«دروب مكة»... عناصر ثقافية وكنوز تراثية وحضارية عبر العصور

أضحى وصول ملايين المسلمين إلى مكة المكرمة في وقت واحد متيسراً بفضل تطور الخدمات من المغادرة حتى البلوغ (هيئة العناية بالحرمين)
أضحى وصول ملايين المسلمين إلى مكة المكرمة في وقت واحد متيسراً بفضل تطور الخدمات من المغادرة حتى البلوغ (هيئة العناية بالحرمين)
TT

«دروب مكة»... عناصر ثقافية وكنوز تراثية وحضارية عبر العصور

أضحى وصول ملايين المسلمين إلى مكة المكرمة في وقت واحد متيسراً بفضل تطور الخدمات من المغادرة حتى البلوغ (هيئة العناية بالحرمين)
أضحى وصول ملايين المسلمين إلى مكة المكرمة في وقت واحد متيسراً بفضل تطور الخدمات من المغادرة حتى البلوغ (هيئة العناية بالحرمين)

تقود السعودية مشروعاً لتوثيق دروب مكة المكرمة وعناصرها الثقافية التي شكلت هوية المكان، والمساجد التاريخية والصناعات الثقافية التي تطورت وتبلورت عبر الزمن، وأسهمت في تيسير رحلة ضيوف الرحمن إلى بيت الله الحرام.

ومطلع هذا العام، وقعت منظمة العالم الإسلامي للتربية والعلوم والثقافة (الإيسيسكو) واللجنة الوطنية السعودية للتربية والثقافة والعلوم، اتفاقية ثنائية حول برنامج دروب الحج إلى مكة المكرمة والمساجد التاريخية، لتعزيز التعاون بين «الإيسيسكو» واللجنة الوطنية السعودية في مجال حماية التراث الثقافي المادي وغير المادي لدروب الحج التاريخية نحو مكة المكرمة، وتنسيق الجهود لوضع التدابير اللازمة لصون موروثها التاريخي والعمل على تطويره لمواكبة الأنماط الحديثة لمحطات الحجيج من موانئ ومطارات وغيرها، بما يجعل الحضارة الإسلامية، مرجعاً أساسياً لتاريخ الإنسانية والبشرية وللعلاقات الدولية.

‏من أعمال هيئة التراث السعودية في موقع «زُبَالا» على درب زبيدة وعلاقته الوثيقة مع حواضر العالم الإسلامي (هيئة التراث)

ويلتقي البرنامج التنفيذي بسلسلة جهود بذلتها السعودية لتسليط الضوء على تراثها المادي وغير المادي، وتوثيقه في القوائم الدولية، ما يسهل جذب اهتمام الباحثين والمتتبعين للتراث الإنساني حول العالم، وتوسيع نطاق الاهتمام بها عالمياً، لما تحظى به من قيمة تاريخية وتراثية مهمة، وتعكس المواقع السعودية التي تم تسجيلها على قائمة التراث العالمي ما تتمتع به أرض المملكة الشاسعة من موروث غني، حيث كانت الجغرافيا السعودية مسرحاً لكثير من الأحداث، وملتقى لقارات وحضارات ورثت تاريخاً عريقاً.

خريطة تاريخية لدروب الحج ومشاهده

ويركز برنامج دروب الحج إلى مكة المكرمة، على إبراز الدور الإسلامي ومكانة بلاد الحرمين الشريفين بصفتها مركزاً للتلاقي الحضاري والسلم العالمي، ويدعم الصناعات الثقافية المرتبطة بالحج في دول العالم، وتبادل الخبرات الفنية بين الدول الأعضاء بالمنظمة لبناء وتطوير القدرات في مجال التراث الخاص بدروب الحج.

تنص بنود برنامج «دروب الحج» على حماية وترسيخ مكانة دروب الحج والمساجد التاريخية والمظاهر الثقافية المادية وغير المادية المرتبطة بها (هيئة التراث)

ومن المقرر أن يطلق مركز دولي، يكون مقره مدينة جدة، للاستفادة من موقعها الاستراتيجي بين مدينتي الحرمين الشريفين، ويتولى المركز تنظيم عمل وتنفيذ البرنامج التوثيقي لدروب ومشاهد الحج، وما يتصل بها من كنوز حضارية وعناصر ثقافية وتراثية، وإعداد خريطة المواقع والمساجد في العالم الإسلامي وخارجه، التي تبرز خصوصياتها الهندسية والمعمارية، واستكشاف مسارات ومنتجات سياحية عالمية للمساجد التاريخية وربطها بمسارات دروب الحج.

ويشمل البرنامج التنفيذي العمل على تأسيس دعامة بنيوية تفاعلية من متاحف ومنصات إلكترونية، تسلط الضوء على التطور التاريخي لدروب الحج التي تنطلق من أوروبا وروسيا وأميركا ومختلف أنحاء العالم، وإنشاء منظومة عالمية موحدة لاقتصاد الحج.

ذاكرة تاريخية لرحلات المسلمين

‏موقع فيد الأثري إرثٌ ثمين في منتصف الطريق بين الكوفة ومكة المكرمة على درب زبيدة (هيئة التراث‬⁩)

ويعدّ برنامج توثيق دروب الحج والسفر إلى مكة المكرمة، واحداً من المشروعات التوثيقية التاريخية التي تحفظ تجارب فريدة وعريضة لملايين المسلمين الذين تدفقوا من أصقاع الأرض، إذ لا يخلو بلد في العالم من حاج ومقبل إلى الله، عقد العزم وتجشم المصاعب وكابد رحلة الوصول إلى البيت العتيق، والتقى في مسيره بمحطات ولحظات، كادت تندثر مع الوقت، بينما يحاول البرنامج أن يعيد بناء ذاكرة المكان والزمان بحكايات وعناصر من تراث إنساني وإسلامي مشترك.

وتنص بنود الاتفاق على حماية وترسيخ مكانة دروب الحج والمساجد التاريخية والمظاهر الثقافية المادية وغير المادية المرتبطة بدروب الحج، وكل ما يتصل بها من عناصر وتجارب ثقافية وتراثية تعكس تطور هذه الرحلات التي بدأت قبل أكثر من 1000 عام، وكانت تفد بلا انقطاع إلى قلب مكة المكرمة التي لا تزال نقطة تجمع محوري لمختلف الثقافات التي انصهرت في مكان واحد انتفت عنها الحدود والقيود.

وقد شهد بعض المواقع التاريخية المرتبطة بدروب الحج، في السابق، جهوداً لإعادة إحياء ذكرها بعد اندثار أثرها، ومن ذلك مشروع وفعالية درب زبيدة، الذي تنظمه هيئة التراث السعودية كل عام، ويضم مجموعة متنوعة من الأنشطة الإثرائية التي تجمع بين التراث والثقافة والفن، لتكريم وإبراز تراث الدرب الذي يمتد من الكوفة إلى مكة المكرمة، كجزء من التراث الثقافي الغني في السعودية، التي تسعى من جهة أخرى إلى تسجيله في لائحة التراث العالمي لمنظمة «اليونيسكو»، إلى جانب مواقع سعودية أخرى مرتبطة بتاريخ الحج، ولها قيمة تاريخية وتراثية مهمة، مثل طريقي الحج الشامية والمصرية، وخط حديد الحجاز.


مقالات ذات صلة

«الترفيه» من قطاع هامشي إلى محرك استراتيجي للاقتصاد السعودي

الاقتصاد حضور جماهيري كبير في «موسم الرياض» (واس)

«الترفيه» من قطاع هامشي إلى محرك استراتيجي للاقتصاد السعودي

خلال العقد الأخير، تحوّل قطاع الترفيه في السعودية من نشاط محدود التأثير إلى أحد المحركات الرئيسية للتنويع الاقتصادي، ضمن مستهدفات «رؤية 2030»...

بندر مسلم (الرياض)
خاص زوار في «بوليفارد الرياض» (واس)

خاص السعودية ترسّخ ريادتها كأكبر اقتصاد سياحي إقليمي… ومنصات الترفيه تواكب النمو

السعودية تعزز ريادتها السياحية بنمو قوي و123 مليون سائح، وتوسع الترفيه والفعاليات الرقمية يدعم التحول الاقتصادي.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد قوارب تعبر بين أشجار المورينغا في جزيرة فرسان في جازان جنوب السعودية (وزارة السياحة)

السياحة السعودية: نهضة اقتصادية مذهلة تقودها «رؤية 2030»

لم تكن السياحة في السعودية يوماً مجرد نشاط عابر، بل هي امتداد لثقافة ضاربة في القدم. ومع انطلاق «رؤية 2030»، انتقل هذا الإرث لفضاء سياحي رحب.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد إحدى طائرات «طيران الرياض» تحلّق في سماء العاصمة السعودية (الشركة)

«طيران الرياض» يضم 3 وجهات جديدة إلى شبكة رحلاته

أعلن «طيران الرياض» عن إضافة ثلاث وجهات جديدة إلى شبكة رحلاته، تشمل مدينة جدة، ومدينة مدريد الإسبانية ومدينة مانشستر في المملكة المتحدة.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد منتجع شيبارة في السعودية (واس)

إشغال غرف الفنادق في السعودية يصل إلى 57.3 % خلال الربع الرابع

ارتفع معدل إشغال غرف الفنادق في السعودية بمقدار 1.4 نقطة مئوية، بالغة 57.3 في المائة، خلال الربع الرابع من عام 2025 مقارنة بـ56 في المائة للربع المماثل من 2024.

«الشرق الأوسط» (الرياض)

مصر: وادي الحيتان يحافظ على موقعه البيولوجي ضمن الأهم عالمياً

وادي الحيتان من المحميات الطبيعية النادرة بمصر (وزارة البيئة)
وادي الحيتان من المحميات الطبيعية النادرة بمصر (وزارة البيئة)
TT

مصر: وادي الحيتان يحافظ على موقعه البيولوجي ضمن الأهم عالمياً

وادي الحيتان من المحميات الطبيعية النادرة بمصر (وزارة البيئة)
وادي الحيتان من المحميات الطبيعية النادرة بمصر (وزارة البيئة)

احتفظ وادي الحيتان في محافظة الفيوم (جنوب القاهرة) بموقعه أحدَ أهم المواقع الجيولوجية في مصر، بعد تجديد إدراجه ضمن القائمة الخضراء للاتحاد الدولي لحماية الطبيعة لمدة 5 سنوات جديدة؛ ما يُعدّ شهادة دولية تعكس الالتزام بتطبيق أعلى المعايير الدولية في إدارة المناطق المحمية.

وعدّت وزيرة التنمية المحلية والبيئة بمصر، الدكتورة منال عوض، أن تجديد إدراج موقع وادي الحيتان بالقائمة الخضراء للمناطق المحمية والمصانة للاتحاد الدولي لحماية الطبيعة، لمدة خمس سنوات جديدة، ابتداءً من 24 أبريل (نيسان) 2026 وحتى 23 أبريل 2031، يعكس الثقة الدولية في منظومة الإدارة البيئية للمواقع الطبيعية بمصر.

وأكدت أن هذا الإنجاز الدولي يتوّج جهود وزارة التنمية المحلية والبيئة في الحفاظ على القيم الاستثنائية لموقع وادي الحيتان، ويسهِم في تعزيز الإدارة المستدامة للموارد الطبيعية والحفاظ على إرثها الطبيعي الفريد بكفاءة، ويؤكد نجاح السياسات المتبعة في تحقيق التوازن بين الحماية والاستخدام المستدام.

وادي الحيتان في الفيوم يضم متحفاً ومركزاً للمناخ (وزارة البيئة)

ويقوم تجديد الإدراج على القائمة الدولية على أربعة محاور رئيسية تشمل: الحوكمة الرشيدة، والتخطيط الفعال، والإدارة السليمة، وتحقيق نتائج حقيقية في الحفاظ على الطبيعة، وفق تصريحات الوزيرة في بيان لوزارة التنمية المحلية والبيئة، الخميس.

ويرجع عُمر منطقة وادي الحيتان، وهي منطقة حفريات ومحمية طبيعية، إلى نحو 4 ملايين عام، وتضم حفريات متحجرة لمجموعة كبيرة من هياكل الحيتان يصل عددها إلى 406 هياكل، منها ‏205‏ هياكل عظمية كاملة، يصل طول أحدها إلى 18 متراً. والمحمية التي تقع داخل محمية وادي الريان تُعدّ متحفاً مفتوحاً.

وأضاف بيان الوزارة أن «محمية وادي الحيتان تُعدّ من المواقع الرائدة بمصر ضمن القائمة الخضراء، حيث حصل على شهادة القائمة الخضراء لأول مرة عام 2018، وشارك مجدداً في عملية إعادة الإدراج (Re-listing) عام 2024».

كما أشارت وزيرة التنمية المحلية والبيئة إلى أن مصر تضم موقعَين معلنَين بالقائمة الخضراء للاتحاد الدولي لصون الطبيعة منذ عام 2018، هما محمية «رأس محمد» وموقع وادي الحيتان، وذلك ضمن 93 موقعاً معلناً بالقائمة الخضراء من بين نحو 286.810 مناطق محمية على مستوى العالم.

وأكدت أن تجديد اعتماد الموقع وحصوله على شهادة القائمة الخضراء يأتي نتيجة تكاتف وتعاون الجهود بين الجهة الإدارية ممثلة في جهاز شؤون البيئة، وأصحاب المصلحة ممثلين في المجتمع المحلي، والمؤسسات العلمية، والجمعيات الأهلية العاملة داخل وادي الحيتان، بما يعكس نموذجاً ناجحاً للإدارة التشاركية للمحميات الطبيعية وتحقيق معايير الحوكمة والحفاظ على التنوع البيولوجي.

ووفق الخبير في السياحة البيئية، محمد عليوة، فإن «إدراج المحميات والمواقع الطبيعية المصرية على القوائم الدولية ليس مجرد إنجاز بيئي، بل هو استثمار مباشر في مستقبل السياحة المستدامة في مصر»، وقال لـ«الشرق الأوسط»: «هذه الخطوة تضع مصر على خريطة السياحة البيئية العالمية، وتجذب شريحة متزايدة من السائحين الباحثين عن التجارب الأصيلة المرتبطة بالطبيعة والثقافة والمجتمعات المحلية».

وأضاف عليوة أن «الاعتراف الدولي يعزّز من فرص تطوير نماذج سياحية تحقق التوازن بين الحفاظ على الموارد الطبيعية وتحقيق عائد اقتصادي للمجتمعات المحلية، وهو ما نحتاج إليه بشدة في المحميات الطبيعية. فكلما نجحنا في دمج المجتمع المحلي كجزء من تجربة الزائر من الحرف اليدوية إلى الإرشاد البيئي والتراث الثقافي؛ أصبحت السياحة البيئية أكثر استدامة وتأثيراً».

وتمثل محمية وادي الحيتان بيئة طبيعية للحيوانات المهددة بالانقراض، مثل الغزال الأبيض، والغزال المصري، وثعلب الفنك، وثعلب الرمل، والذئب، والطيور المهاجرة النادرة مثل صقر شاهين، وصقر الغزال، والصقر الحر، والعقاب النساري وغيرها، وفق الهيئة العامة للاستعلامات.

وادي الحيتان في الفيوم (وزارة البيئة)

ويرى الخبير السياحي المصري، محمد كارم، أن تجديد إدراج وادي الحيتان ضمن القائمة الخضراء يعزز المكانة العالمية التي تتمتع بها مصر في السياحة البيئية المستدامة، ويؤكد قدرتها على تطبيق معايير عالمية تحقق التوازن بين حماية البيئة وتنشيط السياحة.

وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «هذه الخطوة تبرز للسائح الباحث عن تجربة بيئية فريدة الأهمية والإمكانات التي يتمتع بها وادي الحيتان بوصفه متحفاً طبيعياً مفتوحاً يعود لملايين السنين، ويعدّ قِبلة ومزاراً سنوياً لعلماء الجيولوجيا من مختلف أنحاء العالم». وأشار إلى أن «تجديد إدراج الموقع يلقي الضوء على السياحة البيئية وسياحة السفاري في مصر، ويعزز ثقة شركات السياحة ومنظمي الرحلات في المقصد السياحي المصري على تنوعه وثرائه الشديد»، على حد تعبيره.

وتعدّ القائمة الخضراء للاتحاد الدولي لصون الطبيعة آلية دولية مرموقة تهدف إلى الاعتراف بالمناطق المحمية التي تُدار بفاعلية وكفاءة، وتحقق نتائج ملموسة في حماية الموارد الطبيعية، مع إشراك أصحاب المصلحة والمجتمعات المحلية في عمليات الإدارة واتخاذ القرار.

وتشغل المحميات الطبيعية التي يصل عددها إلى 30 محمية نحو 15 في المائة من مساحة مصر، من بينها محميات «سانت كاترين» و«رأس محمد» و«وادي العلاقي» و«الغابة المتحجرة» و«بركة قارون» و«البرلس» و«سيوة» و«نبق» و«طابا» و«وادي دجلة».


إلغاءات بالجُملة للمهرجانات السياحية في لبنان

مهرجانات «أعياد بيروت» قد تُعيد النظر بشأن عودتها إلى المدينة (فيسبوك)
مهرجانات «أعياد بيروت» قد تُعيد النظر بشأن عودتها إلى المدينة (فيسبوك)
TT

إلغاءات بالجُملة للمهرجانات السياحية في لبنان

مهرجانات «أعياد بيروت» قد تُعيد النظر بشأن عودتها إلى المدينة (فيسبوك)
مهرجانات «أعياد بيروت» قد تُعيد النظر بشأن عودتها إلى المدينة (فيسبوك)

في خضمّ الظروف الدقيقة التي يمرّ بها لبنان والمنطقة، اتّجه متعهّدو الحفلات إلى إلغاء المهرجانات السياحية؛ المناطقية منها والدولية، في خطوة فرضتها تداعيات الحرب وانعكاساتها الأمنية والاقتصادية. وقد ترك هذا القرار أثراً سلبياً واضحاً على اللبنانيين المقيمين كما على المغتربين، لا سيما أنّ الفئة الأخيرة كانت تنتظر موسم الصيف لزيارة لبنان وحضور حفلات لفنانين يفضّلونهم، في إطار رحلة تجمع بين الحنين والترفيه.

وبذلك، يغيب هذا العام عن روزنامة الصيف نحو 50 مهرجاناً بين دوليّ ومناطقيّ، إضافةً إلى نحو 15 مناسبة موسمية مرتبطة بانتخابات جمالية وفعاليات ترفيهية أخرى، بعدما أطاحت الحرب بهذه الأنشطة. ولم يقتصر تأثير هذا الإلغاء على الجانب الفني والترفيهي فحسب، بل امتدّ ليطول الاقتصاد اللبناني بشكل مباشر، إذ تكبّد متعهّدو الحفلات خسائر مادية كبيرة، فيما خسر القطاع السياحي دفعة أساسية كان يعوّل عليها، علماً بأن السياحة تؤمّن للدولة نحو 20 في المائة من إجمالي مدخولها العام.

ولم تكن هذه المرة الأولى التي يشهد فيها لبنان شللاً في حركته السياحية نتيجة الأزمات الأمنية والسياسية. ففي أعوام سابقة، وجد القيّمون على المهرجانات الفنية أنفسهم أمام ظروف مشابهة، إلا أنهم كانوا يُسارعون، فور عودة الهدوء، إلى إعادة ترتيب حساباتهم وتنظيم أوراقهم لتعويض جزء من خسائرهم. فكانت المهرجانات تعود سريعاً إلى الواجهة، في محاولة لإحياء نبض المدن والمناطق وإعادة الحياة إليها بأسرع وقت ممكن، كونها تُشكّل رئة اقتصادية وثقافية لكثير من البلدات اللبنانية.

ومن المهرجانات المناطقية التي اتجهت رسمياً إلى إلغاء فعالياتها «مهرجانات الأرز». وأعلنت لجنتها تأجيل جميع فعالياتها وحفلاتها التي كان من المقرّر إقامتها في 25 يونيو (حزيران) المقبل، بما فيها حفل الفنان وائل كفوري، نظراً إلى الظروف الأمنية والحرب في لبنان. كما تقرر وقف بيع البطاقات، على شكل إجراء طبيعي في ظلّ حالة عدم الاستقرار التي يعيشها البلد.

منظّمو «مهرجانات الأرز» أول المُعلنين إلغاء حفلاتها الفنية (فيسبوك)

وفي حديث لـ«الشرق الأوسط»، أعربت وزيرة السياحة لورا الخازن لحود، أسفها لغياب هذه المهرجانات عن صيف لبنان المقبل، مؤكدةً أن قرار الإلغاء اتخذه القيّمون على هذه الفعاليات أنفسهم. وأوضحت: «الوزارة لا تتدخل في تنظيم هذه النشاطات ولا تفرض على أحد اتخاذ قرار معين. دورنا يقتصر على منح التراخيص اللازمة لإقامة الحفلات، كما نشارك أحياناً من خلال رعايتها وحضور بعض المناسبات».

وأضافت أنّ اندلاع الحرب كان السبب الرئيسي وراء هذا الواقع، مشيرةً إلى أنّ ذلك بدا واضحاً من خلال عدم تقدُّم أيّ مهرجان بطلبات تراخيص حتى الآن. وتابعت لحود: «يبدو أنّ قرار الإلغاء شبه محسوم بالنسبة إلى المهرجانات الدولية الكبرى، مثل (مهرجانات بيبلوس الدولية) و(مهرجانات بعلبك الدولية)، و(مهرجانات بيت الدين)، فيما قد لا يشمل الأمر بالكامل المهرجانات المناطقية».

وأوضحت أنّ هذا النوع من المهرجانات، الذي تنظّمه القرى والبلدات، قد يبصر النور إذا ما ساد الأمن والاستقرار في البلاد، لافتةً إلى أنّ اعتمادها على فنانين محلّيين يسهّل إعادة تنظيمها سريعاً. وقالت: «الإجراءات المطلوبة لهذه الفعاليات لا تحتاج إلى وقت طويل، مما قد يسمح بإعادتها إلى أجندات البلدات المعنية إذا تحسَّنت الظروف». وختمت متمنيةً أن يشهد لبنان انفراجات أمنية وسياسية تُعيد التفاؤل والرجاء إلى أهله، فيعود لبنان السياحة على الخريطة العربية.

ولا يفصل لبنان عن موعد انطلاق المهرجانات سوى نحو شهر واحد، وهي مدّة قصيرة لا تكفي لمتعهّدي الحفلات لإجراء الاتصالات والترتيبات اللازمة مع النجوم العرب والأجانب الذين يشاركون في البرامج الفنية.

ويشير صاحب شركة «ستار سيستم» وأحد منظمي مهرجانات «أعياد بيروت»، أمين أبي ياغي، إلى أنّ هذا العام يُعدّ من الأصعب على الإطلاق، نظراً إلى تداعياته السلبية الكبيرة على لبنان. ويوضح لـ«الشرق الأوسط» أنه سبق له أن واكب مراحل من عدم الاستقرار في البلاد، وإنما ما يعيشه البلد اليوم يضعه أمام مفترق طرق خطير يصعب توقُّع نتائجه. ويقول: «في السابق كان الأمر يقتصر غالباً على تأجيل الحفلات لا إلغائها بالكامل».

حفلة هيلين سيغارا أُلغيت بسبب الحرب (فيسبوك)

ويرى أنّ المهرجانات الدولية هي الأكثر تأثراً بأي اهتزاز أمني، لأنها تضع روزنامتها السنوية قبل وقت طويل، ممّا يجعلها عُرضة لخسائر كبيرة عند وقوع أيّ طارئ. ويُضيف: «بعض هذه المهرجانات يحمل أيضاً توجّهات معينة تجعله يتجنّب إقامة حفلات قد تُفسَّر كأنها تجاهل لما يعيشه المتضرّرون من الحرب». وفي المقابل، يصف مهرجانات «أعياد بيروت» بأنها «نبض المدينة»، مشيراً إلى أنها لا ترتبط بأي توجهات سياسية، ممّا يسهّل نظرياً استمرارها بعيداً عن حساسيات مماثلة.

لكن التحديات اللوجستية تبقى قائمة، إذ إنّ العقارات والمساحات التي كانت تستضيف حفلات العاصمة باتت غير متاحة بسبب استخدامها لإيواء أعداد كبيرة من النازحين، وهو ما قد يطيح بعدد من الحفلات الكبرى التي كان من المقرّر إقامتها على الواجهة البحرية، من بينها حفل عمرو دياب الذي كان مرتقباً في مطلع أغسطس (آب) المقبل. في المقابل، قد تكون حفلات أخرى، مثل تلك التي يحييها وائل كفوري في «فوروم دو بيروت»، في وضع أفضل إذا بقيت العاصمة ضمن هامش الأمان. فيما لا تزال الحفلات المقرّر إقامتها في «كازينو لبنان»، مثل تلك التي يحييها عازفا البيانو غي مانوكيان وزاد ملتقى، قائمة حتى الآن.

ورغم المشهد الضبابي، لا يزال الإصرار على الحفاظ على صورة لبنان النابض بالحياة حاضراً. ويكشف أبي ياغي عن «خطّة بديلة» في حال استمر الوضع الراهن، قائلاً: «نحاول تجنُّب الإلغاء الكامل لمهرجانات (أعياد بيروت). وقد نتّجه إلى الاعتماد على فنانين لبنانيين فقط، مع نقل موقع الحفلات من الواجهة البحرية إلى منطقة أخرى أكثر ملاءمة. لكن القرار النهائي سيبقى مرتبطاً بالتطوّرات الأمنية خلال هذا الشهر الحاسم».

ويلفت أيضاً إلى أنه اضطر أخيراً إلى تأجيل عدد من الحفلات لفنانين أجانب، بينها حفلة كانت مقرّرة للفنانة الفرنسية هيلين سيغارا في مارس (آذار) الماضي، وأُرجئت إلى موعد غير محدَّد. كما تأجّل حفل جوليان داسان، نجل الفنان الراحل جو داسان، الذي كان مقرراً في الأول من مايو (أيار)، إلى نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل. ويختم: «حالة الضياع القائمة بين الإلغاء والتأجيل تنعكس سلباً على الفنانين الأجانب الذين يحتاجون إلى مواعيد واضحة لتنظيم أجنداتهم».


سماح أنور لـ«الشرق الأوسط»: أستمتع بوحدتي الاختيارية

قدمت سماح أنور دورين لافتين في موسم رمضان الماضي (الشركة المنتجة للمسلسل)
قدمت سماح أنور دورين لافتين في موسم رمضان الماضي (الشركة المنتجة للمسلسل)
TT

سماح أنور لـ«الشرق الأوسط»: أستمتع بوحدتي الاختيارية

قدمت سماح أنور دورين لافتين في موسم رمضان الماضي (الشركة المنتجة للمسلسل)
قدمت سماح أنور دورين لافتين في موسم رمضان الماضي (الشركة المنتجة للمسلسل)

أبدت الفنانة المصرية سماح أنور سعادتها بتكريمها مؤخراً في الدورة الرابعة والسبعين من «مهرجان المركز الكاثوليكي المصري للسينما». كما أكدت فخرها برئاسة لجنة تحكيم جائزة الاتحاد الأوروبي في الدورة الأخيرة من مهرجان «أسوان لأفلام المرأة»، مشيرة إلى أنها استغلت سنوات غيابها في دراسة الإخراج والتمثيل والمؤثرات الصوتية.

وفي حوارها مع «الشرق الأوسط»، قالت إنها لم تجد صعوبة في تصوير مسلسلي «حكاية نرجس» و«عرض وطلب»، اللذين عرضا بموسم دراما رمضان الماضي في وقت واحد، لا سيما أن الدورين مختلفان تماماً، بالإضافة إلى فريق الممثلين الأكثر من رائع.

وعن شخصية «سعاد» في مسلسل «حكاية نرجس»، التي نالت إشادات واسعة من النقاد والجمهور، فترى أنها من أجمل وأصعب أدوارها؛ لأنها شخصية قاسية ومتسلطة وحادة الطباع، ولها تأثير سلبي عميق في نشأة ابنتها (نرجس) بسبب معاناتها من هوس إنجاب الذكور بعد إنجابها ثلاث فتيات، فانعكس إحباطها وظلمها على بناتها، خصوصاً «نرجس» التي كانت الضحية الكبرى لهذا الضغط.

ووصفت الشخصية بأنها تُمثل تحدياً كبيراً لها بصفتها ممثلة، ما جعلها تشعر بالإجهاد النفسي بعد كل مشهد تصوره.

نالت إشادات بسبب دورها في مسلسل «حكاية نرجس» (الشركة المنتجة للمسلسل)

ولفتت إلى أنها تعمّدت تقليل الماكياج والظهور بملامح حادة لتعكس القسوة الداخلية للشخصية، بالإضافة إلى نظرات العين، والحدة في نبرات صوتها.

ومن أبرز المشاهد التي تعتبرها «ماستر سين» مشهد نهاية المسلسل، الذي ظهرت فيه «سعاد» وحيدة بمنزلها غارقة في عالمها الخاص، بعدما أصيبت بمرض ألزهايمر، وعدم إدراكها الزمان والمكان؛ وهو المشهد الذي أثار تعاطف المشاهدين رغم قسوة الشخصية.

المسلسل تأليف عمار صبري، وإخراج سامح علاء في أولى تجاربه الدرامية بعد فيلمه القصير «ستاشر» الحاصل على جائزة السعفة الذهبية من مهرجان «كان السينمائي» عام 2020، ليكون أول فيلم مصري يحصل على هذه الجائزة المرموقة في تاريخ المهرجان. وتصف سماح المخرج الشاب بأنه من أفضل المخرجين الذين عملت معهم، لامتلاكه منطقة إبداع خاصة به، وتعامله مع الجميع في موقع التصوير بحب واحترام.

«عرض وطلب»

أما شخصية «فاتن» التي قدمتها في مسلسل «عرض وطلب» فهي جديدة عليها، على حد قولها؛ حيث إنها تعيش في حي شعبي، وتعاني فشلاً كلوياً، ما يضع ابنتها في صراع إنساني قاسٍ بحثاً عن متبرع لإنقاذ حياة والدتها.

أحد بوسترات مسلسل «عرض وطلب» (الشركة المنتجة للمسلسل)

ومن المشاهد التي أجهدتها مشهد المواجهة مع ابنتها، لتورطها مع «عصابة تجارة أعضاء»، وهو المشهد الذي يعكس صراعاً نفسياً وعاطفياً بين شكر الابنة على التضحية ورفض الوسيلة غير القانونية التي فعلتها. أيضاً مشهدها في الحلقة الأخيرة عندما ذهبت لقسم الشرطة لتقديم بلاغ ضد ابنتها، لافتة إلى أنه يحمل عدداً من المشاعر المتناقضة والموجعة في الوقت نفسه.

«الليلة واللي فيها»

وكان مسلسل «الليلة واللي فيها» العمل الذي عادت من خلاله سماح للأضواء؛ حيث جسّدت شخصية الحماة التي تتصف بالحزم والقوة والتسلط في أدق تفاصيل حياة ابنها وزوجته، وكشفت عن أنها اعتذرت عن الدور 3 مرات، وأمام تمسك المخرج هاني خليفة بها وافقت بعد أن قامت بعمل اختبار أداء للشخصية بماكياجها وملابسها، فأدركت أن ابتعادها عن الفن جعلها تنسى أنها كبرت، وأنها لم تعد البطلة التي تُقدم أعمال الأكشن التي اشتهرت بها، ووجدت أن الشخصية باختلافها ستكون عودة قوية لها في المرحلة العمرية الجديدة التي تعيشها.

الفنانة المصرية سماح أنور تعيش وحدة اختيارية (حسابها على «فيسبوك»)

وفي السينما، كان الفيلم الكوميدي «إن غاب القط» العمل الذي عادت من خلاله للسينما بعد غياب سنوات؛ حيث جسّدت شخصية زعيمة عصابة اسمها «وزيرة» تُخطط لسرقة لوحة فنية شهيرة من أحد المتاحف مع أفراد عصابتها.

وعن حياتها الحالية، أكدت أنها تعيش وحدة اختيارية تستمتع بها وتقضي معظم وقتها في القراءة ومتابعة التطورات التكنولوجية. بينما أبدت حزنها بسبب حذف جميع أعمالها من شبكة الإنترنت والمنصات الرقمية، على حد تعبيرها.