«فصول من يوميات الأزمنة الراهنة»: قصص لبنان ورحلاته التاريخية

نديم كرم عاشق بيروت يُقيم معرضاً لتفريغ المكنونات

لوحات نديم كرم تكرّس وفاءه لبيروت (الشرق الأوسط)
لوحات نديم كرم تكرّس وفاءه لبيروت (الشرق الأوسط)
TT

«فصول من يوميات الأزمنة الراهنة»: قصص لبنان ورحلاته التاريخية

لوحات نديم كرم تكرّس وفاءه لبيروت (الشرق الأوسط)
لوحات نديم كرم تكرّس وفاءه لبيروت (الشرق الأوسط)

نديم كرم فنان ورسّام ونحّات ومعماري لبناني، يدمج في أعماله الفنية خلفيته في الهندسة المعمارية، فتولد مشاريع حضارية من فَلْش ريشته ومنحوتاته في فضاءات خارجة عن المألوف. لوحاته مثل رحّالة تجوب البلدان، ينقُل فيها قصصاً إنسانية، وأخرى تحمل أبعاداً اجتماعية وسياسية. في مصنع «أبرويان» بمنطقة برج حمود، أطلق معرضه للرسم «فصول من يوميات الأزمنة الراهنة».

يتألّف من 5 أقسام تعكس شغفه الفني، وتحمل رؤيته لحقبات تاريخية تسابق فيها مع الزمن، فباتت بمثابة أعمال مسرحية تصحّ شخصياتها وموضوعاتها لكل عصر.

مثل كتاب تاريخ، يُقلّب زائر المعرض صفحاته، فتأخذنا الأقسام في رحلة ذكريات.

يربط نديم كرم الأزمنة التي يمرّ عليها في معرضه بأحداث المنطقة (الشرق الأوسط)

يُبحر في أزمنة لبنان منذ حرب 2006، مروراً بجائحة «كورونا»، ووصولاً إلى انفجار مرفأ بيروت. دموع ثقيلة ومجبولة بالدم حيناً، وبالأمل أحياناً؛ يرسمها نديم كرم بأسلوبه السوريالي، ويغوص معها مُشاهدها في عالم من الإبداع يبهر العين ويفرض صمتاً لا يأتي بنتيجة حِداد وحزن عميق نستشفّه من أزمنة عاشها اللبناني ولا يزال. فلوحات كرم لا تخلو من رسوم ورموز منمنمة، وزّعها على مساحات مصنع «أبرويان» الشاسعة في خدمة أفكاره. وهو ما يُلزم الزائر الغوص فيها ليُحلّل ويفكر.

ينطلق المعرض من قسم «التمهيد»، فنشهد تكوين أفكار الفنان التأسيسية لبقية أقسامه، ومنها نتنقل بين أخرى يُفهَم مضمونها من عنوانها: «السرب القديم»، و«ذارف الدموع»، و«أفكار متمدّدة»، و«العيش في آخر الزمان».

عند المدخل الرئيسي للمصنع، تنتصب منحوتة خشبية ضخمة تُصوّر دموع اللبناني العملاقة، فتستوقفك في بداية الزيارة ونهايتها. صراخها الصامت والموجع الذي حاكه كرم بأسلوبه الانسيابي، يُنبئ بطريق طويلة وشاقّة، قد تغسلها هذه الدموع ليُشرق غدٌ أفضل، وقد تُشكّل تجسيداً لمعاناة لا يزال ينتظرنا منها الكثير.

تقنية الفنان تتراوح بين الألوان المائية وقلم الرصاص والفحم والـ«غليتر»؛ يضعها على الورق أو الخشب، وضمن فيديوهات مسجَّلة. وفي كل مرّة استعان بها، أخبر مُشاهدها قصة حدث كبير استشفَّه عبر 30 عاماً من شغف المهنة.

معرض «فصول من يوميات الأزمنة الراهنة» يستمر حتى 2 مايو (الشرق الأوسط)

لماذا يُقدِم على مبادرة فنية ضخمة بهذا الحجم؟ يوضح لـ«الشرق الأوسط»: «لأنّ اللبناني يحتاج إلى متنفّس للأمل والفن والثقافة. كما أنّ بيروت تستحق مبادرات من هذا النوع تُوسّع آفاقها وتعيد إليها دورها الريادي».

تُكمل الزيارة، فتلاحظ تغييرات تشهدها شخصيات كرم. مرحلة التأسيس في قسم «التمهيد» تأخذ أبعاداً مختلفة، منها ما صوّرها بدايةً ظلالاً وأشباحاً، لتبدو ناضجة في مراحل متقدّمة من المعرض. وقد وضعها في قوالب لمّاعة مرات، أو تطوف على ألواح خشبية مرات ثانية، فتروي نزوحها من حقبة إلى أخرى.

وفي أحد الأقسام، تستوقفك مجموعة لوحات منمنمة تتناول انفجار المرفأ وتداعياته في ذاكرة اللبناني. يشرح الفنان: «هنا صوّرتُ أهراءات القمح في حقيبة يحملها اللبناني معه أينما ذهب. إنه حدث يسكننا، حُفِر في نفوسنا وقلوبنا».

منذ التسعينات، اشتهر نديم كرم بمنحوتاته الحديدية التي تأخذ أشكال كائنات وأشخاص مختلفة. يومها، وزّعها على جسور بيروت وساحاتها بأساليب مختلفة. أحدث تلك المنحوتات، «الإيماءة» المشهورة باسم «مارد من الرماد». فجسَّد فيها الألم الذي خلّفه عند اللبنانيين، والأمل الذي يُظهر إرادة شعب حديدي يتمسّك بالحياة والعدالة.

لا تغيب منحوتاته الحديدية المشهور بها عن لوحاته الفنية، فيستخدمها رموزاً لسرد تفاصيل قصة. يعلّق: «ترافقني دائماً وتُحلّق في سماء لوحاتي لتزوّدها بأبعاد فكرية وثقافية».

شخصيات نديم كرم في لوحاته، شعوبٌ رحالة نقل حالاتها من مَشاهد الحياة. فمعارضه الكثيرة في براغ، ودبي، وبيروت، وملبورن، وغيرها، شكّلت انطلاقة لقراءة مشواره: «أتحدّثُ في هذا المعرض عن زمن نعيشه يومياً. مشوار طويل خضتُه، هو اليوم على طريق الاكتمال. إنها أزمنة مختلفة مررتُ عليها لأعبّر عن مشاعري وأفكاري، قرأتْها منسِّقة المعرض نايلة تمرز بدقة لتزوّدها بتنظيم يوثّق هذه الأزمنة».

إحدى لوحاته التي يصوّر فيها انفجار المدينة (الشرق الأوسط)

التاريخ يلعب دوراً رئيسياً في معرض كرم، فيحمل كائناته وشخصياته عبر صفحاته لتتنقل بين حقباته. يلاحظ زائره تسلسل أفكار يؤلّف قصة محبوكة بولع المهنة، فيلحق به باحثاً عن نهاية طريق مجهولة، متسائلاً إلى أين ستُودي به؟

وفي حقبة أخرى تمتدّ بين 2006 و2009، تطلّ لوحات فنية تطغى عليها ألوان برّاقة استخدم فيها الـ«غليتر» لترجمة فكرتها: «تمدّنا بالغموض وبواقع مؤلم يحمل الألم في الوقت عينه. فرغم حضور معابر الحرب، والصواريخ المدفعية، ودخان القذائف، تبرُز الوردة والقلب. وفي هذه المجموعة التي سميتُها (الغيمة والدخان)، بينتُ تناقضاً نعيشه، ولكنه لا يفقد الرجاء».

بين الأمل والمعاناة تُطلق شخصياته مشاعر مكبوتة (الشرق الأوسط)

حتى الألوان يشير فيها إلى أزمنة حمراء بفعل حروب دامية، وأخرى خضراء تختلجها الأحلام الكبيرة، وتشعّ فرحاً.

يرى كرم أنّ الكبت يسود مشاعر اللبناني، فأراد في معرضه تفجيره والتخلُّص من ذيوله: «علينا التعبير عن حالاتنا اليائسة الممزوجة بالأمل. عشقي لبيروت دفعني لإقامة معرض ليُفرِّغ زائره مكنوناته».

يربط نديم كرم الأزمنة التي يمرّ عليها في معرضه بأحداث المنطقة اليوم: «اللوحات يمكن ربطها بالماضي والحاضر، بينها ما يذكّرنا بنار غزة وجنوب لبنان، مع أنّ تاريخ تنفيذها يعود إلى عام 2006 حتى 2009. فبعد 20 عاماً، لا نزال نعيش المعاناة عينها. أنا وتلك الأزمنة نؤلّف عالماً واحداً، أعبّر فيه عمّا يحدث اليوم ضمن قصص صغيرة».

وفي «أفكار متمدّدة»، يُحلّق في عالم الفكر بامتياز، مُستخدماً طبقات فنية للتعبير عن تمدُّد الفكر إيجابياً وسلبياً. تحمل شخصياته أفكارها الكثيفة كشجرة مرات، وكجذور مترسخة في الأرض مرات أخرى.

أما في قسم «ذارف الدموع»، فيعبّر كرم عن شاهد من أهله يبكي الإنسانية بحرقة، مما يذكّرنا بلوحة بول كلي «لوم أولارم»، والنظرة إلى أطلال تاريخ يبكي المذابح التي شاهدها بأُمّ العين.

وضمن القسم الأخير من المعرض المستمرّ حتى 2 مايو (أيار) المقبل، تلفتنا لوحتان لانفجار بيروت يقول كرم إنه لم يستطع إنجاز أكثر منهما لتأثّره بالمشهد. وفي لوحة ثالثة مليئة برسوم صغيرة لا يمكننا فهم معانيها بمجملها، يحكي عن مرحلة الانعزال خلال الجائحة.


مقالات ذات صلة

سعيد قمحاوي في «بقاء مؤقت»: تجربة مفتوحة على تحوّلات المادة

يوميات الشرق عمل «زولية أمي» يستعيد الذاكرة عبر عرض بصري وصوتي على أرضية رملية (صور الفنان)

سعيد قمحاوي في «بقاء مؤقت»: تجربة مفتوحة على تحوّلات المادة

معرض سعيد قمحاوي الفردي يرتكز على مجموعة من الأعمال التركيبية واللوحات التشكيلية التي تتمحور حول الفحم ليس بوصفه وسيطاً...

عبير بامفلح (الرياض)
يوميات الشرق علاقة الإنسان بالطبيعة ضمن أعمال المعرض (الشرق الأوسط)

«إلى العمق»... معرض يحتفي بالطقوس والأشكال الطوطمية في مصر القديمة

يحتفي معرض «إلى العمق» للفنان المصري ناثان دوس بالحضارة المصرية القديمة من خلال العديد من الأشكال الطقوسية، والطوطمية التي تعود إلى فترة «الأم الكبرى».

محمد الكفراوي (القاهرة )
خاص رمزي ملاط أثناء تركيب عمله في قاعة العرب بمتحف «ليتون هاوس» بلندن (الفنان)

خاص ثريا العيون الزرقاء في متحف «ليتون هاوس» بلندن: تعويذة ضد العنف والمحو

يحتفل متحف «ليتون هاوس» في لندن بالذكرى المئوية لإنشائه، وهو المنزل الذي بناه اللورد فريدريك ليتون في القرن الماضي، وبث فيه حبه للأسفار في الشرق الأوسط.

عبير مشخص (لندن)
يوميات الشرق لوحة «الحزمة» لهنري ماتيس في معرض «ماتيس: 1941-1954» بباريس (رويترز)

ألوان ماتيس «المحلّقة» في معرض باريسي

يتحدى المعرض النظرة التقليدية للسنوات «الأخيرة» من حياة أي فنان كفترة اضمحلال فنرى هنا دافعاً مزدهراً دؤوباً لتجربة وسائط جديدة وبساطة شديدة يتطلب إنجازها عمراً

إميلي لابارج (باريس)
يوميات الشرق الفن يتحوَّل ملاذاً واللوحات تعكس علاقة الفنان بوطنه المفقود (الشرق الأوسط)

«أمومة» في القاهرة... الهميم الماحي يستحضر الوطن عبر صورة الأم

على المستوى الثقافي، تلعب الأم دور الحارس الأمين للتراث؛ فهي التي تحفظ الحكايات الشعبية...

نادية عبد الحليم (القاهرة )

كيف تحافظ على قوة دماغك وصحته؟ 6 أمور تجنّبها فوراً

التنقل بين المهام المختلفة قد يعطي شعوراً زائفاً بالإنتاجية (بيكسلز)
التنقل بين المهام المختلفة قد يعطي شعوراً زائفاً بالإنتاجية (بيكسلز)
TT

كيف تحافظ على قوة دماغك وصحته؟ 6 أمور تجنّبها فوراً

التنقل بين المهام المختلفة قد يعطي شعوراً زائفاً بالإنتاجية (بيكسلز)
التنقل بين المهام المختلفة قد يعطي شعوراً زائفاً بالإنتاجية (بيكسلز)

يميل كثيرون إلى الإفراط في التفكير والتشكيك في قراراتهم، والانشغال بأسوأ السيناريوهات المحتملة، وهو ما قد يستهلك طاقتهم ويبطئ أداءهم ويجعل الاستمتاع بالحياة أكثر صعوبة. لكن الحفاظ على صحة الدماغ لا يتطلب بالضرورة تغييرات جذرية أو استغلال كل دقيقة من اليوم، بل يمكن تحقيقه من خلال تعديلات بسيطة في أسلوب التفكير والسلوك اليومي.

يرى أليكس كورب، عالم الأعصاب وأستاذ بجامعة كاليفورنيا في لوس أنجليس، أن تحسين أداء الدماغ يبدأ بتجنّب بعض العادات الشائعة التي تستنزف الطاقة الذهنية. وبعد أكثر من 20 عاماً من البحث في علم الأعصاب، يؤكد أن التغييرات الصغيرة قد تُحدث فرقاً كبيراً في تعزيز التركيز والشعور بالهدوء ومقاومة الإرهاق، حسب ما أورده في تقرير نشرته شبكة «سي إن بي سي».

وفيما يلي أبرز 6 أمور ينصح كورب بتجنّبها للحفاظ على قوة الدماغ وصحته:

1. تجاهل القلق

يُنظر إلى القلق غالباً بوصفه أمراً سلبياً، لكن كورب يعتبره بمثابة «نظام إنذار» يصدر إشارات من الجهاز الحوفي- مركز العواطف في الدماغ- لينبّهك إلى ما هو مهم. تجاهل هذا الشعور قد يجعلك غير قادر على التمييز بين المواقف التي تتطلب استجابة فورية وتلك التي لا تستدعي القلق. لذلك، من الأفضل التوقف لحظة عند الشعور بالقلق، ومحاولة فهم مصدره، وطرح سؤال بسيط: ماذا يخبرني هذا الشعور عن أهمية هذا الموقف؟ هذا الوعي يساعد على التعامل معه بفعالية بدلاً من الانفعال أو التجمّد.

2. الاعتماد على النقد الذاتي بوصفه وسيلةً للتحفيز

في حالات الضغط، يفرز الدماغ مواد كيميائية مثل الدوبامين والنورأدرينالين، ما يعزز التركيز مؤقتاً. لكن هذا النوع من التحفيز يأتي على حساب مواد أخرى مرتبطة بالسعادة، مثل السيروتونين والأوكسيتوسين والإندورفين. لذلك، فإن الاعتماد على النقد الذاتي قد يمنح دفعة قصيرة المدى، لكنه يؤدي في النهاية إلى استنزاف الطاقة والشعور بالإرهاق. وعند الشعور بالإحباط، يُنصح بتحويل التركيز من النتائج السلبية إلى الأهداف الإيجابية التي تسعى لتحقيقها.

3. الهوس بتتبع جودة النوم

قد يبدو تتبع النوم باستخدام الأجهزة الذكية مفيداً، لكنه قد يتحول إلى مصدر إضافي للقلق، خصوصاً عندما تنشغل ببيانات لا يمكنك التحكم بها مباشرة. بدلاً من ذلك، يُفضّل التركيز على العادات التي تدعم نوماً جيداً، مثل التعرض لضوء الشمس صباحاً، والحفاظ على مواعيد نوم منتظمة، وممارسة الرياضة، واتباع روتين مسائي هادئ يساعد على خفض مستويات التوتر.

4. تعدد المهام عند الحاجة إلى تركيز عميق

قد يعطي التنقل بين المهام المختلفة شعوراً زائفاً بالإنتاجية، نتيجة دفعات صغيرة من الدوبامين. لكن في الواقع، يؤدي ذلك إلى إرهاق قشرة الفص الجبهي، المسؤولة عن اتخاذ القرارات وحل المشكلات. هذا الإرهاق قد ينعكس في صورة أخطاء متكررة وإجهاد ذهني. لذا، عند الحاجة إلى التركيز، يُفضّل تقسيم العمل إلى فترات زمنية قصيرة، والتركيز على مهمة واحدة في كل مرة.

5. تجاهل المشاعر بحجة التفاؤل الدائم

رغم أهمية التفكير الإيجابي، فإن تجاهل المشاعر السلبية أو إنكارها قد يؤدي إلى نتائج عكسية. فمحاولة فرض التفاؤل قد تعيق القدرة على التعامل مع الواقع. الأفضل هو الاعتراف بالمشاعر وتسميتها بوضوح، إذ يساعد ذلك على تخفيف الضغط عن اللوزة الدماغية، ويمنح الدماغ فرصة لاستعادة توازنه والتعامل مع الموقف بوعي أكبر.

6. ربط القيمة الذاتية بالإنتاجية فقط

يرتكب كثيرون خطأ ربط قيمتهم الذاتية بمدى إنتاجيتهم أو إنجازاتهم، ما يؤدي إلى ارتفاع مستويات التوتر والإرهاق على المدى الطويل. ويشير كورب إلى أن هذا النمط قد يمنح دفعات مؤقتة من التحفيز، لكنه يستنزف الطاقة النفسية مع الوقت. لذلك، من المهم تذكير النفس بأن القيمة الذاتية لا تقتصر على الإنجاز، وأن بذل الجهد بحد ذاته أمر كافٍ.


من «البلد» إلى الباحة… كيف تراهن سينما مستقلة على مدن لم تصل إليها الشاشات بعد؟

سينما البلد إلى الباحة (سينما البلد)
سينما البلد إلى الباحة (سينما البلد)
TT

من «البلد» إلى الباحة… كيف تراهن سينما مستقلة على مدن لم تصل إليها الشاشات بعد؟

سينما البلد إلى الباحة (سينما البلد)
سينما البلد إلى الباحة (سينما البلد)

في لحظةٍ تستعيد فيها «جدة التاريخية» دورَها حاضنةً للحكايات، بدأت «سينما البلد» مشروعها من الأزقة القديمة، لا بوصفها فعالية عابرة، بل بصفتها تصوّراً مختلفاً للسينما في السعودية.

مشروع ينطلق من الذاكرة، ويتجه بخطى مدروسة نحو مدن المملكة، جاعلاً أولى محطاته خارج جدة في منطقة الباحة، حيث لا توجد حتى الآن دور عرض سينمائي.

البداية من «البلد»... حيث السينما ذاكرة مكان

اختارت «سينما البلد» أن تبدأ من المكان الأشد ارتباطاً بالهوية البصرية والثقافية، لتعيد تعريف تجربة المشاهدة خارج القاعات التجارية. هنا، لم تكن الشاشة وحدها هي البطل، بل الأزقة نفسها، التي تحولت فضاءً سردياً يشارك في الحكاية.

«سينما البلد» في نسختها الأولى بجدة التاريخية (سينما البلد)

يوضح لـ«الشرق الأوسط» مؤسس «سينما البلد»، المخرج عبد الله سحرتي، أن المشروع جاء لسد فجوة واضحة في المشهد المحلي، حيث «طغت السينما التجارية داخل المجمعات، وغابت السينما الفنية المستقلة التي تخلق حالة ثقافية وتمنح مساحة للأعمال المختلفة». بهذا الوعي، انطلقت النسخة الأولى، واضعة الأساس لتجربة لا تشاهَد فقط، بل تُعاش.

«سينما البلد» في نسختها الثانية على سطح «متحف طارق عبد الحكيم» (سينما البلد)

من الأزقة إلى السماء... تجربة «الكادر السينمائي»

في النسخة الثانية، تطورت الفكرة بصرياً ومفاهيمياً، وانتقلت العروض إلى سطح «متحف طارق عبد الحكيم»، حيث صُممت التجربة ليصبح المشاهد داخل «كادر سينمائي حي».

هنا، تتداخل العمارة الحجازية مع السماء المفتوحة والصوت المحيط، ليجد الجمهور نفسه جزءاً من المشهد، لا مجرد متلقٍ له... تجربة نقلت العلاقة بالفيلم من الاستهلاك إلى التفاعل، ومن المشاهدة إلى المعايشة.

«سينما البلد» في الباحة تستعد لبدء أعمالها داخل «بلجرشي مول» (سينما البلد)

الباحة... أول اختبار للتوسع خارج المدن الكبرى

بعد تثبيت حضورها في جدة، تتجه «سينما البلد» إلى الباحة، وتحديداً في «بلجرشي مول»، لتكون أول دار سينما في المنطقة. الخطوة تحمل دلالة تتجاوز الجغرافيا؛ فهي تعكس تحولاً في خريطة العرض السينمائي، التي لم تعد حكراً على المدن الكبرى.

فالباحة، بما تمتلكه من خصوصية ثقافية وجمالية، تكشف عن جمهور «متعطش لتجربة سينمائية حقيقية»، خصوصاً أن المشروع يحظى بدعم لافت من الجهات الحكومية؛ مما ساهم في تسهيل انطلاق هذه التجربة النوعية.

أرقام السوق... بين النمو التجاري والحاجة إلى البديل

يأتي هذا التوسع في وقت يشهد فيه قطاع السينما السعودي نمواً متسارعاً. ووفق «تقرير شباك التذاكر السعودي 2025»، فقد بلغ إجمالي الإيرادات نحو 920.8 مليون ريال، مع بيع 18.8 مليون تذكرة، عبر 603 شاشات، في 62 دار عرض، موزعة على 10 مناطق، بمتوسط سعر تذكرة يبلغ نحو 49 ريالاً.

كما سجلت الأفلام السعودية حضوراً متنامياً، بإيرادات بلغت 122.6 مليون ريال من خلال 11 فيلماً، مع بيع 2.8 مليون تذكرة.

وتُظهر بيانات «التقرير» هيمنة الأفلام التجارية ذات طابع الأكشن والكوميديا على الحصة الكبرى من الإيرادات، في حين تستحوذ «التصنيفات العمرية الأعلى (R18)» على النسبة الكبرى من السوق؛ مما يعكس طبيعة التوجه العام للجمهور.

في هذا السياق، تبدو «سينما البلد» خياراً موازياً لا ينافس السوق التجارية بقدر ما يكملها، عبر تقديم مساحة للأفلام المستقلة التي قد لا تجد طريقها إلى هذه الأرقام الكبيرة.

«سينما بوتيك»... حين تصبح التجربة أهم من العدد

تحافظ «سينما البلد» على نموذجها الخاص، من خلال قاعة لا تتجاوز 35 مقعداً، في ما يُعرف بـ«سينما بوتيك»... خيار يضع جودة التجربة في مواجهة اتساع القاعات. في هذه المساحة الصغيرة، يصبح الفيلم تجربة شخصية، ويُفتح المجال للنقاشات والورشات؛ مما يعزز فكرة «المجتمع السينمائي» بدلاً من جمهور عابر.

ومع انتقال المشروع إلى الباحة، يرتفع عدد العروض اليومية إلى 6 عروض، مقارنة بعرضين فقط في جدة، في مؤشر واضح على حجم الطلب المتوقع.

ولا يتوقف المشروع عند العرض، بل يمتد إلى الجانب التعليمي، عبر ورشات عمل وليالٍ مختصة تستهدف صناع الأفلام السعوديين، مع توفير منصة دائمة لعرض الإنتاج المحلي.

يصف سحرتي هذا الأثر بأنه «منح الأمل والفرصة»، حيث أصبح لدى صانع الفيلم المحلي نافذة تعرض عمله بعيداً عن شروط السوق التجارية.

مشروع يتنقل... وسينما تعود إلى معناها الأول

من «البلد» إلى الباحة، تتشكل ملامح مشروع يسعى إلى التنقل بين مدن المملكة، حاملاً معه نموذجاً سينمائياً مختلفاً، يربط الفيلم بالمكان، ويعيد للجمهور دوراً أكبر فاعلية في التجربة.

وفي ظل أرقام سوق تتسع يوماً بعد يوم، يبدو أن الرهان لم يعد فقط على عدد الشاشات، بل على نوعية التجربة نفسها... تلك التي بدأت من الأزقة، وتستعد إلى أن تصل إلى كل مدينة تبحث عمّن تشبهها.


«السباحة» و«الفروسية»... رهان مصري جديد على السياحة الرياضية

بطولة العالم للسباحة في المياه المفتوحة (وزارة السياحة والآثار)
بطولة العالم للسباحة في المياه المفتوحة (وزارة السياحة والآثار)
TT

«السباحة» و«الفروسية»... رهان مصري جديد على السياحة الرياضية

بطولة العالم للسباحة في المياه المفتوحة (وزارة السياحة والآثار)
بطولة العالم للسباحة في المياه المفتوحة (وزارة السياحة والآثار)

نظمت مصر بطولتين رياضيتين للترويج لمقاصدها السياحية عبر السياحة الرياضية، في إطار تعزيز تنافسية المقصد السياحي المصري، والترويج للمنتجات السياحية المتنوعة التي يتمتع بها، وقامت وزارة السياحة والآثار، ممثلة في الهيئة المصرية العامة للتنشيط السياحي، برعاية بطولة كأس العالم للسباحة في المياه المفتوحة 2026، وهي إحدى جولات سلسلة كأس العالم المعتمدة من الاتحاد الدولي للألعاب المائية (World Aquatics)، إلى جانب بطولة كأس مصر للفروسية 2026، وذلك بمنطقة سوما باي بمحافظة البحر الأحمر.

وعدّ وزير السياحة والآثار المصري، شريف فتحي، رعاية الوزارة لهذه الفعاليات، تأتي في إطار استراتيجية الوزارة لتنويع المنتج السياحي المصري تحت شعار «مصر... تنوع لا يُضاهى»، مؤكداً، في بيان للوزارة، الأربعاء، «أهمية السياحة الرياضية، لما لها من قدرة على جذب أنماط جديدة من السائحين، فضلاً عن إبراز المقاصد السياحية المصرية بوصفها وجهات قادرة على استضافة كبرى الفعاليات الدولية».

تنظيم بطولة للفروسية في البحر الأحمر (وزارة السياحة والآثار)

وأطلقت مصر سابقاً حملة بعنوان «مصر... تنوع لا يضاهى» للترويج للأنماط السياحية المتنوعة في مصر بين السياحة الثقافية والشاطئية والرياضية والترفيهية والعلاجية وسياحة المؤتمرات والسفاري، وغيرها من الأنماط المتنوعة.

وأكد الرئيس التنفيذي للهيئة المصرية العامة للتنشيط السياحي، الدكتور أحمد يوسف، أن رعاية الهيئة لهذه البطولات تأتي في إطار حرصها على دعم الفعاليات الرياضية والسياحية التي تسهم في الترويج للمقصد السياحي المصري، وتعزيز الحركة السياحية الوافدة، خصوصاً في ظل ما تمتلكه مصر من مقومات متنوعة تؤهلها لاستضافة كبرى الفعاليات الدولية والإقليمية.

وأكد أن تنظيم هذه البطولات بإحدى أبرز الوجهات السياحية المصرية، يبعث برسالة واضحة للعالم عن أمن واستقرار المقصد المصري، وقدرته على تنظيم الفعاليات الدولية باحترافية عالية.

وأُقيمت بطولة كأس العالم للسباحة في المياه المفتوحة 2026 بالتعاون مع شركة «أبو سوما للتنمية السياحية»، وشارك بها هذا العام 30 اتحاداً وطنياً من خمس قارات، بإجمالي 124 رياضياً، وأُقيمت مباريات البطولة للعام الرابع على التوالي في مارينا سوما باي المطلة على ساحل البحر الأحمر، حيث تضمن البرنامج الرياضي سباق 10 كيلومترات للرجال والسيدات، إلى جانب سباق التتابع المختلط للفرق.

بطولة الفروسية شهدت مسابقات عدة (وزارة السياحة والآثار)

ويرى الخبير السياحي المصري، محمد كارم، أن «السياحة الرياضية نمط سياحي ينمو بطريقة مطردة على مستوى العالم، وهي مهمة لمصر في هذا التوقيت؛ لأنها ليست بطولات فقط، وإنما هي صناعة سياحية متكاملة تتضمن معدل إنفاق مرتفعاً».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «بطولات مثل السباحة أو الفروسية تجذب عدداً كبيراً من اللاعبين والفرق من دول مختلفة، بالإضافة إلى الأجهزة الفنية والتنظيمية والجمهور والإعلام المرافق لهم لتغطية الأحداث. كل هذا يؤكد أن هناك حركة طيران نشطة ونسبة إشغال عالية في الفنادق أو الوحدات السياحية، ونسب إنفاق مرتفعة على المطاعم والخدمات المختلفة والزيارات الخاصة بالمعالم السياحية، خصوصاً في شرم الشيخ والغردقة والمناطق السياحية بالبحر الأحمر التي تمتلك بنية سياحية قوية، وتتمتع بمناخ معتدل على مدار العام».

وأوضح كارم أن «السائح الرياضي عادة ما تكون نسبة إنفاقه مرتفعة؛ فهو يقيم قبل البطولة وفي أثنائها وبعدها، واختيار السباحة والفروسية في هذا التوقيت يؤكد أن مصر من الدول القوية جداً، وأنها ضمن المنافسة على جذب السياحة الرياضية على مستوى العالم».

وتعد بطولة كأس مصر للفروسية 2026، التي أقيمت بالتعاون مع شركة «أبو سوما للتنمية السياحية»، وبالشراكة مع الاتحاد المصري للفروسية، من أبرز البطولات الوطنية المعتمدة في هذا المجال، حسب بيان الوزارة؛ إذ شارك بها نخبة من أفضل الفرسان والأندية المصرية، وفق معايير تنظيمية ومهنية تتماشى مع اشتراطات الاتحاد المصري للفروسية.

وتعتمد مصر على السياحة بوصفها أحد أهم مصادر الدخل القومي، وحققت خلال الأعوام الأخيرة أرقاماً قياسية في جذب السائحين من الخارج، وصلت في عام 2025 إلى أكثر من 19 مليون سائح، وتطمح مصر إلى اجتذاب 30 مليون سائح لزيارتها سنوياً بحلول عام 2031.