«الستلايت» في السعودية... من شارع «إبليس» إلى قائمة التشوّه البصري

كان مثار جدل اجتماعي لعقود وتقنية الديجيتال ترسله لأرفف الذكريات

أطباق الأقمار الصناعية في أحد المنازل
أطباق الأقمار الصناعية في أحد المنازل
TT

«الستلايت» في السعودية... من شارع «إبليس» إلى قائمة التشوّه البصري

أطباق الأقمار الصناعية في أحد المنازل
أطباق الأقمار الصناعية في أحد المنازل

ما زال السعوديون يتندرون على المحاضرات التي ألقاها أحد رموز الصحوة في بداية التسعينات الميلادية التي كانت تحذر من خطر البث المباشر والستلايت أو ما يسمى «الدش» والتي تصدى لها الراحل الوزير الأديب السعودي غازي القصيبي والذي عدّه التيار الصحوي أحد أهم أعدائه.

تلك المحاضرات التي انبرى لها رموز الصحوة كانت تصبّ في التحذير من خطر الستلايت، أفرزت فتوى بتحريم الستلايت، وأن من مات وقد تركه في بيته فهو غاشّ لرعيته، في حين كانت إحدى الفتاوى الشهيرة نصها: «كثر السؤال عن هذه الآلة التي تلتقط موجات محطات التلفزيون الخارجي وتسمى (الدش)، ولا شك أن الدول الكافرة لا تألو جهداً في إلحاق الضرر بالمسلمين عقيدةً وعبادةً وخلقاً وآداباً وأمناً، وإذا كان كذلك فلا يستبعد أن تبث من هذه المحطات ما يحقق لها مرادها وإن كانت قد تدس في ضمن ذلك ما يكون مفيداً من أجل التلبيس والترويج، وإذا كان أمر هذه الدشوش ما ذكر في السؤال فإنه لا يجوز اقتناؤها ولا الدعاية لها ولا بيعها وشراؤها لأن هذا من التعاون على الإثم والعدوان».

أحد شوارع حي السليمانية بالرياض والقريبة من شارع العنقري والذي أطلق عليه مسمى «شارع إبليس»

ودفعت تلك الفتاوي بالبعض إلى القطيعة الاجتماعية بين الأسر السعودية، بل بعض الفتاوى حرمت بيع العقار لشخصٍ يرغب في تركيب الدش على المنزل، و«يمنع شرعاً تجديد عقود الإيجار في حال كان المستأجر ممن ارتكبوا فاحشة نصب الدش فوق سطح المنزل»، في حين تبرع البعض بإطلاق الرصاص من بنادق هوائية على الستلايت في أعالي المنازل، ولم يتوقف عند هذا الحد ليطلق التيار الصحوي على أحد شوارع العاصمة الرياض في حي السليمانية وهو شارع «العنقري» والذي يتقاطع مع شارع الأمير محمد بن عبد العزيز أو ما يعرف بشارع «التحلية» والمعروفة بمحال بيع الستلايت وصحون «الدش» بتسمية «شارع إبليس» دفع البعض إلى تهريبها وشرائها خفية ومشاهدة القنوات الفضائية بالخفاء.

أطباق الأقمار الصناعية في أحد المنازل

الستلايت والتشوه البصري

وبعد 3 عقود من معارك شهدها المجتمع السعودي حول «الستلايت» دخلت الأطباق الصناعية (الدش) ضمن قائمة من 19 مخالفة تعيق إصدار «شهادة امتثال المباني»، خصوصاً إذا جاء على الشُرفات أو كامل واجهة المبنى المطل على الشارع التجاري.

وجاء شرط «خلو المبنى من وجود أطباق الأقمار الصناعية على الشرفات أو كامل واجهة المبنى المطل على الشارع التجاري»، في مسعى لتحسين المشهد البصري في المباني والشوارع التجارية، واستخراج «شهادة امتثال المباني» التي تعدّ «شهادة دورية تمنح للمستفيدين تثبت خلو المباني من الحد الأدنى من عناصر التشوه البصري والتزامها بالمتطلبات البلدية للمبنى»؛ وهو ما دفع أمانة المنطقة الشرقية إلى تحفيز المواطنين والمقيمين لصالح إزالة «الدش» من على أسطح المنازل وواجهات المباني عند إصدار «شهادة امتثال المباني» مقابل اشتراك مجاني في القنوات بالتعاون مع شركة الاتصالات السعودية (STC)، معتبرةً أن هذه الحملة «تهدف لمعالجة التشوهات البصرية».

مطلع التسعينات شهد الانتشار

الأطباق الصناعية «الدش» دخلت إلى السعودية مطلع التسعينات الميلادية، غير أن لا إشارة رسمية لتاريخ يحدّد ذلك، ولاقى انتشارها تبايناً في الآراء في حينه بين شرائح المجتمع التي تنوّعت بين مؤيد لها ويسعى للحصول عليها بمقابل مالي باهظ في حينه للوصول إلى قنوات البث الفضائي الدولية والعربية، وبين رافض كان يرى منع انتشارها لأسباب تتعلق بتحليلها أو تحريمها، غير أن الكثير من التجاوزات الأمنية والجنائية رافقت انتشار «الدش» بالنسبة للرافضين انتشاره في حوادث يتذكرها المجتمع السعودي منذ عقود.

مئات القنوات الفضائية

ومنذ منتصف العام 1965 كان السعوديون يشاهدون لسنوات قنوات التلفزيون السعودي الحكومية فقط عبر البث الأرضي، قبل أن تصل مرحلة البث الفضائي في البلاد مطلع التسعينات والتي قالت مصادر غير رسمية أنها بدأت منذ حرب الخليج الثانية 1990 عبر البث الفضائي لقناة «سي إن إن CNN» الأميركية، ثم ما لحقها من الفضائيات العربية عبر الأقمار الصناعية التي تتطلّب تركيب الأطباق الصناعية (الدش) للوصول إليها، ليصبح الكون عالماً مفتوحاً ومتاح الوصول للمشاهد السعودي الذي يمتلك الرسيفر و«طبق الدش».

نقل أحداث «عاصفة الصحراء»

الدكتور عبد الرحمن الشقير، وهو أكاديمي وباحث اجتماعي عاصر من كثب تلك الحقبة، يزيد التأكيد على أن الأطباق الصناعية «الدش» دخلت إلى السعودية وقت معركة «عاصفة الصحراء» خلال حرب الخليج الثانية لتنقل الحرب على الهواء مباشرة لأول مرة في التاريخ عبر قناة «سي إن إن CNN» وشاهدها من لديه «دش» في السعودية.

جانب من لقطات حيّة بثّتها قناة «سي إن إن» إبّان «حرب الخليج الثانية» مطلع التسعينات الميلادية (سي إن إن)

وعن انتشارها فيما بعد، أضاف الشقير: «ثم انتشرت بسرعة كبيرة، وأصبح تركيبها في أسطح المنازل من الوصم الاجتماعي وأحد مهددات سلامة السمعة، ثم تعرضت (الدشوش) لمقاومتها والتضييق عليها مؤقتاً، ولكن التضييق أخفق في الاستمرار لعدم وجود بدائل؛ ولأن المقاومة دخلت الصراع دون أن تشعر مع الرأسمالية التي لا تهدأ بإيجاد البدائل وتسمح بتدفق الأفكار وربط ذاتها باقتصاد الدول؛ وهذا ما جعل من الدش وصماً اجتماعياً في البدايات، وتلوثاً بصريّاً بعد ثلاثين عاماً بحسب شهادة امتثال المباني، بسبب كثافة البدائل الرقمية».

البدائل الرقميّة قلّلت الحاجة إلى «الدش»

فيصل (42 عاماً) من شرق السعودية، قال: «تخلصت منذ 6 أعوام من الدش والرسيفر في منزلي واستراحتي، بعد أن اكتسحت ثقافة الديجيتال لأنها أكثر ديناميكية، ودوريّاً أدفع مقابل اشتراك لشبكات بث أفلام عبر النت بكل سرور، خصوصاً أن القنوات التي كنت أتابعها عبر الدش والرسيفر صار البعض منها يعرض محتواه عبر النت (...)، وبصراحة لا أتصور اليوم كيف يضيّع شخص وقتاً في الانتقال من قناة لأخرى عبر جهاز التحكم بحثاً عما يريد أن يشاهده».

أما عبد الخالق (50 عاماً) وهو مصمم معماري من جدة غرب السعودية، فلفت إلى أنه مع انتفاء الحاجة إليها (الأطباق الصناعية) وظهور تقنيات البث عبر الانترنت وتوفّرها من قِبل مشغلين موثوقين، فيجب العمل على «إزالة الأطباق اللاقطة للإرسال التلفزيوني وتمديدات أسلاكها المنتشرة بشكل كثيف وعشوائي على أسوار أسطح المباني والفلل والشرفات التي تؤذي المشهد الحضري العام، خصوصاً مع التقدّم المعماري والهندسي في البلاد، وأن يكون ذلك في إطار استراتيجية البلديات والأمانات في الحفاظ على نظافة المدن والمناطق وتحسين مظهرها العام للحد أيضاً من التلوث البيئي وتأثيراته ونشر الوعي البيئي بين أفراد المجتمع وتعزيز دورهم في حماية البيئة والحفاظ عليها من جميع أشكال التلوث والتشويه».

أشرطة «كاسيت» دينية كانت منتشرة في فترة التسعينات

«خطابات المرحلتين... وأبرز التأثيرات»

يعود الدكتور الشقير ليوضّح بأن الصورة الذهنية «للدشوش» مرّت بأربع مراحل اجتماعية، هي: «توجس ورفض، ثم استهلاك مظهري ودلالة على التنوير ومعرفة الأخبار والسياسة والفن والثقافة قبل الآخرين، ثم ظاهرة طبيعية بعدما برزت سوق القنوات الفضائية الدينية، ثم تلوث بصري بعد بروز العصر الرقمي». ويرى الشقير أن هذه المراحل «تعكس مراحل التغير الاجتماعي الأربع التي تتعرض لها الظواهر الجديدة، وهي: الرفض ثم الاعتراض ثم التفاوض ثم التقبل».

وبحسب الشقير، فمن المهم التأكيد على أن كلتا الفكرتين المتعارضتين، وهما: «الفكرة الدينية المعارضة للدشوش لسبب شرعي، والفكرة الحضرية المعارضة للدشوش لسبب حضري، قد انطلقتا من الطبيعة الثقافية في المجتمع التي كانت سائدة بين عصرين، ولكل فكرة مرحلتها التي تلقي بظلالها على المجتمع لاختلاف الخطابات بين المرحلتين وهذه ظاهرة طبيعية والأنثروبولوجيا تحلل التطور في إطار التفكير الاجتماعي السائد ومبرراته ودوافعه».

وراح الشقير يسرد أبرز تأثيرات «الدش» على المجتمع السعودي منذ انتشاره وحتى المرحلة التي أصبح «الدش» يلتقط فيها مئات وآلاف القنوات الفضائية ليبثّها عبر الشاشة للمشاهد السعودي على مر السنين، مثل «ظهور مثقفين سعوديين في القنوات العربية ودخولهم في برامج حوارية ونقدية على الهواء مباشرة، وهيمنة رجال أعمال سعوديين على كبريات القنوات العربية، وظهور جيل التسعينات المعروف بجيل Y، وهو الذي نشأ في عصر القنوات الفضائية وله ذكرياته الخاصة».

وأوضح أمين المنطقة الشرقية، المهندس فهد الجبير أن الحملة التي تنفذها أمانة المنطقة بالتعاون مع وزارة الشؤون البلدية والقروية والإسكان: «تهدف إلى معالجة التشوّهات البصرية، والعمل على حلها وتحسين المظهر العام للمنطقة» مؤكّداً أهمية التعاون بين القطاعين الحكومي والخاص في مثل هذه المشروعات التي تُعدّ ثمرة من ثمار برامج التحول الرقمي، وأحد مرتكزات التنمية الشاملة والمستدامة المواكبة لـ«رؤية المملكة 2030،» كما تأتي من منطلق رفع الشراكة مع القطاع الخاص، تماشيّاً مع برنامج جودة الحياة ومستهدفاته بما يخدم المنطقة.


مقالات ذات صلة

ترسية عقد إنشاء المتحف السعودي للفن المعاصر بقيمة 490 مليون دولار

الاقتصاد رسم تخيلي للمتحف السعودي للفن المعاصر في الدرعية (الشرق الأوسط)

ترسية عقد إنشاء المتحف السعودي للفن المعاصر بقيمة 490 مليون دولار

أُعلن عن ترسية عقد إنشاء المتحف السعودي للفن المعاصر في منطقة الدرعية بقيمة 490 مليون دولار (1.84 مليار ريال).

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد مقر «بنك البلاد» في العاصمة السعودية الرياض (الموقع الإلكتروني للبنك)

«بنك البلاد» السعودي يقر تغييرات في مجلس الإدارة والإدارة التنفيذية

استقال ناصر السبيعي من رئاسة مجلس إدارة «بنك البلاد» على أن تسري الاستقالة من 1 يونيو (حزيران) المقبل، وعُين بشار القنيبط رئيساً تنفيذياً للبنك من التاريخ ذاته.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
خاص مركز الملك عبد الله المالي في الرياض (واس)

خاص البنوك السعودية تحقق أرباحاً فصلية غير مسبوقة بـ6.4 مليار دولار مدعومة بـ«رؤية 2030»

حقَّق القطاع المصرفي السعودي أرباحاً قياسية بلغت 6.4 مليار دولار بالرُّبع الأول من 2026 بنمو 7.6%، مدعوماً بزخم «رؤية 2030» جديدة تماماً.

محمد المطيري (الرياض )
خاص محللون: «رؤية 2030» تمضي في مسار تشكيل اقتصاد السعودية بتسارع التنويع

خاص محللون: «رؤية 2030» تمضي في مسار تشكيل اقتصاد السعودية بتسارع التنويع

نجحت السعودية خلال السنوات الأخيرة في إعادة تشكيل قاعدتها الاقتصادية، منتقلةً من نموذج يعتمد بشكل رئيسي على النفط، إلى اقتصاد أكثر تنوعاً واستدامة.

مساعد الزياني (الرياض)
الاقتصاد «رؤية 2030»: حكاية التحول من الإدارة التقليدية إلى الريادة الرقمية العالمية

«رؤية 2030»: حكاية التحول من الإدارة التقليدية إلى الريادة الرقمية العالمية

انطلقت السعودية في مسار التحوُّل الرقمي والاقتصاد المعرفي، مستندةً إلى بنية تحتية رقمية مُتقدِّمة وبناء معرفي تراكم عبر سنوات طويلة، ما عزز قدرتها على المنافسة.

عبير حمدي (الرياض)

«SRMG» تفوز بتشغيل قناة «الثقافية»… وتدشّن مرحلة تطوير شاملة

شراكة جديدة لتطوير المحتوى الثقافي في السعودية (الشرق الأوسط)
شراكة جديدة لتطوير المحتوى الثقافي في السعودية (الشرق الأوسط)
TT

«SRMG» تفوز بتشغيل قناة «الثقافية»… وتدشّن مرحلة تطوير شاملة

شراكة جديدة لتطوير المحتوى الثقافي في السعودية (الشرق الأوسط)
شراكة جديدة لتطوير المحتوى الثقافي في السعودية (الشرق الأوسط)

أعلنت المجموعة السعودية للأبحاث والإعلام (SRMG) فوزها بعقد تشغيل وإدارة قناة «الثقافية» التابعة لوزارة الثقافة، في خطوة تعكس تصاعد دورها في قيادة المشهد الإعلامي، وتواكب الحراك الثقافي المتنامي في السعودية.

ومن المرتقب أن تدخل القناة مرحلة جديدة من التطوير، تشمل تحديث المحتوى وتوسيع دائرة البرامج، بما يلبي اهتمامات مختلف شرائح الجمهور، إلى جانب تعزيز حضورها الرقمي وتوسيع انتشارها.

وتُعد «الثقافية» منصة إعلامية بارزة تسلط الضوء على المشهد الثقافي السعودي، وتبرز تنوعه بين الأصالة والمعاصرة، عبر برامج تدعم الإبداع المحلي وتعزز حضور الثقافة السعودية على المستويين المحلي والدولي.

وقالت جمانا راشد الراشد، الرئيسة التنفيذية للمجموعة السعودية للأبحاث والإعلام: «نعتز بثقة وزارة الثقافة، ونعتبر هذه الترسية لقناة بأهمية قناة (الثقافية) مسؤولية لإكمال المسيرة والجهود الضخمة التي قامت بها الوزارة منذ إطلاق القناة، كما هي تتويج لجهود المجموعة في التطوير والتوسع في الوسائل الإعلامية المختلفة وتنويع مصادر الدخل مع الحفاظ على ثقة عملائنا ومتابعينا برصانة المحتوى المصنوع».

وأضافت الراشد: «نتطلع إلى تطوير قناة (الثقافية) عبر تقديم محتوى مبتكر يعكس طموحات المرحلة؛ إذ نسخّر منظومتنا الإعلامية وخبراتنا التحريرية والتقنية لتقديم تجربة مشاهدة عصرية، وتعزيز حضور القناة رقمياً، مع توظيف أدوات الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات لفهم الجمهور وتطوير المحتوى مع الحفاظ على الهوية الثقافية للقناة، وكلنا ثقة بالزميل مالك الروقي، المدير العام لقناة (الثقافية) لقيادة المرحلة المقبلة».

من جانبه، قال مالك الروقي، المدير العام لقناة «الثقافية»: «نعتز بهذه المرحلة الجديدة ونعمل على تقديم محتوى ثقافي متجدد يعكس طموحات المرحلة المقبلة، ويواكب تطلعات الجمهور، ويعزز حضور قناة (الثقافية)».

وستشمل خطة التطوير الجديدة إطلاق مجموعة من البرامج الجديدة، وتعزيز جودة الإنتاج، وتبني أساليب سرد عصرية مدعومة بالتقنيات الحديثة والذكاء الاصطناعي، بما يسهم في الارتقاء بتجربة المشاهد وتوسيع نطاق الوصول.

ومن المقرر إطلاق الشبكة البرامجية المطورة تدريجياً اعتباراً من شهر سبتمبر (أيلول) المقبل، على أن يتم الإعلان عن تفاصيلها والكشف الكامل عنها نهاية شهر أغسطس (آب).


«أطياف الحرمين»... معرض يوثّق رحلة مصوّرة سعودية في الأماكن المقدسة

باب ومفتاح الكعبة المشرفة ومفتاح الغرفة العليا داخل الكعبة (إدارة المعرض)
باب ومفتاح الكعبة المشرفة ومفتاح الغرفة العليا داخل الكعبة (إدارة المعرض)
TT

«أطياف الحرمين»... معرض يوثّق رحلة مصوّرة سعودية في الأماكن المقدسة

باب ومفتاح الكعبة المشرفة ومفتاح الغرفة العليا داخل الكعبة (إدارة المعرض)
باب ومفتاح الكعبة المشرفة ومفتاح الغرفة العليا داخل الكعبة (إدارة المعرض)

يرصد معرض «أطياف الحرمين» رحلة المصوِّرة السعودية سوزان إسكندر، التي بدأت قبل 17 عاماً بين مكة المكرمة والمدينة المنورة؛ حيث التقطت صوراً فوتوغرافية توثِّق معالم الحرمين الشريفين. وقد جاب المعرض 57 دولة حول العالم قبل أن يحطَّ رحاله في القاهرة، مقدّماً تجربة فنية وثقافية تمزج بين التوثيق التاريخي والرؤية الإبداعية.

المصورة السعودية سوزان إسكندر (إدارة المعرض)

افتُتح المعرض يوم الجمعة في قاعة «صلاح طاهر» بدار الأوبرا المصرية، ويستمر حتى الاثنين 27 أبريل (نيسان) الحالي، بحضور لافت لشخصيات دبلوماسية سعودية ومصرية. وافتتحه الداعية الأميركي سامي الجداوي، الذي اعتنق الإسلام بعد سفره إلى السعودية للعمل في ترجمة القرآن الكريم عام 2011.

يضم المعرض نحو 80 صورة تُعدّ بمثابة لوحات فنية التقطتها سوزان خلال سنوات متفرقة، في موسمي الحج وشهر رمضان، لتجسّد علاقة إنسانية وروحية بين الحجاج والمعتمرين وفضاء الحرمين. واعتمدت المصوّرة زوايا مبتكرة، لا سيما في التصوير الجوي، عبر لقطات نهارية، وأخرى ليلية تكشف جمال المكان وقدسيته.

أنوار الحرم المكي تتلألأ في إحدى صور المعرض (إدارة المعرض)

كما يضم المعرض صوراً يعود تاريخها إلى أكثر من 150 عاماً، للمصور الهولندي كريستيان سنوك، والمصور التركي فاروق إكسوي (من مقتنيات وزارة الإعلام السعودية)، ليقدِّم بذلك رحلة بصرية تجمع بين عبق الماضي وحداثة الحاضر، وتبرز حجم التطور الذي شهدته الأماكن المقدسة.

ويأتي «أطياف الحرمين» بوصفه إهداءً من الفنانة إلى خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، وولي العهد الأمير محمد بن سلمان، تقديراً للدور الذي تضطلع به المملكة في رعاية الحرمين الشريفين.

وقد انطلق المعرض بمبادرة شخصية من سوزان إسكندر، نُفّذت بالتعاون مع الداعية سامي الجداوي، ومؤسسة «صوت المسلم للسلام» في الولايات المتحدة، وعيسى الحاج من مؤسسة «معارج» في السعودية. ومع ما حققه من نجاح عالمي، تبنَّت وزارة الإعلام السعودية المعرض ليبدأ مرحلة جديدة من مكة إلى القاهرة.

سوزان بين الداعية الأميركي سامي الجداوي ونجلها خلال افتتاح المعرض (إدارة المعرض)

وتوضح سوزان إسكندر في حديث لـ«الشرق الأوسط»، أن رحلتها مع المعرض بدأت قبل 17 عاماً، وأن أعمالها لا تقتصر على التقاط الصور، بل تشمل توثيق مراحل تطور الحرم المكي؛ حيث رصدت التوسعات الثلاث التي شهدها، مؤكدة أن ذلك يُمثل سجلاً بصرياً لإنجاز كبير. وتؤكد أن المعرض رحلة إنسانية وروحية قبل أن يكون مشروعاً فنياً، هدفه نقل مشاعر ضيوف الرحمن إلى العالم.

كما قدَّمت لقطات بانورامية جوية للحرم المكي والمسجد النبوي، مشيرة إلى أن المعرض يحظى بدعم المملكة، ويسعى إلى إبراز جهودها في خدمة الحرمين الشريفين، إلى جانب تقديم محتوى توعوي يساعد الزوّار على التعرف إليهما قبل زيارتهما.

توسعات الحرم المكي التي وثقتها المصورة السعودية (إدارة المعرض)

ويأخذ المعرض زائريه في جولة روحانية داخل الحرمين والمشاعر المقدسة، من خلال مشاهد للحرم المكي مكتظاً بالمصلين في ليلة 27 رمضان، والحجاج أثناء طواف الإفاضة والسعي بين الصفا والمروة، في لقطات نهارية وليلية تتلألأ فيها أنوار الحرم. كما يوثّق تفاصيل مؤثرة، مثل مفاتيح الكعبة المشرفة ومقام إبراهيم عليه السلام، ومشاهد المعتمرين أثناء الصلاة.

وفي المدينة المنورة، التقطت سوزان صوراً للمسجد النبوي الشريف، وجبل أُحد في مشاهد ليلية آسرة، إضافة إلى توثيق الحجاج والمعتمرين أثناء أداء مناسكهم بخشوع.

لقطات الفنانة رصدت معالم الحرمين (إدارة المعرض)

وتُشير الفنانة إلى أن علاقتها بالتصوير بدأت في طفولتها، حين أهداها والدها كاميرا وهي في التاسعة من عمرها. لاحقاً، حصلت على 3 دورات في التصوير الفوتوغرافي بمعهد السينما الإيطالية؛ حيث أشاد مدير المعهد بسرعة تطورها. وتؤكد أنها تتعلم من كل تجربة، نظراً لاختلاف طبيعة التصوير من بلد إلى آخر.

وحازت سوزان إسكندر عضوية الاتحاد الدولي للتصوير الفوتوغرافي (FIAP)، وهي عضو مؤسس في نادي الإعلاميين السعودي. وقدمت أول معارضها بعنوان «عن بُعد»، الذي افتتحه الأمير سعود بن خالد الفيصل عام 2007.


فيلم جديد من بطولة جاك رايان ومغامراته السياسية

بن أفلك ومورغن فريمن في «مجموع كل المخاوف» (باراماونت)
بن أفلك ومورغن فريمن في «مجموع كل المخاوف» (باراماونت)
TT

فيلم جديد من بطولة جاك رايان ومغامراته السياسية

بن أفلك ومورغن فريمن في «مجموع كل المخاوف» (باراماونت)
بن أفلك ومورغن فريمن في «مجموع كل المخاوف» (باراماونت)

مع نهاية شهر مايو (أيار) المقبل، تطلق هوليوود فيلماً جديداً بعنوان «جون رايان: حرب الظل» (John Ryan’s Ghost War).

يتبع الفيلم سلسلة تضم حتى الآن 7 أفلام، من بطولة شخصية جاك رايان، العميل لصالح المخابرات الأميركية، التي ابتكرها توم كلانسي (توفي سنة 2013 عن 66 عاماً). هذه الأفلام هي جزء من نحو 17 عملاً روائياً له تناولت مسائل تمزج بين عناصر الحركة والمطاردات الخطرة ونظريات المؤامرة على مدى 35 سنة الماضية.

معرفة استخباراتية

لم يكن كلانسي مؤلفاً سياسياً بالمعنى المباشر، لكن السياسة كانت في صميم أعماله، كما كانت محركاً لانتماءاته؛ فقد انتمى إلى الحزب الجمهوري وأيَّد زعاماته، بمن فيهم الرئيس رونالد ريغان، وجورج بوش الأب.

في عام 2001، وعقب كارثة 11 سبتمبر (أيلول)، رفض الرواية القائلة إن مسلمين نفذوا العملية، وذهب إلى احتمال أن أحد الطيارين قد يكون يابانياً، استناداً إلى أن الإسلام لا يجيز الانتحار. غير أن هذا الرأي لم يلقَ قبولاً، سواء من التحقيقات الفدرالية أو من جهات أخرى ناقضت هذه الفرضية.

هاريسون فورد «ألعاب وطنية» (باراماونت)

عكست كتابات كلانسي، الروائية وغير الروائية، معرفة ودراية بنظم العمل الاستخباراتي وأدواته، من توزيع المهام إلى أساليب التنفيذ، ومن تحليل الأوضاع السياسية بعد الحرب الباردة إلى كيفية تعامل وكالة الاستخبارات المركزية الـ«سي آي إيه» (CIA) مع عملائها.

وظَّف كلانسي هذه الخبرات في حكايات تعتمد على احتمالات عسكرية وأمنية، تنطلق نحو مغامرات تشويقية أضافت جديداً إلى هذا النوع من الأفلام.

بعد 6 سنوات من صدور روايته الأولى «صيد أكتوبر الأحمر» (The Hunt for Red October)، حوَّلتها هوليوود إلى فيلم من إخراج جون مكتيرنان وبطولة شون كونيري في دور قائد غواصة روسية نووية تتجه نحو الشاطئ الأميركي. وعلى جاك رايان (أليك بالدوين) مساعدة القيادة العسكرية الأميركية في التحقق مما إذا كان القائد يسعى فعلاً للجوء، أم أنه جزء من مؤامرة روسية لشن هجوم عسكري.

بناءً على نجاح الفيلم، سارع المنتجون إلى اقتباس رواية ثانية من مغامرات جاك رايان بعنوان «ألعاب وطنية» (Patriot Games) عام 1992.

هذه المرة، اختير نجم أكثر جماهيرية هو هاريسون فورد بدلاً من أليك بالدوين، كما أُسند الإخراج إلى فيليب نويس. تناولت الحكاية تنفيذ فصيل تابع لمنظمة الجيش الجمهوري الآيرلندي عمليات إرهابية في الولايات المتحدة، بما فيها محاولة اغتيال جاك رايان وتعريض عائلته للخطر.

حروب أميركية - روسية

في الفيلم الثالث من السلسلة: «خطر واضح وحاضر» (Clear and Present Danger) (1994)، عاد هاريسون فورد لدور رايان، حيث واجه خطر تجار المخدرات الكولومبيين بناءً على أوامر رئاسية. يخوض هذا العمل مجابهات ومخاطر كما هو متوقَّع. وتبقى الحكاية في حد ذاتها، من حيث الحبكة والأحداث، جيدة؛ غير أن التمهيد للانتقال إليها، بالشكل الذي ينتظره المشاهدون استغرق وقتاً طويلاً. كذلك، تكرَّرت بعض الحوارات التي سبق طرحها في مشاهد سابقة، وهي من السلبيات التي جعلته أقل مستوى من سابقه.

من «حرب الظل» (أمازون)

أما الفيلم الرابع (2002)، «مجموع كل المخاوف» (The Sum of All Fears)؛ فقد قام ببطولته بن أفليك، تحت إدارة متواضعة من المخرج فيل ألدن روبنسون. عادت الحكاية إلى التوتر الأميركي - الروسي، عبر مجموعة نازية جديدة تخطط لإشعال حرب نووية بين الدولتين.

في عام 2014، دخل المخرج البريطاني كينيث برانا على الخط بفيلم «جاك رايان: مجنّد الظل» (Jack Ryan: Shadow Recruit). ورغم أنه كان عملاً لافتاً، إلا أنه لم يتفوق فنياً على سابقاته. وقد جاء بعد عام من وفاة كلانسي، لذلك اكتفى صانعو الفيلم باستخدام شخصية المؤلف الأساسية، وابتكار قصة جديدة تدور حول مخطط روسي لتدمير الاقتصاد الأميركي.

عند هذه المرحلة، لم تعد هناك روايات أصلية من أعمال كلانسي يمكن اقتباسها ضمن هذه السلسلة. لكن هوليوود اقتبست عام 2021 رواية أخرى له لا تنتمي إلى سلسلة جاك رايان، وهي «من دون ندم» (Without Remorse)، التي دارت حول ضابط في البحرية الأميركية يسعى للانتقام لمقتل زوجته. قام بالبطولة مايكل ب. جوردان، وأخرجه ستيفانو سوليما. وقد عُرض الفيلم مباشرة على المنصات الرقمية دون تحقيق نجاح يُذكر.

مرحلتان

من دون استباق النتائج، قد يلقى «جاك رايان: حرب الظل» المصير نفسه، خصوصاً أنه مستوحى من الشخصية فقط، وليس من روايات كلانسي. الفيلم من بطولة جون كراسينسكي، ويتناول تعاون رايان مع عنصر من المقاومة الأفغانية لمواجهة عملية إرهابية مخطط لها داخل الولايات المتحدة. الإخراج لأندرو برنستين، الذي حقق معظم أعماله للتلفزيون من قبل.

اللافت أن أعمال كلانسي وما تلاها تتواكب مع سلاسل سينمائية مشابهة تدور حول رجل المخاطر الذي يعمل لمؤسسات أمنية. ويمكن تقسيم هذا النوع إلى مرحلتين: الأولى بدأت مع سلسلة جيمس بوند وما تبعها، والثانية انطلقت خلال العقدين الماضيين. إلى جانب جاك رايان، هناك أيضاً أفلام «المهمة: مستحيلة» وسلسلة «جاسون بورن» (Jason Bourne)، التي انطلقت عام 2016 وقام ببطولتها مات دايمون.