أديبة عربية توثق مشاهد من رحلتها الإيمانية إلى مكة في الخمسينات

«بنت الشاطئ» في لقاء مع التاريخ على «أرض المعجزات»

وثَّقت الأديبة المصرية عائشة عبد الرحمن «بنت الشاطئ» رحلاتها إلى السعودية منذ عام 1951م (واس)
وثَّقت الأديبة المصرية عائشة عبد الرحمن «بنت الشاطئ» رحلاتها إلى السعودية منذ عام 1951م (واس)
TT

أديبة عربية توثق مشاهد من رحلتها الإيمانية إلى مكة في الخمسينات

وثَّقت الأديبة المصرية عائشة عبد الرحمن «بنت الشاطئ» رحلاتها إلى السعودية منذ عام 1951م (واس)
وثَّقت الأديبة المصرية عائشة عبد الرحمن «بنت الشاطئ» رحلاتها إلى السعودية منذ عام 1951م (واس)

«في كل خطوة وكل موقف ومشهد، وجدتني مع التاريخ في أم القرى والبيت العتيق، مدنية العصر قد غزت الوادي الأجرد غير ذي الزرع، وأسراب الطائرات والسيارات قد حلَّت محل النوق والجمال، والكهرباء أبطلت وقود الحطب، والرخام يرصف ساحة البيت العتيق وطريق المسعى. مكان الحصى والرمال، والمباني العصرية تقوم حيث كانت الدور البدوية البسيطة، ولا شيء من هذا كله يمس روح المكان؛ تغير الشكل والمظهر، وبقي للمكان جوهر شخصيته التاريخية، يتألق بنور قداسته، ويتوهج بسنا أصالته وعراقته، والكعبة تستبدل بكسوتها كل عام أخرى جديدة، وتبقى شخصيتها بمنأى عن طوارئ التغيير، مثابة الحج ومهوى الأفئدة، وبيت الله الحرام، أقدم بيت عُبد فيه سبحانه وتعالى على الأرض، وأحب أرض الله إلى الله ورسوله وأمته».

بهذا أخذت الأديبة المصرية عائشة عبد الرحمن «بنت الشاطئ» توثيق رحلاتها إلى السعودية، التي بدأت في عطلة منتصف العام الجامعي 1951م، حين دعاها الشوق مع بقية زملائها من الأدباء والمثقفين، إلى أرض المبعث، فأجمعوا أمرهم على السعي إليها معتمرين زائرين، وكان يحدوهم الأمل، لو اتسع المجال فتمتد رحلتهم إلى ربوع الجزيرة، لكن قصور وسائلهم وزادهم، أبقى هذه الأمنية بعيدة المنال، حتى حالفهم الحظ برعاية الملك فيصل بن عبد العزيز رحلتهم تلك على هامش زيارة قام بها إلى مصر فوضع الرحلة تحت رعايته الكاملة، وبدأت قصة أخرى تحكي بنت الشاطئ تفاصيلها على صفحات كتابها «أرض المعجزات».

حكت بنت الشاطئ تفاصيل رحلاتها للحج والعمرة على صفحات كتابها "أرض المعجزات" (واس)

جزيرة العرب... من وحشتها إلى نهضتها

تسرد الدكتورة عائشة عبد الرحمن بقلمها ما عاشته الجزيرة العربية منذ كانت فلاة منقطعة عن العالم وتقول: «مرت على صحاريها الحقب والدهور وهي قاحلة مجدبة، رهيبة مرهوبة، يحوم حولها الخيال ثم يرتد عنها فزعاً مذعوراً، لا يكاد يميز بين صفير الرياح فيها وعواء الوحوش» حتى «امتلأت الجزيرة بأساطير تحكي ما يلقاه الضاربون في نجد والدهماء والربع الخالي، من أفاعيل الجن وألاعيب الغيلان، فزادت من رهبة القفر الموحش، يتقيه السارون إلا أن تدفعهم ضرورات العيش إلى ركوب مخاطره وأهواله».

لكنَّ بادية الجزيرة، حسبما تروي «بنت الشاطئ» في سردها العذب المتسلسل «هي التي أعطت الأجيال من العرب سليقتها اللغوية النقية، وبيانها الذي طوَّعته للتعبير عن وجدانها ورؤاها ومنطقها، أعطتنا العربية الفصحى، بعد أن صقلتها على المدى الطويل بحسها المرهف، هذَّبت صيغها واستخدمت الضمائر وأسماء الإشارات والأسماء الموصولة وحروف المعاني ببالغ الدقة والإحكام، وحكمت المعاني، وتوسعت في المجاز لتنمو وتُلبي حاجات الحياة».

وتتابع الأديبة المصرية في مدوَّنها: «من الغار خرج المصطفى، والنور ملء قلبه، والكلمات ملء مسمعه، واتجهت به خطاه نحو داره في جوار الحرم، والكون من حوله ساجٍ خاشع، وعلى الأفق نور الفجر الصادق ينسخ ظلمات ليل طال، ويوشح البيت العتيق بسنا وضَّاء، يكشف عما تكدس في حرمه من أصنام، فتبدو على حقيقتها العارية، صمّاء بلهاء... وعلى نور الفجر الصادق، عرف الأمّيون طريقهم وخرجوا من ظلمات الجاهلية، فما مضى على المبعث 20 عاماً حتى كان عرب الجزيرة كلهم قد نبذوا الأوثان وحطموا الأصنام، وعبدوا الله وحده مخلصين له الدين حنفاء...».

تميز سرد عائشة عبدالرحمن بوصف التغيرات التي طرأت على الجزيرة العربية من كافة النواحي (واس)

مرت العصور والحقب، وطُمرت الوقائع تحت رماد الزمن الذي انخمدت جذوته، ورغم ذلك تستكمل «بنت الشاطئ» سرد حكايتها عن الجزيرة العربية، وتقول: «بقيت الجزيرة، فيما عدا أطرافها وقراها، نائية مهجورة غامضة مُقنَّعة، لا تريد أن تتصل بالدنيا خارجها أو تبيح حماها لغير أهلها الأعراب البُداة... قد آثرت العزلة على الاتصال بالدنيا، وأقامت بَوَاديها الواسعة ورمالها المتراكمة وصخورها الصلبة، أسواراً منيعة تحمى أعرافها وتقاليدها وعاداتها، غير مستجيبة لتطور الحياة ولا مكترثة بسير الزمان».

وبين طيَّات الكتاب تتتبَّع الدكتورة عائشة عبد الرحمن قدوم أول الخير على الجزيرة ليكسر ذلك الواقع الشحيح بالأمل، قائلةً: «في مثل تلك العزلة العنيدة عن الدنيا والحياة، كان العرب من بَوَادي الجزيرة يعيشون بعقليتهم وأوضاعهم في حصون منيعة وراء الأسوار، يُشهرون السلاح في وجه كل تطوُّر، ويدفعون منكرات بدعه بالسيف... وكانت تلك هي المعركة الكبرى التي خاضها عاهل الجزيرة الراحل الملك عبد العزيز آل سعود، على كثرة ما خاض قبلها من معارك مشهودة... لكنَّ معركته الكبرى، كانت هذه الثورة الإصلاحية».

وتمضي الباحثة إلى القول: «مثل هذه المعركة لا تعرف المواقف الحاسمة، وإنما هي جولات تتعاقب وصراع يتجدد كلما بدا لعاهل الجزيرة أن يدخل إليها جديداً من مخترعات الأجهزة ومحدثات العلم، وقد لبث زمناً غير قصير، متردداً بين رغبته في الإصلاح ومسايرته الإخوان، وصابرهم طويلاً وهم على موقفهم من عداء العلم الحديث ومعاندة التطور، وفيما كان الصراع على أشده بين التطور الحضاري والجمود على موروث الأوضاع والأعراف، تجلَّت آية العلم فكشفت في الفلاة الموحشة المغلقة، عن كنز ثمين مطمور تحت الحصى والرمال، وسقطت الحواجز والأسوار، فإذا بصحراء الجزيرة تشد إليها الأنظار والأسماع في عالم اليوم».

الملك عبدالعزيز في قصر المربع بالرياض عام ١٣٥٨هـ / ١٩٣٩م (دارة الملك عبدالعزيز‬⁩)

وعن لقائها الملك عبد العزيز وحديثه إليهم بصوته المتهدج، كتبت عائشة: «في الرياض كان لقاؤنا العاهل الكبير جلالة الملك عبد العزيز، وفي مجلسه بالمربع لم يكن لجلالته حديث إلا عن محنة الأمة بعار إسرائيل، وقد مد بصره إلى الأفق الشمالي يستوعب أبعاد النكبة في رؤية ثاقبة، ويحس بحدس فراسته الملهمة نُذُر الإعصار العتيّ يوشك أن يوغل في صميم وجودنا وينتهك أقدس حرماتنا».

وتكمل: «ودَّعَنا جلالة العاهل، رحمه الله، وفي النفس همٌّ وشجن، لم يلطِّف منهما ما حظينا به من كرم الوفادة وأُنس اللقاء، كان لي معهما أن تلطَّف جلالته فدعاني (أميرة الصحراء)... حتى شددنا الرحال إلى المدينة المنورة، فما حوَّمت طائرتنا فوق أرضها الطيبة، حتى اشرأبت لها أرواحنا الظامئة وقلوبنا المشتاقة، وانجابت عن أفقنا الظلال والغيوم ونحن نستقبل مثوى الحبيب، ونطوف بالربوع العاطرة بأنفاسه، ونسير حيث سارت خطاه».

شهدت عائشة عبد الرحمن موسم الحج مع مليون و50 ألف حاج (واس)

دار الهجرة ولقاء التاريخ

وتحكي الدكتورة عائشة عبد الرحمن قصة زيارتها مدينة النبي الكريم (صلى الله عليه وسلم)، وكيف كان وجيب قلبها وهي تقترب من دار الهجرة، وتقول: «الطريق الوعر يتراءى لنا من نوافذ الطائرة، بكل مخاطره ومفاوزه والتاريخ معنا، يتتبع خطوات المهاجر حتى يثرب، واصلاً إليها من قباء... وفي أهل المدينة، آنسنا ملامح أجدادهم الأنصار من أوس وخزرج، يوم احتشدوا هناك لاستقبال نبيهم المهاجر، عليه الصلاة والسلام، وفي أصواتهم إذ يرحّبون بضيوف الحِمى من حجاج الموسم، رَجْعُ هتاف الأنصار يوم الوصول».

وتواصل الأديبة وصف مدى الدهشة التي انتابتها في أثناء وقوفها أمام أبواب المسجد قائلة: «المسجد النبوي يأخذ القلوب والأبصار بجلاله وعظمته، وسعة رحابه وفخامة مبناه، الأجيال من أمة محمد، أغدقت عليه من حبها ما لم يحظَ بمثله مثوى بشر، وبذلت له من فنّها ومالها، في أريحية وسخاء، وتبقى روح المكان في أنقى أصالتها وعراقتها، كأن لم تمسسه يد بالتغيير منذ شهد التاريخ بناء هذا المسجد في الأيام الأولى بعد الهجرة».

وفي ختام مؤلفها تودِّع بنت الشاطئ قارئ مذكراتها وذكرياتها بنفس الروح التي خالجتها وهي تُلوّح لأرض الجزيرة العربية، وعنها تقول: «وعُدنا إلى مصر نحمل أجمل ذكرى لأطيب رحلة وأكرم ضيافة، ومضت الأيام ومشاهد الجزيرة تتراءى لي على البعد والقرب، فتغريني بأن أحدِّث قومي عن أرض المعجزات التي ينتمون إليها عقيدةً ولساناً، ويستقبلون المسجد الحرام فيها، حيثما كانوا، وسلام عليها داراً وأهلاً».


مقالات ذات صلة

«ميناء جدة الإسلامي» ينشئ منطقة لتفويج 40 ألف شاحنة يومياً

الاقتصاد تعتمد المنطقة على نموذج تشغيلي متكامل قائم على الجدولة المسبقة وإدارة تدفق الشاحنات وفق مسارات محددة (موانئ)

«ميناء جدة الإسلامي» ينشئ منطقة لتفويج 40 ألف شاحنة يومياً

أعلنت السعودية إنشاء منطقة تفويج الشاحنات بميناء جدة الإسلامي، على مساحة مليون متر مربع، وبطاقة استيعابية تصل إلى 40 ألف شاحنة يومياً.

«الشرق الأوسط» (جدة)
الخليج الأمير فيصل بن فرحان خلال استقباله كايا كالاس في الرياض (واس)

مباحثات سعودية إقليمية ودولية ترحب بجهود تحقيق الأمن والاستقرار

ناقش الأمير فيصل بن فرحان وزير الخارجية السعودي وكايا كالاس الممثلة العليا للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية، الأربعاء، مستجدات الأوضاع في المنطقة.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
يوميات الشرق يُعدّ مجمّع استوديوهات العلا مركزاً إقليمياً لقطاع الإنتاج السينمائي والتلفزيوني (واس)

العلا ضمن القائمة النهائية لجوائز الإنتاج العالمية 2026

أُدرجت محافظة العلا السعودية ضمن القائمة النهائية للمرشحين لجوائز الإنتاج العالمية 2026 في فئة «مدينة الأفلام 2026»، التي تنظمها مجلة «سكرين إنترناشونال».

«الشرق الأوسط» (العلا)
الخليج ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان لدى لقائه رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر في جدة (واس)

ولي العهد السعودي يلتقي رئيس الوزراء البريطاني في جدة

التقى الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء السعودي، في جدة، مساء الأربعاء، رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر.

«الشرق الأوسط» (جدة)
الخليج عبد الرحمن الرسي خلال تسلمه الرسالة من السفير خابيير ماريا في الرياض (الخارجية السعودية)

وزير الخارجية السعودي يتلقى رسالة من نظيره الإسباني

تلقى الأمير فيصل بن فرحان وزير الخارجية السعودي، الأربعاء، رسالة خطية من نظيره الإسباني، خوسيه مانويل ألباريس، تتصل بالعلاقات الثنائية بين البلدين، وسبل تعزيزها

«الشرق الأوسط» (الرياض)

العلا ضمن القائمة النهائية لجوائز الإنتاج العالمية 2026

يُعدّ مجمّع استوديوهات العلا مركزاً إقليمياً لقطاع الإنتاج السينمائي والتلفزيوني (واس)
يُعدّ مجمّع استوديوهات العلا مركزاً إقليمياً لقطاع الإنتاج السينمائي والتلفزيوني (واس)
TT

العلا ضمن القائمة النهائية لجوائز الإنتاج العالمية 2026

يُعدّ مجمّع استوديوهات العلا مركزاً إقليمياً لقطاع الإنتاج السينمائي والتلفزيوني (واس)
يُعدّ مجمّع استوديوهات العلا مركزاً إقليمياً لقطاع الإنتاج السينمائي والتلفزيوني (واس)

أُدرجت محافظة العلا (شمال غربي السعودية) ضمن القائمة النهائية للمرشحين لجوائز الإنتاج العالمية 2026 في فئة «مدينة الأفلام 2026»، التي تنظمها مجلة «سكرين إنترناشونال» المتخصصة في صناعة السينما، بالتزامن مع مهرجان كان السينمائي، في خطوة تعكس تصاعد حضور العلا على خريطة الإنتاج السينمائي العالمية.

وتُعنى هذه الجوائز المهنية البارزة دولياً بتكريم التميز في مواقع التصوير والبنية التحتية للإنتاج والمدن السينمائية، بمشاركة نخبة من خبراء صناعة الأفلام حول العالم، ما يمنحها مكانة معتبرة داخل القطاع السينمائي عالمياً.

ويُعزِّز وصول العلا إلى القائمة النهائية مكانتها بوصفها وجهةً جاذبةً لصنّاع الأفلام، في ظل ما تمتلكه من مقومات طبيعية فريدة وتنوّع جغرافي، أسهم في تحويلها إلى موقع تصوير مفتوح يستقطب شركات الإنتاج من مختلف أنحاء العالم.

مقومات طبيعية فريدة وتنوّع جغرافي أسهما في تحويل العلا إلى موقع تصوير مفتوح (واس)

وشهدت العلا خلال الأعوام الماضية نشاطاً متصاعداً في قطاع الإنتاج السينمائي، حيث استضافت تصوير عدة أعمال سعودية ودولية في مجالات الأفلام والبرامج والإنتاجات المرئية، مستفيدةً من بيئتها المتنوعة وتضاريسها الاستثنائية.

وتضم مبادرة «فيلم العلا»، التابعة للهيئة الملكية لمحافظة العلا، مجمّع استوديوهات متكامل، يُعد مركزاً إقليمياً لقطاع الإنتاج السينمائي والتلفزيوني، ويقدم خدمات متقدمة تدعم مختلف مراحل الإنتاج.

العلا عزَّزت مكانتها وجهةً جاذبةً لصنّاع الأفلام من مختلف أنحاء العالم (واس)

ويأتي ذلك ضمن استراتيجية الهيئة الهادفة إلى تعزيز حضور العلا على خريطة الإنتاجات العالمية، وإتاحة الفرصة لصُنَّاع الأفلام لاكتشاف مواقع تصوير فريدة تجمع بين الطبيعة الخلابة والإرث التاريخي العريق.


المصريون يترقبون «فسحة الساعتين» في فتح المحال

سيتم تمديد مواعيد عمل المحلات لمدة ساعتين (محافظة القاهرة)
سيتم تمديد مواعيد عمل المحلات لمدة ساعتين (محافظة القاهرة)
TT

المصريون يترقبون «فسحة الساعتين» في فتح المحال

سيتم تمديد مواعيد عمل المحلات لمدة ساعتين (محافظة القاهرة)
سيتم تمديد مواعيد عمل المحلات لمدة ساعتين (محافظة القاهرة)

يبدي مينا فريد (مهندس مصري) سعادته، لأنه سيتمكن من الالتقاء بأصدقائه على المقهى، مساء الأحد المقبل، الذي يصادف عيد القيامة للمسيحيين الشرقيين، وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «لقاء الأصدقاء على المقهى عادة يحرص عليها منذ سنوات، لكنه كان يخشى أن يؤدي تبكير مواعيد الإغلاق لحرمانه منها على غرار ما حدث وقت جائحة كورونا».

وقررت الحكومة المصرية تعديل مواعيد غلق المحال التجارية، والمطاعم، ومراكز التسوق، والمولات، وغيرها بتمديد عملها لمدة ساعتين لتغلق عند 11 مساء بدلاً من التاسعة اعتباراً من الجمعة إلى الاثنين بمناسبة أعياد المسيحيين.

وسيكون لدى المواطنين «فسحة ساعتين» خلال هذه الأيام التي يحصل المسيحيون المصريون فيها على إجازات رسمية، بينما يستغلها آخرون للسفر، وتزداد فيها نسبة الإشغالات بالمناطق السياحية.

ويحتفل المصريون بعيد الربيع «شم النسيم» يوم الاثنين الذي سيشهد آخر أيام الاستثناءات، على أن تعاود المحلات الإغلاق في التاسعة مساء اعتباراً من الثلاثاء ضمن خطة ترشيد الطاقة التي تطبقها الحكومة منذ 28 مارس (آذار) الماضي، وتشمل الإغلاق المبكر للمحلات، وترشيد الإضاءات الليلية على خلفية تداعيات الحرب الإيرانية، وهي الإجراءات التي يفترض أن تستمر حتى نهاية الشهر الجاري ما لم يتخذ قرار بتمديدها.

شوارع وسط القاهرة (أ.ف.ب)

موقف مينا لا يختلف كثيراً عن حمادة عبد الحميد الشاب الجامعي الذي اتفق مع أصدقائه على الذهاب للسينما مساء الاثنين المقبل في حفلة التاسعة، ويقول لـ«الشرق الأوسط» إنهم اعتادوا على دخول حفلات منتصف الليل في «شم النسيم»، لكن هذه المرة سيذهبون مبكراً، لعلمهم بعدم وجود حفلات لمنتصف الليل هذا العام.

ورغم ما تبديه عضو مجلس النواب (البرلمان) إيرين سعيد من ارتياح للقرار الحكومي بالاستثناء نظراً لاحتفالات العيد، والتي تشهد كثافة ورواجاً في الشارع المصري، فإنها كانت تأمل تمديد الوقت أكثر من ساعتين لبعض الأنشطة الترفيهية بشكل خاص باعتبار أنها تكون الأكثر إقبالاً.

الإغلاق المبكر أثر على دور العرض (أ.ف.ب)

وقالت لـ«الشرق الأوسط»: «القرار الحكومي يعكس تفهماً لطبيعة احتفالات الأعياد، والتي لا تخص المسيحيين فقط، ولكن جميع المواطنين الذين يحتفلون بأعياد الربيع في اليوم التالي لعيد القيامة»، مؤكدة أن «هذه الفترة تشهد رواجاً اقتصادياً بعمليات البيع والشراء، الأمر الذي ربما يعوض جزءاً من الخسائر التي حدثت في الفترة الماضية».

وأكدت أن هذه الاستثناءات جاءت باعتبار أنها إجراء طبيعي يتسق مع مبادئ المواطنة، وتفهم حكومي لأهمية هذا الإجراء، وبتوقيت يأمل فيه المواطنون قضاء أوقات هادئة بلا قرارات جديدة في الزيادات بعد الضغوط التي حدثت في الأسابيع الأخيرة نتيجة تداعيات الحرب.

مظاهر الإغلاق المبكر بادية على بعض الشوارع (أ.ف.ب)

وأقرت الحكومة المصرية الاثنين المقبل إجازة رسمية بمناسبة عيد الربيع للقطاعين العام والخاص، وتعد هذه الإجازة من المناسبات التي استثنتها الحكومة من قرار سابق بترحيل الإجازات الرسمية لتكون يوم الخميس إذا ما صادفت أياً من أيام منتصف الأسبوع.

سائحون في شوارع القاهرة (أ.ف.ب)

ويشير عضو الجمعية المصرية للاقتصاد السياسي والتشريعي، محمد أنيس إلى أن أي تمديد في مواعيد غلق المحلات يؤدي لتحقيق رواج أكبر بحركة البيع والشراء لأسباب عدة في مقدمتها أن الأوقات المسائية تعد الأكثر إقبالاً، لافتاً إلى أن التمديد بالتزامن مع فترة الأعياد والإجازات يدعم هذا التوجه الذي يحمل مردوداً اجتماعياً أكبر بكثير من المردود الاقتصادي.

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «وجود عطلات خلال فترة التمديد ستساهم في إحداث رواج بالفعل، لكن تأثيره الإيجابي من المنظور الاقتصادي سيظل محدوداً بشكل كبير، خصوصاً على الأنشطة التي تعتمد على العمل الليلي بشكل رئيس».


«الجينوم المصري» يحدد معدلات الطفرات المسببة لـ13 مرضاً بالبلاد

نتائج الدراسة كشفت عن وجود تقارب جيني واضح مع سكان المنطقة العربية (تصوير: عبد الفتاح فرج)
نتائج الدراسة كشفت عن وجود تقارب جيني واضح مع سكان المنطقة العربية (تصوير: عبد الفتاح فرج)
TT

«الجينوم المصري» يحدد معدلات الطفرات المسببة لـ13 مرضاً بالبلاد

نتائج الدراسة كشفت عن وجود تقارب جيني واضح مع سكان المنطقة العربية (تصوير: عبد الفتاح فرج)
نتائج الدراسة كشفت عن وجود تقارب جيني واضح مع سكان المنطقة العربية (تصوير: عبد الفتاح فرج)

أعلن وزير التعليم العالي والبحث العلمي المصري، الدكتور عبد العزيز قنصوة، عن نتائج أضخم دراسة للتسلسل الجيني الكامل ضمن مشروع «الجينوم المرجعي للمصريين وقدماء المصريين»، تضمنت 1024 مواطناً مصرياً يمثلون 21 محافظة.

وأضاف قنصوة في بيان الثلاثاء أن هذه النتائج نجحت في رصد قرابة 17 مليون تباين جيني فريد لم تكن مسجلة في قواعد البيانات العالمية من قبل، مما يمنح الدولة المصرية لأول مرة «مرجعية جينية وطنية» تنهي عقوداً من غياب التمثيل الجيني المصري في الأبحاث الدولية.

وكشفت الدراسة عن وجود مكون جيني مميز للمصريين بنسبة 18.5 في المائة، وهو ما يساعد المتخصصين على فهم الطبيعة الوراثية للشعب المصري، كما يوضح لغير المتخصصين سبب اختلاف استجابة أجسادنا للأمراض أو الأدوية عن الشعوب الأخرى، مما يمهد الطريق لعصر «الطب الشخصي» الذي يصمم العلاج وفقاً للشفرة الوراثية لكل مواطن.

الطب الشخصي

وفتحت نتائج الثورة العلمية التي حدثت في علوم البيولوجيا منتصف القرن الماضي، الباب واسعاً للولوج إلى عصر آخر جديد يعتمد على تشخيص المرض ووصف العلاج المناسب، وفق التركيب الجيني للإنسان، لتتحول استراتيجيات التشخيص الطبي وإنتاج الدواء في العالم من إنتاج دواء واحد يناسب الجميع، إلى دواء يتناسب مع الظروف الصحية لكل شخص على حدة، وهو ما يعرف علمياً بعصر «الطب الدقيق» أو «الطب الشخصي».

رصدت النتائج قرابة 17 مليون تباين جيني فريد (بكسباي)

وقال الدكتور خالد عامر، الباحث الرئيسي للمشروع، إن هذه الدراسة تمثل نقطة تحول تنهي تهميش البصمة الجينية المصرية عالمياً، وتضع بين أيدينا المرجع الوطني الذي سيعيد رسم خريطة الطب الوقائي في مصر وفق أسس علمية دقيقة تضمن دقة الفحص والتشخيص.

وأضاف في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن الدراسة حددت معدلات انتشار الطفرات المسببة لـ13 مرضاً وراثياً، وفي مقدمتها «حمى البحر الأبيض المتوسط العائلية»، حيث يحمل طفرة المرض 1 من كل 11 مصرياً.

وأوضح عامر أن الدراسة المنشورة بصفتها نسخة أولية على منصة «بايو أركييف» (bioRxiv)، أكدت على أن الاعتماد الكلي على المقاييس الأوروبية في التنبؤ بالأمراض قد يؤدي إلى نتائج غير دقيقة للمصريين في أمراض، مثل: السكتة الدماغية، والكلى، مشدداً على أهمية «المعايرة الوطنية» لنماذج المخاطر الجينية العالمية.

من جانبه، أكد الدكتور أحمد مصطفى، رئيس قسم المعلوماتية الحيوية بالمركز وأستاذ علوم بيانات الجينوم بالجامعة الأميركية بالقاهرة، أن الفريق البحثي أثبت عملياً أن المعايير العالمية في هذا المجال لا تكفي وحدها لضمان الدقة الطبية، مشدداً على ضرورة وجود البصمة الجينية المصرية داخل قواعد البيانات لضمان دقة الفحوصات وتعزيز الصحة العامة للمصريين.

نتائج واعدة حققها مشروع «الجينوم المصري» (تصوير: عبد الفتاح فرج)

وأوضح أن النتائج كشفت عن وجود تقارب جيني واضح مع سكان منطقة الشرق الأوسط بنسبة 71.8 في المائة، خصوصاً المجموعات الجينية للبدو واليمنيين والسعوديين، مشدداً على أن هذه النتيجة تعني أن من بين المجموعات السكانية المتاحة في قواعد البيانات الجينية الدولية، يعتبر المصريون أقرب جينياً للبدو (منطقة النقب في فلسطين) واليمنيين والسعوديين.

واستطرد بقوله إنه من الضروري فهم أن قواعد البيانات الحالية فيها تمثيل محدود لشعوب منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وعليه فالمقارنة الآن على قدر البيانات المتاحة، وبالتالي فإن هذه النتائج قابلة للتعديل في ضوء نتائج الدراسات المقبلة، موضحاً أن هذا مجرد توصيف علمي مرجعي، ولا يعكس وصفاً لطبيعة حياة أو ثقافة متفردة من أي نوع.

وكانت عمليات التسلسل والتحليلات الجينية قد تمت بإشراف وتنفيذ عقول مصرية من كبار العلماء وشباب الباحثين داخل مركز البحوث والطب التجديدي التابع للقوات المسلحة وهو الجهة المنفذة للمشروع الذي يعد مبادرة رئاسية من الرئيس عبد الفتاح السيسي، وبتمويل كامل من وزارة التعليم العالي والبحث العلمي ممثلة في أكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا ويشارك فيها عدد كبير من الجامعات المصرية والمراكز البحثية ومنظمات المجتمع المدني بالإضافة لوزارات الصحة والسكان، والسياحة والآثار والشباب والرياضة.