«أشغال شقة» يُنقذ «الكوميديا» في موسم دراما رمضان بمصر

نقاد أجمعوا على جودته وحذروا من «فوضى الارتجال» بأعمال أخرى

أحد مشاهد مسلسل «أشغال شقة» (الشركة المنتجة)
أحد مشاهد مسلسل «أشغال شقة» (الشركة المنتجة)
TT

«أشغال شقة» يُنقذ «الكوميديا» في موسم دراما رمضان بمصر

أحد مشاهد مسلسل «أشغال شقة» (الشركة المنتجة)
أحد مشاهد مسلسل «أشغال شقة» (الشركة المنتجة)

تعد المسلسلات الكوميدية أحد ملامح دراما رمضان المصرية، حيث تحتل اهتماماً في قوائم مشاهدات الجمهور، وظل حضور الزعيم عادل إمام فيها لافتاَ حتى آخر أعماله «فالانتينو» قبل أربع سنوات.

وشهد موسم هذا العام عرض عدة مسلسلات كوميدية، تصدر بطولتها نجوم الكوميديا الشباب، تأرجحت في مستواها، وأطلت أزمة كتابة الأعمال الكوميدية برأسها في أعمال عديدة، بحسب نقاد أشاروا في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» إلى أن مسلسل «أشغال شقة» أنقذ الكوميديا في موسم رمضان، وأشادوا بجودته وتميزه، بينما حذروا من «فوضى الارتجال» التي سادت أعمالاً أخرى.

هشام ماجد وأسماء جلال ومصطفى غريب في مسلسل «أشغال شقة» (الشركة المنتجة)

واختار الناقد أندرو محسن مسلسل «أشغال شقة» كأفضل عمل كوميدي في رمضان، مشيداً ببطله الفنان هشام ماجد، مؤكداً أن مسلسل «بابا جه» جيد، فيما أكد أن «خالد نور وولده نور خالد» يعاني مشكلة في الكتابة، وأن مسلسل «فراولة» لم يكن بالمستوى المطلوب لبطلته الفنانة نيللي كريم.

وهو ما أيدته الناقدة ماجدة خير الله قائلة: «أشغال شقة» يتصدر أفضل الأعمال الكوميدية، لكنها لفتت إلى أن «فكرتي (بابا جه)، و(خالد نور وولده نور خالد)، جديدتان، لكن البعض هاجمها من دون انتظار نضج الأحداث».

أكرم حسني في لقطة من مسلسل «بابا جه» (الشركة المنتجة)

فيما توقفت الناقدة ناهد صلاح عند نهايات أعمال بدت مبشرة، لكنها جاءت محبطة، مشيرة إلى أن «خالد نور وولده نور خالد» بدا رائعاً في أول حلقتين لكنه وقع بعدها في فخ التكرار والتطويل، فيما أشادت بـتميز «أشغال شقة» لتناوله المختلف وأن بطله هشام ماجد قدم من خلاله عملاً ناجحاً، بينما ترى أن «الكبير أوي» يستلزم وقفة من أحمد مكي ليعيد حساباته، كما اختار طارق الشناوي «أشغال شقة» و«كامل العدد» كأفضل الأعمال الكوميدية هذا الموسم.

وتدور أحداث «أشغال شقة» من خلال بطله حمدي عبد الرحيم أخصائي الطب الشرعي «هشام ماجد» الذي يرزق وزوجته ياسمين «أسماء جلال» بتوأم ويقرران الاستعانة بمديرة منزل لرعاية المولودين، ويواجهان مواقف كوميدية في رحلة البحث عن مديرة منزل مناسبة وشارك بالمسلسل عدد من ضيوف الشرف، من بينهم، الفنانة إنعام سالوسة، انتصار، مي كساب، رحمة أحمد، أكرم حسني.

لقطة من مسلسل «الكبير أوي» (الشركة المنتجة)

وأشاد المؤلف عاطف بشاي في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» بتطور الأعمال الكوميدية في موسم رمضان المنقضي، مؤكداً أنها تطرح قضايا وتحمل أفكاراً جيدة وقد تخلت عن التهريج الرديء والإفيهات غير اللائقة، مؤكداً أن «هناك درجات من التفوق، وأن مسلسل (بابا جه) يتميز بطرح قضية في إطار عميق يرمي إلى الكوميديا السوداء القائمة على سوء التفاهم والصدف والسخرية العالية، عبر علاقة الأب بأبنائه في هذا الزمن».

وسيطرت المسلسلات القصيرة المكونة من 15 حلقة على الأعمال الكوميدية، ومن بينها «أشغال شقة» لهشام ماجد وأسماء جلال، وإخراج خالد دياب، و«بابا جه» لأكرم حسني ونسرين أمين وإخراج خالد مرعي، و«فراولة» لنيللي كريم مع شيماء سيف وصدقي صخر وإخراج محمد علي، و«خالد نور وولده نور خالد» لشيكو وكريم محمود عبد العزيز بمشاركة شريف رمزي ودنيا ماهر وإخراج محمد أمين، وواصل أحمد مكي تقديم «الكبير أوي» في جزئه الثامن بمشاركة، محمد سلام، وبيومي فؤاد، ورحمة أحمد وإخراج أحمد الجندي.

وحذرت د.سامية حبيب أستاذة النقد بأكاديمية الفنون من ظاهرة الارتجال، التي سادت أعمالاً عدة في رمضان، مؤكدة أنه أحد أنواع التمثيل الكوميدي لكنه ليس بديلاً عن النص، مشيرة إلى أن «بعض الممثلين يعتقدون بغرور قدرتهم على ملء مساحات بمواقف تضحك الناس، بينما لا ينجحون في ذلك لأن النص هو الأساس»، مشددة على أن «الكوميديا فن صعب لا يجب التعامل معه بتساهل يصل لحد الاستهتار».

أفيش «خالد نور» (الشركة المنتجة)

وتتوقف د.سامية حبيب عند مسلسل «خالد نور وولده نور خالد»، مؤكدة أنه يطرح فكرة جديدة في إطار فانتازي لرجل له ابن في نفس عمره، وهي فكرة خيالية ترتبط بالكوميديا واللامعقول، وقد بدأت قوية ثم تعثرت الفكرة ولم يستطع المؤلفان أحمد عبد الوهاب وكريم سامي بناء الشخصيات عليها وتطويرها، لافتة إلى أن الكتابة الكوميدية تتطلب من الكاتب معرفة أنواعها واتجاهاتها منذ أرسطفونيس وحتى اليوم، كي يبني الشخصيات ويعطيها مقوماتها، منوهة بأن وجود المخرج محمد أمين كان يعطيها ثقة في العمل لأنه «كاتب ومخرج لديه قدرة على بناء الفانتازيا، كما في أفلامه (فيلم ثقافي)، (ليلة سقوط بغداد)، (فبراير الأسود) لكنه لم يستطع أن ينقذ المسلسل»، على حسب قولها.


مقالات ذات صلة

رهف عبد الله: دوري في «سر وقدر»... رسالة تُعزِّز ثقة المرأة بنفسها

يوميات الشرق تشيد بمهنية الممثلة وفاء طربيه (إنستغرام الفنانة)

رهف عبد الله: دوري في «سر وقدر»... رسالة تُعزِّز ثقة المرأة بنفسها

تشارك الممثلة رهف عبد الله في مسلسل «سر وقدر» بشخصية امرأة تبدأ من الضعف لتصل إلى القوة، حاملة رسالة تؤكِّد أن الثقة بالنفس قادرة على تغيير المصير.

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق بسنت شوقي في أحد أدوارها (صفحتها في «فيسبوك»)

بسنت شوقي: التنوّع خيار محسوب بين «إفراج» و«الكينج»

أوضحت الممثلة المصرية بسنت شوقي أنها تعاملت مع شخصية «وفاء» بجدّية في التحضير، وحرصت على البحث عن نماذج قريبة منها في الواقع.

أحمد عدلي (القاهرة )
يوميات الشرق تارا مع أحمد رمزي بطل «فخر الدلتا» (حسابها على فيسبوك)

تارا عبود لـ«الشرق الأوسط»: قدمت أوراق اعتمادي في الدراما المصرية

عدَّت الممثلة الأردنية تارا عبود مشاركتَها في الموسم الرمضاني الماضي، عبر مسلسلَيْ «صحاب الأرض» و«فخر الدلتا»، ورقةَ اعتماد لها ممثلةً في مصر.

انتصار دردير (القاهرة)
يوميات الشرق يورغو شلهوب وكارين رزق الله شكّلا ثنائية مؤثرة في «المحافظة 15» (إنستغرام)

يورغو شلهوب: الإحساس الفطري هو الأساس في التمثيل

يورغو شلهوب قدَّم في «المحافظة 15» أداءً مؤثراً لشخصية «فؤاد» عبر دراسة نفسية، وتجارب معتقلين حقيقيين، ما منح الدور واقعية كبيرة.

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق من مسلسل «الشقيقة الأخرى لعائلة بينيت» (بي بي سي- باد وولف)

ماري بينيت... إعادة الإعتبار لشخصية من عالم جين أوستن

لماذا لا يكتفي الناس بما تركته الروائية الإنجليزية جين أوستن من كتب؟ لماذا لا تنتهي المعالجات الأدبية والفنية لرواياتها؟ لا يبدو ذلك ممكناً.

عبير مشخص (لندن)

«أرتيميس 2» في مدار القمر

كريستينا كوتش من طاقن "آرتيميس 2" تنظر إلى الكرة الأرضية من نافذة مركبة "أورايون" (أ.ف.ب)
كريستينا كوتش من طاقن "آرتيميس 2" تنظر إلى الكرة الأرضية من نافذة مركبة "أورايون" (أ.ف.ب)
TT

«أرتيميس 2» في مدار القمر

كريستينا كوتش من طاقن "آرتيميس 2" تنظر إلى الكرة الأرضية من نافذة مركبة "أورايون" (أ.ف.ب)
كريستينا كوتش من طاقن "آرتيميس 2" تنظر إلى الكرة الأرضية من نافذة مركبة "أورايون" (أ.ف.ب)

دخل رواد الفضاء الأربعة ضمن مهمة «أرتيميس2» إلى مدار القمر، أمس، في وثبة عملاقة للبشرية، تمكنهم من مشاهدة أجزاء قمرية لم تَرَها عين مجردة لإنسان من قبل.

وقبل أقل من ساعة من التحليق في مدار القمر، كان مقرراً أن يصير رواد الفضاء الأربعة أبعد مَن يصل إلى هناك من البشر، متجاوزين الرقم القياسي للمسافة الأبعد، البالغ 400 ألف و171 كيلومتراً، الذي سجلته المركبة الفضائية «أبولو13» في أبريل (نيسان) 1970. وتوقع مركز التحكم في المهمة أن تتجاوز كبسولة «أوريون» التابعة لـ«أرتيميس2» هذا الرقم القياسي بأكثر من 6600 كيلومتر.

وعلى رأس قائمة أهداف البعثة «حوض أورينتال»، وقد أظهرت صورةٌ أرسلها الطاقم هذه الفوهةَ التي لم تسبق رؤيتها إلا بواسطة كاميرات تدور في مدار حول القمر من دون وجود طاقم، بالإضافة إلى أطراف منطقة القطب الجنوبي، وهي الموقع المفضل لعمليات الهبوط المستقبلية.


أعمال يونسكو ولورنس وداريو فو تجدد دماء المسرح المصري

جانب من عروض المهرجان (وزارة الثقافة)
جانب من عروض المهرجان (وزارة الثقافة)
TT

أعمال يونسكو ولورنس وداريو فو تجدد دماء المسرح المصري

جانب من عروض المهرجان (وزارة الثقافة)
جانب من عروض المهرجان (وزارة الثقافة)

شهدت الدورة 41 لمهرجان المسرح العالمي الذي تنظمه أكاديمية الفنون المصرية في القاهرة عرض مجموعة مسرحيات مقتبسة من نصوص عالمية، من بينها «الكمامة»، تأليف ألفونسو ساستري، و«موت فوضوي صدفة» لداريو فو، و«قصة الحي الغربي» لأرثر لورنس، و«منظمة آل يونسكو»، عن مسرحية ليوجين يونسكو، و«ليزي أنبل من الجميع»، عن مسرحية لجان بول سارتر. وقد قدّم كل عرض رؤية خاصة أسهمت في إثراء الحالة المسرحية، بما يسهم في تجديد دماء المسرح المصري.

واحتضنت الدورة الجديدة المواهب الشابة لتصبح منصة فاعلة لإطلاق الطاقات الإبداعية؛ إذ تنافست 7 عروض مسرحية قدّمت رؤى فنية متنوعة، عكست وعياً جمالياً متطوراً وقدرة لافتة على الاشتباك مع أدوات المسرح المختلفة، من إخراج وتمثيل وتصميم بصري وموسيقي، وفق بيان لأكاديمية الفنون، الأحد.

وأسفرت نتائج الجوائز عن مشهد تنافسي ثري؛ إذ حصد عرض «آل يونسكو» جوائز في أكثر من فرع، من بينها أفضل بوستر وأفضل دراماتورج، إلى جانب تقاسمه جوائز في مجالَي الملابس والديكور. في حين برز عرض «ماذا لو؟»، محققاً جوائز نوعية شملت الإخراج والتمثيل، إلى جانب حصوله على جائزة أفضل عرض ثانٍ.

ونال شادي نجم جائزة أفضل موسيقى عن «موت فوضوي صدفة»، ومارينا بيرزي أفضل مكياج عن «ليزي أنبل من الجميع»، في حين تُوّج محمد الديب بجائزة أفضل استعراض عن «قصة الحي الغربي»، الذي حصد أيضاً جائزة لجنة التحكيم الخاصة للمخرج مازن نادر.

وفي مجال التمثيل، عكست النتائج بروز جيل جديد من الموهوبين؛ إذ حصلت أمنية حسن على المركز الأول (للبنات)، في حين تصدّر سعيد سلمان جوائز التمثيل (للرجال).

وتقاسم جائزة أفضل مخرج أول كل من ماركو نبيل ومحمد عادل، ونال حسام قشوة جائزة أفضل مخرج ثانٍ عن عرض «الكمامة»، الذي حصد بدوره جائزة لجنة التحكيم الخاصة.

وتُوّج عرض «منظمة آل يونسكو» بجائزة أفضل عرض أول، ليختتم المهرجان بصورة تعكس توازناً بين الجرأة الفكرية والاحترافية الفنية، ويؤكد أن المسرح الجامعي لا يزال قادراً على إنتاج تجارب لافتة ومؤثرة، وفق بيان «الأكاديمية».

جانب من حفل ختام مهرجان المسرح العالمي (أكاديمية الفنون المصرية)

ويرى الناقد الفني المصري أحمد سعد الدين أن «مهرجان المسرح العالمي الذي أقيم في أكاديمية الفنون قدم أعمالاً عالمية مهمة جداً، وتم الاحتفاء بها بشكل كبير»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «هذه الأعمال قُدمت في إطار محدود ضمن المهرجان، لكنها حين تُعرض للجمهور العام لا شك أنها ستجد إقبالاً كبيراً عليها»، وتابع: «أكبر دليل على ذلك أن أعمال ويليام شكسبير الذي يعدّ (أبا الدراما والمسرح)، حين يعاد تقديمها على مسارح الدولة تشهد قبولاً كبيراً».

ويأتي هذا المهرجان في سياق رؤية أكاديمية الفنون التي تستهدف بناء جيل جديد من الفنانين يمتلك أدواته، ويعي دوره، ويكون قادراً على تجديد دماء الحركة المسرحية في مصر، عبر تجارب حقيقية تتجاوز حدود التعلم النظري إلى فضاءات الممارسة والابتكار.

وأكد سعد الدين أن الروايات العالمية حين يعاد إنتاجها بدماء جديدة فهي تجدد دماء المسرح، وأوضح: «لو نُفذت مسرحية (هاملت) أو (ماكبث)، أو غيرهما، سيجذبان جمهوراً كبيراً، رغم تقديمهما قبل 30 أو 40 سنة في مصر، لكن من حق الجمهور الجديد أن يراهما وهو يضمن أنه سيرى في كل منهما عملاً جيداً؛ لما لهما من صدى عالمي، مما يسهم في تجديد دماء المسرح بشكل كبير».


عصر الانفلات... الذكاء الاصطناعي يزاحم عقول البشر

غلاف كتاب «عصر الانفلات» (الشرق الأوسط)
غلاف كتاب «عصر الانفلات» (الشرق الأوسط)
TT

عصر الانفلات... الذكاء الاصطناعي يزاحم عقول البشر

غلاف كتاب «عصر الانفلات» (الشرق الأوسط)
غلاف كتاب «عصر الانفلات» (الشرق الأوسط)

في ظل ما يتعرض له العالم من تطورات متسارعة في كل المجالات الحيوية في الطبيعة والاقتصاد والسياسة والاجتماع، وحتى في منظومة القيم، يصطدم الواقع البشري بأن لديه قوانين وتشريعات تتطور بوتيرة بطيئة تشبه المشي، في حين يتطور العالم بتقنياته الحديثة بسرعة الضوء.

هذه الفجوة بين نمط الحياة البشري وإيقاع الحياة التكنولوجي المتطور الذي تحكمه عناصر عدة أهمها الذكاء الاصطناعي، هو ما يطرحه الدكتور منصور الجنادي، في كتابه الأحدث «عصر الانفلات... حياتنا اليوم ومستقبل الإنسان» الصادر أخيراً عن دار العين في القاهرة.

على طريقة «أيام الإنسان السبعة»، ينقسم الكتاب إلى سبعة أبواب كل باب يتضمن فصلاً عن توقعات العلم وتطوراته وتقنياته وآلياته المختلفة وتأثيراته على الكرة الأرضية، وفصلاً عن الإنسان وتأثره بهذا التطور العلمي أو التقني أو التكنولوجي. فيما عدا الباب السابع المخصص للإنسان فقط من خلال رصد الأزمات التي تناولها الكتاب وتشريحها لفهم أبعادها المختلفة، والبحث عن حلول وعلاج لها أو طرق لمواجهتها.

الكاتب المتخصص في الفلسفة، وصاحب الإنتاج الفكري والعلمي المعروف ومن بينه كتابه السابق «خرافة العقل» متناولاً مقاربة فلسفية لحياتنا قبل وبعد الذكاء الاصطناعي، يعتمد في كتابه الأحدث على علوم المستقبل، فهو لا يطلق الافتراضات أو الأفكار على علاتها وإنما بالدلائل والحجج والبراهين المختلفة، مشفقاً على القارئ من البرودة والملل الذي تسربه الأرقام الإحصائية والأبحاث العلمية الجافة منزوعة الروح، ليقدم لنا رؤية تنطلق من تجربة شخصية أو ما يمكن اعتباره سيرة ذاتية لشخص نشأ في قرية مصرية، لا تفرق عاداتها وتقاليدها كثيراً عن حياة المصريين القدماء، ثم انتقل إلى القاهرة ليواجه كل ما تخبئه المدينة من زخم يخطف الأنفاس، ثم يتعلم فن الباليه، ثم يقرر الهجرة إلى الخارج ويكرس وقته لدراسة الفلسفة وعلم النفس ثم العمل مع شركات عابرة للقارات، ثم العودة بكل خبرات السنين الطويلة لكتابة هذه التجربة الثرية من منظور عام يتصل بالوجود البشري وليس شخصه المفرد.

يأتي ترتيب أبواب الكتاب ليقدم لنا رؤية علمية للواقع الذي نعيشه من خلال عناصر بعينها هي الأكثر حضوراً وتأثيراً في حياتنا مثل الطبيعة، وتشير توقعات العلم فيها إلى «اغترابنا في كرتنا الأرضية»، بينما يتمثل حضور الإنسان في البحث عن وسائل للحياة مع الأرض لا فوقها، بمعنى مصالحة الطبيعة والاستفادة منها والتعايش معها بتوازن دقيق.

وفي الفصل التالي عن «العلم والتكنولوجيا»، تأتي توقعات العلم تحت عنوان «عندما يصنع العلم صانعه»؛ في إشارة إلى تقنيات الذكاء الاصطناعي التي بدأت تسيطر على الكثير من المجالات ومرشحة للتغول والتمدد لمساحات أوسع، في المقابل يظهر الإنسان الهجين الحائر بين وجوده البشري وبين الابتكارات الحديثة والبدائل التكنولوجية.

وفي باب الاقتصاد تتحدث توقعات العلم عن التحول من الرأسمالية إلى الذهنوية، فنحن أمام اقتصاد جديد يعتمد على تقنيات وتكنولوجيا المعلومات بالدرجة الأولى، ليجد الإنسان نفسه أمام عمل بلا زمن وهوية بلا مكان.

وفي باب عن الهجرة يتحدث المؤلف عن التحول من غريزة الترحال التي كان يتمتع بها الإنسان في الماضي إلى الهجرة المبرمجة، ومن ثم تصبح النتيجة أننا جميعاً مهاجرون، حتى لو لم نتحرك من أماكننا.

ويخصص الكاتب باباً للسياسة والمجتمع يتوقع فيه العلم مستقبل الحرية والسلطة، ويتحول فيه الإنسان من المجتمع إلى الذات الناقدة. كما يتناول الباب السادس القيم والهوية، ويتوقع العلم الانتقال من هوية الزمان والمكان إلى «ملف البيانات»، بمعنى أن الوجود البشري سيتم تكثيفه أو تركيزه في ملفات للبيانات تحدد الهويات والقيم، لتنتهي صلاحية البوصلة القيمة لأفكار الهوية والقيم التي كان يحفظ بها الإنسان في الماضي.

ويكرس الكاتب الفصل السابع والأخير لمستقبل الإنسان، من خلال التحديات التي تواجه ومدى سيطرته على حياته وعلى مظاهر الطبيعة وانتفاء فكرة أنه مركز الكون، ثم أدوات التأقلم أو ما يسميه الكاتب «الحكمة 2.0» أو تكنولوجيا البقاء، وصولاً إلى المستقبل أو المصير المنتظر للإنسان في مواجهة تقنيات العصر الحديث، بكل ما تحمله من التباسات ذهنية وفكرية وفلسفية واغترابات روحية ونفسية قد تؤثر على مستقبل البشر بطريقة أو بأخرى إذا لم يتم فهمها بطريقة صحيحة والتعايش معها، داعياً القارئ في نهاية كتابه إلى كتابة «سيرة مستقبلية» لتوقعاته في ظل التغيرات المتواترة التي يمر بها العالم.