«الستلايت» في السعودية... من شارع «إبليس» إلى قائمة التشوّه البصري

كان مثار جدل اجتماعي لعقود وتقنية الديجيتال ترسله لأرفف الذكريات

أطباق الأقمار الصناعية في أحد المنازل
أطباق الأقمار الصناعية في أحد المنازل
TT

«الستلايت» في السعودية... من شارع «إبليس» إلى قائمة التشوّه البصري

أطباق الأقمار الصناعية في أحد المنازل
أطباق الأقمار الصناعية في أحد المنازل

ما زال السعوديون يتندرون على المحاضرات التي ألقاها أحد رموز الصحوة في بداية التسعينات الميلادية التي كانت تحذر من خطر البث المباشر والستلايت أو ما يسمى «الدش» والتي تصدى لها الراحل الوزير الأديب السعودي غازي القصيبي والذي عدّه التيار الصحوي أحد أهم أعدائه.

تلك المحاضرات التي انبرى لها رموز الصحوة كانت تصبّ في التحذير من خطر الستلايت، أفرزت فتوى بتحريم الستلايت، وأن من مات وقد تركه في بيته فهو غاشّ لرعيته، في حين كانت إحدى الفتاوى الشهيرة نصها: «كثر السؤال عن هذه الآلة التي تلتقط موجات محطات التلفزيون الخارجي وتسمى (الدش)، ولا شك أن الدول الكافرة لا تألو جهداً في إلحاق الضرر بالمسلمين عقيدةً وعبادةً وخلقاً وآداباً وأمناً، وإذا كان كذلك فلا يستبعد أن تبث من هذه المحطات ما يحقق لها مرادها وإن كانت قد تدس في ضمن ذلك ما يكون مفيداً من أجل التلبيس والترويج، وإذا كان أمر هذه الدشوش ما ذكر في السؤال فإنه لا يجوز اقتناؤها ولا الدعاية لها ولا بيعها وشراؤها لأن هذا من التعاون على الإثم والعدوان».

أحد شوارع حي السليمانية بالرياض والقريبة من شارع العنقري والذي أطلق عليه مسمى «شارع إبليس»

ودفعت تلك الفتاوي بالبعض إلى القطيعة الاجتماعية بين الأسر السعودية، بل بعض الفتاوى حرمت بيع العقار لشخصٍ يرغب في تركيب الدش على المنزل، و«يمنع شرعاً تجديد عقود الإيجار في حال كان المستأجر ممن ارتكبوا فاحشة نصب الدش فوق سطح المنزل»، في حين تبرع البعض بإطلاق الرصاص من بنادق هوائية على الستلايت في أعالي المنازل، ولم يتوقف عند هذا الحد ليطلق التيار الصحوي على أحد شوارع العاصمة الرياض في حي السليمانية وهو شارع «العنقري» والذي يتقاطع مع شارع الأمير محمد بن عبد العزيز أو ما يعرف بشارع «التحلية» والمعروفة بمحال بيع الستلايت وصحون «الدش» بتسمية «شارع إبليس» دفع البعض إلى تهريبها وشرائها خفية ومشاهدة القنوات الفضائية بالخفاء.

أطباق الأقمار الصناعية في أحد المنازل

الستلايت والتشوه البصري

وبعد 3 عقود من معارك شهدها المجتمع السعودي حول «الستلايت» دخلت الأطباق الصناعية (الدش) ضمن قائمة من 19 مخالفة تعيق إصدار «شهادة امتثال المباني»، خصوصاً إذا جاء على الشُرفات أو كامل واجهة المبنى المطل على الشارع التجاري.

وجاء شرط «خلو المبنى من وجود أطباق الأقمار الصناعية على الشرفات أو كامل واجهة المبنى المطل على الشارع التجاري»، في مسعى لتحسين المشهد البصري في المباني والشوارع التجارية، واستخراج «شهادة امتثال المباني» التي تعدّ «شهادة دورية تمنح للمستفيدين تثبت خلو المباني من الحد الأدنى من عناصر التشوه البصري والتزامها بالمتطلبات البلدية للمبنى»؛ وهو ما دفع أمانة المنطقة الشرقية إلى تحفيز المواطنين والمقيمين لصالح إزالة «الدش» من على أسطح المنازل وواجهات المباني عند إصدار «شهادة امتثال المباني» مقابل اشتراك مجاني في القنوات بالتعاون مع شركة الاتصالات السعودية (STC)، معتبرةً أن هذه الحملة «تهدف لمعالجة التشوهات البصرية».

مطلع التسعينات شهد الانتشار

الأطباق الصناعية «الدش» دخلت إلى السعودية مطلع التسعينات الميلادية، غير أن لا إشارة رسمية لتاريخ يحدّد ذلك، ولاقى انتشارها تبايناً في الآراء في حينه بين شرائح المجتمع التي تنوّعت بين مؤيد لها ويسعى للحصول عليها بمقابل مالي باهظ في حينه للوصول إلى قنوات البث الفضائي الدولية والعربية، وبين رافض كان يرى منع انتشارها لأسباب تتعلق بتحليلها أو تحريمها، غير أن الكثير من التجاوزات الأمنية والجنائية رافقت انتشار «الدش» بالنسبة للرافضين انتشاره في حوادث يتذكرها المجتمع السعودي منذ عقود.

مئات القنوات الفضائية

ومنذ منتصف العام 1965 كان السعوديون يشاهدون لسنوات قنوات التلفزيون السعودي الحكومية فقط عبر البث الأرضي، قبل أن تصل مرحلة البث الفضائي في البلاد مطلع التسعينات والتي قالت مصادر غير رسمية أنها بدأت منذ حرب الخليج الثانية 1990 عبر البث الفضائي لقناة «سي إن إن CNN» الأميركية، ثم ما لحقها من الفضائيات العربية عبر الأقمار الصناعية التي تتطلّب تركيب الأطباق الصناعية (الدش) للوصول إليها، ليصبح الكون عالماً مفتوحاً ومتاح الوصول للمشاهد السعودي الذي يمتلك الرسيفر و«طبق الدش».

نقل أحداث «عاصفة الصحراء»

الدكتور عبد الرحمن الشقير، وهو أكاديمي وباحث اجتماعي عاصر من كثب تلك الحقبة، يزيد التأكيد على أن الأطباق الصناعية «الدش» دخلت إلى السعودية وقت معركة «عاصفة الصحراء» خلال حرب الخليج الثانية لتنقل الحرب على الهواء مباشرة لأول مرة في التاريخ عبر قناة «سي إن إن CNN» وشاهدها من لديه «دش» في السعودية.

جانب من لقطات حيّة بثّتها قناة «سي إن إن» إبّان «حرب الخليج الثانية» مطلع التسعينات الميلادية (سي إن إن)

وعن انتشارها فيما بعد، أضاف الشقير: «ثم انتشرت بسرعة كبيرة، وأصبح تركيبها في أسطح المنازل من الوصم الاجتماعي وأحد مهددات سلامة السمعة، ثم تعرضت (الدشوش) لمقاومتها والتضييق عليها مؤقتاً، ولكن التضييق أخفق في الاستمرار لعدم وجود بدائل؛ ولأن المقاومة دخلت الصراع دون أن تشعر مع الرأسمالية التي لا تهدأ بإيجاد البدائل وتسمح بتدفق الأفكار وربط ذاتها باقتصاد الدول؛ وهذا ما جعل من الدش وصماً اجتماعياً في البدايات، وتلوثاً بصريّاً بعد ثلاثين عاماً بحسب شهادة امتثال المباني، بسبب كثافة البدائل الرقمية».

البدائل الرقميّة قلّلت الحاجة إلى «الدش»

فيصل (42 عاماً) من شرق السعودية، قال: «تخلصت منذ 6 أعوام من الدش والرسيفر في منزلي واستراحتي، بعد أن اكتسحت ثقافة الديجيتال لأنها أكثر ديناميكية، ودوريّاً أدفع مقابل اشتراك لشبكات بث أفلام عبر النت بكل سرور، خصوصاً أن القنوات التي كنت أتابعها عبر الدش والرسيفر صار البعض منها يعرض محتواه عبر النت (...)، وبصراحة لا أتصور اليوم كيف يضيّع شخص وقتاً في الانتقال من قناة لأخرى عبر جهاز التحكم بحثاً عما يريد أن يشاهده».

أما عبد الخالق (50 عاماً) وهو مصمم معماري من جدة غرب السعودية، فلفت إلى أنه مع انتفاء الحاجة إليها (الأطباق الصناعية) وظهور تقنيات البث عبر الانترنت وتوفّرها من قِبل مشغلين موثوقين، فيجب العمل على «إزالة الأطباق اللاقطة للإرسال التلفزيوني وتمديدات أسلاكها المنتشرة بشكل كثيف وعشوائي على أسوار أسطح المباني والفلل والشرفات التي تؤذي المشهد الحضري العام، خصوصاً مع التقدّم المعماري والهندسي في البلاد، وأن يكون ذلك في إطار استراتيجية البلديات والأمانات في الحفاظ على نظافة المدن والمناطق وتحسين مظهرها العام للحد أيضاً من التلوث البيئي وتأثيراته ونشر الوعي البيئي بين أفراد المجتمع وتعزيز دورهم في حماية البيئة والحفاظ عليها من جميع أشكال التلوث والتشويه».

أشرطة «كاسيت» دينية كانت منتشرة في فترة التسعينات

«خطابات المرحلتين... وأبرز التأثيرات»

يعود الدكتور الشقير ليوضّح بأن الصورة الذهنية «للدشوش» مرّت بأربع مراحل اجتماعية، هي: «توجس ورفض، ثم استهلاك مظهري ودلالة على التنوير ومعرفة الأخبار والسياسة والفن والثقافة قبل الآخرين، ثم ظاهرة طبيعية بعدما برزت سوق القنوات الفضائية الدينية، ثم تلوث بصري بعد بروز العصر الرقمي». ويرى الشقير أن هذه المراحل «تعكس مراحل التغير الاجتماعي الأربع التي تتعرض لها الظواهر الجديدة، وهي: الرفض ثم الاعتراض ثم التفاوض ثم التقبل».

وبحسب الشقير، فمن المهم التأكيد على أن كلتا الفكرتين المتعارضتين، وهما: «الفكرة الدينية المعارضة للدشوش لسبب شرعي، والفكرة الحضرية المعارضة للدشوش لسبب حضري، قد انطلقتا من الطبيعة الثقافية في المجتمع التي كانت سائدة بين عصرين، ولكل فكرة مرحلتها التي تلقي بظلالها على المجتمع لاختلاف الخطابات بين المرحلتين وهذه ظاهرة طبيعية والأنثروبولوجيا تحلل التطور في إطار التفكير الاجتماعي السائد ومبرراته ودوافعه».

وراح الشقير يسرد أبرز تأثيرات «الدش» على المجتمع السعودي منذ انتشاره وحتى المرحلة التي أصبح «الدش» يلتقط فيها مئات وآلاف القنوات الفضائية ليبثّها عبر الشاشة للمشاهد السعودي على مر السنين، مثل «ظهور مثقفين سعوديين في القنوات العربية ودخولهم في برامج حوارية ونقدية على الهواء مباشرة، وهيمنة رجال أعمال سعوديين على كبريات القنوات العربية، وظهور جيل التسعينات المعروف بجيل Y، وهو الذي نشأ في عصر القنوات الفضائية وله ذكرياته الخاصة».

وأوضح أمين المنطقة الشرقية، المهندس فهد الجبير أن الحملة التي تنفذها أمانة المنطقة بالتعاون مع وزارة الشؤون البلدية والقروية والإسكان: «تهدف إلى معالجة التشوّهات البصرية، والعمل على حلها وتحسين المظهر العام للمنطقة» مؤكّداً أهمية التعاون بين القطاعين الحكومي والخاص في مثل هذه المشروعات التي تُعدّ ثمرة من ثمار برامج التحول الرقمي، وأحد مرتكزات التنمية الشاملة والمستدامة المواكبة لـ«رؤية المملكة 2030،» كما تأتي من منطلق رفع الشراكة مع القطاع الخاص، تماشيّاً مع برنامج جودة الحياة ومستهدفاته بما يخدم المنطقة.


مقالات ذات صلة

لندن تستضيف «مستقبل السعودية – معرض التوظيف 2026»

يوميات الشرق «مستقبل السعودية – معرض التوظيف 2026» في لندن

لندن تستضيف «مستقبل السعودية – معرض التوظيف 2026»

تستضيف جامعة كينغز لندن، الأربعاء في 4 فبراير (شباط) 2026، معرض «Saudi Futures – Career Fair 2026» («مستقبل السعودية – معرض التوظيف 2026»).

«الشرق الأوسط» (لندن)
الخليج الفريق الركن تركي بن بندر ناقش الموضوعات المشتركة خلال زيارته سيول (وزارة الدفاع السعودية)

السعودية وكوريا تبحثان تعزيز التعاون العسكري

بحث الفريق الركن تركي بن بندر بن عبد العزيز، قائد القوات الجوية السعودية، مع الفريق أول سون سق راغ، رئيس أركان القوات الجوية الكورية، سبل تعزيز التعاون العسكري.

«الشرق الأوسط» (سيول)
الخليج شهد تمرين «رياح السلام 2026» تنفيذ عدة سيناريوهات عملياتية متطورة (واس)

تمرين «رياح السلام»: «البحريتان» السعودية والعُمانية تُنفِّذان رماية بالصواريخ

نفًّذت «القوات البحرية» السعودية ونظيرتها العُمانية، رماية بالصواريخ والذخائر الحية ضمن التمرين البحري الثنائي «رياح السلام 2026» الذي تقام مناورته في عُمان.

«الشرق الأوسط» (مسقط)
يوميات الشرق جرت مراسم توقيع الشراكة خلال افتتاح النسخة الثالثة من «بينالي الدرعية للفن المعاصر» بحي جاكس في الدرعية (واس)

الكلية الملكية البريطانية للفنون شريكاً أكاديمياً لـ«جامعة الرياض للفنون»

وقَّعت وزارة الثقافة السعودية شراكة مع الكلية الملكية البريطانية للفنون، تكون الأخيرة بموجبها شريكاً أكاديمياً لـ«جامعة الرياض للفنون»، لتطوير المواهب الثقافية.

الخليج الدكتور عبد العزيز الواصل خلال إلقائه الكلمة أمام جلسة مجلس الأمن في نيويورك الخميس (بعثة السعودية لدى الأمم المتحدة)

السعودية تُجدِّد مطالبتها بتنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار في غزة بالكامل

جدَّدت السعودية، خلال جلسة لمجلس الأمن، تأكيد مطالبتها بتنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة بجميع مراحله وبنوده، وفتح المعابر لإدخال المساعدات الإنسانية.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)

لندن تستضيف «مستقبل السعودية – معرض التوظيف 2026»

«مستقبل السعودية – معرض التوظيف 2026» في لندن
«مستقبل السعودية – معرض التوظيف 2026» في لندن
TT

لندن تستضيف «مستقبل السعودية – معرض التوظيف 2026»

«مستقبل السعودية – معرض التوظيف 2026» في لندن
«مستقبل السعودية – معرض التوظيف 2026» في لندن

تستضيف جامعة كينغز لندن، الأربعاء في 4 فبراير (شباط) 2026، معرض «Saudi Futures – Career Fair 2026» («مستقبل السعودية – معرض التوظيف 2026»)، بتنظيم مشترك من الجمعيات الطلابية السعودية في جامعة كوين ماري بلندن، وكلية كينغز لندن، وجامعة كوليدج لندن، إلى جانب النادي السعودي في لندن.

ويحظى الحدث، الذي ينظّم للمرة الأولى في العاصمة البريطانية وداخل القاعة الكبرى بحرم «ستراند» الجامعي، بدعم رسمي من الملحقية الثقافية السعودية في المملكة المتحدة، ويهدف إلى ربط الطلبة والخريجين السعوديين الدارسين في بريطانيا بالجهات والمؤسسات التي توفر فرصًا وظيفية، وبرامج دراسات عليا، وتدريبًا مهنيًا في مختلف القطاعات.

ويستقطب الحدث مشاركين من تخصصات أكاديمية متنوعة ومن جامعات متعددة في لندن، ما يجعله منصة جامعة لتعزيز الجاهزية المهنية وبناء علاقات بين الطلبة وسوق العمل، وفق بيان المنظمين.

نموذج متقدم

ويبرز معرض «مستقبل السعودية – معرض التوظيف 2026» بوصفه نموذجًا متقدمًا للتنسيق المؤسسي بين الجمعيات الطلابية السعودية في عدد من الجامعات البريطانية الكبرى، حيث تتكامل الجهود الطلابية عبر المؤسسات الأكاديمية المختلفة لتقديم مبادرة مهنية منظمة وواسعة النطاق.

ويشارك في المعرض ممثلون عن جهات توظيف ومؤسسات تعليمية وشركات دولية تقدم برامج للخريجين والتدريب المهني، إلى جانب جهات أكاديمية وحكومية داعمة، ما يوفر للطلبة السعوديين فرصة التواصل المباشر مع سوق العمل وبناء شبكات مهنية مبكرة.

«مستقبل السعودية – معرض التوظيف 2026» في لندن

ويعكس هذا التعاون المشترك انتقال الجمعيات الطلابية من تنظيم أنشطة محدودة النطاق إلى إطلاق منصات احترافية تستجيب لاحتياجات الطلبة السعوديين في مرحلة مفصلية من مسيرتهم التعليمية، لا سيما في ما يتعلق بالاستعداد المبكر لسوق العمل وبناء المسار المهني.

تنامي المبادرات

كما يركز المعرض على تعزيز الربط العملي بين الجانب الأكاديمي ومتطلبات الحياة المهنية، من خلال إتاحة فرص التواصل المباشر مع جهات توظيف ومؤسسات تقدم برامج تدريب وتطوير مهني، بما يسهم في رفع مستوى الوعي المهني لدى الطلبة والخريجين، وتوسيع آفاق مشاركتهم في فرص التطور الوظيفي داخل وخارج المملكة.

ويأتي هذا التوجه في سياق أوسع يعكس تنامي دور المبادرات الطلابية السعودية في الخارج، وقدرتها على العمل المشترك وتقديم فعاليات نوعية ذات أثر ملموس، تدعم جاهزية الكفاءات الشابة وتواكب التحولات المتسارعة في سوق العمل العالمي.


الكلية الملكية البريطانية للفنون شريكاً أكاديمياً لـ«جامعة الرياض للفنون»

جرت مراسم توقيع الشراكة خلال افتتاح النسخة الثالثة من «بينالي الدرعية للفن المعاصر» بحي جاكس في الدرعية (واس)
جرت مراسم توقيع الشراكة خلال افتتاح النسخة الثالثة من «بينالي الدرعية للفن المعاصر» بحي جاكس في الدرعية (واس)
TT

الكلية الملكية البريطانية للفنون شريكاً أكاديمياً لـ«جامعة الرياض للفنون»

جرت مراسم توقيع الشراكة خلال افتتاح النسخة الثالثة من «بينالي الدرعية للفن المعاصر» بحي جاكس في الدرعية (واس)
جرت مراسم توقيع الشراكة خلال افتتاح النسخة الثالثة من «بينالي الدرعية للفن المعاصر» بحي جاكس في الدرعية (واس)

وقَّعت وزارة الثقافة السعودية، الجمعة، شراكةً مع الكلية الملكية البريطانية للفنون (RCA)، تكون الأخيرة بموجبها شريكاً أكاديمياً لكُلّيتَي «التصميم والعمارة، والفنون البصرية والتصوير الفوتوغرافي» بـ«جامعة الرياض للفنون»، وذلك لتطوير المواهب الثقافية والفنية، وتعزيز التبادل الثقافي.

وجرت مراسم التوقيع خلال افتتاح النسخة الثالثة من «بينالي الدرعية للفن المعاصر»، التي تحمل عنوان «في الحِلّ والترحال»، بحي جاكس في الدرعية؛ إذ مثَّلت الوزارة نهى قطّان، وكيلة الشراكات الوطنية وتنمية القدرات، فيما مثّل الكلية رئيسُها ونائب المستشار البروفسور كريستوف ليندنر.

وستتعاون الكلية مع الجامعة في التصميم المشترك، وتقديم برامج أكاديمية لمرحلتَي البكالوريوس والدراسات العليا، وأخرى تأسيسية، تغطي مجالات العمارة، والتصميم، والتخطيط الحضري.

وتمثّل هذه البرامج جسراً يربط بين الإرث والابتكار، وتسهم في تنمية المواهب الوطنية وتمكينها من أداء دورٍ فاعل في تشكيل البيئات العمرانية ومجالات التصميم، وبناء الكفاءات في الفنون البصرية التقليدية والمعاصرة، ضمن رؤية إبداعية عالمية تنطلق من الهوية الثقافية الفريدة للسعودية.

وتأسست الكلية في لندن عام 1837، وجاءت كأفضل جامعة للفنون والتصميم عالمياً لمدة 11 عاماً متتالية وفق تصنيف «كيو إس» للجامعات حسب التخصص، للأعوام من 2015 حتى 2025، وتُعد من أكثر الجامعات المتخصصة كثافةً في البحث العلمي بالمملكة المتحدة.

وتقدّم الكلية مجموعة واسعة من البرامج في الفنون البصرية، والتصميم، والعمارة، والاتصال، والعلوم الإنسانية عبر كلياتها المختلفة، مع تركيزها على تطوير الكفاءة المهنية، ودفع حدود الممارسة الإبداعية من خلال التعليم والبحث والتعاون العابر للتخصصات.

وتأتي هذه الشراكة ضمن سلسلةٍ من شراكات أكاديمية ومذكرات تفاهم توقّعها «جامعة الرياض للفنون» وكليّاتها مع مؤسساتٍ دولية رائدة، بهدف تصميم البرامج الأكاديمية، وتعزيز التعاون البحثي، وتقديم برامج تعليمية إثرائية في مجالات الثقافة والتنمية.

كان الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان، وزير الثقافة السعودي، أعلن خلال شهر سبتمبر (أيلول) 2025 عن إطلاق «جامعة الرياض للفنون» في كلمته الافتتاحية بـ«مؤتمر الاستثمار الثقافي»، بوصفها حجر الأساس للتعليم الإبداعي والابتكار الثقافي في المملكة.

وتهدف الجامعة إلى تأهيل طلابها بالمعرفة والمهارات والرؤية اللازمة للإسهام في تشكيل مستقبل الاقتصاد الإبداعي في السعودية، ويُنتظر أن تُعلِن عن المزيد من التفاصيل المتعلقة بها وكلياتها وشراكاتها عبر موقعها الإلكتروني الرسمي الذي سيُطلق خلال الربع الحالي.


«العربي»... قراءة سينمائية جزائرية جديدة لـ«الغريب» في روتردام

يخوض مخرج الفيلم تجربته الأولى في الأفلام الروائية (مهرجان روتردام)
يخوض مخرج الفيلم تجربته الأولى في الأفلام الروائية (مهرجان روتردام)
TT

«العربي»... قراءة سينمائية جزائرية جديدة لـ«الغريب» في روتردام

يخوض مخرج الفيلم تجربته الأولى في الأفلام الروائية (مهرجان روتردام)
يخوض مخرج الفيلم تجربته الأولى في الأفلام الروائية (مهرجان روتردام)

احتضن مهرجان روتردام السينمائي الدولي، في نسخته الـ55، العرض العالمي الأول للفيلم الجزائري «العربي»، وهو العمل العربي الوحيد المشارك في المسابقة الرسمية للمهرجان، الذي تتواصل فعالياته من 29 يناير (كانون الثاني) الحالي حتى 8 فبراير (شباط) المقبل.

ويُعرض الفيلم في 5 عروض مختلفة ضمن برنامج المهرجان حتى الأربعاء المقبل.

وتدور أحداثه في 106 دقائق، وهو إنتاج مشترك بين الجزائر، وفرنسا، وبلجيكا، وسويسرا، والسعودية، بعدما حصل على دعم من مؤسّسة «البحر الأحمر».

ويشكّل العمل التجربة الروائية الأولى للمخرج الجزائري مالك بن إسماعيل بعد مسيرة طويلة في السينما الوثائقية.

يُعيد «العربي»، عبر مقاربة سينمائية، تفكيك إحدى أكثر الشخصيات غموضاً في الأدب العالمي، من خلال إعادة النظر في رواية الغريب للكاتب ألبير كامو، ولكن من زاوية مختلفة، تستند إلى شهادة الأخ المسنّ للضحية، متنقلاً بذكاء بين الذاكرة والخيال والسجل التاريخي.

في رواية كامو الصادرة عام 1942، يظهر «ميرسو» في انتظار تنفيذ حكم الإعدام بحقه بعد إدانته بقتل رجل بلا اسم، يُشار إليه فقط بصفته «العربي»، من دون منحه أي هوية واضحة. ورغم المكانة الأدبية التي احتلتها الرواية بوصفها من أبرز أعمال القرن العشرين، ظلَّ هذا الغياب الاسمي علامة استفهام كبرى حول هوية القتيل ودلالات هذا التجاهل في سياق الاستعمار والذاكرة.

عام 2013، قدَّم الكاتب الجزائري كمال داود إجابة أدبية عن هذا السؤال في روايته «ميرسو... تحقيق مضاد»؛ إذ أعاد فتح القضية من الجهة الأخرى، مانحاً «العربي» اسماً وحكاية وصوتاً. ومن هذا النصّ، ينطلق مالك بن إسماعيل ليحوّل الرواية إلى أول أفلامه الروائية.

تنطلق أحداث الفيلم من مدينة وهران الجزائرية، حيث يعيش «هارون»، الذي أدَّى دوره الممثل الجزائري الراحل أحمد بن عيسى، وهو رجل مسنّ، أعزب، وموظف حكومي متقاعد، حياة انعزالية مُثقلة بالذكريات.

لكن لقاءً عابراً في حانة مع الصحافي «كامل» يتحوَّل إلى اعتراف طويل، أو إلى شهادة متأخرة عن جريمة وقعت في صيف عام 1942.

يعرض الفيلم للمرة الأولى عالمياً في مهرجان روتردام (الشركة المنتجة)

قُدِّم الفيلم، المصوَّر بالألوان وبالأبيض والأسود، بصورة تعكس تداخلاً بين الماضي والحاضر، والواقع والذاكرة، مع اعتماد إخراج كلاسيكي هادئ يترك مساحة للصمت والكلمات الثقيلة، من دون افتعال أو خطابية.

ويقول مالك بن إسماعيل إنّ رواية كامو قدَّمت حادثة قتل رجل عربي على الشاطئ من دون ذكر اسمه أو منحه وجوداً إنسانياً حقيقياً، مشيراً إلى أنّ هذا الغياب لا يمكن التعامل معه بوصفه تفصيلاً سردياً عابراً، بل يعكس طريقة تفكير استعمارية كاملة.

وأضاف، في تصريحات صحافية، أنّ «رواية كمال داود أعادت فتح هذا الجرح المسكوت عنه، حين منحت الضحية اسماً وصوتاً وحكاية، وأعادت طرح السؤال حول مَن يملك حق السرد ومَن يُمحى من الذاكرة»، مشيراً إلى أنّ فيلمه لا يسعى إلى محاكمة كامو أو إعادة قراءته، بقدر ما يحاول سينمائياً استعادة ما تم محوه من اسم وذاكرة وإنسان.

وأكد أنّ هاجسه الأساسي كان صناعة فيلم عن الصمت، وعن الثقل الذي يُخلّفه القتل حين لا يُعترف بالضحية، لافتاً إلى أنّ انتقاله من السينما الوثائقية إلى الروائية جاء امتداداً طبيعياً لتجربته؛ إذ تعامل مع النص الروائي بالإنصات وطرح الأسئلة والشك في الرواية الواحدة.

حصل الفيلم على دعم من مهرجان «البحر الأحمر» (مهرجان روتردام)

من جهته، قال الناقد السينمائي الجزائري فيصل شيباني إنّ الإنتاج السينمائي الجزائري شهد تراجعاً ملحوظاً في السنوات الأخيرة، في ظلّ انخفاض دعم الدولة، ممّا انعكس على حضور الأفلام الجزائرية في المهرجانات الكبرى.

وأضاف أنه كان يتوقَّع مشاركة «العربي» في أحد المهرجانات الكبرى، ولا سيما «كان»، نظراً إلى كونه مقتبساً من رواية حقَّقت انتشاراً واسعاً، خصوصاً في فرنسا.

وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أنّ «مالك بن إسماعيل أثبت في تجاربه السابقة امتلاكه أدواته الإخراجية، ووجود رؤية واضحة في أعماله»، مشيراً إلى أنّ مشاركة الفنانة الفلسطينية هيام عباس في بطولة الفيلم ترفع منسوب التوقّعات لتجربة مختلفة عن السائد في السينما الجزائرية أخيراً.

من جانبه، قال الناقد السينمائي السعودي أحمد العياد إنّ فيلم «العربي» يستند إلى أرضية أدبية قوية، بكونه مُقتبساً عن رواية وصفها بالثرية فنّياً وفكرياً، لِما تحمله من قراءة مُغايرة لنصّ أدبي كلاسيكي ومنحها صوتاً إنسانياً غائباً.

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أنّ «العمل يقف خلفه فريق فنّي متميّز على مستوى الإخراج والتمثيل والرؤية العامة، ممّا أضفى عليه ثقلاً فنياً وحضوراً لافتاً»، مشيراً إلى أنّ دعم مؤسّسة «البحر الأحمر» للفيلم يؤكد قدرتها على اختيار أعمال متميّزة فنياً، خصوصاً أنّ «العربي» هو العمل العربي الوحيد المشارك في المسابقات الرسمية الثلاث للمهرجان.