المشاهدون في السعودية ومصر يريدون حكايات وشخصيات تلفزيونية «تشبهُهم»

دراسة جامعية أميركية تكشف ما يفضّل الجمهور العربي متابعته على الشاشة

دراسة من جامعة جنوب كاليفورنيا ترصد السلوكيات التلفزيونية لدى المشاهدين السعوديين والمصريين (جامعة جنوب كاليفورنيا)
دراسة من جامعة جنوب كاليفورنيا ترصد السلوكيات التلفزيونية لدى المشاهدين السعوديين والمصريين (جامعة جنوب كاليفورنيا)
TT

المشاهدون في السعودية ومصر يريدون حكايات وشخصيات تلفزيونية «تشبهُهم»

دراسة من جامعة جنوب كاليفورنيا ترصد السلوكيات التلفزيونية لدى المشاهدين السعوديين والمصريين (جامعة جنوب كاليفورنيا)
دراسة من جامعة جنوب كاليفورنيا ترصد السلوكيات التلفزيونية لدى المشاهدين السعوديين والمصريين (جامعة جنوب كاليفورنيا)

يفتقد صنّاع المحتوى في المنطقة العربية، خريطة طريق تقودهم في اتّجاه ما يحبّ المشاهدون استهلاكه تلفزيونياً. بهدفِ مساعدتهم على التعرّف إلى أذواق الجمهور وابتكار برامج يتوق إليها، ارتأى معهد العلوم السينمائية في جامعة جنوب كاليفورنيا الأميركية USC، وبدَعمٍ من «مبادرة الشرق الأوسط للإعلام (MEMI)»، أن يُعدَّ دراسةً حول البرامج التلفزيونية والمحتوى الترفيهي المفضّل لدى المشاهدين في كلٍ من المملكة العربية السعوديّة ومصر.

توضح جوهانا بليكلي، وهي الباحثة الرئيسية في الدراسة، في حديث مع «الشرق الأوسط» أنّ الهدف الأساسي من المشروع هو «تقديم معلومات للكتّاب التلفزيونيين العرب، قد تساعدهم على فهم متطلّبات مشاهديهم، بما في ذلك أنواع البرامج المفضّلة لديهم، وعناصر السرد التي يحبّذون». وتركّز دراسة «MEMI»، البرنامج المدعوم من السفارة الأميركية في الرياض ووزارة الخارجية الأميركية، على ما يبحث عنه المشاهدون على الشاشات العربية ولا يجدونه.

تهدف الدراسة إلى تقديم معلومات لصنّاع المحتوى العرب حول سلوكيّات المشاهدين التلفزيونية (أ.ف.ب.)

الضحك و«الأكشن» في الصدارة

توصّلت الدراسة، التي استطلعت آراء مئات السعوديين والمصريين من الإناث والذكور الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و40 عاماً، إلى أنّ أوّل ما يتوقّعه المُشاهد من المسلسل الذي يتابعه، أن يجد فيه قصصاً وشخصياتٍ تشبهه ويستطيع التماهي معها. يتّفق المستَطلعون على عبارة «أريد حكاياتٍ عن أشخاص يشبهونني». واللافت أنّ المشاهدين الأصغر سناً (18 - 26 سنة) غير راضين بوجهٍ عام عن المحتوى العربي، فيتّجهون إلى الإنتاجات الغربية أكثر من الفئة الأكبر سناً (27 - 40 سنة).

أما أبرز الاستنتاجات التي توصّل إليها الاستطلاع، فهو أنّ أعمال الإثارة والحركة والمغامرة والكوميديا هي أكثر ما يحب المُشاهدان السعودي والمصري متابعته على الشاشة. كما يتّفق الجمهور في كلا البلدَين على أنّ الأحداث والشخصيات هي أهمّ عناصر البرنامج، وليس طاقم التمثيل والأبطال الذين يشكّلون القسم الأكبر من التكلفة الإنتاجيّة.

تتصدّر الكوميديا ومسلسلات التشويق الأنواع التلفزيونية المفضّلة لدى المشاهد السعودي (جامعة جنوب كاليفورنيا)

الواقع بديلاً عن الخيال

تلفت بليكلي في هذا الإطار إلى أنّ أكثر ما فاجأها خلال إعداد الدراسة، «تفضيل الجمهور السعودي الحكايات المرتبطة بأحداث آنيّة، على القصص الخياليّة التي تكون بمثابة هروب من الواقع». وتضيف أن «السعوديين يتطلّعون إلى محتوى عربي ذي جودة عالية، يركّز على تجارب معاصرة لشخصيات حقيقية من المنطقة». ووفق الدراسة، فإنّ المُشاهد السعودي يستهلك كثيراً من المحتوى التلفزيوني غير العربي عبر المنصات العالمية، معدّداً «Friends (أصدقاء)»، و«Game of Thrones (صراع العروش)»، و«Squid Game (لعبة الحبّار)» من بين مسلسلاته المفضّلة. في المقابل، يتّجه المصريّون صوب الإنتاجات المحلّيّة، وهم يضعون «الحكاية مع عمرو أديب»، و«معكم منى الشاذلي»، و«صاحبة السعادة» في طليعة برامجهم المفضّلة.

توصّلت الدراسة كذلك إلى أنّ النساء يشاهدن التلفزيون ومنصات البثّ أكثر من الرجال في كلٍ من السعوديّة ومصر. أما خلال شهر رمضان، فترتفع نسبة المشاهدين من الرجال، ما يعني أنّ على صنّاع المحتوى الأخذ في الاعتبار ابتكار مسلسلات منبثقة من الواقع والأحداث الجارية، وهو صنفٌ تلفزيونيّ يحبّذه المشاهدون الذكور.

مجموعة من البرامج العربية المفضّلة في السعودية ومصر (جامعة جنوب كاليفورنيا)

ألعاب الفيديو مصدر وحي

يتلاقى الجمهوران السعودي والمصري عند أفضليّة المُشاهَدة المتواصلة للمسلسلات أو الـ«binge watching» بدل انتظار الحلقات اليوميّة أو الأسبوعيّة. وبينما تتّجه الإناث إلى المحتوى الرومانسي والدراما، يفضّل الرجال كل ما يرتبط بالرياضة، إضافةً إلى مسلسلات المغامرة والحركة والبرامج الكوميديّة الساخرة. أما المشترَك بين الجنسَين، فهو الاهتمام بألعاب الفيديو، الأمر الذي من المفترض أن يحفّز المنتجين وصنّاع المحتوى العرب على ابتكار مسلسلات مستوحاة من هذه الألعاب أو مبنيّة عليها.

وبما أنّ وسائل التواصل الاجتماعي هي منصّات الترفيه والإعلام الأولى بالنسبة إلى الجماهير العربية، تشدّد الدراسة على أهمّية إنتاج محتوى خاص بالسوشيال ميديا يكون امتداداً للمحتوى التلفزيوني. وتوضح بليكلي، في هذا السياق، أنّ المقصود هنا هو «محتوى إضافي مُرافق للبرامج والمسلسلات يُنشر على صفحات التواصل الاجتماعي، ويكون مكمّلاً للمادّة التلفزيونية؛ مثل مَشاهد حصريّة من خلف الكواليس، ومعلومات خاصة عن فريق الممثلين، وخفايا عن تطوّر الأحداث». وقد استنتج البحث أن «80 في المائة من المستطلَعين السعوديين يرغبون بمحتوى إضافي يتيح لهم التفاعل بشكلٍ أكبر مع القصة ويجعلهم أوفياء أكثر للمسلسل».

تفضّل شريحة كبرى من الجمهور السعودي متابعة المسلسلات الغربية على تلك العربية (جامعة جنوب كاليفورنيا)

أبرز التوصيات

أما أبرز التوصيات التي تخرج بها الدراسة لتضعها بين أيدي المنتجين وصنّاع المحتوى العرب، لا سيّما في السعوديّة ومصر فهي:

مَنح الأولويّة للأحداث وتركيبة الشخصيات وأسلوب السرد بدل التركيز على ثقل أسماء الممثلين المشاركين في العمل.

إنتاج مزيد من مسلسلات الإثارة والتشويق والمغامرة؛ لأنّ هذه الأنواع التلفزيونية هي المفضلّة في كل من مصر والسعوديّة.

تقديم برامج كوميديّة تتناول قضايا مهمّة، فالجمهوران يتطلّعان ليس إلى ما يُضحكهما فحسب بل إلى ما يدفعهما للتفكير ويتعلّمان منه.

كتابة قصص مستوحاة من الأحداث الآنيّة، بدل التمسّك بالسرديّات الخياليّة والهادفة إلى الهروب من الواقع.

إنشاء محتوى إضافي مرتبط بالمسلسل للاستخدام على وسائل التواصل الاجتماعي.

تأتي دراسة جامعة جنوب كاليفورنيا و«مبادرة الشرق الأوسط للإعلام» جزءاً من مشروع التبادل الدبلوماسي الثقافي بين الولايات المتحدة الأميركية والمنطقة العربية. وتلفت بليكلي إلى أنّ «أفضل تجلّيات التبادل الثقافي هو أن يتحصّن المستفيدون من ذلك البحث، أي صنّاع المحتوى التلفزيوني العرب، بمعلومات جديدة وبمهاراتٍ أقوى وبشبكات أوسع تساعدهم على النجاح». وتضيف أن الدراسة ستعود بالفائدة على الكتّاب التلفزيونيين والمنتجين والأطقم التنفيذية؛ لأنه ستصبح بمتناولهم معلومات عن سلوكيّات جمهور التلفزيون ومنصات البث، وهي معلومات حصريّة وغير متوفرة في أي مكان آخر. كل ذلك كفيل بتحضيرهم للنجاح بمجرّد أن يطوّروا قصصاً تجد صدى لدى المشاهدين المحلّيين.


مقالات ذات صلة

ميشيل ميلاد يخرج من عباءة الكوميديا: «معتصم» اختبر قدراتي

يوميات الشرق ميشيل ميلاد في أحد مَشاهد مسلسل «القصة الكاملة» (الشركة المنتجة)

ميشيل ميلاد يخرج من عباءة الكوميديا: «معتصم» اختبر قدراتي

ارتبط ميشيل ميلاد بالفنّ منذ طفولته، من خلال الراديو، إذ كان يستمع إلى البرنامج الثقافي الذي يعرض المسرحيات العالمية.

انتصار دردير (القاهرة)
أميركا اللاتينية صورة مدمجة تظهر الرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا (يسار) ومرشح المعارضة فلافيو بولسونارو (أ.ف.ب)

لولا وبولسونارو يرفضان مناظرة تلفزيونية قبل انتخابات الرئاسة البرازيلية

أُلغيت مناظرة رئاسية في البرازيل بعد رفض المرشحَين لولا وفلافيو بولسونارو المشاركة، قبل أيام من الجولة الأولى للانتخابات الرئاسية.

«الشرق الأوسط» (ساو باولو)
يوميات الشرق بيروت أيام العزّ بالذكاء الاصطناعي (إيلي أبو خليل)

اللبناني إيلي أبو خليل «يتحدَّى» الذكاء الاصطناعي بالفكر الإنساني

يبحث إيلي أبو خليل دائماً عن الموضوع الرائج على وسائل التواصل الاجتماعي...

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق «Widow's Bay» الفائز الأكبر بجوائز «إيمي» كتابةً وإخراجاً وتمثيلاً (إ.ب.أ)

لعنة الجزيرة الغامضة وأزمات غرفة الطوارئ... «ويدوز باي» و«ذا بِت» نجما حفل «إيمي»

حفل «إيمي» يتوّج أفضل مسلسلات العام والممثل ماثيو ريس يحقق إنجازاً تاريخياً بفوزه عن فئتَي الكوميديا والدراما القصيرة.

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق لا يستقبل ضيفاً لا يقتنع به مهما بلغت أهميته (فيسبوك)

رودولف هلال: مَن ينسحب من برنامجي أكون قد كشفتُ كذبه

مؤخراً، بدأ رودولف هلال إلى جانب عمله التلفزيوني، بإقامة حفلات لنجوم من الزمن الجميل...

فيفيان حداد (بيروت)

في 6 ساعات... الذكاء الاصطناعي يفك شفرة رسالة لنابليون عمرها 217 عاماً

لوحة تجسّد نابليون بونابارت خارجاً من قبره (أرشيفية - رويترز)
لوحة تجسّد نابليون بونابارت خارجاً من قبره (أرشيفية - رويترز)
TT

في 6 ساعات... الذكاء الاصطناعي يفك شفرة رسالة لنابليون عمرها 217 عاماً

لوحة تجسّد نابليون بونابارت خارجاً من قبره (أرشيفية - رويترز)
لوحة تجسّد نابليون بونابارت خارجاً من قبره (أرشيفية - رويترز)

استخدم مهندسٌ الذكاء الاصطناعي لفك شفرة عسكرية تعود إلى الحقبة النابليونية، ظلت عصيةً على الحل لأكثر من قرنين من الزمان.

وقد نجح الذكاء الاصطناعي في فك رموز رسالة كُتبت بأمر من نابليون بونابرت، وذلك للمرة الأولى منذ أكثر من 200 عام، حسبما أفادت شبكة «يورونيوز».

لم تكن الوثيقة رسالة كتبها نابليون مباشرة؛ فقد صدرت عن مقر يوجين دي بوهارنيه، نائب الملك في إيطاليا، وكانت عبارة عن إيجاز مشفّر حول القوات أُرسل إلى مارمونت بناءً على أوامر نابليون.

وذكر كارتر تشرش، وهو مهندس في شركة الأمن السيبراني «سنتينل ون» (SentinelOne)، عبر وسائل التواصل الاجتماعي أن نموذج «أسترا جي بي تي -6» التابع لشركة «أوبن إيه آي» قد نجح في فك شفرة رسالة تعود لعام 1809 كانت مُرسلة إلى الجنرال الفرنسي أوغست دي مارمونت.

وأوضح تشرش أن نموذج الذكاء الاصطناعي قام بتحويل محتوى الصورة إلى نص لفك الشفرة في غضون ست ساعات تقريباً.

كتب تشرش في تدوينة له: «قامت أسترا بتقسيم اللوح -الذي تبلغ أبعاده 1202 في 1836- إلى صفوف، وقرأت الرموز، وحددت أيّاً من العلامات المرسومة يدوياً (والبالغ عددها 175 علامة) تمثل الرمز نفسه مكتوباً مرتين، وعندها فقط بدأت في فك الشفرة».

كان العديد من الباحثين قد حاولوا على مدى عقود إعادة تكوين محتوى الوثيقة، لكن أحداً منهم لم ينشر حلاً كاملاً للشفرة.

تولت «أسترا» إنجاز العمل من بدايته إلى نهايته، بما في ذلك نسخ محتوى الصورة، وتحليل شفرة الاستبدال المتماثل صوتياً (homophonic substitution cipher)، وكتابة البرمجيات اللازمة، ومطابقة المعلومات مع السجلات التاريخية. وقد كشف النص عن مواقع القوات البافارية والبولندية والفرنسية.

في عام 1809، كانت أوروبا تقترب بخطى حثيثة من الحرب؛ إذ كانت النمسا تستعد لمواجهة فرنسا، في حين ظل جزء كبير من القوات الفرنسية منشغلاً في القتال داخل إسبانيا. وكان «مارمون»، قائد القوات الفرنسية في دالماسيا، يواجه خطر العزلة في حال شنت النمسا هجوماً.

وفي 16 مارس (آذار)، أصدر نابليون أمراً لـ«أوجين» بإطلاع مارمون على مواقع القوات الفرنسية وحلفائها الرئيسية، مشدداً على ضرورة أن تكون الرسالة «مكتوبة بشفرة سرية» وأن ينقلها ضابط موثوق.

وجاء في الوثيقة: «إن الروس يزحفون ضد النمسا، ويبلغ قوام جيش فريولي اليوم ثمانين ألف جندي». وأفادت الوثيقة: «أضف إلى ذلك فيلق دالماسيا - ودون احتساب قوات الاحتياط التي يجري تنظيمها في كل مكان في الخطوط الخلفية - وستدرك أن النمسا ستتعرض لهجوم فوري وشامل من جميع الجهات. وبالتالي، فهي تسير مسرعة نحو حتفها. وعندما تتلقى أمر الزحف، لا تدع بضع وحدات عسكرية أو حشوداً من الغوغاء ترهبك».

وبالاستناد إلى أعداد القوات ورتب الضباط ومواقع الوحدات التي تم فك شفرتها، أعاد «تشرش» تحديد تاريخ الوثيقة ليكون في أواخر شهر مارس 1809، أي قبل نحو أسبوعين من شن القوات النمساوية لهجومها.

وفي 18 سبتمبر (أيلول)، نشر تشرش سجله البحثي الكامل، متضمناً النص المنقول، وجداول الشفرات، والنصوص البرمجية التي تتيح للآخرين إعادة إنتاج النتائج والتحقق منها.

وفقاً لتشرش، قام ساتوشي توموكيو، وهو باحث مقيم في طوكيو يتولى إدارة موقع «كريبتيانا» (Cryptiana)، بمراجعة الحل ووسم الإدخال بعبارة «تم الحل».


محمود درويش في بيروت... كلّما ابتعدَ زمنُه وجدناه في زمننا

محمود درويش حاضر من الجهة التي يعجز عنها الغياب (الشرق الأوسط)
محمود درويش حاضر من الجهة التي يعجز عنها الغياب (الشرق الأوسط)
TT

محمود درويش في بيروت... كلّما ابتعدَ زمنُه وجدناه في زمننا

محمود درويش حاضر من الجهة التي يعجز عنها الغياب (الشرق الأوسط)
محمود درويش حاضر من الجهة التي يعجز عنها الغياب (الشرق الأوسط)

كان محمود درويش حاضراً في متحف سرسق بأكثر من عُمُر شِعري. ظهر الرجل الذي صوَّرته سيمون بيتون عام 1997، وسمعنا الشاعر الذي صار جزءاً من الذاكرة العربية، ثم جلس شِعره إلى جوار نصوص فلسطينية كُتبت بعده وفي زمن أشدّ ضراوة. بين هذه الأزمنة، صنعت أمسية «درويش والشِّعر الفلسطيني المعاصر» مادّتها.

في قصيدته كانت فلسطين اسماً وأمّاً وحبّاً وذاكرة (الشرق الأوسط)

أُقيم اللقاء ضمن «يوم محمود درويش للشِّعر»، الذي نظّمه مركز «بومبيدو» بالتعاون مع «معهد العالم العربي»، وتوزَّعت فعالياته على نحو 30 موقعاً ثقافياً في فرنسا والعالم ضمن «موسم البحر الأبيض المتوسّط 2026». تولّى «البيت الدولي للكتّاب» تنظيم الموعد البيروتي، وقدَّمه الروائي شريف مجدلاني، أحد وجوه الأدب اللبناني المكتوب بالفرنسية، ورئيس «البيت»، وريما عبد الملك، وزيرة الثقافة الفرنسية السابقة وصاحبة الحضور الطويل في المؤسّسات الثقافية. جمعهما موقعٌ يليق بطبيعة المشروع، في بيروت التي خَبِرَت درويش وعرفت زمناً كان فيه الشِّعر الفلسطيني جزءاً من مشهدها الثقافي.

ذاكرة سرسق تستقبل ذاكرةً جاءت من فلسطين (الشرق الأوسط)

عاد فيلم «محمود درويش: والأرض، كما اللغة» إلى مرحلة مفصلية من حياة صاحبه. درويش عام 1997 ليس شاعر البدايات الذي تكفيه الهوية مادةً للمواجهة، وليس منفيّاً ينتظر فَتْح الطريق. الطريق فُتِح جزئياً، وأمكنه الوصول إلى فلسطين بعد «اتفاق أوسلو» الذي اعترض على صيغته. وصل، ولم يجد في الوصول نهايةً للمنفى. فالإنسان قد يبلغ المكان ولا يستعيد الزمن الذي عاشه فيه.

حيفا وقبرص وتونس وعمّان وباريس والقاهرة وبيروت ورام الله، تُشكّل جغرافيا رجل صار كثير الأمكنة بعدما فَقَدَ بداهة المكان الواحد. المنفى يستقرّ في الداخل. لا تُنهيه تذكرةُ عودة، لأنّ البروة، قريته في الجليل التي خرج منها الطفل، بقيت في ذاكرته على صورة لا يستطيع الرجل استعادتها.

شريف مجدلاني وريما عبد الملك يجمعان أزمنة القصيدة الفلسطينية (الشرق الأوسط)

وجد درويش في اللغة ما يُبقي صلته بالأرض قائمة بعدما غدت العودة إليها مُحمَّلة بما تغيَّر وفُقِد. ومن المعنى المزدوج لكلمة «بيت»، المنزل وبيت الشِّعر، بَنَت سيمون بيتون وإلياس صنبر جانباً من قراءة الفيلم لعلاقة درويش بالمكان واللغة. المكان الذي تعذَّرت استعادته كما كان، ظلَّ حاضراً في القصيدة بأسمائه ووجوهه وروائحه. لم تُعوّض اللغة ما ضاعَ، لكنها أبقته بعيداً عن التلاشي ومنحت الذاكرة سبيلاً لمواجهة ما فعله الزمن بالمكان.

درويش الذي أخذ فلسطين إلى أبعد من حدود القضية (الشرق الأوسط)

فلسطين لم تُغادر شِعره، لكنه رفض أن تَستهلك الشِّعر. دخل إليها من الأُم والحبّ والجسد والموت والوحدة والقهوة، حتى صار الفلسطيني في قصيدته إنساناً مُحدّداً، لا صورة معلَّقة على قضية. بذلك أصاب الفيلم في قراءة درويش، رغم أنّ خللاً في وضوح الصوت جعل مُتابعة بعض أجزائه مُرهِقةً، وأضاع شيئاً من حميمية العلاقة التي أرادها بين صوت الشاعر والمُشاهد.

بعده، جاءت قراءات ضنا مخايل وريما عبد الملك وطارق يعقوب وأنطوان غسبار ورائد طيّان، تُرافقها موسيقى جاك اسطفان، لنصوص درويش ورِفعت العرعير ونجوان درويش وسمر عبد الجابر وهند جودة ومصعب أبو توهة ونعمة حسن ورائد طيّان وكريم قطّان وسامر أبو هواش.

أصوات فلسطينية متعدّدة... لكلّ منها جرحها وطريقتها في حمله (الشرق الأوسط)

فَرَضَ الاختلاف في مستويات النصوص نفسه على القراءات. تفاوتت معالجة الصورة الشِّعرية، فبدت بعض النصوص أكثر اشتغالاً عليها، ومالت أخرى إلى القول المباشر.

تبقى هذه المختارات أضيق من أن تختصر مسار الشِّعر الفلسطيني المُعاصر أو تجارب أصحابه. حضور درويش بينها رفع سقف المقارنة من تلقائه. فالشاعر الذي أمضى عقوداً في إبعاد فلسطين عن القول المباشر، جَلَسَ إلى جوار كتابةٍ يولد بعضها على تماس شديد مع الحدث، حتى تبدو الفاجعة أسرع من قدرة اللغة على تحويلها إلى شِعر.

وظهر في القراءات شرخٌ جمالي أكثر من كونه جيلياً. عند درويش، نادراً ما بقي الحدث على حاله داخل القصيدة. كان يأخذه بعيداً حتى يصبح أكبر من اللحظة التي خرج منها. نصوصٌ سمعناها ظلَّت أقرب إلى الحدث، وخصوصاً ما اتصل منها بغزة. قسوة ما جرى تُفسِّر هذه المباشَرة إلى حدّ ما، وتضع الشِّعر أمام مَهمّته الأصعب في العثور على لغته وسط كلّ هذا الألم.

كان الاكتظاظ في سرسق جزءاً من صورة الليلة. امتلأت القاعة وبقي وافدون خارجها بعدما تعذَّر إيجاد مقاعد لهم. فاتهم حدثٌ أثبت جمهوره أنّ الشِّعر لا يزال قادراً على ملء المكان وترك آخرين عند بابه.

مرَّ على رحيل محمود درويش 18 عاماً، ومرَّت على فلسطين خسارات متلاحقة، وجاء شعراء وُلدت تجاربهم في عالم آخر، ومع ذلك لم يتحوَّل أثره إلى ذكرى تُستَعاد في المناسبات. كلّما ابتعد زمنُه، وجدناه ينتظرنا في زمننا.


«عرب فيوز» ينطلق بمقابلة مع تركي الفيصل عن إيران واليمن

فيصل عباس رئيس تحرير صحيفة «عرب نيوز» يطلق بودكاست جديداً بعنوان «عرب فيوز»
فيصل عباس رئيس تحرير صحيفة «عرب نيوز» يطلق بودكاست جديداً بعنوان «عرب فيوز»
TT

«عرب فيوز» ينطلق بمقابلة مع تركي الفيصل عن إيران واليمن

فيصل عباس رئيس تحرير صحيفة «عرب نيوز» يطلق بودكاست جديداً بعنوان «عرب فيوز»
فيصل عباس رئيس تحرير صحيفة «عرب نيوز» يطلق بودكاست جديداً بعنوان «عرب فيوز»

يطلق رئيس تحرير صحيفة «عرب نيوز» الزميل فيصل عباس بودكاست جديداً بعنوان «عرب فيوز» (Arab Views)، يستضيف في حلقته الأولى الأمير تركي الفيصل، الرئيس الأسبق للاستخبارات العامة السعودية والسفير الأسبق لدى المملكة المتحدة والولايات المتحدة.

ويهدف البرنامج، الذي يحمل بالعربية معنى «وجهات نظر عربية»، إلى استضافة شخصيات وأصوات مؤثرة من الشرق الأوسط، إلى جانب خبراء دوليين، لمناقشة أبرز القضايا والتطورات التي تشهدها المنطقة.

ويتناول الأمير تركي الفيصل في الحلقة الأولى عدداً من الملفات الإقليمية، بينها علاقة السعودية بإيران، والحرب في اليمن، إلى جانب قضايا راهنة أخرى، في سياق يستعرض توجهات السياسة السعودية على المدى الطويل ومقاربتها للموازنة بين ضبط النفس والردع.

وقال عباس إن الهدف من «عرب فيوز» هو تقديم «شروحات مطولة وشرح السياق في وقت نحن في أمسّ الحاجة إليه»، في ظل التدفق المتسارع للأخبار العاجلة والمنشورات المقتضبة على منصات التواصل الاجتماعي.

وأضاف أن البرنامج «سلسلة قصيرة مستقلة» تهدف إلى التكامل مع المحتوى الذي تنتجه «عرب نيوز» يومياً بمختلف لغاتها ومنصاتها وبرامجها.

ووصف عباس البودكاست بأنه «مجرد الخطوة الأولى لمبادرة أوسع بكثير»، مضيفاً: «نؤمن بأنه حان الآن، وربما أكثر من أي وقت مضى، الوقت لأن نُسمع صوتنا للعالم».

وسيتوافر «عرب فيوز» عبر قنوات مستقلة خاصة به، إضافة إلى حسابات «عرب نيوز» على منصات التواصل الاجتماعي وموقعها الإلكتروني وقناتها على «يوتيوب».

كما ستُعرض حلقات مختارة منه باللغة العربية على شاشة «الشرق بلومبرغ» ومنصاتها الرقمية.