منعطفات درامية ودهشة بصرية في أوبرا «زرقاء اليمامة»

10 عروض جماهيرية على مسرح مركز الملك فهد الثقافي بالرياض

مغنية الميزو سوبرانو الشهيرة سارة كونولي تعلمت العربية خصيصاً لأداء دورها بوصفها «زرقاء اليمامة» (هيئة المسرح)
مغنية الميزو سوبرانو الشهيرة سارة كونولي تعلمت العربية خصيصاً لأداء دورها بوصفها «زرقاء اليمامة» (هيئة المسرح)
TT

منعطفات درامية ودهشة بصرية في أوبرا «زرقاء اليمامة»

مغنية الميزو سوبرانو الشهيرة سارة كونولي تعلمت العربية خصيصاً لأداء دورها بوصفها «زرقاء اليمامة» (هيئة المسرح)
مغنية الميزو سوبرانو الشهيرة سارة كونولي تعلمت العربية خصيصاً لأداء دورها بوصفها «زرقاء اليمامة» (هيئة المسرح)

سافرت «زرقاء اليمامة» بجمهور أول أوبرا سعودية، إلى الأفق التاريخي للجزيرة العربية، صوت ملاحم الماضي، وهدير المعارك، وحكمة امرأة غير تقليدية، شهدت بقوة بصرها وبصيرتها على مصير قبيلتين أضرم بينهما الانتقام ناراً لم تخمد.

مغنية الميزو سوبرانو الشهيرة سارة كونولي، التي تعلمت العربية خصيصاً لأداء دورها بوصفها «زرقاء اليمامة»، الشخصية العربية الفذة، التي تتمتع بقدرة رؤية الأشياء على بعد مسيرة 3 أيام، أطلقت على خشبة المسرح صيحة النذير الأوبرالية لقبيلتها جديس، من خطر ماحق يقوده الملك عمليق.

وتتبع القصة الفريدة، مسيرة الأسطورة العربية، في مزج بديع لا تنقصه الدهشة بين الواقع والخيال، بينما يشخص الجمهور إلى مشهد بصري بديع، اكتملت عناصره على مسرح مركز الملك فهد الثقافي بالرياض.

ويمتزج البعد الأسطوري للشخصية العربية زرقاء اليمامة، مع البعد الفني والموسيقي الذي قدم معالجة بصرية وسمعية محكمة، تضبط بصر وسمع المشاهد على إيقاع فصول الحكاية بدراميتها وصراعيتها وشخصياتها التي اكتملت في العرض الأوبرالي الفريد.

يمتزج البعد الأسطوري للحكاية العربية مع البعد الفني والموسيقي الذي قدم معالجة بصرية وسمعية محكمة (هيئة المسرح)

القصة تدور أحداثها حول مساعي المرأة الحكيمة المتحدّرة لإرشاد قومها إلى برّ الأمان في ظلّ أحداث ملحمية (هيئة المسرح)

تفاصيل فنية وإبداعية

قدم العرض الأوبرالي السعودي الأول، نموذجاً لتحدي الكتابة في هذا المجال الفني المألوف عالمياً وغير الدارج عربياً، وخاض مؤلف العمل الشاعر السعودي صالح زمانان غمار هذا التحدي، متوجساً من جهة من تعقيد المراجع التاريخية وأشواك المرويات المتضاربة، ومتسلحاً بتجربة شعرية رصينة، ووعي بشروط إنجاز عمل يروي للعالم قصة من قلب شبه الجزيرة العربية.

القصة التي تدور أحداثها حول مساعي زرقاء اليمامة؛ المرأة الحكيمة المتحدّرة من قبيلة جديس؛ لإرشاد قومها إلى برّ الأمان في ظلّ أحداث ملحمية تُنذر بأخطار عظيمة، تحولت إلى عمل أوبرالي يؤدى باللغة العربية بواسطة نجوم عالميين ومواهب سعودية صاعدة.

قدم العرض الأوبرالي السعودي الأول نموذجاً لتحدي الكتابة في هذا المجال الفني المألوف عالمياً وغير الدارج عربياً (هيئة المسرح)

واستغرق مؤلف العمل صالح زمانان، وقتاً في تتبع تفاصيل تاريخية في بطون التراث عن زرقاء اليمامة بطلة العمل، ووقتاً في إعادة بناء النص وتحويله إلى نص أوبرالي (ليبريتو Libretto).

وعلى المسرح، كان العرض لا يقل إدهاشاً عن أسطورية القصة، وأداء الممثلين العالميين والسعوديين، كانت الإضاءة تستقطب عين المشاهد إلى حيث يجري الحدث، وتُعقد الحبكة، والأزياء بإيحائها التاريخيّ تكمل عناصر المشهد.

ويحكي المخرج السويسري - الإيطالي دانييل فينزي باسكا، عن تجربته في توظيف ثراء لغة العرب المليئة بالأصوات، في بناء هذه التجربة الأوبرالية الفريدة، ومحاولة خلق صورة تعكس طبيعة وروح المنطقة العربية والثقافة السعودية بطريقة ساحرة، مشيراً إلى أن إعداد الصور والمنصة جرى بطريقة فانتازية تمزج الخيال بروح التراث والواقعية والدهشة، وأن تفاصيل الرؤية الإخراجية والبصرية كانت تتجاوب مع فصول الحكاية والصراع الإنساني الذي تجسد في كثير من منحنيات القصة.

تتبع القصة الفريدة مسيرة الأسطورة العربية في مزج بديع لا تنقصه الدهشة بين الواقع والخيال (هيئة المسرح)

على المسرح كان العرض لا يقل إدهاشاً عن أسطورية القصة وأداء الممثلين العالميين والسعوديين (هيئة المسرح)

10 عروض على مدى 8 أيام

وبدأ الخميس، بمركز الملك فهد الثقافي بالرياض، أول العروض الجماهيرية لـ«زرقاء اليمامة»، الأوبرا السعودية الأولى والأكبر عربياً، واصطحبت الحضور في رحلة تراجيدية غنائية عبر محطات إحدى أشهر القصص المتوارثة في جزيرة العرب.

وستقدّم الأوبرا التي أنتجتها «هيئة المسرح والفنون الأدائية» 10 عروض على مدى 8 أيام، في الفترة من 25 أبريل (نيسان) إلى 4 مايو (أيار) 2024، حيث سيستمتع الجمهور بعرض أوبرالي عن قصة زرقاء اليمامة التي عاشت في العصر الجاهلي في إقليم اليمامة، وتزخر حكايتها بالمنعطفات الدرامية واللحظات الشاعرية والأحداث الدرامية.

يشخص الجمهور إلى مشهد بصري بديع اكتملت عناصره على مسرح مركز الملك فهد الثقافي بالرياض (هيئة المسرح)

سافرت «زرقاء اليمامة» بجمهور أول أوبرا سعودية إلى الأفق التاريخي للجزيرة العربية (هيئة المسرح)

ويحتفي العمل الاستثنائي الجديد الذي يقدم تجربة ثقافية مفعمة بالتراجيديا المؤثرة، بعنصر بارز من عناصر التراث القصصي العربي الذي يعود لعصر ما قبل الإسلام، وحكاية الخلاف الذي نشب بين قبيلتين واختُتم بنهاية مأساوية،

وتهدف هيئة المسرح من خلاله إلى تقديم أعمال نوعية تصعد بمجال المسرح وطنياً ودولياً، كما يخدم العمل أيضاً بوصفه منصةً، لتمكين عدد من المواهب السعودية الصاعدة بمشاركة خيران الزهراني، وسوسن البهيتي، وريماز عقبي من السعودية، وإتاحة المجال لتلك المواهب للعمل معاً مع أسماء عالمية رائدة.

منذ افتتاحه قبل 24 عاماً عُدّ مركز الملك فهد الثقافي بالرياض من أحدث المراكز الثقافية العالمية (وزارة الثقافة)

# كادر

مسرح مركز الملك فهد الثقافي... باكورة المسارح الأوبرالية السعودية

من موقعه غرب العاصمة السعودية، في منطقة مطلة على وادي حنيفة، ومنذ افتتاحه قبل 24 عاماً، عُدَّ مركز الملك فهد الثقافي بالرياض، من أحدث المراكز الثقافية العالمية، وصرحاً ثقافياً حضارياً وسط العاصمة السعودية، واحتضن (الخميس) أول عروض الأوبرا السعودية والأضخم عربياً، بعد إعادة تأهيله للتوافق مع معايير العروض الأوبرالية.

وجاء إنشاء المركز الثقافي في عهد الملك فهد بن عبد العزيز دعمًا للأدباء والمثقفين والمفكرين والمبدعين، ومنارة إشعاع للثقافة السعودية المعاصرة على مساحة قدرها مائة ألف متر مربع، وفي عام 2000، احتفلت السعودية بمناسبة اختيار مدينة الرياض «عاصمة للثقافة العربية»، واختتمت احتفالها بافتتاح المركز، وبحضور الملك عبد الله بن عبد العزيز آل سعود، يوم الثلاثاء 21 نوفمبر (تشرين الثاني) 2000 بحضور عدد من وزراء الثقافة والإعلام العرب.

وصُمّم مركز الملك فهد الثقافي وفق أحدث أساليب فن المعمار المعاصر والتقنيات الفنية العالية المستوى، وقد استغرق إنشاء المركز 5 سنوات، وقامت بتنفيذه مجموعة شركات عالمية متخصصة في هذا المجال تحت إشراف الرئاسة العامة لرعاية الشباب سابقاً، وعُدّ المسرح الرئيسي الذي يتسع لنحو 3 آلاف متفرج، ثالث أكبر مسرح عالمي حينها، وقد احتضن مسرح المركز في السنوات القليلة الماضية عروضًا أوبرالية من مصر وألمانيا، قبل أن يبدأ في مسرحه أول عروض الأوبرا السعودية (زرقاء اليمامة).

أصبح مسرح مركز الملك فهد الثقافي مؤهلاً بتجهيزات فنّية فائقة لاستقبال عروض أوبراليّة ضخمة (واس)

وبالتزامن مع انطلاق عروض أول أوبرا سعودية، أعلنت وزارة الثقافة السعودية الانتهاء من عمليات ترميم وتطوير مركز الملك فهد الثقافي، وذلك ضمن جهودها لجعل المركز مُجمّعاً ثقافياً شاملاً، يضمّ أقساماً متعددة، ومسرحاً رئيسياً بسعة 2750 مقعداً، ويستضيف مجموعةً واسعة من الأنشطة الثقافية والفنية من معارض، ومحاضرات، وعروضٍ مسرحية.

وأصبح مسرح مركز الملك فهد الثقافي مؤهلاً بتجهيزات فنّية فائقة، لاستقبال عروض ضخمة، مثل «زرقاء اليمامة»، الذي يتطلّب وقوف نحو 250 شخصاً من المؤدّين والفرقة الموسيقية معاً على المسرح، بالإضافة إلى تهيئة المقاعد وتقنيات العرض والإضاءة والمساحات والنقوش التي تزين سقف المسرح.

وخلال أول عرض جماهيري لأوبرا «زرقاء اليمامة»، استمتع الجمهور بتفاصيل المكان، وبمقاعد المسرح المجهَّزة بمعايير عالمية، مصحوبة بشاشات لنقل تفاصيل الحوار الشعري باللغتين العربية والإنجليزية.

ويقود مسرح مركز الملك فهد الثقافي بالرياض، قاطرة مشروعات سعودية قائمة لإنشاء دارَي أوبرا في الرياض وجدة، حيث بدأت ملامح دار الأوبرا في جدة تتضح على طريق الإنجاز، وتمضي الآن في مرحلة التصاميم الهندسية قبل البدء في الإنشاء.

يقود مسرح مركز الملك فهد الثقافي بالرياض قاطرة مشروعات سعودية قائمة لإنشاء دارَي أوبرا في الرياض وجدة (وزارة الثقافة)

وتأتي استضافة مركز الملك فهد الثقافي للعرض الافتتاحي لأوبرا «زرقاء اليمامة»، بدايةً لسلسة من البرامج الثقافية المتنوعة التي سيتم تفعيلها من خلال مرافق المركز العديدة، ومنها صالة عروض فنية، ومسرح رئيسي ومسرحان إضافيان، ومطعم فاخر، ومتجر للهدايا التذكارية، بالإضافة إلى قاعة متعددة الاستخدامات، وحديقة فريدة في المنطقة المحيطة بالمركز تم تصميمها بالتعاون مع مشروع «الرياض الخضراء».

ويعد مشروع تطوير وتجديد مركز الملك فهد الثقافي أحد مشروعات التطوير الإنشائية التي تنفذها الوزارة ضمن مبادرة «تطوير البنية التحتية الثقافية» التي تندرج تحت مظلة برنامج «جودة الحياة»، أحد برامج تحقيق «رؤية المملكة 2030»، وقد عملت الوزارة على ترميم المركز وفق الطراز السلماني، وذلك في إطار جهودها لجعل المركز منصةً رائدةً متعددة التخصصات، ومركزاً زاخراً بالثقافة والفنون، ومساحة للحوار، وتبادل الخبرات، ووجهة ثقافية عالمية تجذب الزوار من داخل المملكة وخارجها، وتقدّم أفضل التجارب الفنية والثقافية للجمهور بجميع فئاته.



الغموض يحيط بمدفن الأديبة مي زيادة في القاهرة

مي زيادة الأديبة الفلسطينية اللبنانية (أرشيفية)
مي زيادة الأديبة الفلسطينية اللبنانية (أرشيفية)
TT

الغموض يحيط بمدفن الأديبة مي زيادة في القاهرة

مي زيادة الأديبة الفلسطينية اللبنانية (أرشيفية)
مي زيادة الأديبة الفلسطينية اللبنانية (أرشيفية)

حالة من الغموض تحيط بمدفن الأديبة اللبنانية من أصل فلسطيني مي زيادة «1886-1941» بعد إعلان باحث مصري في شؤون المقابر والجبانات عن اختفائه من موقعه في مدافن الطائفة المارونية.

وكان الباحث في شؤون الجبانات والمقابر إبراهيم طايع أعلن عن اختفاء المقبرة، مشيراً على صفحته بـ«فيسبوك» إلى أنه كان في زيارة هناك، ولم يجد لها أثراً، وقال طايع: «المعروف أن مي زيادة توفيت في القاهرة، وخرجت جنازتها من مستشفى المعادي في 17 أكتوبر (تشرين الأول) سنة 1941م ودفنت في مقابر الطائفة المارونية»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أنه «زار القبر أكثر من مرة، وقام بتصويره، وهو مدفن بسيط مرتفع عن الأرض، وموضوع عليه رخامة مكتوب عليها: الأديبة مي زيادة... نابغة الشرق، وعليه تاريخ وفاتها».

ويضيف طايع: «في الأيام الماضية حين دخلنا المقابر الخاصة بالطائفة المارونية، لم نجد أثراً لقبر مي ولا توجد رخامة، وكان مكانها رخامة بديلة دون كتابات أدت إلى تغيير شكل القبر تماماً، اختفى القبر كأن المكان لم يكن فيه مدفن من قبل».

وتساءل طايع أين اختفى قبر مي زيادة ومن فعل هذا؟ وما مصير رفاتها؟ وتابع: «حين توجهنا بهذه الأسئلة لبعض المسؤولين عن مقابر الجاليات أخبرونا أن بعض المدافن، عندما تمر عليها سنوات طويلة دون أن يسأل أحد عنها، تتم إزالتها وإعادة استخدام المكان لدفن موتى آخرين، لكن هل ينطبق هذا على مي زيادة، صاحبة الصالون الأدبي الشهير، التي اجتمع حولها كبار أدباء ومثقفي عصرها، وقال عنها أحمد شوقي: (إذا نطقت صبا عقلي إليها، وإن بسمت إليَّ صبا جناني)، ووصفها الشيخ مصطفى عبد الرازق بأنها: رائدة النهضة النسوية في الشرق».

شاهد قبر قديم لمي زيادة (الباحث إبراهيم طايع)

من جهته، قال ميشيل حنا الأديب والباحث في عمارة القاهرة، «إن قبر مي زيادة كان موجودا في خانة في الحائط، وإنه زارها منذ عامين، كان القبر هناك، لكن هذا المدفن لم يكن أول مكان دفنت به، كان هناك مدفن آخر لها، لكن رفاتها نقل إلى مكانها الذي رأيت المقبرة به آخر مرة»، ويضيف لـ«الشرق الأوسط»: «هي عادة يلجأ لها المسؤول عن المقابر عندما يجد مكاناً ليس له صاحب ولا يسأل عنه أحد فيقوم بنقل الرفات لإعادة وضع متوفى جديد».

كان لمي في الأصل مدفن خاص بها، حسب قول ميشيل حنا، لكنها نقلت بعد ذلك لمربع في الجدار، وتساءل: «لا أعرف كيف يحدث هذا مع شخصية مثل مي؟ فهي أديبة، وكاتبة، ومترجمة، وشاعرة مهمة، وتُعد واحدة من أبرز رائدات النهضة الأدبية والعمل النسوي في العالم العربي خلال النصف الأول من القرن العشرين».

مي مع والدتها في الناصرة (من الباحث إبراهيم طايع)

من جانبه، قال الأب نبيل رفُّول مسؤول الطائفة المارونية بالقاهرة لـ«الشرق الأوسط» إنهم لا يعلمون شيئاً عن اختفاء مدفن مي زيادة «فقد كان موجوداً بالفعل»، ويضيف رفُّول أن «هناك قضية مقامة ضد حارس المدافن بعد أن اكتشفنا أنه يتم العبث بها، فهو يدعي أنه ورثها عن جده»، ويضيف رفُّول أن «الطائفة المارونية في انتظار كلمة القضاء في هذا الشأن».

ولدت مي زيادة في مدينة الناصرة بفلسطين لأب لبناني وأم فلسطينية، وانتقلت لاحقاً مع عائلتها إلى مصر واستقرت في القاهرة حيث درست في جامعة القاهرة، واشتهرت بثقافتها الواسعة وإتقانها لعدة لغات أجنبية، وأنشأت صالونها الأدبي الأسبوعي الشهير في القاهرة، الذي كان ملتقى لكبار أدباء ومفكري العصر، مثل أحمد لطفي السيد، وخليل مطران، وعباس محمود العقاد، وطه حسين، ومصطفى صادق الرافعي.


السلاحف البحرية ترصد آثار الاحترار في المتوسط

سلحفاة بحرية صغيرة تزحف نحو البحر على شاطئ إيزتوزو ​​في تركيا (رويترز)
سلحفاة بحرية صغيرة تزحف نحو البحر على شاطئ إيزتوزو ​​في تركيا (رويترز)
TT

السلاحف البحرية ترصد آثار الاحترار في المتوسط

سلحفاة بحرية صغيرة تزحف نحو البحر على شاطئ إيزتوزو ​​في تركيا (رويترز)
سلحفاة بحرية صغيرة تزحف نحو البحر على شاطئ إيزتوزو ​​في تركيا (رويترز)

في كل صيف، تتكرر على شواطئ البحر المتوسط معجزة طبيعية عمرها ملايين السنين، حين تشق صغار السلاحف البحرية طريقها من الأعشاش الرملية إلى البحر. لكن هذا المشهد الآسر بات يحمل مؤشرات مقلقة لعلماء البيئة؛ إذ تكشف السلاحف ضخمة الرأس عن التأثير المتنامي لتغير المناخ على النظم البحرية، مع ارتفاع درجات الحرارة الذي يخلّ بالتوازن الطبيعي بين الذكور والإناث ويهدد مستقبل أحد أبرز الكائنات المهاجرة في المتوسط.

على شاطئ إيزتوزو التركي، أحد أهم مواقع تعشيش السلاحف البحرية في البحر المتوسط، تشق نحو 30 ألف سلحفاة صغيرة طريقها إلى البحر كل موسم بعد خروجها من مئات الأعشاش المنتشرة على امتداد الساحل. ورافقت «رويترز» عالم الأحياء البحرية يعقوب كاسكا وفريقه من المتطوعين خلال جولاتهم الليلية لمراقبة الأعشاش وحماية البيوض المدفونة في الرمال. وتنتشر فوق الأعشاش أقفاص هرمية الشكل تحول دون وصول الثعالب إليها، في حين يتحول الشاطئ، الذي يعج بالسياح نهاراً، إلى ملاذ هادئ لحماية السلاحف ليلاً.

صغار السلاحف البحرية تزحف نحو البحر على شاطئ إيزتوزو الواقع على ساحل البحر الأبيض المتوسط ​​في مقاطعة موغلا بتركيا (رويترز)

تميمة «كوب 31»

وأصبحت السلحفاة ضخمة الرأس، التي تحفر أعشاش بيوضها على شواطئ البحر المتوسط، التميمة الرسمية لمؤتمر الأطراف (كوب 31) للمناخ الذي تستضيفه تركيا الشهر المقبل. وستكون حماية البيئة البحرية من المحاور الرئيسية للقمة التي ستنعقد على ساحل أنطاليا.

ويقول باحثون إن تلك السلحفاة توضح كيفية تأثير تغير المناخ على النظم البيئية بمنطقة البحر المتوسط، التي تشهد اتجاهاً طويل الأمد نحو ارتفاع درجات الحرارة منذ أوائل ثمانينيات القرن الماضي.

درجات حرارة أعلى

أظهر تحليل أجرته «رويترز» أن المياه الأوروبية سجلت أعلى درجات حرارة صيفية على الإطلاق، مع تداعيات خطيرة على بعض المجتمعات الساحلية.

ويقول باحثون إن تغير المناخ يؤدي أيضاً إلى ارتفاع تدريجي في درجات حرارة الشواطئ في أنحاء البحر المتوسط ‌وهي الشواطئ التي ‌تضع فيها السلاحف بيوضها.

ويتحدد جنس صغار السلاحف وفقاً لدرجة حرارة العش؛ إذ تؤدي الرمال الأكثر ​دفئاً ‌إلى ⁠إنتاج أعداد ​أكبر ⁠من الإناث.

وقالت آيفر شيرين، المحاضرة في علم البيئة بجامعة أسكودار والتي أجرت أبحاثاً موسعة على السلاحف ضخمة الرأس: «تقدم لنا السلاحف البحرية نظام إنذار مبكراً وسريعاً للغاية». وأضافت أن تلك الكائنات تظهر عليها آثار التغيرات البيئية التي تؤثر في النظم الساحلية والبحرية لأنها من الأنواع التي تعتمد على اليابسة والبحر معاً.

وفي دراسة دكتوراه استمرت خمس سنوات في جامعة باموكالي، خلصت شيرين إلى أن ارتفاع درجات الحرارة يرتبط بتبكير مواعيد وضع البيوض وتقليص فترات الحضانة لها في الأعشاش وزيادة نسبة الإناث.

يراقب عالم الأحياء البحرية المتخصص في السلاحف البحرية يعقوب كاسكا وأحد المتطوعين سلحفاة صغيرة وهي تزحف نحو البحر على شاطئ إيزتوزو (رويترز)

وقدرت الدراسة التي أجريت على شاطئ باتارا أن نحو 70 في المائة في المتوسط من صغار السلاحف ضخمة الرأس عند الفقس من الإناث، وخلصت إلى أن تعديل السلوكيات وحده قد لا يكون كافياً للتخفيف ⁠من آثار تغير المناخ.

وقال كاسكا إن درجات حرارة الأعشاش في إيزتوزو ارتفعت بنحو درجة مئوية ‌واحدة خلال العشرين عاماً الماضية، مضيفاً أن تحليلات أوسع أشارت إلى أن الإناث ‌تمثل ما بين 80 و90 في المائة من صغار السلاحف في العديد من التجمعات.

ويقول ​العلماء إن استمرار ارتفاع درجات الحرارة قد يؤدي في نهاية المطاف ‌إلى انخفاض أعداد الذكور إلى حد لا يكفي لضمان نجاح التكاثر.

وأضافت شيرين أن درجات حرارة الأعشاش التي تتجاوز 30 ‌درجة مئوية تزيد أيضاً من خطر نفوق الأجنة. ووفقاً لفريق الخبراء المختص بالسلاحف البحرية، تصنف السلاحف ضخمة الرأس على أنها معرضة لخطر الانقراض على مستوى العالم.

أما في البحر المتوسط فتدرج ضمن فئة يقل القلق عليها، وهو ما يعكس نجاح جهود الحفاظ على الأنواع، لكن العلماء يقولون إن تغير المناخ يفرض ضغوطاً جديدة.

تعاون بين الدول

قال كاسكا إن نمط الهجرة الذي تتبعه السلاحف يبرز الحاجة إلى تعاون عابر للحدود خلال مؤتمر «كوب 31».

وتابع قائلاً: «قد ‌تضع بيوضها في تركيا، لكنها تتغذى في تونس أو في البحر الأدرياتيكي وغيرها من المناطق»، ودعا الدول إلى التعاون لحماية التنوع البيولوجي في البحر المتوسط.

وأشار كاسكا إلى أن إناث السلاحف ضخمة الرأس تعود عادة بعد عقود إلى الشواطئ التي فقست فيها لوضع البيوض، لكن التغيرات في الأنظمة البيئية دفعت بعضها إلى وضع البيوض في مناطق أبعد شمالاً وهو أمر لم يكن شائعاً من قبل.

سلحفاة بحرية صغيرة تزحف نحو البحر على شاطئ إيزتوزو ​​في تركيا (رويترز)

ويراقب المتطوعون على الشاطئ صغار السلاحف مستخدمين أضواء حمراء خافتة لتقليل أي إزعاج للحد الأدنى في أثناء توجهها نحو البحر، لكن الصغار يواجهون في البحر مخاطر أخرى، من بينها شباك الصيد والقوارب والنفايات البلاستيكية.

وقالت شيرين: «السلحفاة البحرية التي تعلق في شبكة صيد لا تستطيع الصعود إلى السطح للتنفس، وللأسف تموت غرقاً».

ويشكل التلوث بالبلاستيك مصدر قلق على وجه الخصوص. وقال كاسكا إن 60 في المائة من السلاحف التي تنقل إلى مركز للتأهيل يوجد في أجهزتها الهضمية ما لا يقل ​عن خمس قطع من البلاستيك.

وتابع قائلاً: «إلقاء كيس بلاستيكي في ​البحر يشبه ضرب السلاحف بالرصاص».


«ناس من شارعنا»... معرض قاهري يحكي قصصاً باريسية

لوحات تعكس حكايات باريسية (الفنان)
لوحات تعكس حكايات باريسية (الفنان)
TT

«ناس من شارعنا»... معرض قاهري يحكي قصصاً باريسية

لوحات تعكس حكايات باريسية (الفنان)
لوحات تعكس حكايات باريسية (الفنان)

في معرضه الأحدث، الذي يحمل عنوان «ناس من شارعنا»، يقدم الفنان المصري عبد الرازق عكاشة حكايات وقصصاً من فرنسا، إذ يرصد أحد الشوارع الباريسية التي عاش فيها واختلط بسكانها وروادها من الفنانين والمبدعين، ويقدم رؤيته الجمالية عنهم في نحو 30 لوحة تتداخل فيها الألوان الساخنة والباردة لتنسج حكايات باريسية مشوقة.

ويواصل عكاشة، في المعرض الذي افتُتح الخميس بغاليري «فلك» بوسط القاهرة، الرهان على جرأة استخدام الألوان، مع تكوينات تعبيرية وتجريدية تجعل للحكاية أبعاداً مختلفة في ذهن المتلقي، فتتعدد الرؤى والحكايات المنبثقة من العمل الواحد بقدر تعدد المشاهدين.

من أعمال المعرض (فيسبوك)

ويقول الفنان عبد الرازق عكاشة إن فكرة معرض «ناس من شارعنا» تستند إلى شارع «ريدي ذا بيس» في فرنسا، الذي عاش فيه، ويصفه بأنه شارع مهم جداً في منطقة مونمارتر، التي يعيش فيها الفنانون والأدباء والكتّاب، وتضم أيضاً «مولان روج» أو الطاحونة الحمراء، ويمر بها طريق بيكاسو إلى الهضبة العليا، كما سكنت داليدا بالقرب من هذا الشارع.

ويضيف، في كلمة مصورة تعريفية بالمعرض، أنه لم يختر الرسم عن شارع باريسي تنازلاً عن هويته أو تبادلاً للهويات، وإنما تعبير عن التفاعل الإنساني مع شارع وأشخاص من الفنانين والمبدعين عاش بينهم وقرر أن يرسمهم.

ويوضح: «في هذا المعرض، أعرِّف الجانب العربي أو المصري بكيفية تفكير الآخر ونمط حياته، وأحاول أن أصوِّر له هذا النمط وأنقله إليه كاملاً، فليس هناك تضارب في الهويات، بل محاولة للتقريب بينها».

لوحة تعبر عن حكاية بالمعرض (الفنان)

وتشي اللوحات بالعديد من الحكايات في الشارع الذي اختاره الفنان، من المقاهي وجلسات السمر إلى النزهات بالدراجات والجداريات على المترو، وجميعها تأتي في إطار من الألوان المبهجة والتكوينات الفنية ذات الدلالات المفتوحة على أكثر من حكاية وتفسير.

وأشار الفنان أيضاً إلى أن شغفه برسم الشارع لا يقتصر على الشارع الباريسي، إذ لديه، كما يقول، «مشروع فني منذ 10 سنوات عن العمارة في شوارع مصر»، يحاول من خلاله رصد كيفية عيش الناس في مصر، خصوصاً في الأحياء الإسلامية التراثية وبعض المناطق الشعبية، بما تشهده من زحام، مثل الحسين والعتبة والجمالية وحارة اليهود، وغيرها من الأماكن التي تتجلى فيها هوية الإنسان وخصوصيته.

جانب من المعرض (فيسبوك)

وفيما يلفت عكاشة إلى شروع متحف بيكاسو في باريس في دراسة عرض لوحاته عن غزة، يؤكد أن هذه اللوحات، التي خصص لها معرضاً سابقاً في القاهرة ورسم جدارية كبيرة عنها، تظل من أهم الأعمال التي قدمها، إذ تعبّر عما يشعر به فنان عربي تجاه مأساة غزة.

وسبق أن قدم عكاشة معرضاً بعنوان «جدارية غزة»، ضم أعمالاً ملحمية ومشاهد موجعة من المأساة التي شهدها القطاع جراء الحرب. ورصد في لوحاته مشاهد متعددة من داخل القطاع، استلهمها من نشرات الأخبار والصور والوقائع التي شاهدها العالم.