السياسة تطرق باب «كان» من كل صوب

أفلام شرادر وستون والروسي تضرب يميناً ويساراً

المنتجة سامانثا كوان والمنتج شون بيكر والممثل مارك إيدلشتاين لدى عرض فيلم «أنورا» في «كان» (أ.ف.ب)
المنتجة سامانثا كوان والمنتج شون بيكر والممثل مارك إيدلشتاين لدى عرض فيلم «أنورا» في «كان» (أ.ف.ب)
TT

السياسة تطرق باب «كان» من كل صوب

المنتجة سامانثا كوان والمنتج شون بيكر والممثل مارك إيدلشتاين لدى عرض فيلم «أنورا» في «كان» (أ.ف.ب)
المنتجة سامانثا كوان والمنتج شون بيكر والممثل مارك إيدلشتاين لدى عرض فيلم «أنورا» في «كان» (أ.ف.ب)

ربما ينشد مهرجان «كان» عدم تعاطي سينمائييه الحاضرين، في لجان التّحكيم أو بين المخرجين المشتركين، السياسة، لكنها هي التي تطرق بابه كلّ يوم من دون هوادة، من خلال الأفلام المعروضة في برامجه المختلفة.

حتى ولو مررنا بالأفلام الكبيرة المشتركة في المسابقة الرسمية وحدها، فسنجد الطروحات والآراء السياسية تعصف بالعروض من كل جانب. هناك بالطبع من يختار تقديم أفلام حكايات لا علاقة لها بالجوانب السياسية أيّاً ما كانت (مثل «حبيسة المد» للصيني جيا جانكلي أو «أكفان» لديڤيد كروننبرغ أو «أنورا» لشون بايكر، وكلها جاءت مخيبة فنياً للآمال) أو طروحاتها الاجتماعية المختلفة، لكن في المقابل هناك «ميغالوبوليس» لفرنسيس فورد كوبولا، و«أوه كندا» لبول شرادر، و«بذرة التين المقدّسة» لمحمد رسولوف، وهناك «ليمونوف» لكيريل سيريبرينيكوف، الذي يتعامل وسيرة حياة الشاعر (من بين أوصاف أخرى) إدوارد ليمونوف.

شاعر متمرد

«ليمونوف» إلى جانب «ميغالوبوليس» يتداولان الولايات المتحدة نقداً وتشريحاً ويختلفان في كلّ شيء آخر من فعل الكتابة والإخراج إلى نوعية القالب الفني والروائي المطروح في كل منهما.

«ليمونوف» هو عن ذلك الشاعر الروسي المولود خارج موسكو في 1943 والمتوفى فيها سنة 2020. كتب الشعر إلى جانب القصص القصيرة والمقالات وبعض الروايات وانبرى كشوكة في خاصرة النظام في زمن الاتحاد السوڤييتي، ما أدّى إلى السماح له بالهجرة مع زوجته آنا روبنستين. ولكونها يهودية سُمح لهما بالهجرة إلى إسرائيل، لكنهما اختارا فرنسا، حيث حاول هو شق طريقه في صفوف الأدباء والسّاعين للانخراط في الجو الثقافي للبلاد في مطلع السبعينات.

انتقل ليمونوف بعد ذلك إلى نيويورك مع عشيقته إيلينا (ساندرين بونير) حيث شقّت طريقها منفردة في علاقات غرامية تجلب لها الثراء غير آبهة بحبّه المتيّم بها. أما هو فعاش في ضنك الحياة يغسل الصحون ويخدم أحد الأثرياء الذي يعده بمساعدته ولكنه يتخلّى عنه، ليهيم في شوارع نيويورك الخلفية ويمارس اللواط مع رجل أسود يعيش على الرصيف.

بن ويشو في «ليمونوف» (مهرجان «كان»)

بعدما شبع من هذا الوضع عاد إلى فرنسا سنة 1980 طالباً لنفسه المكانة التي لم يفز بها. بعد ذلك، عاد إلى روسيا سنة 1999 حيث استمر في منهجه الراديكالي متمرداً على كل النّصوص والسُّلطات إلى أن أودع السجن لبضع سنوات.

بن ويشو مؤهل للفوز

يعرض سيريبرينيكوف قصّة حياة ليمونوف، لكن ليس كعرضه أي فيلم آخر لأي سيرة ذاتية. ما يختاره هذا المخرج الروسي هو أسلوب شكليّ يوازي جنوح الكاتب في مواقفه السياسية عامّة. الكاميرا تقفز قفزاً للتعبير عن منهج الحياة وللتوازي مع المواقف المعلنة للكاتب في الفيلم. وهذه المواقف ليست موجهة للشرق الروسي بقدر ما هي موجهة للغرب الأوروبي والأميركي. سيريبرينيكوف يعمد إلى تخصيص الولايات المتحدة وفرنسا (وما تمثلانه) بأوصاف الخديعة والهيمنة المادية والسّلطوية، والابتعاد عن روح الإنسان، وترك البشر غير المؤهلين للعمل أو غير القادرين على إيجاده يعيشون في سرب الحياة وفي قاعها.

ما يُقدّمه المخرج هو حياة رجل لم يعرف طريقاً ترضيه. هو ثائرٌ ومنضو، يساريٌ ويمينيٌ، صاحب رؤية اجتماعية وبلا رؤية شخصية واضحة. هذا يجعل الفيلم مثيراً لاهتمام المشاهدين، خصوصاً أن ليمونوف ليس بشهرة الأدباء أو السياسيين أو حتى المهاجرين نفسها. ما يزيد الإثارة هو أسلوب المعالجة؛ يؤدّي البريطاني بن ويشو هذا الدّور ببراعة (ثاني فيلم بيوغرافي له بعد «أنا لست هناك»، 2007، الذي لعب فيه شخصية المغنّي بوب دايلان، كما أخرجه الأميركي تود هاينس). أداء ويشو ذهني وجسدي وفي كليهما بارعٌ في تشخيص الحالة والشخصية التي تقف، أكثر من مرّة، على مشارف الجنون. يُعدّ ويشو من هذا الموقف وقبل أيام قليلة من ختام الدورة، أقوى المرشّحين لجائزة أفضل ممثلٍ، إذا لم نقل إنه هو من سيفوز بها بالتأكيد.

السياسة التي يتّبعها الفيلم هي تلك التي خصّها ليمونوف لنفسه والتي تُشبه مروحية فالتة تدور حول نفسها وتصيب في كل الاتجاهات. لكن الحياة الأميركية ومفهوم نظامها هما الطلقة الكبرى في منظوره، وبعض ذلك ينضمّ إلى ما طرحه «ميغالوبوليس» من أوصاف وتُهم.

ذكريات مخرج

فيلم بول شرادر الجديد، «أوه، كندا»، يتحدّث ولو بحدود، عن الجيل الذي ترك الولايات المتحدة خلال الحرب الفيتنامية مفضلاً الهجرة إلى كندا عوض تنفيذ أوامر الانضمام إلى الجيش الأميركي الذي كان يخوض حرباً غير عادلة في تلك البقعة من العالم.

من «أوه كندا» لبول شرادر (مهرجان «كان»)

لكنّ الفيلم في الأساس، هو لقاء أمام كاميرا ثانية (غير كاميرا الفيلم)، بين مخرج تسجيلي كبير في السن اسمه ليونارد (ريتشارد غير)، ومخرج أصغر سناً اسمه مالكولم (مايكل إمبريولي)، بحضور زوجة الأول (إيما ثورمون). هي لا تتكلم بل ترقب وتكتشف جانباً من حياة زوجها لم يسبق لها معرفته. الحوار بين المخرجين (من جيلين متباعدين) يضيء لنا حكايات ومواقف تخصّ ليونارد وتكشف في الوقت نفسه عن اختيارات هذا المخرج من خلال حديثه عن حياته وأعماله.

يصوغ شرادر عملاً بديعاً كعادته، مقتبساً عن كتاب راسل بانسك «تحصيل حاصل» (Foregone)، وهذا ثاني تعاون بينهما، إذ كان شرادر اقتبس عن رواية لبانكس فيلمه «بلاء» (Affliction) سنة 1997. وهو اللقاء الثاني أيضاً بين شرادر والممثل ريتشارد غير بعد «أميركان جيغولو» سنة 1980. بالنسبة لكثيرين، وهذا الناقد بينهم، هذا الفيلم والفيلم الحالي، من بين نخبة الأفلام الأفضل في مسيرة الممثل.

مثل كوبولا، عمد شرادر إلى العمل من دون دعم استوديو هوليوودي، لكن بميزانية أصغر بكثير من تلك التي صرفها كوبولا من جيبه لتحقيق «ميغالوبوليس». هذا يتّضح لمن يُمعن في الكيفية التي عالج بها المخرج فيلمه بالتركيز على المشاهد الداخلية وتحديد معالم المشاهد الخارجية وأدوارها.

إذا ما فاز ريتشارد غير بجائزة أفضل ممثل، فإن ذلك قد يكون جرّاء نظرة عاطفية لتاريخه البعيد في مجال الفن. ليس لكونه لا يستحق الفوز، لكنّ ذلك التاريخ قد يشكّل عنصراً مفيداً له في هذا الاتجاه.

ستون بين حجرين

في المحيط السياسي نفسه شاهدنا «لولا» لمخرج أكثر عناية منذ سنوات، بالأفلام التوثيقية من تلك الروائية التي كان يُنجز منها كثير في الثمانينات والتسعينات.

بعد فيلمه عن كاسترو، وآخر عن ياسر عرفات، وثالث عن بوتين، ينتقل في «لولا» إلى الرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلڤا، ليضمه إلى سلسة مقابلاته السياسية.

إلى حد بعيد، يعكس ستون عبر اهتماماته هذه مبدأ التّعرف على وجهات النظر الأخرى. تلك المناوئة للسياسة الأميركية. من ناحية أخرى، هي تعبير عن بعدٍ وجفاءٍ بين المخرج وهوليوود، في زمن طغيان الأفلام الروائية الهزيلة التي لا يمكن له، ولعديد من سواه، الانخراط بها.

أوليڤر ستون يستمع في «لولا» (مهرجان «كان»)

ومن المؤسف أن ستون لم يكترث للبقاء في نطاق سياسي واضح عبر بعض أفلامه الروائية الأخيرة منضمّاً إلى مارتن سكورسيزي في تعميم وضعٍ بعيدٍ عن الجوهر. في فيلم سكورسيزي «ذئب وول ستريت» (2013)، يقف المخرج إلى جانب المضارب في البورصة (ليوناردو دي كابريو) واختلاساته وجنوح حياته التي قامت على الإثراء غير المشروع. قبله كان أوليڤر ستون منح صكّ براءةٍ لمضارب جشع آخر (مايكل دوغلاس) في «وول ستريت: المال لا ينام أبداً».

لكن ستون مختلف من ناحية واحدة في أفلامه التسجيلية من حيث إنه يعرض ولا يتبنّى، وهذا جيد من جهة وأقل من ذلك من جهة أخرى، إذ يتبدّى المخرج كما لو أنه ما زال بعيداً عن الانتماء لتيارٍ دون آخر.

في «لولا» الذي أنجزه مع مخرج آخر هو روب ويلسون استفادة كبيرة من المصادر الوثائقية لحياة الزعيم البرازيلي الذي كان رئيساً ثم أُسقط، ومن ثمّ أُعيد رئيساً للبلاد من جديد. شهد تاريخه صعوداً وهبوطاً متواليين في حياته. كيف عاش حياته في أسرة فقيرة، وكيف ارتقى معيشياً وسياسياً، وكيف دخل السجن ثم خرج منه قبل أن يصبح رئيساً للجمهورية مرّتين؟

الفيلم جيد بالمعلومات، لكنه عادي بوصفه تشكيلاً، مع سرد ستون ما هو معروض بلا توقفٍ حتى ولو أن ما يقوله واضح من خلال المادّة الأرشيفية المستخدمة. هذه كافية لأن تُعلن عمّا حدث عندما أُلقي القبض على لولا سنة 2017 بتهمة الفساد وأُودع السجن، ثم عندما تذكر أن العملية التي أودت بالرئيس إلى السجن كانت ذات منطلق سياسي للتخلص منه. ليس هناك ما يثبت أيّ شيء محدد في هذا الاتجاه، لذلك يبقى الفيلم مثل استعراض تاريخي وشخصي يصلح لأن يكون نواة حكاية روائية أيضاً.


مقالات ذات صلة

تنظيم النسخة الـ12 من «قمرة السينمائي» بقطر افتراضياً بفعل الحرب

يوميات الشرق  أحد الأفلام المشاركة في ملتقى «قمرة السينمائي 2026» في دورته الاستثنائية (مؤسسة الدوحة للأفلام)

تنظيم النسخة الـ12 من «قمرة السينمائي» بقطر افتراضياً بفعل الحرب

أعلنت «مؤسسة الدوحة للأفلام» عن تنظيم النسخة الـ12 من ملتقى «قمرة السينمائي» افتراضياً بفعل الحرب، والتطورات الأخيرة التي تشهدها المنطقة.

داليا ماهر (القاهرة )
يوميات الشرق أول مَن وضع لبنان على خريطة الفنّ العالمي (فيسبوك)

طوروس سيرانوسيان... صفحة من مجد الزمن الجميل تُطوى

برحيل طوروس سيرانوسيان يفقد لبنان أحد مؤسِّسي العمل النقابي والفنّي وداعمي المواهب الشابة.

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق صنّاع الفيلم خلال العرض الأول في مهرجان برلين (الشركة المنتجة)

المخرج الفرنسي آلين غوميز: فكرة «داو» بدأت من جنازة والدي

قال المخرج الفرنسي - السنغالي آلين غوميز إن فكرة فيلم «داو» الذي عُرض للمرة الأولى في النسخة الماضية من مهرجان «برلين السينمائي» تولدت خلال جنازة والده.

أحمد عدلي (برلين)
يوميات الشرق الممثلة لامار فدان في فيلم «هجرة» (الشركة المنتجة)

حضور سعودي لافت في «مالمو للسينما العربية» بالسويد

تشهد الدورة السادسة عشرة من مهرجان «مالمو للسينما العربية» بالسويد حضوراً لافتاً للسينما السعودية بوجود أفلام سعودية في مختلف المسابقات.

أحمد عدلي (القاهرة )
يوميات الشرق صور المخرج مع رفاقه ومعارفه في الإقليم (الشركة المنتجة)

إليزي سواسوا: «طفح الكيل» يوثق شهادة جيل وُلد تحت النار في بلدي

في شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية حيث تتقاطع الثروات المعدنية الهائلة مع أطول الحروب المنسية في أفريقيا، يقدَّم فيلم «طفح الكيل» بوصفه أكثر من عمل وثائقي.

أحمد عدلي (برلين)

الموت يُغيب المخرج والناقد المصري أحمد عاطف

المخرج المصري أحمد عاطف (صفحته على فيسبوك)
المخرج المصري أحمد عاطف (صفحته على فيسبوك)
TT

الموت يُغيب المخرج والناقد المصري أحمد عاطف

المخرج المصري أحمد عاطف (صفحته على فيسبوك)
المخرج المصري أحمد عاطف (صفحته على فيسبوك)

غَيَب الموت المخرج والناقد المصري أحمد عاطف عن عمر ناهز 55 عاماً، متأثراً بتداعيات إصابته بمرض السرطان، وشُيعت جنازته ظهر الثلاثاء بالقاهرة. وكان عاطف قد جمع في مسيرته بين النقد والإخراج السينمائي والعمل الصحافي بمؤسسة «الأهرام»، حيث كان الناقد السينمائي لصحيفة «الأهرام إبدو» التي تصدر بالفرنسية، وشارك بلجان تحكيم النقاد في كثير من المهرجانات ومن بينها «كليرمون فيران» بفرنسا و«قرطاج» بتونس.

كما أخرج 5 أفلام سينمائية، من بينها «عمر 2000» و«قبل الربيع» و«الغابة»، ومسلسلاً تلفزيونياً بعنوان «ستات قادرة»، إلى جانب مقالاته العديدة التي أسهمت في إثراء الحركة النقدية.

ونعت نقابة المهن السينمائية في مصر المخرج الراحل عبر بيان لها، كما نعاه عدد كبير من السينمائيين والنقاد عبر صفحاتهم بمواقع التواصل الاجتماعي، وكتب المخرج أمير رمسيس عنه: «تخالفنا في الرأي والمواقف مراراً، لكن هذا لم يمنع وداً لم ينقطع حتى (قرطاج) الماضي، وداعاً أحمد عاطف»، كما نعاه المخرج شريف مندور واصفاً رحيله بأنه خبر حزين جداً، طالباً الدعاء له بالرحمة والمغفرة.

عاطف وطاقم أول أفلامه «عمر 2000» في كواليس التصوير (حساب مدير التصوير سعيد شيمي على فيسبوك)

وكتب الناقد طارق الشناوي: «تعودنا أن نلتقي سنوياً دون اتفاق في مهرجان (كان السينمائي)، ولم أكن أعلم أنه يواجه المرض الشرس، لقد كان يبدو دائماً في صحة جيدة، هكذا كنا نراه، بينما كان يخفي عن الجميع معاناته».

فيما كتب الناقد العراقي مهدي عباس: «غادرنا اليوم وبشكل مفاجئ المخرج والناقد والتشكيلي أحمد عاطف، وكنت قد رشحته لإقامة ورشة سينمائية على هامش الدورة الثانية لمهرجان بغداد السينمائي، وفعلاً قدم محاضرات جميلة في السينما، وهو إنسان مثقف خلوق وموسوعي».

وكتب السيناريست والممثل السوداني خالد علي ناعياً عاطف، مشيداً بدوره المؤثر داخل الاتحاد الأفريقي للسينما بشمال أفريقيا، حيث كرس جهوده لدعم الحركة السينمائية وتعزيز حضورها بدول الاتحاد.

ودرس أحمد عاطف الأدب الفرنسي بجامعة القاهرة، كما تخرج في معهد السينما قسم إخراج، وبدأ رحلته مخرجاً عام 2000 بفيلم «عمر 2000» الذي كتبه أيضاً وأدى بطولته خالد النبوي ومنى زكي وأحمد حلمي، وتناول من خلاله أزمة الأجيال الشابة ما بين التطلع للهجرة إلى أميركا، والإحباط الذي يعانيه من تجاهل المجتمع له. وفي فيلمه الثاني «إزاي البنات تحبك» 2003 الذي قام ببطولته هاني سلامة ونور اللبنانية، قدم القالب الرومانسي من خلال قصة حب بين بطليه، وتطرق في فيلمه الثالث «الغابة» لمشكلة أولاد الشوارع، وفي فيلمه الرابع «قبل الربيع» 2013 تطرق لثورة يناير (كانون الثاني) 2011 في مصر، وقام ببطولته أحمد وفيق وحنان مطاوع وهنا شيحة.

ملصق فيلمه «قبل الربيع» (حساب أحمد عاطف على فيسبوك)

كما امتد حماسه للربيع العربي ليقدم أول فيلم يؤرخ للثورة السورية بعنوان «باب شرقي» الذي كتبه وأخرجه ودارت أحداثه بين مصر وسوريا من خلال أسرة سورية منقسمة على نفسها بين الموالاة للنظام والمعارضة له، ومحاولة كل طرف إقناع الآخر برأيه.

كما كتب وأخرج عاطف مسلسل «ستات قادرة» الذي عُرض في 2016 من بطولة عبير صبري وريهام سعيد ونجلاء بدر، وقبل عامين أصدر المخرج الراحل رواية بعنوان «روح واحدة»، تطرق فيها للشخصية المصرية عبر العصور من خلال حكايات متخيلة مستوحاة من التاريخ المصري.

وقال الناقد الفني أسامة عبد الفتاح رفيق رحلته إن «المخرج الراحل قدم تجربة سينمائية لم تكتمل رغم بدايتها المبشرة بفيلم (عمر 2000) الذي كان تجربة واعدة، لكنه لم يحقق كثيراً من طموحاته»، حسبما يقول في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، مضيفاً: «مثله في ذلك مثل أجيال عديدة من صناع الأفلام غيبتهم ظروف الإنتاج السينمائي الصعبة رغماً عنهم، وقد كان متعدد المواهب، طموحاً للغاية، وأصدر دواوين شعر وروايات، كما أقام معرضاً لرسوماته»، ويكشف عبد الفتاح عن أن «المخرج الراحل كان يحلم بصناعة فيلم كبير عن الأندلس، وكان قد كتبه ويبحث عن إنتاج له، كما كانت لديه مشروعات سينمائية عديدة يطمح لإنجازها، لكن الموت كان أسرع».


تنظيم النسخة الـ12 من «قمرة السينمائي» بقطر افتراضياً بفعل الحرب

 أحد الأفلام المشاركة في ملتقى «قمرة السينمائي 2026» في دورته الاستثنائية (مؤسسة الدوحة للأفلام)
أحد الأفلام المشاركة في ملتقى «قمرة السينمائي 2026» في دورته الاستثنائية (مؤسسة الدوحة للأفلام)
TT

تنظيم النسخة الـ12 من «قمرة السينمائي» بقطر افتراضياً بفعل الحرب

 أحد الأفلام المشاركة في ملتقى «قمرة السينمائي 2026» في دورته الاستثنائية (مؤسسة الدوحة للأفلام)
أحد الأفلام المشاركة في ملتقى «قمرة السينمائي 2026» في دورته الاستثنائية (مؤسسة الدوحة للأفلام)

أعلنت «مؤسسة الدوحة للأفلام» عن تنظيم النسخة الـ12 من ملتقى «قمرة السينمائي» افتراضياً بفعل الحرب، والتطورات الأخيرة التي تشهدها المنطقة، حيث سيواصل «برنامج الملتقى» تقديم «فرص التواصل»، و«الدعم الإرشادي»، لـ49 مشروعاً من 39 دولة خلال جلسات عبر الإنترنت، في الفترة من 27 مارس (آذار) الحالي، وحتى 8 أبريل (نيسان) المقبل.

ويواصل «قمرة السينمائي» في هذه الدورة الاستثنائية، دعم صناع الأفلام الذين يخوضون تجاربهم الأولى أو الثانية، من خلال تقديم إرشاد خاص، وإتاحة الوصول إلى أهم خبراء الصناعة، والتطوير الإبداعي للمشاريع في مختلف مراحل الإنتاج.

وتعكس المشروعات المشاركة في نسخة هذا العام تنوع الحكايات ما بين «السرديات الشخصية»، و«القضايا التاريخية والأساطير»، و«قضايا الهوية»، من دول عدة من بينها، قطر، والسعودية، ومصر، والمغرب، والجزائر، وفرنسا، وأميركا، والعراق، ولبنان، وإيران، وغيرها.

الأفلام المشاركة في الملتقى تضمنت موضوعات متنوعة بين الواقع والفانتازيا (مؤسسة الدوحة للأفلام)

إلى ذلك، قالت فاطمة حسن الرميحي، الرئيس التنفيذي لمؤسسة «الدوحة للأفلام»: «في الوقت الذي نشعر فيه بحزنٍ عميق إزاء الظروف الراهنة في المنطقة، يأتي قرار تنظيم النسخة المقبلة من (قمرة السينمائي)، بصيغة افتراضية عبر الإنترنت ليعكس صمود دولة قطر، وتكيفها مع المستجدات والتزامها الراسخ بمواصلة برامجها ومبادراتها حتى في خضم التحديات الكبيرة».

وأضافت في بيان، الثلاثاء: «سنواصل التركيز على أولوياتنا لضمان مواصلة صناع الأفلام إنجاز مشاريعهم والاستفادة من الفرص القيّمة لتبادل المعرفة والخبرات، والإرشاد والتوجيه، ومجالات التواصل المختلفة»، لافتة إلى أن «اختيارات هذا العام تعكس شجاعة وطموح صناع الأفلام اليوم، وتسلط الضوء على القصص الآنية من واقعنا المعاصر، إلى جانب المشاركة المميزة للمشروعات القطرية، والرؤى المؤثرة من مختلف أنحاء العالم».

وتتضمن المشروعات المشاركة، 27 فيلماً طويلاً، و9 مسلسلات، و13 فيلماً قصيراً، كما تضم القائمة 15 مشروعاً لصنّاع أفلام قطريين.

وتشمل فئة الأفلام الروائية «الطويلة والوثائقية الطويلة أو التعبيرية»، في مرحلة التطوير أعمال «تكلّم»، و«الملكة الطاووس»، و«العسّاس»، و«الكوكب المفقود»، و«بنت الرياح»، و«بعد الأربعين»، و«قمرة»، و«إلى أين أنتمي؟»، و«كول بصل وانسى ما حصل»، و«أندريا»، وتضم فئة «الأفلام الروائية القصيرة»، بمرحلة التطوير، أفلام «بداية جديدة»، و«طقوس مموهة»، و«مذكرة تفاهم»، و«حذاء سارا»، و«إلى أن يتوقف المطر».

لقطة من أحد الأفلام المشاركة في ملتقى قمرة السينمائي 2026 (مؤسسة الدوحة للأفلام)

وفي فئة المسلسلات التلفزيونية والويب، بمرحلة التطوير أعمال: «أصداء»، و«حبّ عربي»، و«باب القيامة»، و«رؤى الغد»، و«ريشة في هوا»، وتضم مرحلة الإنتاج للتلفزيون أعمال: «عسل وجنون»، و«سعاد ولمين»، و«الشارع الأم»، و«كلّ ما لم تقله».

أما مرحلة الإنتاج للأفلام الروائية «الطويلة والوثائقية الطويلة أو التعبيرية»، فتشمل في النسخة المبدئية أعمال «ناس العزلة»، و» هاملت من عزبة الصفي»، و«في مهب الريح»، و«أنا وأمي»، «رقصة الطاغية»، و«حيث الشمس لا تغيب»، و«غفلة»، و«مزولة»، و» إرادة حمار»، و«نسيان»، و«الفندق المعزول».

بينما تضم «الـنسخة النهائية»، «قساطل»، و«فوكسي»، و«الراديستيزيا»، و«منزل الرياح»، و«الثوار لا يموتون أبداً»، و«باردي»، و«عندما تحطمك الأخبار»، و«كالشهاب»، و«أعماق الصمت»، و«خيوط المؤازرة»، و«كابتن شديد».

من جانبه، قال المخرج القطري، جمال راشد الخنجي، إن «صناع السينما بالعالم يتطلعون دائماً لملتقى (قمرة)، بوصفه فعالية مميزة يشارك بها خبراء من أنحاء العالم لتبادل الخبرات والآراء»، لافتاً إلى أن الظروف حتمت على المؤسسة إقامة الفعالية افتراضياً هذا العام.

وأضاف الخنجي لـ«الشرق الأوسط» أن «إصرار إدارة الملتقى على إقامته رغم الظروف الصعبة، يؤكد أهمية المحافظة عليه وما يبعثه من روح تفاؤل، وفرصة لإلقاء الضوء على الأوضاع الحالية في المنطقة عبر صناعة السينما، التي تلعب دوراً مهماً في الأحداث، ونعول عليها في كل وقت».


معرض أثري في برلين يكشف «افتتان الفراعنة» بالأبراج السماوية

لوحات تعبر عن الأبراج السماوية في المعرض الأثري (وزارة السياحة والآثار المصرية)
لوحات تعبر عن الأبراج السماوية في المعرض الأثري (وزارة السياحة والآثار المصرية)
TT

معرض أثري في برلين يكشف «افتتان الفراعنة» بالأبراج السماوية

لوحات تعبر عن الأبراج السماوية في المعرض الأثري (وزارة السياحة والآثار المصرية)
لوحات تعبر عن الأبراج السماوية في المعرض الأثري (وزارة السياحة والآثار المصرية)

تحت عنوان «القدر في النجوم: بدايات الأبراج» افتُتح المعرض الأثري بالمتحف المصري في العاصمة الألمانية برلين، متضمناً مخطوطات وقطعاً أثرية وخرائط فلكية تكشف عن افتتان المصري القديم بالأبراج السماوية وعلم الفلك، وتوثيقه لمعرفته بهذا العلم في الآثار المختلفة.

يأتي هذا المعرض ضمن المعارض المؤقتة التي ينظمها المتحف المصري في برلين، ويستمر 6 أشهر، في إطار سلسلة من المعارض الدولية، وبالتعاون مع البعثة المصرية الألمانية العاملة في مشروع تسجيل وتوثيق وترميم معبد خنوم في مدينة إسنا بمحافظة الأقصر(جنوب مصر).

و«يأخذ المعرض زائريه في رحلة فريدة عبر نحو 4000 عام من التاريخ الفلكي، مستعرضاً نشأة الأبراج السماوية وتطورها في الحضارات القديمة، وعلى رأسها الحضارة المصرية القديمة، إلى جانب حضارات بلاد ما بين النهرين واليونان»، وفق بيان لوزارة السياحة والآثار.

وعدّ الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار، الدكتور هشام الليثي، هذا المعرض «نموذجاً ناجحاً للتعاون العلمي والأثري بين مصر وألمانيا، خصوصاً في مشروع ترميم معبد إسنا بصعيد مصر»، مضيفاً في كلمته خلال الافتتاح، الاثنين، أن عرض صور الأبراج السماوية المكتشفة والمُرممة حديثاً بسقف معبد خنوم يُعد إنجازاً علمياً وفنياً بارزاً، يعكس عمق المعرفة الفلكية لدى المصريين القدماء وشغفهم برصد السماء.

وقال إن المعرض لا يقتصر على عرض القطع الأثرية، بل يقدم تجربة معرفية متكاملة تكشف عن الجذور القديمة لعلم الأبراج وتأثيره الممتد على الثقافة الإنسانية عبر العصور، من خلال مجموعة نادرة من المخطوطات والقطع الأثرية والعروض الفلكية.

وأكد الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار أن كلاً من زودياك إسنا ودائرة أبراج دندرة شاهدان خالدان على عبقرية المصري القديم في علم الفلك، ويُجسدان واحدة من أندر وأهم الخرائط السماوية التي عرفها التاريخ، ولا تزال تثير إعجاب العالم حتى اليوم.

ويتضمن المعرض عرضاً مميزاً لمنظر الزودياك الذي تم الكشف عنه أخيراً بسقف معبد خنوم في إسنا، والذي يُجسد الأبراج الفلكية الاثني عشر من الحمل إلى الحوت، إلى جانب تصوير الكواكب الخارجية مثل المشتري وزحل والمريخ، فيما يُعرف بـ«السهام السبعة»، فضلاً عن عدد من النجوم والتكوينات الفلكية التي استخدمها المصري القديم في قياس الزمن.

افتتاح المعرض الأثري المصري في برلين (وزارة السياحة والآثار المصرية)

ويُظهر المعرض كيف كان (الفراعنة) يراقبون السماء بدقة علمية فائقة، ويحولون رصدهم للنجوم والكواكب إلى معرفة عملية مرتبطة بالحياة اليومية والزراعة والدين والاحتفالات، وفق عالم المصريات الدكتور حسين عبد البصير، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «المعرض يقدم أكثر من مجرد قطع أثرية؛ فهو تجربة معرفية متكاملة تكشف عن الجذور القديمة لعلم الأبراج وتأثيره على الحضارات اللاحقة»، عاداً الزودياك المكتشف أخيراً في معبد خنوم بإسنا، إلى جانب الأبراج السماوية في معبد دندرة، يشكّلان إحدى أندر وأهم الخرائط الفلكية في العالم القديم، ويعكسان مدى فهم المصريين القدماء للكون وقدرتهم على ربط الحركة السماوية بالمواقيت الزمنية والطقوس الدينية.

ويضم المعرض صوراً للأبراج السماوية الشهيرة بمعبد دندرة، والتي تعود إلى نحو 50 عاماً قبل الميلاد، وتُعد من أقدم وأعقد الخرائط الفلكية في العالم القديم، حيث تعكس مدى التقدم العلمي للمصريين القدماء وربطهم بين علم الفلك والمعتقدات الدينية.

ويرى عبد البصير أن هذا المعرض يؤكد أن المصري القديم لم يكن مجرد فنان أو بنّاء للأهرامات، بل كان عالماً وفلكياً بارعاً، واستطاع أن يوظف معرفته بالسماء في خدمة الحياة اليومية والدين والسياسة.

وكانت وزارة السياحة والآثار المصرية قد أعلنت عن اكتشاف منظر «الزودياك» أو الأبراج الفلكية كاملاً مرسوماً على سقف معبد إسنا بالأقصر عام 2023، متضمناً الأبراج السماوية من الحمل إلى الحوت، بالإضافة إلى رصد كواكب المشترى وزحل والمريخ وغيرها من الأجرام السماوية.

جانب من المعرض الأثري (وزارة السياحة والآثار المصرية)

ووصفت المتخصّصة في آثار مصر والشرق الأدنى القديم بكلية الآثار والإرشاد السياحي في «جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا»، الدكتورة دينا سليمان، المعرض الأثري المقام في برلين بأنه «إضافة علمية مهمة لمجال دراسات علم المصريات؛ إذ يسلّط الضوء على جانب دقيق من الفكر الديني والعلمي في الحضارة المصرية القديمة، يتمثّل في ما يمكن وصفه بـ(الافتتان الكوني) أو الارتباط العميق بين الإنسان والسماء في العقيدة المصرية».

وأضافت سليمان لـ«الشرق الأوسط» أن «المعرض يعكس تطوّر المعرفة الفلكية لدى المصريين، حيث لم تكن السماء مجرد عنصر جمالي أو أسطوري، بل كانت نظاماً رمزياً دقيقاً يرتبط بحساب الزمن والتقويم الزراعي والطقوس الجنائزية. وقد مثّل رصد النجوم، خصوصاً النجوم التي لا تغيب، أساساً لفكرة الخلود، فقد ساد اعتقاد أن الملك بعد وفاته يصعد إلى السماء ليصير نجماً بين النجوم التي لا تفنى».

ويكتسب هذا المعرض أهميته من كونه يضم مخطوطات وقطعاً أثرية نادرة، إلى جانب عروض لخرائط فلكية قديمة، وهو ما يتيح للباحثين والجمهور على السواء إعادة قراءة الدور الذي لعبه علم الفلك في تشكيل التصورات الدينية والطقسية لدى المصريين القدماء؛ فقد ارتبطت حركة النجوم والكواكب لديهم بمفاهيم الخلق، والبعث، وتنظيم الزمن، كما ظهرت بوضوح في نصوص مثل نصوص الأهرام ونصوص التوابيت، وكذلك في الرسوم الفلكية التي تزيّن أسقف المقابر والمعابد، ومن أشهرها منظر السماء في مقبرة سننموت في عصر حتشبسوت»، وفق تصريحات المتخصصة في آثار مصر والشرق الأدنى القديم.

ويستعرض المعرض مجموعة من أدوات قياس الوقت والزمن، من بينها الساعات الشمسية على شكل حرف (L) والمعروفة باسم «مرخت»، ومنها ساعة تحمل اسم الفرعون تحتمس الثالث من الأسرة الثامنة عشرة، وأخرى ترجع إلى العصر الصاوي (الأسرة السادسة والعشرين)، بما يعكس دقة النظام الزمني لدى المصريين القدماء.