«الستلايت» في السعودية... من شارع «إبليس» إلى قائمة التشوّه البصري

كان مثار جدل اجتماعي لعقود وتقنية الديجيتال ترسله لأرفف الذكريات

أطباق الأقمار الصناعية في أحد المنازل
أطباق الأقمار الصناعية في أحد المنازل
TT

«الستلايت» في السعودية... من شارع «إبليس» إلى قائمة التشوّه البصري

أطباق الأقمار الصناعية في أحد المنازل
أطباق الأقمار الصناعية في أحد المنازل

ما زال السعوديون يتندرون على المحاضرات التي ألقاها أحد رموز الصحوة في بداية التسعينات الميلادية التي كانت تحذر من خطر البث المباشر والستلايت أو ما يسمى «الدش» والتي تصدى لها الراحل الوزير الأديب السعودي غازي القصيبي والذي عدّه التيار الصحوي أحد أهم أعدائه.

تلك المحاضرات التي انبرى لها رموز الصحوة كانت تصبّ في التحذير من خطر الستلايت، أفرزت فتوى بتحريم الستلايت، وأن من مات وقد تركه في بيته فهو غاشّ لرعيته، في حين كانت إحدى الفتاوى الشهيرة نصها: «كثر السؤال عن هذه الآلة التي تلتقط موجات محطات التلفزيون الخارجي وتسمى (الدش)، ولا شك أن الدول الكافرة لا تألو جهداً في إلحاق الضرر بالمسلمين عقيدةً وعبادةً وخلقاً وآداباً وأمناً، وإذا كان كذلك فلا يستبعد أن تبث من هذه المحطات ما يحقق لها مرادها وإن كانت قد تدس في ضمن ذلك ما يكون مفيداً من أجل التلبيس والترويج، وإذا كان أمر هذه الدشوش ما ذكر في السؤال فإنه لا يجوز اقتناؤها ولا الدعاية لها ولا بيعها وشراؤها لأن هذا من التعاون على الإثم والعدوان».

أحد شوارع حي السليمانية بالرياض والقريبة من شارع العنقري والذي أطلق عليه مسمى «شارع إبليس»

ودفعت تلك الفتاوي بالبعض إلى القطيعة الاجتماعية بين الأسر السعودية، بل بعض الفتاوى حرمت بيع العقار لشخصٍ يرغب في تركيب الدش على المنزل، و«يمنع شرعاً تجديد عقود الإيجار في حال كان المستأجر ممن ارتكبوا فاحشة نصب الدش فوق سطح المنزل»، في حين تبرع البعض بإطلاق الرصاص من بنادق هوائية على الستلايت في أعالي المنازل، ولم يتوقف عند هذا الحد ليطلق التيار الصحوي على أحد شوارع العاصمة الرياض في حي السليمانية وهو شارع «العنقري» والذي يتقاطع مع شارع الأمير محمد بن عبد العزيز أو ما يعرف بشارع «التحلية» والمعروفة بمحال بيع الستلايت وصحون «الدش» بتسمية «شارع إبليس» دفع البعض إلى تهريبها وشرائها خفية ومشاهدة القنوات الفضائية بالخفاء.

أطباق الأقمار الصناعية في أحد المنازل

الستلايت والتشوه البصري

وبعد 3 عقود من معارك شهدها المجتمع السعودي حول «الستلايت» دخلت الأطباق الصناعية (الدش) ضمن قائمة من 19 مخالفة تعيق إصدار «شهادة امتثال المباني»، خصوصاً إذا جاء على الشُرفات أو كامل واجهة المبنى المطل على الشارع التجاري.

وجاء شرط «خلو المبنى من وجود أطباق الأقمار الصناعية على الشرفات أو كامل واجهة المبنى المطل على الشارع التجاري»، في مسعى لتحسين المشهد البصري في المباني والشوارع التجارية، واستخراج «شهادة امتثال المباني» التي تعدّ «شهادة دورية تمنح للمستفيدين تثبت خلو المباني من الحد الأدنى من عناصر التشوه البصري والتزامها بالمتطلبات البلدية للمبنى»؛ وهو ما دفع أمانة المنطقة الشرقية إلى تحفيز المواطنين والمقيمين لصالح إزالة «الدش» من على أسطح المنازل وواجهات المباني عند إصدار «شهادة امتثال المباني» مقابل اشتراك مجاني في القنوات بالتعاون مع شركة الاتصالات السعودية (STC)، معتبرةً أن هذه الحملة «تهدف لمعالجة التشوهات البصرية».

مطلع التسعينات شهد الانتشار

الأطباق الصناعية «الدش» دخلت إلى السعودية مطلع التسعينات الميلادية، غير أن لا إشارة رسمية لتاريخ يحدّد ذلك، ولاقى انتشارها تبايناً في الآراء في حينه بين شرائح المجتمع التي تنوّعت بين مؤيد لها ويسعى للحصول عليها بمقابل مالي باهظ في حينه للوصول إلى قنوات البث الفضائي الدولية والعربية، وبين رافض كان يرى منع انتشارها لأسباب تتعلق بتحليلها أو تحريمها، غير أن الكثير من التجاوزات الأمنية والجنائية رافقت انتشار «الدش» بالنسبة للرافضين انتشاره في حوادث يتذكرها المجتمع السعودي منذ عقود.

مئات القنوات الفضائية

ومنذ منتصف العام 1965 كان السعوديون يشاهدون لسنوات قنوات التلفزيون السعودي الحكومية فقط عبر البث الأرضي، قبل أن تصل مرحلة البث الفضائي في البلاد مطلع التسعينات والتي قالت مصادر غير رسمية أنها بدأت منذ حرب الخليج الثانية 1990 عبر البث الفضائي لقناة «سي إن إن CNN» الأميركية، ثم ما لحقها من الفضائيات العربية عبر الأقمار الصناعية التي تتطلّب تركيب الأطباق الصناعية (الدش) للوصول إليها، ليصبح الكون عالماً مفتوحاً ومتاح الوصول للمشاهد السعودي الذي يمتلك الرسيفر و«طبق الدش».

نقل أحداث «عاصفة الصحراء»

الدكتور عبد الرحمن الشقير، وهو أكاديمي وباحث اجتماعي عاصر من كثب تلك الحقبة، يزيد التأكيد على أن الأطباق الصناعية «الدش» دخلت إلى السعودية وقت معركة «عاصفة الصحراء» خلال حرب الخليج الثانية لتنقل الحرب على الهواء مباشرة لأول مرة في التاريخ عبر قناة «سي إن إن CNN» وشاهدها من لديه «دش» في السعودية.

جانب من لقطات حيّة بثّتها قناة «سي إن إن» إبّان «حرب الخليج الثانية» مطلع التسعينات الميلادية (سي إن إن)

وعن انتشارها فيما بعد، أضاف الشقير: «ثم انتشرت بسرعة كبيرة، وأصبح تركيبها في أسطح المنازل من الوصم الاجتماعي وأحد مهددات سلامة السمعة، ثم تعرضت (الدشوش) لمقاومتها والتضييق عليها مؤقتاً، ولكن التضييق أخفق في الاستمرار لعدم وجود بدائل؛ ولأن المقاومة دخلت الصراع دون أن تشعر مع الرأسمالية التي لا تهدأ بإيجاد البدائل وتسمح بتدفق الأفكار وربط ذاتها باقتصاد الدول؛ وهذا ما جعل من الدش وصماً اجتماعياً في البدايات، وتلوثاً بصريّاً بعد ثلاثين عاماً بحسب شهادة امتثال المباني، بسبب كثافة البدائل الرقمية».

البدائل الرقميّة قلّلت الحاجة إلى «الدش»

فيصل (42 عاماً) من شرق السعودية، قال: «تخلصت منذ 6 أعوام من الدش والرسيفر في منزلي واستراحتي، بعد أن اكتسحت ثقافة الديجيتال لأنها أكثر ديناميكية، ودوريّاً أدفع مقابل اشتراك لشبكات بث أفلام عبر النت بكل سرور، خصوصاً أن القنوات التي كنت أتابعها عبر الدش والرسيفر صار البعض منها يعرض محتواه عبر النت (...)، وبصراحة لا أتصور اليوم كيف يضيّع شخص وقتاً في الانتقال من قناة لأخرى عبر جهاز التحكم بحثاً عما يريد أن يشاهده».

أما عبد الخالق (50 عاماً) وهو مصمم معماري من جدة غرب السعودية، فلفت إلى أنه مع انتفاء الحاجة إليها (الأطباق الصناعية) وظهور تقنيات البث عبر الانترنت وتوفّرها من قِبل مشغلين موثوقين، فيجب العمل على «إزالة الأطباق اللاقطة للإرسال التلفزيوني وتمديدات أسلاكها المنتشرة بشكل كثيف وعشوائي على أسوار أسطح المباني والفلل والشرفات التي تؤذي المشهد الحضري العام، خصوصاً مع التقدّم المعماري والهندسي في البلاد، وأن يكون ذلك في إطار استراتيجية البلديات والأمانات في الحفاظ على نظافة المدن والمناطق وتحسين مظهرها العام للحد أيضاً من التلوث البيئي وتأثيراته ونشر الوعي البيئي بين أفراد المجتمع وتعزيز دورهم في حماية البيئة والحفاظ عليها من جميع أشكال التلوث والتشويه».

أشرطة «كاسيت» دينية كانت منتشرة في فترة التسعينات

«خطابات المرحلتين... وأبرز التأثيرات»

يعود الدكتور الشقير ليوضّح بأن الصورة الذهنية «للدشوش» مرّت بأربع مراحل اجتماعية، هي: «توجس ورفض، ثم استهلاك مظهري ودلالة على التنوير ومعرفة الأخبار والسياسة والفن والثقافة قبل الآخرين، ثم ظاهرة طبيعية بعدما برزت سوق القنوات الفضائية الدينية، ثم تلوث بصري بعد بروز العصر الرقمي». ويرى الشقير أن هذه المراحل «تعكس مراحل التغير الاجتماعي الأربع التي تتعرض لها الظواهر الجديدة، وهي: الرفض ثم الاعتراض ثم التفاوض ثم التقبل».

وبحسب الشقير، فمن المهم التأكيد على أن كلتا الفكرتين المتعارضتين، وهما: «الفكرة الدينية المعارضة للدشوش لسبب شرعي، والفكرة الحضرية المعارضة للدشوش لسبب حضري، قد انطلقتا من الطبيعة الثقافية في المجتمع التي كانت سائدة بين عصرين، ولكل فكرة مرحلتها التي تلقي بظلالها على المجتمع لاختلاف الخطابات بين المرحلتين وهذه ظاهرة طبيعية والأنثروبولوجيا تحلل التطور في إطار التفكير الاجتماعي السائد ومبرراته ودوافعه».

وراح الشقير يسرد أبرز تأثيرات «الدش» على المجتمع السعودي منذ انتشاره وحتى المرحلة التي أصبح «الدش» يلتقط فيها مئات وآلاف القنوات الفضائية ليبثّها عبر الشاشة للمشاهد السعودي على مر السنين، مثل «ظهور مثقفين سعوديين في القنوات العربية ودخولهم في برامج حوارية ونقدية على الهواء مباشرة، وهيمنة رجال أعمال سعوديين على كبريات القنوات العربية، وظهور جيل التسعينات المعروف بجيل Y، وهو الذي نشأ في عصر القنوات الفضائية وله ذكرياته الخاصة».

وأوضح أمين المنطقة الشرقية، المهندس فهد الجبير أن الحملة التي تنفذها أمانة المنطقة بالتعاون مع وزارة الشؤون البلدية والقروية والإسكان: «تهدف إلى معالجة التشوّهات البصرية، والعمل على حلها وتحسين المظهر العام للمنطقة» مؤكّداً أهمية التعاون بين القطاعين الحكومي والخاص في مثل هذه المشروعات التي تُعدّ ثمرة من ثمار برامج التحول الرقمي، وأحد مرتكزات التنمية الشاملة والمستدامة المواكبة لـ«رؤية المملكة 2030،» كما تأتي من منطلق رفع الشراكة مع القطاع الخاص، تماشيّاً مع برنامج جودة الحياة ومستهدفاته بما يخدم المنطقة.


مقالات ذات صلة

مبادرة سعودية تشرك المجتمعات المحلية في حماية الهوية العمرانية

يوميات الشرق تستهدف المبادرة في عامها الأول ترميم عدة قرى تراثية من خلال نموذج دعم مبتكر (واس)

مبادرة سعودية تشرك المجتمعات المحلية في حماية الهوية العمرانية

أطلقت السعودية مبادرة نوعية تهدف إلى تمكين المجتمعات المحلية من قيادة قاطرة الحفاظ على التراث العمراني وتحويلها من شواهد صامتة إلى روافد اقتصادية وثقافية.

عمر البدوي (الرياض)
الخليج المشروع يعزِّز من القيمة المضافة للمنتجات المحلية (الشرق الأوسط)

مشروع سعودي لتعزيز سلاسل القيمة الزراعية في اليمن

دُشِّن مشروع «تعزيز سلسلة القيمة الزراعية لتحقيق الأمن الغذائي لمزارعي الحيازات الصغيرة في اليمن»، بتمويل من «البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن».

«الشرق الأوسط» (عدن)
خاص شدّد وزير الدفاع الإيطالي على رفض روما فرض أي رسوم أو قيود على مضيق هرمز (الشرق الأوسط)

خاص وزير الدفاع الإيطالي لـ«الشرق الأوسط»: نقاشات لتوسيع مهمة «أسبيدس» لتشمل «هرمز»

كشف وزير الدفاع الإيطالي عن نقاشات تجري لتوسيع مهمة «أسبيدس» بما يتيح للاتحاد الأوروبي توسيع نطاق العمليات البحرية وتأمين الملاحة ليشمل ذلك حماية مضيق هرمز

عبد الهادي حبتور (روما )
الخليج جنود فرنسيون في قوات الـ«يونيفيل» يقفون إثر بدء وقف إطلاق النار بالقرب من جسر القاسمية الذي تعرض لقصف إسرائيلي (رويترز)

السعودية تدين استهداف كتيبة فرنسية تابعة لـ«اليونيفيل» في لبنان

أعربت السعودية عن إدانتها واستنكارها الشديد للهجوم الذي استهدف الكتيبة الفرنسية التابعة لقوة الأمم المتحدة المؤقتة (اليونيفيل) في جنوب لبنان.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الخليج حفاوة سعودية بالحجاج بصالة مبادرة «طريق مكة» بمطار جناح الدولي بكراتشي (الداخلية السعودية)

قوافل الحجيج تبدأ التوافد إلى السعودية وسط خدمات متكاملة

استقبلت السعودية، السبت، أولى طلائع «ضيوف الرحمن» الذين بدأوا بالتوافد إلى البلاد من مختلف أنحاء العالم؛ تأهباً لأداء مناسك حج هذا العام.

إبراهيم القرشي (جدة)

مبادرة سعودية تشرك المجتمعات المحلية في حماية الهوية العمرانية

تستهدف المبادرة في عامها الأول ترميم عدة قرى تراثية من خلال نموذج دعم مبتكر (واس)
تستهدف المبادرة في عامها الأول ترميم عدة قرى تراثية من خلال نموذج دعم مبتكر (واس)
TT

مبادرة سعودية تشرك المجتمعات المحلية في حماية الهوية العمرانية

تستهدف المبادرة في عامها الأول ترميم عدة قرى تراثية من خلال نموذج دعم مبتكر (واس)
تستهدف المبادرة في عامها الأول ترميم عدة قرى تراثية من خلال نموذج دعم مبتكر (واس)

أطلقت السعودية مبادرة نوعية تهدف إلى تمكين المجتمعات المحلية من قيادة قاطرة الحفاظ على التراث العمراني في السعودية، من خلال توسيع دائرة دور المجتمعات المحلية في صون وإعادة تأهيل القرى والبلدات التراثية، وتحويلها من مجرد شواهد صامتة على التاريخ إلى روافد اقتصادية وثقافية نابضة بالحياة.

وأعلن الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان وزير الثقافة السعودي، عن مبادرة لدعم المجتمعات المحلية في ترميم البلدات التراثية؛ لتعزيز مساهمة المجتمع في الحفاظ على أصوله التراثية ذات القيمة وتأهيلها. وقال الوزير خلال كلمة ألقاها مع ختام «ملتقى القطاع الثقافي غير الربحي» في الرياض، الخميس، أن «قيمنا وإرثنا وثقافتنا تمثل عناصر القوة في القطاع الثقافي غير الربحي، وبفضلها أسهمت المجتمعات المحلية بمختلف مناطق المملكة في ترميم نحو 1000 موقع للتراث العمراني».

يُعد سجل التراث العمراني قائمةً رسمية للمواقع والمباني التراثية التي سُجّلت وفقاً للمعايير (واس)

نموذج مبتكر لاستدامة السرد التاريخي

وتستهدف المبادرة الجديدة في عامها الأول ترميم مجموعة قرى تراثية من خلال نموذج دعم مبتكر يتضمن تقديم دعم مالي مماثل لما يقدم من قبل المنظمات غير الربحية لدعم وتمكين ملاك البلدات التراثية الراغبين في ترميم وإعادة تأهيل هذه البلدات على نفقتهم الخاصة.

وتتوِّج المبادرة التي سيتم الإعلان عن فتح باب التقديم عليها خلال الربع الرابع من العام الحالي 2026، شراكة مميزة وفاعلة بين العمل الحكومي ممثلاً في هيئة التراث، والعمل المجتمعي، للحفاظ على البلدات التراثية في مناطق السعودية، وتحفيز الجهود لتنميتها وإدارتها وتفعيلها وتحويلها إلى روافد ثقافية واقتصادية تسهم في تنمية المجتمعات المحلية، والحفاظ على الهوية العمرانية.

وقال محمد العمري، الخبير في التراث الشعبي، إن الخطوة التي كشفت عنها وزارة الثقافة ستعزز من دور المجتمعات المحلية في حفظ الهوية العمرانية عبر الأجيال. وتابع العمري، أن السعودية غنية بالتراث العمراني الذي يتعدد حسب زمانه ومكانه، وأضاف: «على قدر اتساع جغرافية السعودية، تملك في المقابل قدراً كبيراً من تنوع وغنى وثراء التجربة التراثية والاجتماعية التي احتفظت بها البلدات والقرى، والتي كانت قديماً تتشكل وفق الوظائف والاحتياجات التي تلبيها لمجتمع سكانها عبر العصور».

وأكد الخبير العمري أن القرى والبلدات التراثية كادت تتعرض للاندثار لولا جهود فردية قام بها أجيال ممن حفظ هذا التاريخ الحيّ وتعاهده بالصيانة والاهتمام، وبقي حتى اليوم ذكرى حيّة على أثر الأجيال الماضية، وشاهداً قائماً للأجيال المقبلة، منوهاً بدور المبادرات التي تبنتها وزارة الثقافة، ممثلة في هيئة التراث التي رعت هذه الحقبة الجديدة من الاهتمام بتراث مناطق السعودية المتعددة والغنية.‏

أعلنت هيئة التراث مطلع العام تحقيق مستهدف الوصول إلى تسجيل 50 ألف أصل تراث عمراني سعودي (واس)

تسجيل 50 ألف أصل تراث عمراني

منذ عززت السعودية من الانتباه إلى ثروتها من التراث‏ والآثار، وهي تحقق تقدماً في اكتشاف غنى المناطق السعودية وما تحتفظ به من سجلات أثرية تاريخية، ومن ذلك التراث العمراني الذي يمثل شاهداً حيّاً على الحكايات الاجتماعية، ووسيلة لفهم الماضي، ومساعداً في اتخاذ قرارات واعية بشأن المستقبل، على اعتبار أن كل مبنى عمراني، وطراز هندسي، أو موقع تاريخي، يسهم في إعادة تشكيل الإدراك لهوية المكان، وتوجيه سياسات الحماية والترميم.‏

وأعلنت هيئة التراث مطلع هذا العام، عن تحقيق المستهدف المعتمد للهيئة بالوصول إلى تسجيل 50 ألف أصل تراث عمراني على مستوى السعودية، وهو أحد المستهدفات التي وُضعت ضمن خطتها في بداية عام 2025.

يسهم تسجيل المواقع في إعادة تشكيل الإدراك لهوية المكان وتوجيه سياسات الحماية والترميم (واس)

ويأتي تسجيل هذه المواقع ضمن جهود الهيئة المتواصلة لحماية أصول التراث العمراني وتوثيقها وتسجيلها، والعمل على إدارتها بكفاءة عالية، إلى جانب إبراز قيمتها التراثية وتعزيز الوعي المجتمعي بأهميتها، بما يضمن استدامتها موروثاً ثقافياً للأجيال المقبلة.

وتواصل الهيئة جهودها في تسجيل مواقع التراث العمراني استناداً إلى معايير ولوائح نظام الآثار والتراث العمراني التي تهدف إلى تطوير جهود البحث والاكتشاف، وحصر المواقع التراثية وتسجيلها في قائمة التراث العمراني الوطني، وذلك باستخدام أحدث التقنيات والممارسات المعتمدة عالمياً في مجال التراث، وإنشاء قاعدة بيانات شاملة للمواقع التراثية بهدف الحفظ والتوثيق والحماية.

ويُعد سجل التراث العمراني قائمةً رسمية للمواقع والمباني التراثية التي سُجّلت وفقًا لمعايير ذات أهمية وطنية أو عمرانية أو ثقافية محددة بموجب نظام الآثار والتراث العمراني، حيث تعتمد الهيئة على نظم المعلومات الجيومكانية في إدارة وتخزين وحفظ بيانات هذه المواقع والمباني بدقة؛ بهدف تحديد التدابير الوقائية ومتطلبات الحماية اللازمة لها، بما يضمن صونها للأجيال المقبلة.

ومن بيوت الطين إلى الأحياء القديمة، ومن الأبواب المزخرفة والمشربيات العتيقة، وكثير من صور الإرث المعماري، قطعت السعودية شوطاً كبيراً في العمل على إعادة استكشاف الأماكن، وتوثيق التفاصيل، وتطوير سجلها الوطني للتراث العمراني، الذي انضمت إليه الآلاف من مواقع التراث العمراني، تعزيزاً لحماية هذه المواقع من التعديات أو الإهمال، وضماناً لصونها للأجيال المقبلة.


مايان السيد لـ«الشرق الأوسط»: «كولونيا» منحني دفعة معنوية كبيرة

مايان السيد حصدت جائزة أفضل ممثلة (مهرجان مالمو)
مايان السيد حصدت جائزة أفضل ممثلة (مهرجان مالمو)
TT

مايان السيد لـ«الشرق الأوسط»: «كولونيا» منحني دفعة معنوية كبيرة

مايان السيد حصدت جائزة أفضل ممثلة (مهرجان مالمو)
مايان السيد حصدت جائزة أفضل ممثلة (مهرجان مالمو)

أعربت الفنانة مايان السيد عن سعادتها بحصولها على جائزة أفضل ممثلة في مهرجان «مالمو للسينما العربية» عن دورها في فيلم «كولونيا»، مؤكدة أن هذه الجائزة تمثل أول تكريم تحصده في مسيرتها الفنية عن دور سينمائي، وهو ما منحها دفعة معنوية للاستمرار في اختياراتها الفنية والبحث عن أدوار أكثر عمقاً وتأثيراً.

وأضافت مايان، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، أن تجربة فيلم «كولونيا» كانت من المحطات المهمة في رحلتها، إذ خاضت من خلالها تحدياً جديداً، خصوصاً مع إيمان المخرج محمد صيام بقدرتها على تجسيد الشخصية بشكل مختلف، وحرصها على دراسة الدور من جميع جوانبه، بدءاً من الشكل الخارجي وحتى التفاصيل الدقيقة في الأداء، مما ساعدها على تقديم شخصية ذات أبعاد متعددة تعكس رؤيتها بصفتها ممثلة تسعى إلى التطور.

وأوضحت أن العمل على «كولونيا» أتاح لها مساحة كبيرة للتجريب داخل موقع التصوير، عبر محاولتها التعايش مع الشخصية طوال الوقت، ما ساعدها في الوصول إلى أداء أكثر صدقاً، لافتة إلى أن التعاون مع فريق العمل اتسم بالمرونة والتفاهم، مما خلق بيئة مناسبة للإبداع.

مايان وفريق عمل «ولنا في الخيال حب» في مهرجان «مالمو» (إدارة المهرجان)

وأكدت أن هذه التجربة عزّزت قناعتها بأن قيمة الدور لا تتعلق بحجمه، بل بمدى تأثيره، موضحةً: «هذا ما جعلني أعيد النظر في معايير اختياري للأدوار، إذ أصبحت أكثر اهتماماً بالشخصيات التي تحمل تحدياً فنياً وتمنحني فرصة للتعبير عن قدراتي، بعيداً عن فكرة المساحة أو حجم الظهور، مع سعيي لتقديم أدوار مختلفة تتيح لي استكشاف مناطق جديدة في أدائي».

وانتقلت للحديث عن فيلم «ولنا في الخيال حب»، الذي شارك مؤخراً في مهرجانَي «مالمو للسينما العربية»، و«هوليوود للفيلم العربي»، موضحة أن ارتباطها بالدور بدأ منذ اللحظة الأولى، إذ شعرت بأن الشخصية قريبة منها وتحمل مشاعر حقيقية. وأضافت أنها تحمَّست للعمل بشكل كبير فور عرضه عليها، ورأت فيه تحدياً يتطلب منها جهداً مضاعفاً، نظراً لطبيعة الشخصية المركبة التي تحتاج إلى تحضير دقيق على أكثر من مستوى، إلى جانب ما يتضمنه الدور من مساحة استعراضية.

وأشارت إلى أن «التحضيرات للفيلم كانت مكثفة، إذ خضع فريق العمل لفترة من التدريب والدراسة قبل بدء التصوير، وقد ساعدني ذلك على التعمّق في عالم الشخصية بشكل أكبر»؛ لافتة إلى أن التصوير داخل أكاديمية الفنون منحها تجربة خاصة، إذ اكتشفت قيمة هذا المكان ودوره في دعم الفنون المختلفة، وهو ما انعكس على إحساسها بالعمل.

ووصفت دورها في «ولنا في الخيال حب» بأنه «من أصعب الأدوار التي قدمتها، لاحتوائه على تفاصيل عدة، سواء من حيث الأداء التمثيلي أو المهارات التي تطلبها، مثل العزف على البيانو، والعمل على لغة الجسد، وطريقة الكلام». وأوضحت أن هذا التحدي شكّل لها فرصة حقيقية لتطوير أدواتها بصفتها ممثلة.

الملصق الترويجي للفيلم (الشركة المنتجة)

وأضافت أنها كانت تتوقع نجاح الفيلم بسبب الشغف الذي صُنع به، لكنها لم تتخيل حجم التفاعل الكبير من الجمهور، خصوصاً مع ارتباط المشاهدين بتفاصيل دقيقة داخل العمل، مشيرة إلى أن هذا التفاعل كان دافعاً للحضور إلى دور العرض ومقابلة الجمهور في أماكن مختلفة، مما منحها إحساساً مباشراً بقيمة ما قدمته.

وأشادت بتجربتها في العمل مع الفنان أحمد السعدني، موضحة أن التعاون بينهما كان سلساً ومليئاً بالدعم، إذ ساعدها ذلك على التركيز والدخول في الحالة سريعاً، مشيدة بالتزامه وتحضيره الجيد للشخصية، مما انعكس إيجاباً على الأداء المشترك بينهما داخل الفيلم.

وأكدت مايان أنها تميل إلى الأعمال التي تتضمن عناصر موسيقية واستعراضية، نظراً لشغفها بالرقص والغناء، وهو ما يجعلها متحمسة لتقديم مزيد من هذه النوعية من الأعمال، لافتة إلى أنها ترى في الفن مساحة واسعة للتجريب، ولا ترغب في حصر نفسها في قالب واحد أو نوعية أدوار محددة.

وتطرقت إلى تفاعل الجمهور والنقاد عبر مواقع التواصل الاجتماعي مع أعمالها الفنية، قائلة: «أرى في هذا التفاعل وسيلة مهمة للتعلم والتطور، وأستفيد من النقد»، لافتة إلى أن هذا التواصل المباشر يمنحها دافعاً للاستمرار وتقديم الأفضل في أعمالها المقبلة.


6 حيل نفسية بسيطة للتخلص من التوتر

الضغط بالقدمين على الأرض من الحيل البسيطة للسيطرة على التوتر (مجلة ريل سمبل)
الضغط بالقدمين على الأرض من الحيل البسيطة للسيطرة على التوتر (مجلة ريل سمبل)
TT

6 حيل نفسية بسيطة للتخلص من التوتر

الضغط بالقدمين على الأرض من الحيل البسيطة للسيطرة على التوتر (مجلة ريل سمبل)
الضغط بالقدمين على الأرض من الحيل البسيطة للسيطرة على التوتر (مجلة ريل سمبل)

في عالم يتسارع إيقاعه يوماً بعد يوم، أصبحت القدرة على تهدئة النفس مهارة أساسية يحتاج إليها كل شخص بالغ للتعامل مع الضغوط والتوترات اليومية. ويؤكد خبراء الصحة النفسية أن هذه المهارة لا تقتصر على الشعور بالراحة اللحظية فحسب؛ بل تنعكس أيضاً على جودة العلاقات، والقدرة على اتخاذ قرارات أكثر توازناً ووعياً، حسب مجلة «Real Simple» الأميركية.

وتوضح المعالجة النفسية الأميركية نعومي جرينستون أن تهدئة النفس تساعد الإنسان على فهم الإشارات التي يرسلها الجسد عند التوتر، والتعامل معها بوعي بدلاً من الانسياق وراء ردود الفعل الاندفاعية. وتشير إلى أن المشاعر تمثل معلومات تعكس طريقة استجابتنا لما يحدث حولنا، وأن إدارتها بشكل صحيح تتيح التفكير بهدوء واتخاذ قرارات أكثر عقلانية.

وتضيف المعالجة النفسية الأميركية ماندولين مودي، أن فوائد تهدئة النفس لا تقتصر على اللحظة الحالية فقط، بل تمتد لتشمل تحسين القدرة على حل المشكلات وبناء علاقات صحية. ويؤكد الخبراء أن تهدئة النفس ليست مهارة فطرية بالضرورة، بل يمكن تعلمها وتطويرها مع الممارسة، ما يعزز قدرة الفرد على التعامل مع ضغوط الحياة اليومية بثبات ووعي أكبر.

ويشدد الخبراء على أنه لا توجد طريقة واحدة تناسب الجميع لتهدئة النفس، بل يُفضّل امتلاك مجموعة متنوعة من الأساليب التي يمكن استخدامها حسب طبيعة الموقف والمشاعر المصاحبة له. ومن بين هذه الأساليب:

الاعتراف بالتوتر

بدلاً من تجاهل الشعور بالتوتر، يُنصح بالتوقف للحظة وملاحظة موضعه في الجسد، مثل ضيق الصدر أو شدّ العضلات، مع وضع اليد على هذا الموضع والاعتراف بالمشاعر، وهذه الخطوة البسيطة تساعد على تهدئة الجهاز العصبي وتعزيز الإحساس بالاستقرار.

تنشيط الحواس الخمس

يمكن تهدئة النفس عبر التركيز على ما تراه أو تسمعه أو تشمه أو تلمسه أو تتذوقه، مثل ملاحظة رائحة عطر، أو صوت هادئ، أو ملمس مريح، وهذه الطريقة تعيد الانتباه إلى اللحظة الحالية وتخفف من حدة التوتر.

تغيير مجال الرؤية

يمكن تحريك العينين ببطء من اليمين إلى اليسار، مع مسح البيئة المحيطة، ما يساعد على إرسال إشارات أمان إلى الدماغ، وهذا يقلل من استجابة الخطر ويعيد الشعور بالهدوء.

الضغط بالقدمين على الأرض

الضغط بالقدمين على الأرض أو ضم راحتي اليدين معاً والتركيز على الإحساس الناتج، يساعد على إعادة الاتصال بالجسد وتقليل التشتت الذهني.

حضن الفراشة

تعتمد هذه التقنية على تحفيز جانبي للجسم، من خلال وضع الذراعين بشكل متقاطع على الصدر بحيث تلمس كل يد الكتف المقابل، ثم القيام بربتات خفيفة ومتبادلة بين الجانبين، مع التنفس ببطء وعمق. ويمكن تكرار الحركة مرات عدة مع التركيز على الإحساس الناتج عن اللمس، ما يساعد على تهدئة التوتر وإعادة التوازن للجهاز العصبي. وتُستخدم هذه التقنية في بعض أساليب علاج الصدمات النفسية وتخفيف التوتر السريع.

تحدي الأفكار السلبية

يتم ذلك من خلال مراجعة الأفكار التلقائية السلبية والبحث عن الأدلة التي تدعمها أو تنفيها، وبذلك يمكن إعادة صياغتها بشكل أكثر توازناً وواقعية، ما يخفف من حدة المشاعر السلبية ويعزز التفكير العقلاني.