الجماعات الفنية بالخليج... أهميتها وريادتها في ملتقى بحي جميل في جدة

بحث حول جماعة أصدقاء الفن التشكيلي يضئ جوانب من تاريخ الرواد

فنانات من جماعة أصدقاء الفن التشكيلي يتحدثن عن الرحلة والمصاعب (الشرق الأوسط)
فنانات من جماعة أصدقاء الفن التشكيلي يتحدثن عن الرحلة والمصاعب (الشرق الأوسط)
TT

الجماعات الفنية بالخليج... أهميتها وريادتها في ملتقى بحي جميل في جدة

فنانات من جماعة أصدقاء الفن التشكيلي يتحدثن عن الرحلة والمصاعب (الشرق الأوسط)
فنانات من جماعة أصدقاء الفن التشكيلي يتحدثن عن الرحلة والمصاعب (الشرق الأوسط)

بالرجوع للخلف نستطيع رؤية الحاضر والمستقبل على نحو أفضل، وهو ما تحقق في سمبوزيوم «الفن الحديث في الخليج»، الذي أقامته مؤسسة «فن جميل» في مقرها «حي جميل» بمدينة جدة الأسبوع الماضي.

قد لا نتخيل الآن، ونحن نعيش في عصر يشهد اهتماماً كبيراً ودعماً لا متناهٍ للفنون والثقافة ما مر به رواد الفنون في منطقة الخليج، والجهود التي بذلها فنانون وفنانات من أجل نشر أعمالهم والترويج للحركة الفنية في بلدانهم في الداخل والخارج، ومن هنا تأتي أهمية كتابة وتسجيل تاريخ الحركات الفنية في الخليج.

أعضاء جماعة أصدقاء الفن التشكيلي في صورة جماعية أثناء ملتقى «الفن الحديث في الخليج» بجدة (آرت جميل - تصوير: إي باج)

اعتمد السمبوزيوم على أول مخرجات منحة جميل الافتتاحية للأبحاث، التي تحمل عنوان «رسم المعالم الفنية للمملكة العربية السعودية 1940 - 2000»، وعلى البحث الذي أجرته الباحثة غدير صادق عن الموضوع بوصفها أول فائزة بالمنحة. على مدى يومين استعرضت غدير صادق مع جمع من المهتمين بالفن في المملكة نتائج بحثها ولقاءات أجرتها مع عدد من الفنانين في منطقة الخليج العربي، وقدمت في الجلسة الأولى المعنونة «جولة في مسارات الذاكرة: قصص أصدقاء الفن التشكيلي» ملخصاً لبحثها وأهم النتائج التي خرجت بها، وكأنها تأخذ بيد الحضور للانطلاق في رحلة استكشافية داخل المشهد التشكيلي خلال فترة الثمانينات والتسعينات، حيث سردت مقاطع من مجهودات الفنانين في منطقة الخليج العربي لتكوين كيانات متحدة تدعم أعضاءها، وتروج للفن في المنطقة. كان من المدهش مشاركة عدد من رواد الفن الخليجي والسعودي في الندوات، وجاءت مداخلاتهم لتلقي الضوء على فترات البداية في المشهد الفني والصعوبات التي واجهت كل مشتغل بالفن في تلك الفترة.

جولة في مسارات الذاكرة

في تقديمها لأولى جلسات الملتقى تحدثت غدير صادق حول أهم النقاط في بحثها الذي اختارت أن يكون عن جماعة «أصدقاء الفن التشكيلي»، التي تكونت في الثمانينات برئاسة الفنان الكويتي عبد الرسول سلمان والفنان القطري يوسف أحمد وكانا حاضرين في الجلسة لجانب بعض أعضاء الجماعة والفنانين، ومنهم نبيل نجدي وفهد الربيق من السعودية والفنانات ثريا البقصمي من الكويت ود. نجاة مكي من الإمارات وبلقيس فخرو من البحرين.

د. نجاة مكي وثريا البقصمي وبلقيس فخرو مع الناقدة السعودية د. عفت فدعق في جلسة من الملتقى (آرت جميل - تصوير: إي باج)

لم تختر الباحثة جماعة أصدقاء الفن التشكيلي بحسبها الأولى أو الوحيدة بين الجماعات الفنية في الخليج، ولكن بحكمها الأطول عمراً (10 سنوات)، ولهذا حرصت خلال تقديمها للمنتدى إلى الإشارة إلى الجماعات السابقة والمعاصرة لجماعة أصدقاء الفن التشكيلي، وإن كانت هذه النقطة تحديداً أثارت جدلاً، بسبب وجود جماعات أخرى ترى أنها أيضاً مستمرة في عملها مثل جماعة «فناني المدينة المنورة».

التفاصيل كثيرة والنقاط الأساسية والجانبية تحولت إلى فواصل للنقاش والجدل، وهو ما حدث خلال اليومين، وفتحت مداخلات الفنانين من السعودية والخليج، وحتى بعض الاختلافات بينهم على التفاصيل، نوافذ على مناخ فني طموح ودؤوب.

ولكن للوقوف على ما لاحظته، وسجلته الباحثة خلال أشهر من القراءة والتسجيل والمقابلات، كان لا بدَّ من التحدث معها، واستخلاص أهم النقاط في البحث المهم والممتع في الوقت نفسه.

أصدقاء الفن التشكيلي

في بداية الحديث تشير غدير صادق إلى أنها اختارت الكتابة عن جماعة «أصدقاء الفن التشكيلي» بوصفهم «مزيجاً من الفنانين من المملكة والخليج». وتشير إلى أن الجماعة لم تنل القدر الكافي من الدعاية، رغم استمرارها لمدة 10 سنوات، وهي فترة طويلة ومستمرة تميزت بالجهد الجماعي من الأعضاء لعرض أعمالها في الخليج وخارجه، وأيضاً بمساهمات الأعضاء بالمال والجهد لدعم وجود الجماعة. وجدت الباحثة في ذلك التفاني من قبل أعضاء الجماعة حافزاً لإلقاء الضوء عليهم، وعلى أنشطتهم «كنت مبهورة برحلتهم وبإصرارهم على الاستمرار». وتستكمل: «اختيار أصدقاء الفن التشكيلي بالنسبة إلى كموضوع بحث كان مهماً في أنه يعكس جانباً من تاريخ التجمعات الفنية في المملكة وبالخليج، وأيضاً بالنظر لأهمية الشخصيات المشاركة، فقد كان كل منهم رائداً في المجال مثل الفنان السعودي محمد السليم صاحب مذهب الآفاقية والفنانة الراحلة منيرة موصلي والرواد فؤاد طه مغربل ونبيل نجدي وعبد الرحمن السليمان وطه الحجيلان، رأيت أن الجماعة تجمع الخليج والمملكة، ولهذا اخترت أن تكون أصدقاء الفن التشكيلي هي محور بحثي».

الفنانة الكويتية ثريا البقصمي وذكريات من أول معرض للجماعة في الشارقة (صفحتها على «إنستغرام»)

ورغم نشاط الجماعة في وقتها فإن الباحثة لم تجد المعلومات الكافية، ولا سيما بالنسبة إلى التغطيات الصحافية «لم أجد سوى ست مقالات صحافية على الإنترنت، وكانت وصفية وخبرية لم يكن بها عمق أو تحليلات، ولهذا قررت استكمال البحث ميدانياً فسافرت لمقابلة بعض أعضاء الجماعة في الكويت وقطر والإمارات. وهناك اطلعت على أرشيفاتهم الخاصة، وكان بها مقالات عنهم بالعربية كتبت في أثناء مشاركتهم في عروض خارج بلدانهم، فعلى سبيل المثال رصدت كتابات نقاد مصريين وتونسيين وغيرهم. تلك الرحلات والمعارض شكلت جانباً مهماً من عمل الجماعة في التبادل الفني والتحاور مع الفنانين من مختلف البلدان».

تضيف الباحثة: «من خلال الأنشطة والمعارض الخارجية قدم أعضاء الجماعة خدمة كبيرة للثقافة الخليجية، أولاً عبر كسر الصورة النمطية تجاه دول الخليج أنها دول نفطية حديثة من دون ثقافة، والخدمة الثانية كانت الترويج للثقافة والفن في الخليج».

الحديث عن الجماعة وما حققه هؤلاء الفنانون يدعونا للتساؤل عن السبب الأول الذي دعاهم للتجمع والتضحيات بالمال والجهد والوقت الشخصي للترويج لأعمالهم، تقول الباحثة إنها خلصت لنتيجة أن ذلك حدث بسبب ركود الحالة الفنية في ذلك الوقت «كانت الحركة بطيئة، لم تكن هناك معارض أو نشاطات أو تجمعات للفنانين، وهو ما دفعهم لمحاولة كسر الجمود ومحاولة تنشيط الجو الفني».

يعرج البحث للحديث عن الجهود الرسمية في الخليج لرعاية الفنون، وتعلق الباحثة أن الجهود كانت موجودة، ولكنها لم تكن كافية لطموحات الفنانين في تلك المرحلة «من هنا أحس الفنانون أن من واجبهم التعاون لدعم حركتهم الناشئة».

الفنان عبد الرحمن السليمان من أعضاء جماعة أصدقاء الفن التشكيلي في صورة من أرشيفه (الفنان)

الناظر لجيل الفنانين الرواد في السعودية ودول الخليج يعرف أن كثيراً منهم ابتعثته بلاده للدراسة في الخارج مثل الفنان محمد السليم، الذي سافر لدراسة الفن في إيطاليا والفنانة الكويتية ثريا البقصمي إلى روسيا، كما درست الفنانة السعودية منيرة موصلي في القاهرة، وعبد الرسول سلمان درس النقد الفني في مصر. من الدعم الرسمي الذي حصلت عليه الجماعة أيضاً كان ما قدمته السفارات الرسمية لدول الخليج أو مؤسسات وطنية مثل الخطوط الجوية السعودية والقطرية وغيرها. تسجل الباحثة تلك النفحات وأيضاً الدعم المتفرق الذي كانت الجماعة تجده عند عروضها خارج المنطقة، فعلى سبيل المثال تكفل السفير السعودي في واشنطن بتغطية تكاليف رحلة الفنانين المشاركين في أول معرض لهم بأميركا كما وثقت الدعم المعنوي في قيام كبار المسؤولين والسفراء بحضور معارضهم.

تحديات وتضحيات

ناقشت الباحثة أيضاً غياب البنية التحية كأحد العناصر المهمة في تشكيل الحركة الفنية في الخليج واتجاه الفنانين للمجهودات الخاصة، وهنا أسأل إن كان إيجاد الدعم المالي هدفاً رئيسياً لأعضاء الجماعة والدافع وراء تكوينها، وتجيب: «في اعتقادي تحصيل الدعم المادي كان من أبرز التحديات التي واجهوها. وعند تأسيس الجماعة كان من ضمن شروط الانضمام دفع مبلغ شهري (نحو 1000 ريال) سنوياً، وهو التمويل الأساسي لنشاطات الجماعة، إضافة إلى تخصيص صفحات في المجلة الخاصة بالجمعية للإعلانات ضمن محاولات التمويل الذاتي، عند سفرهم كانوا يتواصلون مع الخطوط الجوية للحصول على دعم مثل التذاكر أو نفقات الشحن، ولم يكن الأمر سهلاً».

الفنانات... وجهة نظر أخرى

عند الحديث عن المجهودات الشخصية والتضحيات التي قدمها أعضاء جماعة أصدقاء الفن التشكيلي يتجه التفكير إلى الفنانات على نحو خاص، فهن دخلن المجال في وقت كانت مشاركة المرأة فيه محفوفة بالمصاعب، سواء من الناحية الاجتماعية أو من الناحية الشخصية. تتعرض غدير صادق في بحثها لذلك الجانب، وتتحدث عن تجارب الفنانات ثريا البقصمي ود. نجاة مكي وبلقيس فخرو. من المصاعب التي واجهتها الفنانات كان السفر للمشاركة في المعارض العالمية، وهو أمر لم يكن مقبولاً في تلك الفترة، خاصة السفر بصحبة رجال من غير المحارم، وهو أمر أشارت إليه الفنانة ثريا البقصمي خلال مشاركتها في الندوة، وتحدثت أيضاً الفنانات بلقيس فخرو ود. وفاء مكي عن محاولة الموازنة بين الحياة العائلية وتربية الأطفال مع ممارسة العمل الفني والمشاركة في نشاطات الجماعة.

عمل للفنانة الإماراتية د.نجاة مكي (إنستغرام)

خلال ندوة اليوم الثاني «ماذا يعني أن تكوني فنانة في ثمانينات القرن الماضي» تحدثت د. نجاة مكي وبلقيس فخرو وثريا البقصمي مع الناقدة د. عفت فدعق عن التحديات الشخصية والعوائق التي واجهناها في عملهن. عبر أحاديث من القلب وفخر واعتزاز بمسيرتهن قدمت لنا كوكبة الفنانات المشاركات صورة لرحلة كفاح وإنجازات كبيرة قدمتها كل فنانة منهن. علقت الفنانة ثريا البقصمي بالقول: «كان الأمر صعباً بالنظر إلى ظروفي العائلية، ولكن العمل مع مجموعة متجانسة ومتفاهمة يعطي إحساساً جميلاً، ويخلق روح منافسة على نحو طبيعي»، أما الفنانة بلقيس فخرو فقالت: «تعرفت إلى الجماعة، وعرضوا علي أن أنضم لهم، وأعجبتني الفكرة ورمقت الطموح والمغامرة وحب الانتشار، كنت سعيدة بالانضمام. كنت في الثلاثينات من عمري ومتزوجة ولدي أطفال في سن المدرسة، وهو ما هيأ لي سويعات في اليوم للرسم، ولهذا كان الموضوع مناسباً جداً لي». بالنسبة إلى الدكتورة نجاة، فقد كانت هناك تحديات كبيرة لخصتها في «الأعراف» وقالت إنها قامت بمجهودات كبيرة لإقناع أهلها للدراسة في كلية الفنون.

مع محاولة الموازنة بين الواجبات العائلية والمتطلبات الوظيفة مع العمل الفني وجدت الفنانات دعماً من العائلة، وأيضاً من أعضاء الجماعة من الرجال، وهو ما أكدته الفنانات خلال الندوة، ودونته الباحثة غدير صادق في بحثها.

في النهاية يجب القول إنَّ البحث الذي يُعرض جانب منه في مكتبة حي جميل به الكثير من التفاصيل والمعلومات المهمة التي تسجل جانباً من تاريخ الفن في منطقة الخليج والسعودية، ويضم ثروة من المعلومات حول قامات فنية شكلت أساس المشهد الفني الحالي.



مصر: فتح مقبرتين للمرة الأولى أمام الزوار بالأقصر

مسؤولون مصريون خلال زيارة المقابر التي سوف يتم فتحها للجمهور قريباً (وزارة السياحة والآثار المصرية)
مسؤولون مصريون خلال زيارة المقابر التي سوف يتم فتحها للجمهور قريباً (وزارة السياحة والآثار المصرية)
TT

مصر: فتح مقبرتين للمرة الأولى أمام الزوار بالأقصر

مسؤولون مصريون خلال زيارة المقابر التي سوف يتم فتحها للجمهور قريباً (وزارة السياحة والآثار المصرية)
مسؤولون مصريون خلال زيارة المقابر التي سوف يتم فتحها للجمهور قريباً (وزارة السياحة والآثار المصرية)

تستعد وزارة السياحة والآثار المصرية لفتح مقبرتين أثريتين «TT416»، و«TT417» للمرة الأولى أمام الزوار خلال الفترة المقبلة، وذلك بعد تنفيذ الوزارة مشروع ترميم وتطوير هاتين المقبرتين، بالإضافة إلى مقبرة ثالثة مفتوحة بالفعل بمنطقة الخوخة بالبر الغربي في الأقصر.

وتعود مقبرة أمنحتب المدعو رابويا (الأب) رقم (TT416)، حارس بوابة آمون بالكرنك، إلى عصر الملك تحتمس الثالث، كما تعود مقبرة ساموت (الابن) رقم (TT417) إلى عصر الملك تحتمس الرابع، أما المقبرة الثالثة (TT52) المفتوحة بالفعل أمام الزائرين فتعود إلى عصر تحتمس الرابع.

ويأتي مشروع الترميم في إطار «استراتيجية الوزارة للحفاظ على التراث المصري القديم وإتاحته للزائرين بصورة تليق بقيمته التاريخية»، وفق شريف فتحي، وزير السياحة والآثار المصري الذي أضاف في بيان صحافي الأحد، أن «أعمال الترميم لا تقتصر على صون العناصر الأثرية فحسب، بل تمتد لتشمل تحسين تجربة الزائر من خلال تطوير الخدمات والبنية التحتية، بما يعزز من مكانة مصر بصفتها وجهة سياحية عالمية للسياحة الثقافية».

جانب من الزخارف الأثرية بعد ترميمها بأحد مقابر الأقصر (وزارة السياحة والآثار المصرية)

ووفق الدكتور هشام الليثي، الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار، فإن «أعمال الترميم تمت وفق أحدث الأساليب العلمية، وبمشاركة فرق متخصصة من المرممين»، مؤكداً أن «المشروع يهدف إلى تحقيق التوازن بين الحفاظ على أصالة المقابر وحمايتها من عوامل التلف، وبين إتاحتها للزيارة بشكل آمن ومنظم».

وأشار إلى أن «المقابر الثلاث تمثل نماذج متميزة لفن وتصوير الحياة اليومية والعقائد الجنائزية خلال عصر الدولة الحديثة، وتُعد من الإضافات المهمة لخريطة الزيارة السياحية بالبر الغربي في الأقصر».

وتضمنت أعمال ترميم المقبرتين «TT416»، و«TT417»، المقرر افتتاحهما لأول مرة منذ اكتشافهما عام 2015، تنفيذ برنامج متكامل شمل الترميم الدقيق للمناظر الجدارية، وأعمال الترميم المعماري للجدران، إلى جانب إزالة الرديم، والتنظيف الميكانيكي، ومعالجة الشقوق، وتقوية الألوان وصيانتها.

كما شملت الأعمال تطوير البنية التحتية للزيارة، من خلال إنشاء أرضيات خشبية، وتركيب نظام إضاءة حديث، وتمهيد الفناء الخارجي، وإنشاء سلالم حجرية لتسهيل حركة الزائرين، بالإضافة إلى تزويد المنطقة بلوحات إرشادية وتعريفية، ومظلات خشبية ومقاعد لراحة الزائرين، فضلاً عن إعداد مادة تعريفية وكتيب إرشادي باللغتين العربية والإنجليزية.

فتح مقابر للزيارة يأتي ضمن مشروع سياحي طموح (وزارة السياحة والآثار المصرية)

وتتميز المقبرتان بتخطيطهما المعماري على شكل حرف (T)، وهو النمط السائد في مقابر الأسرة الثامنة عشرة، حيث تضم كل منهما صالة عرضية مزخرفة بمناظر الحياة اليومية، وصالة طولية تتضمن مناظر جنائزية. كما أعيد استخدام المقبرتين خلال العصر المتأخر، ما أضاف إليهما عناصر معمارية جديدة، مثل الغرف والآبار الجنائزية، وفق محمد عبد البديع، رئيس قطاع الآثار المصرية بالمجلس الأعلى للآثار.

وأضاف عبد البديع أن «مقبرة (رابويا) تزخر بمناظر زراعية وطقوس جنائزية مميزة، من بينها مشهد نادر لتقديم القرابين للإلهة رننوتت، بينما تحتوي مقبرة ساموت، رغم عدم اكتمالها، على زخارف فنية عالية الجودة».

أما مقبرة نخت (TT52)، (كاتب المخازن من عهد الملك تحتمس الرابع)، التي تُعد مفتوحة للزيارة، فقد شملت أعمال التطوير بها إحلال وتجديد نظام حماية المناظر والنقوش الجدارية، حيث تم استبدال الزجاج القديم الذي كان يحيط بها منذ تسعينات القرن الماضي بواسطة زجاج حديث يضمن الحفاظ على النقوش مع تحسين التهوية الداخلية، بالإضافة إلى تحديث نظام الإضاءة، وتنفيذ أعمال ترميم دقيقة للنقوش.

مناظر ورسومات نادرة (وزارة السياحة والآثار المصرية)

وتسعى مصر إلى تطوير المواقع الأثرية بجنوب البلاد بعد تحقيق أرقام قياسية في أعداد السائحين خلال العام الماضي، ففي أسوان أعلن عمرو لاشين محافظ أسوان السبت عن بدء المرحلة التنفيذية لمشروع تطوير مداخل معبد فِيَلة، وذلك بالتنسيق مع وزارة السياحة والآثار، وتنفيذ مؤسسة الأغاخان للخدمات الثقافية. حيث يستهدف المشروع تعزيز الهوية البصرية للمنطقة، وإضفاء طابع حضاري وجمالي على المدخل الرئيسي لمعبد فيلة بما يتناسب مع قيمته الأثرية والتاريخية العريقة.


مصريون يُقبلون بشراهة على الأسماك المملحة رغم ضبط «أطنان فاسدة»

إقبال كبير على شراء الأسماك المملحة على «فيسبوك» (حساب أحد المحال على «فيسبوك»)
إقبال كبير على شراء الأسماك المملحة على «فيسبوك» (حساب أحد المحال على «فيسبوك»)
TT

مصريون يُقبلون بشراهة على الأسماك المملحة رغم ضبط «أطنان فاسدة»

إقبال كبير على شراء الأسماك المملحة على «فيسبوك» (حساب أحد المحال على «فيسبوك»)
إقبال كبير على شراء الأسماك المملحة على «فيسبوك» (حساب أحد المحال على «فيسبوك»)

لا يبدو أن التنازل عن عادة تناول وجبة «الفسيخ» و«الرنجة» أمر مقبول لدى المصريين، خصوصاً في موسم «شم النسيم»، رغم التحذيرات المتكررة سنوياً من مخاطر تناول الأسماك المملحة، والبيانات الرسمية التي تعلن ضبط كميات كبيرة غير صالحة للاستهلاك الآدمي.

وتتصاعد وتيرة الرقابة الرسمية بالتزامن مع موسم الأعياد؛ إذ أعلنت وزارة الزراعة واستصلاح الأراضي، الأحد، تكثيف حملات التفتيش على أماكن عرض وبيع وتداول الأسماك المملحة والمدخنة في مختلف المحافظات، في محاولة للحد من المخاطر الصحية التي تتكرر سنوياً. وبالتوازي مع ذلك، تتوالى الأخبار عن ضبط كميات كبيرة فاسدة، مرفقة بتحذيرات متجددة للمواطنين. فقد أسفرت حملات الهيئة العامة للخدمات البيطرية عن ضبط أكثر من 71 طناً من الأسماك المملحة والمدخنة غير الصالحة للاستهلاك الآدمي خلال أسبوع واحد فقط، وفق بيان وزارة الزراعة المصرية الأحد.

تنظيف «الرنجة» في أحد محال بيع الأسماك المملحة (الشرق الأوسط)

وفي محافظة الشرقية (دلتا مصر) تم ضبط نصف طن من أسماك «الرنجة» الفاسدة، في حين سجلت محافظة أسيوط (صعيد مصر) نحو 850 كغم من الأسماك المملحة غير الصالحة في عدد من مراكزها، وفي بورسعيد (شمال شرق مصر) تم ضبط نحو 13 كغم من سمك اللوت في حالة فساد شديد قبل طرحها بالأسواق.

وبينما تكثف الجهات الرقابية حملاتها في المحافظات بالتزامن مع «عيد القيامة» و«شم النسيم»، يظل الإقبال قائماً، مدفوعاً بثقة البعض في مصادر الشراء، أو بتقليلهم من حجم المخاطر، فتقول حنان العطار (36 عاماً)، وهي موظفة في شركة عقارات، لـ«الشرق الأوسط»، إن عادات الشراء تغيّرت بمرور الوقت؛ إذ «أصبحت الأسماك المملحة معروضة بشكل كبير في محال السوبر ماركت الكبيرة، ونظراً لارتفاع الأسعار الكبير نقوم عادة بمقارنة عروض الأسعار، فيما أتذكر أن والدي كان يحرص على الشراء من محل (فسخاني) محدد، لارتباطه لديه بثقة طويلة في البيع، ولضمان جودة المنتج».

محال بيع «الفسيخ» تروج لمنتجاتها (حساب أحد المحال على «فيسبوك»)

وخلال قيامها بشراء وجبة تكفي لعائلتها للاحتفال بـ«شم النسيم»، تقول زينب عبد الحميد، وهي ربة منزل (54 عاماً)، إن «خبرة الشراء تلعب دوراً حاسماً في تجنّب المنتجات غير الصالحة، وعادة نكتفي بـ(الرنجة) و(السردين)؛ لأن أغلب المشكلات تكون مرتبطة بـ(الفسيخ)»، كما تقول لـ«الشرق الأوسط».

وتوضح أنها تعتمد على «مجموعة من المؤشرات البسيطة عند الاختيار، مثل تماسك السمكة، ورائحتها، ولمعان سطحها، باعتبارها دلائل على جودتها».

وبالتوازي مع التحذيرات والضبطيات، تسعى الدولة للتدخل عبر ضبط الأسعار وتوفير بدائل أقل تكلفة؛ إذ أعلنت وزارة التموين والتجارة الداخلية، الأحد، طرح «الرنجة» بأسعار مخفضة داخل المجمعات الاستهلاكية ومنافذها، حيث يصل سعر الكيلوغرام إلى نحو 145 جنيهاً (الدولار يساوي 53.1 جنيه مصري)؛ أي أقل بنحو 45 جنيهاً مقارنةً بالأسواق الحرة التي تبدأ من 190 جنيهاً، في حين تتراوح أسعار الكيلوغرام من «الفسيخ» بين 280 جنيهاً و600 جنيه.

ذروة الموسم

ويقول مدحت شوقي، بائع في محل «فسخاني» بمحافظة الجيزة، لـ«الشرق الأوسط»، إن هذه الفترة تمثل ذروة الموسم بالنسبة لهم، موضحاً: «نوفر خدمة تنظيف (الرنجة) حسب رغبة الزبائن لتكون شرائح (فيليه)، مقابل 20 جنيهاً للكيلوغرام الواحد، ومن بداية الأسبوع الذي يبدأ بـ(سبت النور) حتى (شم النسيم) نكون في حالة طوارئ بسبب حجم الإقبال الكبير على شراء الأسماك المملحة على مدار اليوم».

ويربط محمد عبد الحليم، عضو شعبة الأسماك بغرفة الصناعات الغذائية، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، بين موجة ارتفاع الأسعار الأخيرة وعدة عوامل متداخلة، فـ«تزامن هذه العوامل مع ارتفاع الطلب الموسمي خلال الأعياد يضاعف من وتيرة الزيادة في الأسعار، علاوة على زيادة تكلفة الإنتاج، فالسمك البوري، المكوّن الأساسي لـ(الفسيخ)، شهد ارتفاعاً ملحوظاً، ما انعكس مباشرةً على السعر النهائي للمنتج». ويشير إلى أن «رفع أسعار السولار لعب دوراً رئيسياً في ذلك؛ كونه يدخل في تشغيل مراكب الصيد، ونقل الأسماك، وحتى إنتاج الأعلاف، ما أدى إلى زيادة التكلفة عبر مراحل متعددة»، ويضيف: «(الرنجة) لم تكن بمعزل عن هذه الزيادات؛ إذ تأثرت بدورها بارتفاع سعر الدولار، باعتبارها منتجاً يعتمد في الأساس على الاستيراد من دول مثل هولندا، قبل تدخينها محلياً»، لافتاً إلى أن «بعض الأنواع المدخنة في الخارج يصل سعرها إلى نحو 1200 جنيه للكيلوغرام».

تتراوح أسعار «الرنجة» حسب درجة جودتها (الشرق الأوسط)

وعلى حد تعبير الدكتورة ياسمين العطار، أخصائية التغذية العلاجية بجامعة القاهرة، فإن «المسألة لا تتعلق بمجرد اختيار غذائي عابر، بقدر ما ترتبط بعادة راسخة تتوارثها الأجيال، وتُستعاد بوصفها جزءاً من طقس احتفالي لا يكتمل من دونها»، كما تقول لـ«الشرق الأوسط».

وتضيف أن «إلغاء هذا الطقس يكاد يكون أمراً مستحيلاً في مصر، لكننا نوصي دائماً بتقليل الكميات، والإكثار من شرب المياه، خصوصاً لمرضى الضغط والسكري»، مشيرةً إلى أن اقتران هذه المأكولات شعبياً بالليمون والبصل الأخضر يُعد من العادات الجيدة؛ لأنهما يساعدان على معادلة الملوحة المرتفعة نسبياً، ويحفّزان الهضم، ويقللان من حدة التأثيرات السلبية على الجسم، كما تقول.


انتحار سيدة الإسكندرية يفجع المصريين ويفجر سجالات حول الدوافع

وسائل التواصل الاجتماعي دعمت انتشار قصص الانتحار في مصر (الشرق الأوسط)
وسائل التواصل الاجتماعي دعمت انتشار قصص الانتحار في مصر (الشرق الأوسط)
TT

انتحار سيدة الإسكندرية يفجع المصريين ويفجر سجالات حول الدوافع

وسائل التواصل الاجتماعي دعمت انتشار قصص الانتحار في مصر (الشرق الأوسط)
وسائل التواصل الاجتماعي دعمت انتشار قصص الانتحار في مصر (الشرق الأوسط)

استيقظ المصريون على حادثة انتحار سيدة أربعينية، ليل السبت، من شرفة منزلها بالدور الـ13، في محافظة الإسكندرية وذلك عقب شكواها في بث مباشر، من «ظروف الحياة وعدم مشاركة أحد لها في مسؤولية طفلتيها»، وسط صدمة وجدل مجتمعي حول الدوافع.

ومكمن الفاجعة، أنها تحدثت خلال بث مباشر على «فيسبوك»، استمر قرابة الساعة، من دون أن يتدخل أحد من أقاربها أو أصدقائها للمساعدة وإيقافها. وسبق وظهر العديد من التهديدات بالانتحار في «لايفات على السوشيال ميديا»، لرجال ونساء، قبل أن يتدخل أحد من المعارف ويمنعها.

وظهرت سيدة الإسكندرية معلقة على سور شرفتها لدقائق قبل أن تفلت يديها وتسقط. واستخدم البعض هذه الطريقة وكذلك طول مدة الشكوى في البث، للاستدلال على أنها لم تكن قد استقرت على الانتحار... وكانت تعاني صراعاً داخلياً، ورغبت في أن تجد من يساعدها.

بينما ركز آخرون، على الدوافع، سواء المادية أو النفسية، والأزمات التي تواجهها المطلقات بعد الانفصال، مع مقترح أن تتكفل الدولة بهن، خصوصاً أن بعض الآباء لا يلتزمون بالإنفاق على أبنائهم بعد الطلاق.

مارة في أحد شوارع وسط القاهرة (الشرق الأوسط)

وتصدرت قصة انتحار سيدة الإسكندرية «ترند» مواقع التواصل الاجتماعي في مصر، وأعيد تداول ونشر آخر دقائق في حياتها، مرات ومرات، ما دفع «المجلس الأعلى للإعلام»، إلى مخاطبة «الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات»، لاتخاذ الإجراءات اللازمة لحذف هذه المقاطع المصورة من جميع المنصات.

كما حظر المجلس تداول هذه المقاطع إعلامياً، أو نشر اسم السيدة الراحلة، مراعاة للأكواد الإعلامية المنظمة لتغطية حوادث الانتحار.

وعملت الراحلة في مجال الأزياء كموديل. وأرجعت أستاذة علم الاجتماع سامية خضر، «زيادة حالات الانتحار خصوصاً عند السيدات، إلى ضغوطات الحياة على المرأة في العصر الحالي، ما بين العمل والأعمال المنزلية، مع تراجع دور الدوائر القريبة للدعم، من الأب والأم والعائلة بوجه عام، وحتى الجيران».

وأضافت: «الروابط المجتمعية لم تعد متينة مثل ذي قبل، بفعل حالات عدم الاستقرار في مكان واحد، وكثرة التنقل، ما أضعف هذه الروابط التي كانت تخلق حالة من التوازن النفسي والدعم من قبل».

وسبق انتحار سيدة الإسكندرية بأسابيع، حادثة أخرى هزت الرأي العام المصري، بعد مقتل أم وأبنائها الخمسة على يد شقيقهم في حي كرموز بالإسكندرية. حيث اعترف باتفاقه مع أمه، على إنهاء حياة الأسرة بالكامل بعد تدهور حالتهم المادية إثر طلاق الأم من الأب وإصابتها بمرض السرطان منذ 5 سنوات، وكذلك رفض الأب الإنفاق على عائلته.

وقالت سامية خضر لـ«الشرق الأوسط» إن «الأوضاع المادية عامل من عوامل الضغط التي قد تدفع للانتحار، لكنها ليست العوامل الوحيدة... كثيرون لديهم أوضاع مادية صعبة، لكن يتحلون بإرادة قوية تجعلهم يتجاوزون هذه الأوضاع، أو يواجهونها دون التفكير في الانتحار».

ولأن حالات الانتحار باتت متكررة، «في ظل تزايد الضغوط النفسية والاجتماعية»، رأت النائبة سحر البزار أن الحل يكمن في إطلاق «خط طوارئ للنجدة النفسية»، على غرار خدمات النجدة الشرطية والإسعاف والمطافئ، في مقترح قدمته إلى الحكومة.

ويقوم خط «النجدة النفسية» على مركز وطني لإدارة الأزمات، يضم أطباء نفسيين واختصاصيين اجتماعيين مدربين، ويعمل من خلال قنوات متعددة تشمل المكالمات الهاتفية والرسائل والدعم الإلكتروني، وفق معايير جودة واستجابة محددة، حسب بيان للنائبة، التي اعتبرت أن احتواء الحالات التي قد تفكر في الانتحار «أولوية وطنية عاجلة».

وكان «المجلس القومي للطفولة والأمومة» وجه بعدم تداول محتوى انتحار سيدة الإسكندرية، «لما في ذلك من آثار سلبية جسيمة على الصحة النفسية للطفلتين وأسرتهما، واحتراماً لخصوصيتهما وكرامتهما الإنسانية».

ولا يعتبر أستاذ علم النفس جمال فرويز أن حالات الانتحار في مصر تشهد زيادة كبيرة كما هو متصور، لكن الزيادة في «تعرضنا لحالات الانتحار مع انتشار النشر عنها عبر السوشيال ميديا ووسائل الإعلام»، لافتاً إلى أن بعض الدول تحظر نشر أي أخبار أو معلومات عن الانتحار سواء في وسائل الإعلام أو حتى عبر السوشيال ميديا.

وكانت مصر تعد واحدة من أقل الدول في معدلات الانتحار وفق مؤسسة الصحة العالمية، حيث يتراوح المعدل بين 3 إلى 3.4 شخص من بين كل 100 ألف شخص، حسب إحصائية عام 2019.

وأشار فرويز في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إلى الأثر السلبي لانتشار هذه الوقائع وتخزينها في اللاوعي لدى المتلقي، وتكوين صور ذهنية عنها، ما تجعله عرضة لتكرارها عند المرور بأزمة ما، مستدلاً على ذلك، بانتشار حالات الانتحار تحت عجلات مترو الأنفاق.

ولا يعني ذلك التقليل من خطورة أمراض نفسية وأزمات شديدة يمر بها الفرد وتدفعه للانتحار حسب فرويز، مثل «حالات الاكتئاب الشديدة، واضطراب الشخصية الحدية خصوصاً لدى المراهقين والشباب، والفصام»، وكذلك الدخول في حالات مرضية نفسية نتيجة أزمات مادية أو صحية.

وكان فريق من المتفاعلين مع حادثة سيدة الإسكندرية حذروا من الخلط بين البحث عن الدوافع وتحليلها وتفاديها، والدخول في عملية تبرير للانتحار، لما في ذلك من مخاطر قد تدفع آخرين للقيام به.