاجياً في الفيلم».

جرى تصوير سباقات الإبل ما بين صحراء تبوك السعودية ووادي رم في الأردن (الشرق الأوسط)

«هجّان» الذي كان عرضُه العالميّ الأول في سبتمبر 2023 ضمن «مهرجان الأفلام الدولي – تورونتو، كندا»، افتتح «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» في جدّة في ديسمبر (كانون الأول) الماضي. حصد حتى الآن نحو 10 جوائز، وهو يكمل رحلته شرقاً وغرباً. فبعد مهرجان عمّان، ستكون له محطّات في أرض المنشأ، وتحديداً في وادي رُم وتبوك ونيوم. تقول رولا ناصر إن الفيلم «جال العالم تقريباً»، معدّدةً لوس أنجليس، واليابان، والصين، وأستراليا، ولندن، ومالمو، وروتردام من بين البلاد والمدُن التي زارها. وتضيف أنه «أينما حلّ، لاقى أصداءً إيجابية بسبب بُعدِه الإنساني».

ولدى سؤالها عن الطفل عمر العطوي الذي أدّى دور «مطر» آسراً القلوب، تلفت إلى أنه ليس ممثلاً بل هو قدّم على الشاشة الكبيرة ما يقوم به عادةً في حياته اليوميّة؛ فهو هجّان ابن هجّان. وتخبر كيف أنه خضع لدوراتٍ تدريبيّة على التمثيل قبل البدء بالتصوير، واكتشف آفاقاً جديدة مع احتكاكه بفريق عمل سينمائي محترف. كما أنه سافر مع الفيلم إلى المهرجانات السينمائية العالمية.


مقالات ذات صلة

فهد بن جلوي يكرم نجوم الهجن في حفل «ذروة سنام»

رياضة سعودية الأمير فهد بن جلوي لدى تكريمه هجان الموسم (الشرق الأوسط)

فهد بن جلوي يكرم نجوم الهجن في حفل «ذروة سنام»

كرم الأمير فهد بن جلوي بن عبد العزيز الفائزين في حفل «ذروة سنام 2026» الذي أقامه الاتحاد السبت في ميدان الجنادرية للهجن بالرياض.

لولوة العنقري (الرياض )
رياضة سعودية من منافسات مهرجان الملك عبد العزيز للهجن الذي أقيم مؤخراً في الرياض (نادي الإبل)

نادي الإبل يسحب جائزة «شلفا ولي العهد» من بن جخدب... ويشدد على «النزاهة»

أعلن نادي الإبل صدور قرارات انضباطية جديدة على خلفية نتائج فحص عينات الدم في النسخة العاشرة من مهرجان الملك عبد العزيز للإبل.

«الشرق الأوسط» (الرياض )
رياضة سعودية أمير منطقة الرياض الأمير فيصل بن بندر بن عبد العزيز في الحفل الختامي لمهرجان خادم الحرمين الشريفين للهجن في نسخته الثالثة (الشرق الأوسط)

أمير منطقة الرياض يتوّج الفائزين في ختام مهرجان خادم الحرمين للهجن

توج أمير منطقة الرياض الأمير فيصل بن بندر بن عبد العزيز، الأحد، الفائزين في الحفل الختامي لمهرجان خادم الحرمين الشريفين للهجن في نسخته الثالثة.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
رياضة سعودية «سيف السعودية» صُنع على يد أمهر حرفيي البحرين (الشرق الأوسط)

«سيف السعودية»... لحظة الفخر المنتظرة في مهرجان خادم الحرمين للهجن

يترقَّب ملاك الهجن وعشَّاق الأصايل، الأحد، لحظة الفخر المنتظرة في سباقٍ يمثل ذروة الصراع والترقب على «سيف السعودية».

«الشرق الأوسط» (الرياض )
رياضة سعودية من سباق الهجانة لفئة السيدات (الشرق الأوسط)

سليمان الجهني وفاطمة العامري «بطلا سباق الهجانة»

نجح الهجان السعودي سليمان الجهني في استعادة كأس مهرجان خادم الحرمين الشريفين للهجن في سباق الهجانة للراكب البشري.

«الشرق الأوسط» (الرياض )

أحمد وفيق لـ«الشرق الأوسط»: ندمتُ على المشاركة في «الحلانجي»

وفيق يرى أن طول قامته أدى إلى تأخره فنياً (الشرق الأوسط)
وفيق يرى أن طول قامته أدى إلى تأخره فنياً (الشرق الأوسط)
TT

أحمد وفيق لـ«الشرق الأوسط»: ندمتُ على المشاركة في «الحلانجي»

وفيق يرى أن طول قامته أدى إلى تأخره فنياً (الشرق الأوسط)
وفيق يرى أن طول قامته أدى إلى تأخره فنياً (الشرق الأوسط)

أعرب الفنان المصري أحمد وفيق عن سعادته بتجربته السينمائية الجديدة «الغربان» مع النجم عمرو سعد. وقال إن مسلسله الجديد «قلب شمس» مع المخرج محمد سامي يحمل العديد من المفاجآت الدرامية، مُبدياً ندمه على مشاركته في مسلسل «الحلانجي».

وأشار وفيق إلى أن شخصيته في العمل محورية وتعتبر العنصر الأساسي في الصراع.

ويشارك في بطولة المسلسل: يسرا، ودُرة، وإنجي المقدم، وسوسن بدر، وانتصار، ومحمود قابيل، والمسلسل يسلط الضوء على مشاكل العلاقات الإنسانية والصراعات الاجتماعية المختلفة، ومن المقرر عرضه قريباً على إحدى المنصات الرقمية.

ووصف وفيق شخصية «المحامي راشد» التي قدمها في مسلسل «البخت» بأنها من الشخصيات المهمة في مشواره، خصوصاً أنه سبق أن قدم شخصية «المحامي الشرير» الذي يمارس كل الألعاب الذهنية والإجرامية، بينما «راشد» يتمتع بـ«الشر الهادئ» الذي يعتمد على الأداء النفسي. ويرجع الفضل في أدائه للمخرج معتز حسام، على حد قوله، الذي عدّه من أكبر الداعمين له.

«بيت الشدة»

وعن مسلسله «بيت الشدة»، قال إنه عمل يمزج بين التشويق والرعب والواقعية الاجتماعية، وجسد فيه شخصية «المعلم مختار» الرجل الشعبي الشهم المتعلم الذي يمتلك مقهى، ويعتبر نفسه القائد الطبيعي للسكان، ويتصدى لمحاولات السيطرة على الحارة.

الفنان المصري أحمد وفيق (الشرق الأوسط)

ولفت إلى أن حبه للعمل جاء بسبب الفكرة المهمة التي يطرحها وهي أن القائد هو من يتمتع بالأخلاق وليس السطوة أو النفوذ.

وأكد أنه ليس بالضرورة أن يتكلم البطل الشعبي بطريقة معينة أو أن يكون أسيراً للمخدرات، كما نشاهد في بعض الأعمال حالياً.

«الحلانجي»

لكن السعادة التي يتحدث بها وفيق عن دوره في «بيت الشدة» تتبدل عندما يتم التطرق إلى مسلسل «الحلانجي» الذي جسد فيه شخصية رجل أعمال ذي نفوذ وسلطة، مؤكداً ندمه على المشاركة في هذا المسلسل، إذ لم يضف له العمل شيئاً على المستوى الفني، ولم يحظِ بالمشاهدة التي كان يتوقعها رغم الجهد الذي بذله فيه.

شارك وفيق في أعمال درامية كثيرة (الشرق الأوسط)

وكان المسلسل قد عرض في موسم رمضان 2025 وهو من تأليف محمود حمدان وإخراج معتز حسام وبطولة محمد رجب وعبير صبري وأيتن عامر ومحمد لطفي.

فيلم «الغربان»

ووصف وفيق تجربته السينمائية في فيلم «الغربان» بأنها مثيرة ومن أكبر الإنتاجات في تاريخ السينما العربية من حيث الميزانية والتنفيذ، إذ تدور أحداث العمل عام 1941 خلال الحرب العالمية الثانية، وتحديداً حول معركة العلمين في الصحراء الغربية، ويتناول صراعات ومعارك تاريخية بأسلوب بصري مدهش يضاهي أفلام هوليوود، على حد قوله.

وفيق أعرب عن ندمه على المشاركة في مسلسل «الحلانجي» (الشرق الأوسط)

ويجسد وفيق في الفيلم شخصية قائد جيوش الغربان وهي شخصية محورية ومؤثرة في مسار الأحداث وقد خضع بسببها لتدريبات شاقة.

الفيلم من بطولة عمرو سعد ودينا الشربيني ومي عمر وأسماء أبو اليزيد ومحمد علاء وماجد المصري، وعائشة بن أحمد، كما يشارك فيه ممثلون من روسيا وألمانيا وبريطانيا وأميركا، ومن المقرر طرحه في دور العرض خلال ديسمبر «كانون الأول» المقبل بعد رحلة تصوير وإنتاج استغرقت نحو خمسة أعوام وسيتم ترجمته إلى 12 لغة.

ورغم ذلك يؤكد وفيق أن شخصية «الطبيب النفسي عاصم» التي قدمها ضمن مسلسل «سراب» الأقرب إلى قلبه.

طول القامة

ويؤكد وفيق أن طول قامته لم يمنحه ميزة في العمل بمجال الفن، بل ساهم في تأخير مشواره في البدايات، حيث تم استبعاده من أعمال كثيرة رُشح لها لأن طوله لا يتناسب مع بقية الممثلين، وأوضح أن المخرج الراحل يوسف شاهين كان أول من حل هذه المشكلة تقنياً، بعد أن طمأنه بأن زوايا التصوير يمكن أن تتحكم في إظهار الممثل طويلاً أو قصيراً.

وفيق في دور المحامي (الشرق الأوسط)

ولفت إلى أن البطولة المُطلقة ظلمت فنانين كباراً وحرمت الجمهور من الاستمتاع بموهبتهم حيث يخشى بعضهم تقديم أدوار معينة خوفاً من رفض الجمهور لها.

وكشف وفيق عن أنه بدأ مسيرته المهنية بالعمل صحافياً في جريدة «الوفد» المصرية، حيث اعتبرها خطوة داعمة ومُكملة لطريقه نحو التمثيل إذ ساهمت في صقل خبراته بالإضافة إلى ممارسته لأعمال فنية أخرى مثل الديكور والنقد الفني والتشكيلي وتمصير النصوص والإخراج المسرحي.


مارسيلو مارتينيسي: ركزت على طرق صناعة الاستبداد في «نارسيسو»

عرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان «برلين السينمائي» (الشركة المنتجة)
عرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان «برلين السينمائي» (الشركة المنتجة)
TT

مارسيلو مارتينيسي: ركزت على طرق صناعة الاستبداد في «نارسيسو»

عرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان «برلين السينمائي» (الشركة المنتجة)
عرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان «برلين السينمائي» (الشركة المنتجة)

قال المخرج الباراغواياني مارسيلو مارتينيسي إن فكرة فيلم «نارسيسو» بدأت عندما قرأ كتاباً يتناول حادثة قتل حقيقية وقعت في باراغواي في أواخر الخمسينات، موضحاً أن ما جذبه في هذا العمل التحليل الاجتماعي الذي يقدمه وليس الجانب البوليسي، إذ ينظر الكتاب إلى تلك الجريمة بوصفها انعكاساً لبنية مجتمع كامل، وليس مجرد حادثة فردية، وهو ما دفعه للتفكير في تحويلها إلى فيلم يطرح أسئلة أكبر من مجرد البحث عن القاتل.

وأضاف مارتينيسي في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أن ما لفت انتباهه أيضاً في تلك القراءة هي الطريقة التي تُتناول بها الديكتاتورية في تاريخ باراغواي، إذ غالباً ما يركِّز الحديث على شخصية الحاكم وحده، في حين يتم تجاهل الدور الذي لعبه المجتمع نفسه في دعم تلك السلطة أو التعايش معها، وهو ما جعله يحاول من خلال الفيلم الاقتراب من هذه المنطقة الرمادية، «حيث تتداخل المسؤوليات الفردية والجماعية في صناعة المناخ الذي يسمح بترسيخ الاستبداد»، على حد تعبيره.

تحمس المخرج للفيلم بعد قراءة قصة البطل (مهرجان برلين)

وأشار إلى أنه لم يكن مهتماً بنقل أحداث الرواية أو الوقائع التاريخية حرفياً، بل استخدمها نقطة انطلاقٍ لبناء عالم سينمائي خاص، لأن السينما تمنح المخرج حرية إعادة تخيل التاريخ، ما جعله يفضّل أن يركز على الأجواء النفسية والاجتماعية لتلك المرحلة أكثر من التزامه بالتفاصيل الدقيقة للحدث الحقيقي.

تدور أحداث «نارسيسو» الذي عُرض للمرة الأولى في مهرجان «برلين السينمائي» بنسخته الماضية، في باراغواي عام 1959، حين يعود شاب غامض يحمل روحاً متمردة وإيقاعات موسيقى «الروك آند رول» التي كانت في ذلك الوقت تمثل رمزاً للتغيير، وسرعان ما يتحول هذا الشاب إلى نجم إذاعي يلفت الأنظار بحضوره الطاغي وشخصيته الآسرة، ليصبح رمزاً غير مباشر لرغبة جيل كامل في التحرر داخل مجتمع محافظ يعيش تحت قبضة سياسية صارمة.

المخرج الباراغواياني مارسيلو مارتينيسي (الشركة المنتجة)

لكن هذا الصعود السريع لا يستمر طويلاً، فبعد أحد عروضه الأخيرة يُعثر على نارسيسو ميتاً في ظروف غامضة، لتتحول وفاته إلى حدث يهز المجتمع بأكمله، ومن خلال هذه الجريمة الغامضة يفتح الفيلم باباً واسعاً للتأمل في طبيعة السلطة والخوف الجماعي، وفي الطريقة التي يمكن أن يتحول بها المجتمع نفسه إلى شريك في إنتاج القمع.

يقول مارسيلو مارتينيسي إن «الإذاعة كانت بالنسبة لي المكان المثالي الذي يمكن أن تتقاطع فيه كل هذه الخيوط، لأنها كانت في ذلك الزمن وسيلة الإعلام الأكثر تأثيراً في المجتمع، فجاء الاستوديو الإذاعي ليس مجرد موقع للأحداث، بل فضاء يجتمع فيه الفن والسياسة والسلطة، ويمكن للكلمة أو للأغنية أن تتحول إلى أداة تأثير حقيقية في الجمهور».

وتحدث المخرج عن التحدي الذي واجهه في إعادة تمثل باراغواي في خمسينات القرن الماضي، مشيراً إلى أن «تلك الفترة لا يوجد لها أرشيف بصري كبير يمكن الاعتماد عليه، فمعظم الصور المتبقية من تلك السنوات جاءت من مؤسسات رسمية، مما يعني أنها تقدم رؤية السلطة أكثر مما تعكس الحياة اليومية للناس».

صناع الفيلم خلال العرض الأول في مهرجان «برلين» (الشركة المنتجة)

وأوضح أن «فريق العمل اضطر إلى البحث في مصادر عدّة، من صور قديمة، وشهادات شخصية، وحتى ذكريات بعض من عاشوا تلك الفترة؛ لأن الهدف لم يكن إعادة بناء الماضي بشكلٍ متحفي، بل خلق إحساسٍ حي بذلك الزمن، يسمح للممثلين والجمهور معاً بأن يشعروا بأنهم يعيشون داخله».

وأضاف مارتينيسي أن «غياب المراجع الكثيرة، رغم مساوئه، منحهم في الوقت نفسه مساحة أكبر للخيال؛ لأن السينما تحتاج إلى خلق عالم مُقنع يشعر المشاهد بأنه حقيقي، حتى لو كان جزءٌ منه متخيّلاً».

وتحدَّث المخرج عن الشخصيات التي تدور حول «نارسيسو»، موضحاً أن العلاقات بينها تقوم على صراعٍ خفي بين الرغبة والسلطة؛ لأن المجتمع في تلك الفترة كان يفرض قيوداً صارمة على التعبير عن الهوية الشخصية، وهو ما يجعل كثيراً من الشخصيات تعيش حالة من التناقض بين حياتها العلنية وما تُخفيه في داخلها.

وأضاف أن «بعض الشخصيات تحاول التمسّك بصورة اجتماعية مثالية، حتى لو كان ذلك يعني قمع مشاعرها الحقيقية، بينما تمتلك شخصيات أخرى هامشاً أكبر من الحرية؛ لأنها أقل ارتباطاً بالقواعد الاجتماعية المحلية»، في تباين خلق توتراً درامياً ازداد تعقيداً مع وجود «نارسيسو».

وأشار إلى أن شخصية «نارسيسو» نفسها صُممت لتبقى غامضة إلى حدٍّ كبير؛ فالفيلم لا يقدّم له سيرة واضحة أو تفسيراً كاملاً لشخصيته، لأن ما يهم ليس ماضيه بقدر ما هو التأثير الذي يتركه حضوره في الآخرين، ما يجعله يمثّل نوعاً من الحرية التي يصعب على المجتمع استيعابها؛ ولذلك يصبح وجوده مصدر جذب وخوف في الوقت نفسه.


«بينالي الدرعية» يختتم نسخته الثالثة بعد رحلة فنية بين الترحال والتبادل الثقافي

بوتقة واحدة تعكس وحدة التجارب الإنسانية (بينالي الدرعية)
بوتقة واحدة تعكس وحدة التجارب الإنسانية (بينالي الدرعية)
TT

«بينالي الدرعية» يختتم نسخته الثالثة بعد رحلة فنية بين الترحال والتبادل الثقافي

بوتقة واحدة تعكس وحدة التجارب الإنسانية (بينالي الدرعية)
بوتقة واحدة تعكس وحدة التجارب الإنسانية (بينالي الدرعية)

داخل صالات العرض وفي مختلف أنحاء حي جاكس، واصل الزوَّار، حتى الساعات الأخيرة من «بينالي الدرعية للفن المعاصر 2026»، استكشاف الأعمال الفنية، والمشاركة في الورش، وتبادل لحظات ينسجها الإبداع والتفاعل.

وعلى مدى أكثر من 92 يوماً، أخذت الدورة الثالثة من بينالي الدرعية، التي جاءت بعنوان «في الحل والترحال»، زوارها في رحلة لاستكشاف مفهوم التنقل، واضعة إياهم في حالة حركة مستمرة عبر مسارات متشابكة بين الثقافات والتعبيرات الفنية

التقت الحكايات وتقاربت الرؤى وتحولت الحركة إلى حوار حيّ عبر الثقافات (بينالي الدرعية)

وقد عكست هذه المسارات موضوعات البينالي، وفي مقدمتها التبادل الثقافي والفني، الذي تبلور في أروقته، حيث التقت تجارب من مختلف أنحاء العالم لتشكِّل مشهداً فنياً متفاعلاً ينصهر في بوتقة واحدة، تعكس وحدة التجارب الإنسانية.

وعبر فضاءات متعددة، ولغات متنوعة، ومسارات متقاطعة، جمع «بينالي الدرعية للفن المعاصر 2026» هذا التنوع في مساحة مشتركة، حيث التقت الحكايات، وتقاربت الرؤى، وتحولت الحركة إلى حوار حي عابر للثقافات والمسافات والزمن.

«الأرشيف» كائن حي يصوغ المستقبل

يتقاطع مفهوم الأرشيف بعمق مع الإطار العام للبينالي «الحل والترحال» (بينالي الدرعية)

وفي ختام الفعاليات الرئيسية التي احتضنها «البينالي»، برز تساؤل يتجاوز حدود اللوحات والمنحوتات: كيف يمكن للذاكرة أن تتحول إلى مادة خام للمستقبل؟ وذلك من خلال مشروع «حراس الزمن: الأرشيف في حالة تحول»، الذي أطلقته مؤسسة «بينالي الدرعية» ضمن مسارها الفكري والفني.

وكشفت سيبيل فاسكيز، مديرة البرامج الثقافية والعامة في «مؤسسة بينالي الدرعية«» بالسعودية، عن الفلسفة الكامنة وراء هذا التوجه، مؤكدة أن الأرشيف لم يعد مجرد رفوف غبارية أو سجلات منسية، بل نظام حي يتنفس في ظل التحولات الكبرى التي تشهدها السعودية.

البينالي جمع بين أطراف العالم لإكمال مشهد فني متفاعل (بينالي الدرعية)

وأوضحت أن اختيار شعار «حراس الزمن» جاء استجابة طبيعية للسيولة الثقافية التي يختبرها البينالي، مضيفة: «بصفتنا مؤسسة، يمر عبرنا كمٌّ هائل من الأفكار والبحوث والحوارات، وسرعان ما ندرك أن القليل منها يبقى ثابتاً؛ من هنا برزت الحاجة إلى تعريف الأرشيف بوصفه كياناً يتشكل بنشاط في الحاضر، لا كوعاء ساكن للماضي».

ويتقاطع مفهوم الأرشيف بعمق مع الإطار العام لـ«البينالي» هذا العام «الحل والترحال»، حيث تشير فاسكيز إلى أن «الأرشيف يعمل بطريقة تشبه الفواصل والتحولات؛ فهو مليء بالثغرات والتعديلات، وننظر إليه بوصفه فضاءً انتقالياً بين الماضي والمستقبل».

عبر أماكن ولغات ومسارات جمع بينالي الدرعية التنوّع في مساحة واحدة (بينالي الدرعية)

وأضافت أن الفنانين المشاركين استكشفوا هذه المساحات عبر موضوعات النزوح، والذاكرة، والسرديات المتطورة، ما حوَّل الأرشفة من مجرد «توثيق» إلى «ممارسة فنية» تجمع بين العمق الشخصي والتقنيات المعاصرة.

ومع تسارع التحولات الرقمية، ترى فاسكيز أن دور الأرشيف تجاوز الحفظ إلى التأثير، موضحة: «لقد جعلت التقنيات الأرشفة أسهل، لكنها في الوقت نفسه زادت من تعقيد فهمنا للمواد؛ ولم يعد السؤال: ماذا نحتفظ؟ بل كيف نتعامل مع ما نحتفظ به؟»، مشيرة إلى أن الأرشيف في السعودية اليوم بات مادة خاماً يُعيد من خلالها الممارسون بناء سرديات جديدة.

التبادل الثقافي والفني تبلورا بين أروقة البينالي وأركانه (بينالي الدرعية)

وبهذه الرؤية، كرَّس «بينالي الدرعية» مكانته، ليس بوصفه منصة لعرض الفنون فقط، بل بوصفه مختبراً وطنياً يعيد تعريف العلاقة بالزمن، ويحوّل «حراس الزمن» إلى شركاء في كتابة تاريخ لم يتشكل بعد.

وخلال الفترة من 30 يناير (كانون الثاني) إلى 2 مايو (أيار) 2026، في حي جاكس الإبداعي بالدرعية، خاض الجمهور تجربة فنية تفاعلية عبر الأعمال والأفكار التي تناولت عالماً يتَّسم بالحركة والتغير المستمر.

وقدمت تصوراً لعالم يتشكل عبر الترحال لا الثبات، ومن خلال مسارات متقاطعة من الطرق والإيقاعات والعلاقات، تجسدت في أعمال ملأت قاعات العرض، وشارك فيها 68 فناناً يمثلون أكثر من 37 دولة، لتتلاشى بينها الحواجز وتتوحد في سرد إنساني مشترك.