«فصول من يوميات الأزمنة الراهنة»: قصص لبنان ورحلاته التاريخية

نديم كرم عاشق بيروت يُقيم معرضاً لتفريغ المكنونات

لوحات نديم كرم تكرّس وفاءه لبيروت (الشرق الأوسط)
لوحات نديم كرم تكرّس وفاءه لبيروت (الشرق الأوسط)
TT

«فصول من يوميات الأزمنة الراهنة»: قصص لبنان ورحلاته التاريخية

لوحات نديم كرم تكرّس وفاءه لبيروت (الشرق الأوسط)
لوحات نديم كرم تكرّس وفاءه لبيروت (الشرق الأوسط)

نديم كرم فنان ورسّام ونحّات ومعماري لبناني، يدمج في أعماله الفنية خلفيته في الهندسة المعمارية، فتولد مشاريع حضارية من فَلْش ريشته ومنحوتاته في فضاءات خارجة عن المألوف. لوحاته مثل رحّالة تجوب البلدان، ينقُل فيها قصصاً إنسانية، وأخرى تحمل أبعاداً اجتماعية وسياسية. في مصنع «أبرويان» بمنطقة برج حمود، أطلق معرضه للرسم «فصول من يوميات الأزمنة الراهنة».

يتألّف من 5 أقسام تعكس شغفه الفني، وتحمل رؤيته لحقبات تاريخية تسابق فيها مع الزمن، فباتت بمثابة أعمال مسرحية تصحّ شخصياتها وموضوعاتها لكل عصر.

مثل كتاب تاريخ، يُقلّب زائر المعرض صفحاته، فتأخذنا الأقسام في رحلة ذكريات.

يربط نديم كرم الأزمنة التي يمرّ عليها في معرضه بأحداث المنطقة (الشرق الأوسط)

يُبحر في أزمنة لبنان منذ حرب 2006، مروراً بجائحة «كورونا»، ووصولاً إلى انفجار مرفأ بيروت. دموع ثقيلة ومجبولة بالدم حيناً، وبالأمل أحياناً؛ يرسمها نديم كرم بأسلوبه السوريالي، ويغوص معها مُشاهدها في عالم من الإبداع يبهر العين ويفرض صمتاً لا يأتي بنتيجة حِداد وحزن عميق نستشفّه من أزمنة عاشها اللبناني ولا يزال. فلوحات كرم لا تخلو من رسوم ورموز منمنمة، وزّعها على مساحات مصنع «أبرويان» الشاسعة في خدمة أفكاره. وهو ما يُلزم الزائر الغوص فيها ليُحلّل ويفكر.

ينطلق المعرض من قسم «التمهيد»، فنشهد تكوين أفكار الفنان التأسيسية لبقية أقسامه، ومنها نتنقل بين أخرى يُفهَم مضمونها من عنوانها: «السرب القديم»، و«ذارف الدموع»، و«أفكار متمدّدة»، و«العيش في آخر الزمان».

عند المدخل الرئيسي للمصنع، تنتصب منحوتة خشبية ضخمة تُصوّر دموع اللبناني العملاقة، فتستوقفك في بداية الزيارة ونهايتها. صراخها الصامت والموجع الذي حاكه كرم بأسلوبه الانسيابي، يُنبئ بطريق طويلة وشاقّة، قد تغسلها هذه الدموع ليُشرق غدٌ أفضل، وقد تُشكّل تجسيداً لمعاناة لا يزال ينتظرنا منها الكثير.

تقنية الفنان تتراوح بين الألوان المائية وقلم الرصاص والفحم والـ«غليتر»؛ يضعها على الورق أو الخشب، وضمن فيديوهات مسجَّلة. وفي كل مرّة استعان بها، أخبر مُشاهدها قصة حدث كبير استشفَّه عبر 30 عاماً من شغف المهنة.

معرض «فصول من يوميات الأزمنة الراهنة» يستمر حتى 2 مايو (الشرق الأوسط)

لماذا يُقدِم على مبادرة فنية ضخمة بهذا الحجم؟ يوضح لـ«الشرق الأوسط»: «لأنّ اللبناني يحتاج إلى متنفّس للأمل والفن والثقافة. كما أنّ بيروت تستحق مبادرات من هذا النوع تُوسّع آفاقها وتعيد إليها دورها الريادي».

تُكمل الزيارة، فتلاحظ تغييرات تشهدها شخصيات كرم. مرحلة التأسيس في قسم «التمهيد» تأخذ أبعاداً مختلفة، منها ما صوّرها بدايةً ظلالاً وأشباحاً، لتبدو ناضجة في مراحل متقدّمة من المعرض. وقد وضعها في قوالب لمّاعة مرات، أو تطوف على ألواح خشبية مرات ثانية، فتروي نزوحها من حقبة إلى أخرى.

وفي أحد الأقسام، تستوقفك مجموعة لوحات منمنمة تتناول انفجار المرفأ وتداعياته في ذاكرة اللبناني. يشرح الفنان: «هنا صوّرتُ أهراءات القمح في حقيبة يحملها اللبناني معه أينما ذهب. إنه حدث يسكننا، حُفِر في نفوسنا وقلوبنا».

منذ التسعينات، اشتهر نديم كرم بمنحوتاته الحديدية التي تأخذ أشكال كائنات وأشخاص مختلفة. يومها، وزّعها على جسور بيروت وساحاتها بأساليب مختلفة. أحدث تلك المنحوتات، «الإيماءة» المشهورة باسم «مارد من الرماد». فجسَّد فيها الألم الذي خلّفه عند اللبنانيين، والأمل الذي يُظهر إرادة شعب حديدي يتمسّك بالحياة والعدالة.

لا تغيب منحوتاته الحديدية المشهور بها عن لوحاته الفنية، فيستخدمها رموزاً لسرد تفاصيل قصة. يعلّق: «ترافقني دائماً وتُحلّق في سماء لوحاتي لتزوّدها بأبعاد فكرية وثقافية».

شخصيات نديم كرم في لوحاته، شعوبٌ رحالة نقل حالاتها من مَشاهد الحياة. فمعارضه الكثيرة في براغ، ودبي، وبيروت، وملبورن، وغيرها، شكّلت انطلاقة لقراءة مشواره: «أتحدّثُ في هذا المعرض عن زمن نعيشه يومياً. مشوار طويل خضتُه، هو اليوم على طريق الاكتمال. إنها أزمنة مختلفة مررتُ عليها لأعبّر عن مشاعري وأفكاري، قرأتْها منسِّقة المعرض نايلة تمرز بدقة لتزوّدها بتنظيم يوثّق هذه الأزمنة».

إحدى لوحاته التي يصوّر فيها انفجار المدينة (الشرق الأوسط)

التاريخ يلعب دوراً رئيسياً في معرض كرم، فيحمل كائناته وشخصياته عبر صفحاته لتتنقل بين حقباته. يلاحظ زائره تسلسل أفكار يؤلّف قصة محبوكة بولع المهنة، فيلحق به باحثاً عن نهاية طريق مجهولة، متسائلاً إلى أين ستُودي به؟

وفي حقبة أخرى تمتدّ بين 2006 و2009، تطلّ لوحات فنية تطغى عليها ألوان برّاقة استخدم فيها الـ«غليتر» لترجمة فكرتها: «تمدّنا بالغموض وبواقع مؤلم يحمل الألم في الوقت عينه. فرغم حضور معابر الحرب، والصواريخ المدفعية، ودخان القذائف، تبرُز الوردة والقلب. وفي هذه المجموعة التي سميتُها (الغيمة والدخان)، بينتُ تناقضاً نعيشه، ولكنه لا يفقد الرجاء».

بين الأمل والمعاناة تُطلق شخصياته مشاعر مكبوتة (الشرق الأوسط)

حتى الألوان يشير فيها إلى أزمنة حمراء بفعل حروب دامية، وأخرى خضراء تختلجها الأحلام الكبيرة، وتشعّ فرحاً.

يرى كرم أنّ الكبت يسود مشاعر اللبناني، فأراد في معرضه تفجيره والتخلُّص من ذيوله: «علينا التعبير عن حالاتنا اليائسة الممزوجة بالأمل. عشقي لبيروت دفعني لإقامة معرض ليُفرِّغ زائره مكنوناته».

يربط نديم كرم الأزمنة التي يمرّ عليها في معرضه بأحداث المنطقة اليوم: «اللوحات يمكن ربطها بالماضي والحاضر، بينها ما يذكّرنا بنار غزة وجنوب لبنان، مع أنّ تاريخ تنفيذها يعود إلى عام 2006 حتى 2009. فبعد 20 عاماً، لا نزال نعيش المعاناة عينها. أنا وتلك الأزمنة نؤلّف عالماً واحداً، أعبّر فيه عمّا يحدث اليوم ضمن قصص صغيرة».

وفي «أفكار متمدّدة»، يُحلّق في عالم الفكر بامتياز، مُستخدماً طبقات فنية للتعبير عن تمدُّد الفكر إيجابياً وسلبياً. تحمل شخصياته أفكارها الكثيفة كشجرة مرات، وكجذور مترسخة في الأرض مرات أخرى.

أما في قسم «ذارف الدموع»، فيعبّر كرم عن شاهد من أهله يبكي الإنسانية بحرقة، مما يذكّرنا بلوحة بول كلي «لوم أولارم»، والنظرة إلى أطلال تاريخ يبكي المذابح التي شاهدها بأُمّ العين.

وضمن القسم الأخير من المعرض المستمرّ حتى 2 مايو (أيار) المقبل، تلفتنا لوحتان لانفجار بيروت يقول كرم إنه لم يستطع إنجاز أكثر منهما لتأثّره بالمشهد. وفي لوحة ثالثة مليئة برسوم صغيرة لا يمكننا فهم معانيها بمجملها، يحكي عن مرحلة الانعزال خلال الجائحة.


مقالات ذات صلة

«عشر سنوات بالداخل» يستكشف العلاقة بين الفنان والزمن

يوميات الشرق لوحة مستوحاة من أحلام فتاة من جنوب مصر (الشرق الأوسط)

«عشر سنوات بالداخل» يستكشف العلاقة بين الفنان والزمن

لا يقف معرض «عشر سنوات بالداخل» للفنان التشكيلي المصري علي حسان عند تجربة العرض البصري فقط.

منى أبو النصر (القاهرة)
يوميات الشرق في لوحاته عن الحفلات التي كانت تقام في الهواء الطلق يجسد رينوار الرقة في التعاملات ورغد العيش (متحف أورساي)

رينوار يلقي أشعته على ربيع باريس

موضوع المعرض هو الحب بأشكاله المتعددة، وهو محاولة لإلقاء نظرة جديدة على الرسام الذي عُرف عنه عشقه للطبيعة قبل البشر.

«الشرق الأوسط» (باريس)
يوميات الشرق قلادة تحمل ثقل قرن من الفقدان (معرض مانشستر للفنون)

«جوهرة الحِداد» تفكّ شفرة لوحة غامضة بعد 400 عام

أُعيد اكتشاف «جوهرة حداد» تعود إلى عصر «هامنيت» (نجل شكسبير)، بعد مرور 4 قرون على تخليدها في إحدى أكثر اللوحات العائلية غموضاً وشهرة في بريطانيا...

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة جانب من المعرض الاستعادي (فيرساتشي)

جياني فيرساتشي... رحلة في إرثه الجريء والمُبتكر

في عالم الموضة اليوم، يمدّ الحاضر يده للأمس. من أزياء وإكسسوارات مستلهمة من التسعينيات والخمسينيات وغيرها من الحقب السابقة، إلى تنظيم معارض تُسلِط الأضواء على…

جميلة حلفيشي (لندن)
يوميات الشرق مشاهد متفرقة وقصص إنسانية سجَّلتها «جدارية غزة» (الشرق الأوسط)

«جدارية غزة» في معرض قاهري يجسّد معاناة الناجين من الحرب

«جدارية غزة» هو اسم العمل الرئيسي الذي يمتدُّ لنحو 30 متراً، للفنان التشكيلي المصري عبد الرازق عكاشة، ضمن معرضه الأحدث.

محمد الكفراوي (القاهرة )

الرياض تبدأ فصل إحدى أكثر حالات التوائم تعقيداً في العالم

التوأمتان الفلبينيتان «كليا وموريس آن» الملتصقتان بالرأس (واس)
التوأمتان الفلبينيتان «كليا وموريس آن» الملتصقتان بالرأس (واس)
TT

الرياض تبدأ فصل إحدى أكثر حالات التوائم تعقيداً في العالم

التوأمتان الفلبينيتان «كليا وموريس آن» الملتصقتان بالرأس (واس)
التوأمتان الفلبينيتان «كليا وموريس آن» الملتصقتان بالرأس (واس)

بدأ الفريق الطبي والجراحي التابع لـ«البرنامج السعودي للتوائم الملتصقة»، الخميس، عملية فصل التوأمتين الفلبينيتين «كليا وموريس آن»، الملتصقتين بالرأس؛ إنفاذاً لتوجيهات خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، والأمير محمد بن سلمان ولي العهد رئيس مجلس الوزراء السعودي، وذلك في مستشفى الملك عبد الله التخصصي للأطفال بمدينة الملك عبد العزيز الطبية بوزارة الحرس الوطني بالرياض.

وأوضح المشرف العام على «مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية» رئيس الفريق الطبي والجراحي التابع للبرنامج، الدكتور عبد الله الربيعة، في تصريح صحافي، أن التوأمتين الملتصقتين الفلبينيتين «كليا وموريس آن»، بمنطقة الرأس، قدِمتا إلى السعودية في 17 مايو (أيار) 2025، وبعد دخولهما المستشفى قام الفريق الطبي بإجراء فحوص دقيقة ومتعددة لهما، وعقد اجتماعات عدة توصَّل من خلالها إلى أنَّ حالتهما تُعد من أكثر الحالات تعقيداً على مستوى العالم، نظراً لعوامل طبية عدة، من أبرزها وجود وضعية زاوية معقدة للرأسين، واشتراك واسع في الجيوب الوريدية الدماغية، وتداخل نسيج الدماغ بين الطفلتين، بالإضافة إلى أنَّ الطفلة كليا كانت تعاني من قصور في عضلة القلب وضمور شديد في الكليتين مع فشل كلوي تام؛ مما يؤدي إلى رفع مستوى الخطورة الجراحية بشكل كبير.

وبيَّن أنَّ الفريق الجراحي، بقيادة الدكتور معتصم الزعبي استشاري جراحة مخ وأعصاب الأطفال، قرَّر تنفيذ العملية على 5 مراحل يشارك فيها 30 من الاستشاريين والمتخصصين والكوادر التمريضية والفنية في تخصصات عدة، منها التخدير، والعناية المركزة، والأشعة المتقدمة، وجراحة التجميل، مشيراً إلى أنَّه من المتوقع أن تستغرق العملية 24 ساعة.

وقال الربيعة: «بناءً على التقييم الطبي متعدد التخصصات، والدراسات التشخيصية الدقيقة، فإنَّ نسبة الخطورة تصل إلى 50 في المائة نظراً للتحديات الطبية المصاحبة للحالة، مع وجود احتمال حدوث مضاعفات عصبية شديدة قد تتسبب بالإعاقة بنسبة تصل 60 في المائة»، مشيراً إلى أنَّه جرى التشاور مع أحد المراكز الطبية المتخصصة في مثل تلك الحالات، وتوافقت مرئياته مع تقييم الفريق الطبي من حيث درجة خطورة العملية، وارتفاع مستوى المخاطر المرتبطة بها، وتمَّ شرح الحالة بشكل مفصل لوالدَي الطفلتين اللذين أبديا تفهمهما لخطة الفريق الجراحي.

ولفت إلى أنَّ هذه العملية تعد رقم 70 ضمن «البرنامج السعودي للتوائم الملتصقة»، الذي استطاع منذ عام 1990، أن يعتني بـ157 توأماً من 28 دولة في 5 قارات حول العالم.


نمو غير مسبوق... العالم يتجه نحو 4 آلاف ملياردير خلال 5 سنوات

النمو لا يقتصر على فئة المليارديرات فقط بل يشمل أيضًا شريحة أصحاب الثروات الكبيرة (رويترز)
النمو لا يقتصر على فئة المليارديرات فقط بل يشمل أيضًا شريحة أصحاب الثروات الكبيرة (رويترز)
TT

نمو غير مسبوق... العالم يتجه نحو 4 آلاف ملياردير خلال 5 سنوات

النمو لا يقتصر على فئة المليارديرات فقط بل يشمل أيضًا شريحة أصحاب الثروات الكبيرة (رويترز)
النمو لا يقتصر على فئة المليارديرات فقط بل يشمل أيضًا شريحة أصحاب الثروات الكبيرة (رويترز)

في ظلّ التحولات الاقتصادية المتسارعة التي يشهدها العالم، وتنامي دور التكنولوجيا في إعادة تشكيل موازين الثروة، تتجه المؤشرات إلى تصاعد غير مسبوق في أعداد فاحشي الثراء. ويعكس هذا الاتجاه تسارع وتيرة تراكم الثروات لدى شريحة محدودة من الأفراد، في وقت تتزايد فيه النقاشات حول اتساع فجوة عدم المساواة عالمياً.

وكشفت تقديرات نقلتها صحيفة «الغارديان» أن عدد المليارديرات حول العالم قد يصل إلى نحو 4 آلاف ملياردير بحلول عام 2031، مدفوعاً بالنمو السريع في ثروات الأثرياء.

وبحسب تحليل أجرته شركة «نايت فرانك» العقارية، يبلغ عدد المليارديرات حالياً 3110 على مستوى العالم، ومن المتوقَّع أن يرتفع هذا الرقم بنسبة 25 في المائة خلال السنوات الخمس المقبلة، ليصل إلى نحو 3915 مليارديراً.

ولا يقتصر النمو على فئة المليارديرات فقط، بل يشمل أيضاً شريحة أصحاب الثروات الكبيرة؛ إذ ارتفع عدد الأفراد الذين تبلغ ثروتهم 30 مليون دولار أميركي (22 مليون جنيه إسترليني) على الأقل من 162 ألفاً و191 شخصاً في عام 2021 إلى 713 ألفاً و626 شخصاً حالياً، أي بزيادة تتجاوز 300 في المائة، وفقاً لبيانات «نايت فرانك».

وأوضح ليام بيلي، رئيس قسم الأبحاث في الشركة، أن هذا النمو الهائل في ثروات المليارديرات وأصحاب الملايين يعود بدرجة كبيرة إلى الأرباح المتحققة في قطاع التكنولوجيا، لا سيما في مجال الذكاء الاصطناعي.

وأضاف: «لم تكن القدرة على توسيع نطاق الأعمال التجارية بهذا الشكل ممكنة في السابق»، مشيراً إلى أن التطور التكنولوجي، وعلى رأسه الذكاء الاصطناعي، أسهم في تسريع تكوين الثروات الضخمة بشكل غير مسبوق.

وفيما يتعلق بالتوزيع الجغرافي، توقعت الدراسة أن يتضاعف عدد المليارديرات في بولندا من 13 إلى 29 مليارديراً خلال الفترة بين عامي 2026 و2031، كما يُتوقع أن يشهد العدد في السويد زيادة بنسبة 81 في المائة، ليرتفع من 32 إلى 58 مليارديراً خلال الفترة نفسها.

يأتي هذا التوسع في أعداد الأثرياء، في وقت تتسع فيه الفجوة بين الأغنياء والفقراء على مستوى العالم. فقد أظهر تقرير عدم المساواة العالمي، الصادر العام الماضي، أن أقل من 60 ألف شخص فقط (أي ما يعادل 0.001 في المائة من سكان العالم) يملكون ثروة تزيد على ثلاثة أضعاف ما يمتلكه النصف الأفقر من سكان العالم.

وفي ضوء هذه المؤشرات، تصاعدت الدعوات الموجهة إلى قادة الدول لفرض ضرائب أعلى على فاحشي الثراء، وسط مخاوف من تزايد قدرة أصحاب الثروات الضخمة على التأثير في القرار السياسي وشراء النفوذ.

من جهتها، كشفت منظمة «أوكسفام» الخيرية عن تسجيل عدد قياسي من المليارديرات خلال العام الماضي؛ إذ تجاوز إجمالي عددهم حاجز 3 آلاف للمرة الأولى في التاريخ، مشيرة إلى أن إجمالي ثرواتهم مجتمعة بلغ نحو 18.3 تريليون دولار.

وعلى صعيد الأفراد، يتصدر رجل الأعمال إيلون ماسك، الرئيس التنفيذي لشركة «تسلا»، قائمة أغنى أثرياء العالم، بثروة صافية تُقدّر بنحو 785.5 مليار دولار، وفقاً لقائمة «فوربس». ويحلّ في المرتبة الثانية لاري بيج، أحد مؤسسي «غوغل»، بثروة تبلغ 272.5 مليار دولار، يليه جيف بيزوس، مؤسس «أمازون»، بثروة تُقدّر بـ259 مليار دولار.


عن الرقص الصباحي وغسل الصحون... مساعدة الملكة إليزابيث تكشف بعضاً من كواليسها

أعلن الملك تشارلز أن سيرة والدته الذاتية باتت قيد الإعداد (أ.ف.ب)
أعلن الملك تشارلز أن سيرة والدته الذاتية باتت قيد الإعداد (أ.ف.ب)
TT

عن الرقص الصباحي وغسل الصحون... مساعدة الملكة إليزابيث تكشف بعضاً من كواليسها

أعلن الملك تشارلز أن سيرة والدته الذاتية باتت قيد الإعداد (أ.ف.ب)
أعلن الملك تشارلز أن سيرة والدته الذاتية باتت قيد الإعداد (أ.ف.ب)

سالت أطنانٌ من الحِبر عن الملكة التي جلست على العرش 70 عاماً. صدرت مئات الكتب التي فصّلت سيرة إليزابيث الثانية، لكن أغرب ما في الأمر ألّا سيرة من بينها كانت رسمية أو أنها صدرت عن قصر باكينغهام . طوَت أشهَرُ ملكات بريطانيا عقوداً من الحُكم من دون أن تفكّر في تدوين سيرتها، تاركةً للتاريخ أن يرويَها.

ليس سوى بعد 4 سنوات على رحيلها، حتى كلّف ابنُها الملك تشارلز المؤرّخة آنا كياي بكتابة سيرتها الرسمية الأولى. كياي (51 عاماً)، عملت عن قُرب مع العائلة البريطانية المالكة، ومن المرتقب أن تسجّل حوارات مع عدد من أفرادها ومع أصدقاء الملكة والخدَم لإنجاز عملها. كما ستُمنح إذناً خاصاً بالوصول إلى الأرشيف الملَكيّ، من أجل الاطّلاع على أوراق إليزابيث الخاصة والرسمية.

من اللافت أنّ العاهل البريطاني أصرّ على أن تكون كاتبة سيرة أمّه أنثى، وهو اختار كياي لكونها خبيرة في الشؤون الملَكيّة البريطانية وقد ألّفت كتباً عنها، كما أنها أمينة صندوق «المجموعة الملَكيّة» وعضو في «لجنة إحياء ذكرى الملكة إليزابيث».

اختار الملك تشارلز المؤرّخة آنا كياي لكتابة سيرة والدته الملكة إليزابيث (قصر باكنغهام)

الملكة وزينة الصيصان والشوكولاته

بانتظار السيرة الرسمية التي ليس من المتوقع أن تصدر خلال وقتٍ قصير، تنتشرُ بين حينٍ وآخر خفايا وتفاصيل من كواليس حياة الملكة إليزابيث، كتلك التي كشفتها مساعدتُها الخاصة أنجيلا كيللي في حوار مع مجلة «فانيتي فير» الأميركية نُشر في نهاية مارس (آذار) الماضي.

تحدّثت كيللي عن روح النكتة لدى الملكة، وعن اهتمامها بالموضة، وعن عاداتها الصباحيّة. مرَّت كذلك على الخلافات العائلية، من دون أن تغفل استذكار إليزابيث الجدّة التي أحبّت الاعتناء بأحفادها وأولادهم.

أنجيلا كيللي مساعدة الملكة إليزابيث ومنسّقة أزيائها (مجموعة الصور الملَكيّة)

خلال إجازة عيد الفصح، كانت تنتقل الملكة إلى قصر وندسور، حيث اعتادت تزيين مقرّ إقامتها بالصيصان الملوّنة وبالبيض المصنوع من الشوكولاته. أما صيفاً في بالمورال، فكانت تتفرّغ لعائلتها. تقول كيللي التي لطالما رافقتها: «أحبّت أن تقوم بدور الجدّة. كانت تأخذ أحفادها في نزهات سيراً أو ركوباً على الخيل». وتتذكّر كيللي كيف أن الملكة كانت تصرّ على غسل الصحون شخصياً بعد كل مأدبة شواء كانت تقيمها للعائلة أو حتى لرئيس الحكومة. تضيف: «كانت الملكة مليئة بالحيويّة وجدّة مرِحة جداً».

وفق مساعدتها كانت تصرّ الملكة على غسل الصحون بعد مآدب الشواء العائلية (أ.ف.ب)

الملكة تغنّي وترقص

انضمّت أنجيلا كيللي إلى فريق عمل الملكة إليزابيث عام 1994، بعد سنتَين من لقائهما الأول في مقرّ السفير البريطاني في ألمانيا حيث كانت تعمل مدبّرة منزل. أُعجبت الملكة بسلوك كيللي التي دُعيت إلى تقديم طلب عمل في قصر باكنغهام. وتُخبر الموظفة السابقة أنها حينذاك لم تكن تملك ثمن ثوبٍ جديد ترتديه إلى مقابلة العمل، فاضطرّت إلى بيع غسّالتها لشراء واحد.

تسلَّقت كيللي سلالم القصر بتأنٍ إلى أن أصبحت المساعدة الخاصة ومستشارة أزياء الملكة. ولم تتوقف الأمور عند حدود العلاقة المهنية، بل تحوَّلت ابنة الخيّاطة وعامل ميناء ليفربول المولودة عام 1957 إلى كاتمة أسرار ملكة إنجلترا، كما كانت ترى فيها «الصديقة المفضّلة». واتّضح مع مرور الوقت أنهما تتشاركان بعض الخصال، كالاهتمام بالموضة، وحسّ الفكاهة، ومنح الأولوية للواجب قبل أي شيء آخر.

ارتاحت سيدة العرش لكيللي إلى درجة أنها كانت تتصرف على طبيعتها أمامها، وتتخلّى عن صرامة البروتوكول الخاص بالتاج. وتروي المساعدة السابقة أنّ الملكة إليزابيث كانت تستمع كل صباح إلى برنامج الإعلامي تيري ووغان على «راديو 2»، وكلما كانت تُبَثّ أغنية Dancing Queen (ملكة الرقص) لفريق «آبا»، كانت تتمايل يميناً ويساراً وتغنّي. وتضيف كيللي: «كانت الملكة تحب الغناء وكان صوتها جيداً».

كانت تبدأ الملكة بعض صباحاتها بالرقص والغناء (أ.ف.ب)

صانعة «اللوك» الملوّن

يشهد ستيوارت بارفن، أحد مصمّمي أزياء الملكة إليزابيث، للدور المحوَري الذي لعبته أنجيلا كيللي في الكواليس وللعلاقة المميزة التي جمعتها بالملكة. يقول إنّ الأخيرة كانت «تشعر بارتياحٍ وثقة أكبر بوجودها خلال جلسات القياس، لأنها كانت تجعل كل شيءٍ يبدو أسهل».

ومع مرور السنوات، استطاعت أنجيلا كيللي إقناع الملكة إليزابيث بإدخال تعديلات جذريّة إلى هندامها. يُنسَب إليها الفضل في جعلها تتخلّى عن التنّورة الطويلة وتعتمد الفساتين والقبّعات ذات الألوان الفاقعة والجريئة.

كانت لأنجيلا كيللي اليد الطولى في إقناع الملكة بارتداء الفساتين ذات الألوان الجريئة (رويترز)

أزمة تاج ميغان

غالباً ما كانت تنتعل أنجيلا أحذية الملكة الجديدة كي توسّعها لها، تفادياً لإيذاء قدمَيها لاحقاً عند انتعالها لوقتٍ طويل. ولم يقتصر الأمر على الأحذية بل انسحب على الحليّ والمجوهرات. يروي أندرو فورد، المراقب المالي السابق للعائلة البريطانية المالكة، كيف أنه أصيب بالدهشة يوم دخلت أنجيلا مكتبه وهي تضع عقداً من لآلئ الملكة، ليتّضح أنها فعلت ذلك بطلبٍ من إليزابيث نفسها، لأنّ اللؤلؤ يجب أن يكون قريباً من الجلد دائماً تفادياً لاصفراره.

ويوم اشتعل الخلاف حول التاج الذي ستضعه ميغان ماركل في زفافها، وقفت كيللي سداً منيعاً في وجه الأمير هاري واحتدمَ السجال بينهما، منعاً لإخراج أي تاج من مجموعة الملكة خارج القصر من أجل تجربته عند مصفف الشعر.

زفاف الأمير هاري وميغان ماركل عام 2018 (رويترز)

أنجيلا «البندقيّة»

منحُ الملكة إليزابيث الضوءَ الأخضر لأنجيلا كيللي بفعلِ ارتياحها لها وثَّقتها بها، أزعجَ الدوائر الملَكيّة وعدداً من أفراد العائلة المالكة. ومَن كانت من المفترض أن تكتفي بدورها كمُساعدة للملكة، تحوَّلت إلى صديقتها المقرّبة وإلى شخصٍ نافذ داخل القصر.

يكشف موظِّف سابق في باكنغهام لـ«فانيتي فير» أنه «كان بوسعِ أنجيلا أن تُنجِح أو تُفشِل المسيرة المهنية لأي عاملٍ في القصر، لأنها كانت تحظى بثقة الملكة»، إلى درجة أنه أُطلق عليها لقب AK 47 نسبةً إلى البندقية الهجومية، وذلك بسبب قدرتها على إخراج الناس من القصر، حيث كانت محطّ تبجيلٍ وخوف في أنٍ معاً.

أنجيلا كيللي في الصفوف الأمامية مع الملكة إليزابيث خلال أسبوع لندن للموضة (إنستغرام)

ثياب الرحلة الأخيرة

تروي أنجيلا كيللي أنَّ علاقتها بالملكة إليزابيث ترسَّخت بقوة ما بين عامَي 2020 و2021، خلال الحَجر الذي فرضته جائحة كورونا. أمضت كيللي كل تلك المدّة إلى جانب الملكة في قصر وندسور، من ضمن فريق ضيّق جداً من المساعدين. وتخبر كيف أنها كانت تصفّف شخصياً شعر إليزابيث في تلك الفترة.

«عندما كانت تشعر بتوعّك، لم تكن جلالتها ترغب في أن يعلم أحد بذلك»، سرٌ آخر كشفته كيللي عن شخصية الملكة إليزابيث الصلبة. وهي التي رافقتها حتى آخر ساعات حياتها، أَلبَستها لرحلتها الأخيرة من قصر بالمورال في اسكوتلندا حيث توفيت إلى قصر باكنغهام حيث أمضت معظم سنواتها الـ96.