اكتشاف مدهش لرمز الصيدلة والدواء العالمي في تصميم أحد أقدم مدافن الجزيرة العربية

اكتشاف مدهش لرمز الصيدلة والدواء العالمي في تصميم أحد أقدم مدافن الجزيرة العربية
TT

اكتشاف مدهش لرمز الصيدلة والدواء العالمي في تصميم أحد أقدم مدافن الجزيرة العربية

اكتشاف مدهش لرمز الصيدلة والدواء العالمي في تصميم أحد أقدم مدافن الجزيرة العربية

تشهد السعودية تطوراً غير مسبوق على جميع الأصعدة، من بينها الاهتمام بالآثار والتراث والإرث الثقافي، وتجدر الإشارة إلى أن اكتشافات مذهلة لمئات الآلاف من المدافن بأشكالها وأحجامها المختلفة التي تصل بأبعادها إلى مئات الأمتار ستغيّر كثيراً من الحقائق التاريخية، وتعيد البحث من جديد في أهمية أرض المملكة.

يعود الفضل في هذه الاكتشافات للاهتمام البالغ الذي يوليه الباحث الميداني والأنثروبولوجي السعودي، الدكتور عيد اليحيى، بدعم من قبل وزارة الثقافة والسياحة والتراث. وقد تغيّر هذه الاكتشافات كثيراً من المعلومات عن تاريخ الجزيرة العربية بشكل عام، وتاريخ المملكة وحضارتها بشكل خاص، ولولا التقنيات الحديثة والتصوير عن بعد (من خلال وسائل تكنولوجية حديثة) لما جرى التعرف على أماكن هذه المدافن؛ إذ سخّر عيد اليحيى تلك الإمكانات في الحصول على المعلومات، ومن ثمّ أكّدها بنفسه على أرض الميدان بزيارات متعددة لم تخلُ من الصعوبات والمخاطر، لا سيما إذا عرفنا أن أغلب تلك المدافن تقع في قمم الجبال الواسعة.

وبذلك يكون اكتشاف مدفن رمز الصيدلة والدواء (موضوع المقال) أول اكتشاف مهم يستهدف لفت الانتباه لكل ما يعزز مكانة السعودية والجزيرة العربية حضارياً وثقافياً.

 

النمط المعماري لرمز الصيدلة والدواء في جبل طويق

في تقرير كتبه الدكتور عيد اليحيى، والدكتور قصي التركي، ذكرا أن نمط مدفن الصيدلة والدواء يحمل دلالة تاريخية وفلسفية، في الوقت ذاته، الذي سُمّي فيه بـ«رمز الصيدلة والدواء»، وذلك للشبه الكبير بين تصميم هذا النمط ورمز الصيدلة والدواء المعروف في العالَمَين القديم والحديث، الذي نقلته شعوب الجزيرة العربية إلى حضارات بلاد الرافدين، ومنها إلى حضارات العالم اللاحقة، كالحضارتين الإغريقية والرومانية.

والنموذج المدهش الذي سنعرّج عليه هو نمط معماري ينفرد بحيازته في الوقت الحاضر جبل «طويق»، وتصميمه وشكله العام يفتح الأفق للغوص في فلسفة ومعتقَد إنسان السعودية القديم، الذي صمم هذا المدفن وفق أسس وبواعث لها ارتباط بعالم الحياة والصحة والشفاء من الأمراض، من خلال محاكاة الرموز للكائنات الحية من حوله، والمقصود هنا رمز الثعبان الذي تلقفته حضارات شعوب المنطقة القريبة والبعيدة. وبشكل أدق فهو مدفن على شكل عصا يلتف حولها ثعبان، من بدايته حتى الرأس، نموذجه المميز في قمة جبل «طويق» بمحافظة الغاط في منطقة الرياض.

 

الغاط

لعل طبيعة الحياة البيولوجية للثعبان المتمثلة في تغيير جلده سنوياً، بمثابة تجديد الحياة وانبعاثها لديه من جديد، مما أوحى إلى ذهنية البشر بأنه يستطيع أن يجدّد حياته ويحافظ على شبابه، فكان أن اتُّخذ الثعبان رمزاً للصحة ومن ثمّ أصبح رمزاً عالمياً للدواء.

المتمعن في تصميم البناء الذي يتطابق تماماً مع رمز الصيدلة في حضارات مجاورة لا بدّ أن يتأكد من أصالة الانتماء الحضاري لإنسان الجزيرة الذي أجبرته الظروف المناخية، وأهمها الجفاف، إبّان الألف السادس والخامس قبل الميلاد، إلى الهجرة خارج الجزيرة العربية، بحثاً عن مصادر المياه بجانب الأنهار.

ومن الجدير بالذكر أن اكتشاف المدفن لم يكن سهلاً من سطح الأرض، لا سيما أن البناء المعماري متهدم في أجزاء منه، ولكن في لقطة جوية من الأعلى تبدو الصورة أكثر وضوحاً من خلال التصميم لعصا يلتف حولها ثعبان من الأسفل إلى الرأس الذي ينفتح بشكل يشبه إناءٍ، وعلى مدى عشرات الأمتار طولاً وعرضاً.

 

رمز الصيدلة والدواء في حضارة بلاد الرافدين

المشاهد الفنية التي اكتُشفت في مناطق حضارة بلاد الرافدين، والتي تؤكد انتقال واستخدام الرمز المذكور والمشار إليه في تصميم مدفن الصيدلة والدواء، نجدها بوضوح تتطابق من حيث الغرض والشكل مع ما ذهبنا إليه؛ فمن المعروف لدى المختصين بحضارة بلاد الرافدين التي يشكل عنصرها البشري الغالب من الجزريين القادمين إلى وادي الرافدين من الجزيرة العربية، أن المعبودات الرافدينية قد منحت رموزاً معينة خصّ بها كل معبود على حدة، ومن بين هذه الرموز الثعبان الملتف حول العصا، فكانت الأفعى رمزاً للمعبود المسمى «ننكشزيدا» (Ningišzida)، معبود الدواء والشفاء للسومريين وباقي أقوام بلاد الرافدين، وقد بينت المشاهد الفنية هذا الرمز متمثلاً بزوجين من الأفاعي الملتفة، إحداهما على الأخرى، وأبرز نموذج يمكن الاستدلال به ذلك الإناء العائد إلى الملك السومري گوديا (Gudia) (2144 - 2124 ق.م)، المصنوع من حجر الستيتايت ذي اللون الأسود المائل إلى الاخضرار، ارتفاعه 23 سنتيمتراً، وهو موجود اليوم في متحف «اللوفر» بباريس، وعلى سطحه الخارجي اثنتان من الأفاعي منتصبتان وملتفتان حول شكل رمزي أشبه بالعصا الغليظة، وهو الرمز الخاص بالمعبود «ننكزّيدا» المعروف بعصا تلتف حولها حيتان من الأسفل إلى الأعلى تشبه إلى حد كبير رمز الصيدلة والدواء حديثاً.

لقد أكدت النصوص المسمارية العائدة إلى الملك السومري گوديا طبيعة العلاقة بين هذا الملك ومعبوده، ننكشزيدا (Ninĝišzida)، الذي عدّه رمزاً للشفاء والدواء، بالإضافة إلى كونه الحامي للملك گوديا والمعبود الرئيسي للطب، ولأهمية هذا العلم في نظر سكان بلاد الرافدين، فقد كان تحت رعاية هذا المعبود ووالده معبود الطب أيضاً، ويدعى نن. آ. زو (Nin A. Zu)، ومعنى اسمه السيد الطبيب.

جدير بالذكر أن ارتباط الطب والدواء برمز العصا التي يلتف حولها الثعبان (كما في المدفن المكتشَف في محافظة الغاط) لا يقتصر على الشكل والتصميم، بل يتعدى ذلك إلى اللفظ والمعنى. وإضافةً إلى الرمز الصوري في الكتابات المسمارية منذ نهاية الألف الرابع قبل الميلاد؛ فقد عُرِف الطبيب بالكلمة السومرية «لو آ. زو» (Lu A. Zu) أي «الرجل الطبيب»، ومنها اشتُق الاسم باللغة الأكدية بصيغة «آسو» (Asủ) أي بمعنى الطبيب، وهناك أيضاً مصطلح رئيس الأطباء «لو غال آ. سو» (Lu Gal A. Su) باللغة السومرية، و«آسي» (Asi) باللغة الأكدية من العصر البابلي والآشوري الحديث. ويحيلنا هذا اللفظ إلى اسم معبود الطب ذي الرمز المذكور أنفاً.

أما طبيب الوصفات الطبية (طبيب الأعشاب/ الصيدلي) فيعرف باسم «آشيبو» (Ašipu) واللفظ والمعنى قريبان جداً من تسمية «طبيب الأعشاب» باللغة العربية، بل إن هناك ألفاظاً أخرى متقاربة تعطينا المعنى نفسه في اللغتين السومرية والأكدية الجزرية بفرعيها، فاللفظ «آشيبو» يعطينا معنى المعزّم أو الناصح وبلفظ «إشب» (IŠIB) في اللغة السومرية وبصيغة «إشبّو» (išipp) في اللغة الأكدية، ويمكن التخمين أن لفظ المفردة يقترب من لفظ الأعشاب باللغة العربية، وهي تلك الأعشاب التي عادةً ما يستخدمها المعزّم للحرق عند التعاطي مع المرضى، أو من خلال وصفات يكون أساسها الأعشاب الطبيعية التي لا تزال رائجة في أيامنا هذه.

أمّا الرمز الصوري للعلامة؛ فهو عبارة عن عصا أفقية تستند على عصا عمودية من الوسط، وبشكل حرف «T» اللاتيني. يأتي اللفظ أيضاً في اللغة الأكدية مقارباً للمعنى المذكور ليعني الكاهن أو رجل الدين المعزّم في مفردة «ماش» (LuMAŠ - MAŠ) في اللغة السومرية، وبلفظ «أشيبو» باللغة الأكدية بفرعيها البابلي والآشوري، علماً بأن اللفظ «ماش» لوحده يعطينا معنى لمهنة العرافة أو العرّاف، إضافة إلى أن الرسم الصوري للاسم «ماش» عبارة عن ثعبان مثلّث الرأس مع ذنب.

 

الأدلة المادية على رمز الصيدلة والدواء في السعودية

إذا انتقلنا إلى الأدلة المادية، من خلال المشاهد الفنية المكتشَفة في الجزيرة العربية، وتحديداً في السعودية، حيث مدفن الصيدلة والدواء، فإن المشاهد الخاصة بالثعبان المنفَّذة على الأواني الحجرية المكتشفة في مواقع أثرية متعدّدة في شرق المملكة وبتاريخ يعقب بكثير تاريخ مدفن الصيدلة والدّواء، تعطينا أدلة إضافية تعزّز ما ذهبنا إليه آنفاً، نذكر منها على سبيل المثال تلك المشاهد الفنية المكتشفة في جزيرة تاروت، ومنها كسرة من إناء مصنوع من الحجر الصابوني بلون بنّي مسود معروضة في متحف الرياض، عليها مشهد ثعبان أرقط بكامل الرأس وجزء من البدن، ويتقاطع معه ثعبان آخر رأسه غير ظاهر. ومشهد آخر منفَّذ على كسرة تمثّل نصف إناء من الحجر الصابوني الرمادي الداكن المزخرف بمشهد لثعبانين يتوسطهما رجل قوي البنية بذراعيه وعضلاته المفتولة، ربما إيحاءً للبطل السومري صاحب الملحمة الشهيرة «كلكامش»، وهو يحاول الإمساك بثعبانين مرقطَيْن، في إشارة إلى محاولته استرداد نبتة الحياة التي أكلها الثعبان في طريق عودته من دلمون إلى مدينته الوركاء، بعد رحلة البحث عن الخلود الشهيرة.

 

انتقال رمز الصيدلة والدواء في الحضارة اليونانية والرومانية

ولا بدّ من الإشارة إلى أن رمز الأفعى الملتفة على عصا الذي لا يزال مستخدماً بوصفه شعاراً لجمعيات الطب والصيدلة والدواء في العالم، الذي شاهدناه آنفاً، قد أخذه اليونانيون والرومان عن رمز إله الطب والدواء في بلاد الرافدين، الذي أصله من نمط مدفن الصيدلة والدواء في الجزيرة العربية، وقد عرف في الحضارتين اليونانية والرومانية بأنه للإله «أبولو» ثم للإله «أسكليبيوس» الذي كثيراً ما نشاهد تماثيله المصحوبة بالرمز نفسه المتمثل بالعصا التي تلتف حولها الأفعى، والأمر نفسه يُقال عن رمز الأفعى وعصا «أسكليبيوس» وعصا «هرمس».


مقالات ذات صلة

اكتشاف تمثال ضخم في منطقة أثرية بدلتا مصر

يوميات الشرق موقع تل فرعون الأثري بدلتا مصر (وزارة السياحة والآثار المصرية)

اكتشاف تمثال ضخم في منطقة أثرية بدلتا مصر

يسلط اكتشاف تمثال أثري ضخم بموقع تل فرعون بمركز الحسينية بمحافظة الشرقية (دلتا مصر) الضوء على الكثير من مظاهر النشاط الديني والملكي في منطقة شرق الدلتا.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
احتفت مصر بالنيل في اليوم العالمي للتراث (وزارة السياحة والآثار)

مصر: معارض أثرية تحتفي بالنيل في يوم التراث العالمي

اختارت وزارة السياحة والآثار المصرية نهر النيل موضوعاً لاحتفالها هذا العام بيوم التراث العالمي، ونظمت متاحف أثرية سلسلة من المعارض المؤقتة والفعاليات الثقافية.

فتحية الدخاخني (القاهرة )
يوميات الشرق معبد دندرة ضمن قائمة التراث بالعالم الإسلامي (وزارة السياحة والآثار)

مصر: معبد دندرة ومنازل رشيد التاريخية بقائمة التراث في العالم الإسلامي

أدرجت لجنة التراث في العالم الإسلامي معبد دندرة بمحافظة قنا، والمنازل التاريخية بمدينة رشيد، ضمن قائمة التراث.

محمد الكفراوي (القاهرة )
يوميات الشرق مومياء اكتُشفت داخل المقبرة (وزارة السياحة والآثار المصرية)

مصر: مقبرة رومانية نادرة في المنيا... ألسنة ذهبية وبردية تكشف عن أسرار البهنسا

عثرت البعثة داخل المقبرة على عدد من المومياوات العائدة إلى العصر الروماني، بعضها ملفوف بلفائف مزخرفة بزخارف هندسية...

فتحية الدخاخني (القاهرة)
يوميات الشرق القطع المستردة تعود لعصور مختلفة (وزارة السياحة والآثار المصرية)

مصر تسترد 13 قطعة أثرية من أميركا تعود لعصور مختلفة

مصر تسترد 13 قطعة أثرية من الولايات المتحدة الأميركية تنتمي إلى عصور تاريخية مختلفة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )

«الفرنساوي»... دراما تشويقية مصرية عن استغلال ثغرات القانون

سامي الشيخ وعائشة بن أحمد في مشهد من المسلسل (الشركة المنتجة)
سامي الشيخ وعائشة بن أحمد في مشهد من المسلسل (الشركة المنتجة)
TT

«الفرنساوي»... دراما تشويقية مصرية عن استغلال ثغرات القانون

سامي الشيخ وعائشة بن أحمد في مشهد من المسلسل (الشركة المنتجة)
سامي الشيخ وعائشة بن أحمد في مشهد من المسلسل (الشركة المنتجة)

تنطلق أحداث مسلسل «الفرنساوي» من فكرة مركزية تقوم على تفكيك العلاقة بين القانون والعدالة؛ إذ لا تبدو النصوص القانونية ضماناً مطلقاً للحقيقة، بل أداة قابلة لإعادة التوظيف وفقاً لمن يمتلك القدرة على قراءتها بذكاء. وفي هذا الإطار، لا يقدِّم العمل، الذي يقوم ببطولته عمرو يوسف، الجريمة بوصفها لغزاً تقليدياً، بل مدخلاً لفهم أعمق لكيفية صناعة السرد داخل قاعات المحاكم.

المسلسل، المعروض على منصة «يانغو بلاي»، من تأليف وإخراج آدم عبد الغفار في أولى تجاربه الإخراجية، تدور أحداثه عبر 10 حلقات، ويشارك في بطولته نخبة من النجوم، من بينهم جمال سليمان، وسامي الشيخ، وسوسن بدر، وعلي البيلي، وإنجي كيوان، إلى جانب ظهور خاص لكل من عائشة بن أحمد، وبيومي فؤاد. وقد احتفل فريق العمل بعرض أولى الحلقات داخل أحد الفنادق الكبرى في القاهرة.

تدور الأحداث داخل عالم قانوني معقَّد، تتشابك فيه القضايا مع المصالح الشخصية وشبكات النفوذ، بحيث تتحول كل قضية إلى ساحة صراع بين روايات متعددة، لا مجرد بحث عن وقائع ثابتة. وهنا يبرز السؤال الأهم: ليس ما الذي حدث فحسب، بل كيف يمكن إثباته؟ ومن يملك القدرة على فرض روايته؟

ملصق ترويجي للمسلسل (يانغو بلاي)

​ من خلال شخصية «خالد مشير» المعروف بـ«الفرنساوي»، التي يجسدها عمرو يوسف، يتجلى هذا التوجه بوضوح؛ فالمحامي الشاب لا يتعامل مع القانون بوصفه حدوداً نهائية، بل بوصفه مساحة مرنة قابلة لإعادة التشكيل. يعتمد في منهجه على بناء الحقيقة أكثر من مجرد اكتشافها، عبر تحليل الأدلة وتفكيكها، ثم إعادة ترتيبها داخل إطار قانوني محكم يخدم روايته.

تتشكَّل ملامح هذه الشخصية من صدمة قديمة مرتبطة بمقتل والدته وحرمانه من اعتلاء منصة القضاء، مما دفعه إلى تبنّي أسلوب قائم على التحليل الدقيق والتخطيط المحكم بدلاً من المواجهة المباشرة. وتتصاعد الحبكة حين يتحول «صانع الحلول» إلى متهم رئيسي في جريمة قتل حبيبته السابقة، الطبيبة «ليلى والي»، التي تؤدي دورها عائشة بن أحمد.

هذا التحول يضع البطل أمام اختبار حقيقي لمنظومته القانونية، لا سيما مع تصاعد محاولات تشويه سمعته من وراء الستار. وتصبح «ليلى»، التي عاشت زواجاً مضطرباً تغلّفه السيطرة والعنف مع رجل الأعمال «يوسف عدلي ثابت» (سامي الشيخ)، محوراً لكشف شبكة معقدة من علاقات النفوذ، حيث تتحول وفاتها إلى مفتاح لفهم خفايا هذا العالم.

ويطرح المسلسل توازياً حاداً بين السلطة الرسمية وعالم الجريمة المنظّم؛ إذ يبرز «الديب» (جمال سليمان) كأحد أبرز رموز العالم السفلي، مستفيداً من ثغرات الماضي ليصنع لنفسه هوية جديدة. ومن موقعه في الظل، يراقب ابنه «خالد» عن بُعد، مجسداً سلطة خفية تحمي دون أن تظهر.

فريق العمل خلال الاحتفال ببدء العرض (يانغو بلاي)

وقال آدم عبد الغفار، مؤلف العمل ومخرجه، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، إنه سعى منذ البداية إلى تقديم مشروع متكامل قائم على رؤية واضحة، من خلال نص مكتمل لجميع الحلقات، مشيراً إلى أن مرحلة الكتابة، بشقيها التحضيري والفعلي، استغرقت ما بين 3 إلى 4 سنوات من التطوير.

وأوضح أنه يفضِّل العمل بوصفه مخرجاً يكتب نصوصه بنفسه، لما يوفره ذلك من تماسك في الرؤية بين النص والصورة، ويمنحه قدرة أكبر على التحكم في التفاصيل وبناء عالم درامي متماسك. ومع ذلك، أكد أنه لا يمانع إخراج أعمال من كتابة آخرين، إذا وجد فيها ما يُثير اهتمامه على المستوى الفني.

وعن بناء شخصية «الفرنساوي»، أشار إلى أنها لا تستند إلى نموذج واقعي محدد، بل جاءت بوصفها تركيبة درامية مركّبة تمزج بين أكثر من مصدر وتجربة، وهو ما منحها عمقاً نفسياً ودرامياً لافتاً. وأضاف أن مرحلة التحضير للشخصية كانت حاسمة، إذ جرى العمل على تشكيلها بعيداً عن القوالب النمطية، لتتحرك داخل مساحات رمادية تعكس طبيعة العالم الذي تنتمي إليه.

عمرو يوسف في مشهد من المسلسل (حسابه على فيسبوك)

وتحدث عن اختياره للفنان عمرو يوسف، موضحاً أنه كان حاضراً في ذهنه منذ المراحل الأولى للكتابة، حتى قبل طرح اسمه رسمياً، وهو ما ساعده على بلورة ملامح الشخصية بدقة أكبر، سواء على مستوى الأداء أو الإيقاع الداخلي، بما يتماشى مع طبيعة العمل.

وفيما يتعلق بالجانب البصري، أشار إلى أن فريق العمل تنقَّل بين 83 موقع تصوير، سعياً لخلق بيئة بصرية متنوعة تعكس ثراء العالم الدرامي وتعزز الإحساس بالواقعية. وأكَّد أن هذا التعدد لم يكن بهدف الاستعراض، بل جاء في خدمة السرد، لتقديم صورة متكاملة تواكب الطرح الدرامي، وتمنح العمل خصوصيته على مستويي الشكل والمضمون.


حفلات نجوم الغناء تعمّق «الفجوة الطبقية» في مصر

طُرحت فئة تذاكر بمليون جنيه في حفل عمرو دياب المقبل (حسابه على «فيسبوك»)
طُرحت فئة تذاكر بمليون جنيه في حفل عمرو دياب المقبل (حسابه على «فيسبوك»)
TT

حفلات نجوم الغناء تعمّق «الفجوة الطبقية» في مصر

طُرحت فئة تذاكر بمليون جنيه في حفل عمرو دياب المقبل (حسابه على «فيسبوك»)
طُرحت فئة تذاكر بمليون جنيه في حفل عمرو دياب المقبل (حسابه على «فيسبوك»)

عمّقت الزيادات المتتالية في أسعار حفلات نجوم الغناء «الفجوة الطبقية» بمصر مع ارتفاع أسعار التذاكر بشكل لافت خلال الآونة الأخيرة، بعدما سجَّلت أسعار بعض فئات التذاكر مليون جنيه (الدولار يساوي 52.5 جنيه في البنوك) بحفل الفنان المصري عمرو دياب المُقرَّر إقامته في الجامعة الأميركية مطلع مايو (أيار)، وهي تذكرة متاحة للحجز توفِّر 15 مكاناً بموقع متميز داخل الحفل.

وخلال الفترة الماضية شهدت أسعار التذاكر زيادات بشكل مطرد بما فيها تذاكر حفلات دار الأوبرا المصرية، والنسخة الماضية من «مهرجان الموسيقى العربية»، في وقت سجَّل فيه متوسط أسعار التذاكر في الحفلات الجماهيرية 500 جنيه على الأقل، مع محدودية هذه الأسعار وعدم إتاحتها في عدد كبير من الحفلات وفق متابعين.

وعادة ما تُقام حفلات النجوم العرب في مصر بأسعار أعلى من حفلات النجوم المصريين لتقاضيهم أجورهم بالدولار الأميركي، بينما تبلغ أسعار أقل فئة في حفلات بعض النجوم على غرار عمرو دياب وأنغام ألف جنيه، في حين يبلغ الحد الأدنى للأجور المُقرَّر قانوناً في مصر نحو 7 آلاف جنيه قبل خصومات التأمين والضرائب.

جانب من حفل فرقة «كايروكي» بالساحل الشمالي (حساب الفرقة على «فيسبوك»)

وقال مُنظِّم الحفلات وديع عزمي لـ«الشرق الأوسط» إن ثمة عوامل تتحكم في وضع تذاكر الحفلات، في مقدمتها الأجور التي يتم سدادها ليس فقط للفنان، ولكن أيضاً للفرقة الموسيقية المصاحبة له، والعمالة المختلفة التي زادت أجورها على خلفية ارتفاع معدلات التضخم، بالإضافة إلى أنَّ مُنظِّم الحفل يسعى لوضع سعر يجعله قادراً على تغطية تكلفة تنظيم الحفل من التذاكر.

وأضاف: «بعض الحفلات الكبرى يلعب الرعاة فيها دوراً كبيراً بتحمل جزء من التكلفة، حيث لا يكون عائد بيع التذاكر هو المصدر الوحيد لتغطية تكاليف الحفل»، مشيراً إلى أن «هذا الأمر يسهم أحياناً في تخفيض سعر التذكرة لكن زيادة تكلفة جميع العوامل المرتبطة بالحفلات تدفع لزيادة أسعار التذاكر بشكل مستمر، الأمر الذي يكون له تأثير على الحضور الجماهيري بمختلف فئاته».

تكاليف متزايدة

وعزا الناقد الموسيقي محمود فوزي السيد، ظاهرة ارتفاع أسعار تذاكر الحفلات الغنائية إلى التكاليف المتزايدة التي يتحمَّلها المُنظِّمون، وتشمل أجور النجوم الكبار، سواء من داخل مصر أو خارجها، و المصروفات الضخمة التي تتعلَّق بتجهيزات المسرح، والتقنيات الصوتية، والدعاية، والتأمين.

وأوضح أن «هذه العناصر مجتمعة تضاعفت تكلفتها بشكل كبير في ظلِّ موجة الغلاء الحالية؛ ما يدفع المُنظمين إلى التعامل مع الحفل بوصفه (منتجاً) يخضع لقواعد السوق، وعلى رأسها العرض والطلب، وهو ما يبرِّر رفع أسعار التذاكر، أو الاعتماد بشكل أكبر على الرعاة لتحقيق التوازن المالي، وضمان تحقيق أرباح».

جانب من حفل كبير لمحمد حماقي في الإسكندرية العام الماضي (حسابه على «فيسبوك»)

وأضاف محمود فوزي السيد: «هذا الواقع انعكس بشكل مباشر على الجمهور، وأصبحت الحفلات الكبرى مقتصرة على فئات محدودة قادرة على تحمل الأسعار المرتفعة؛ ما أدى إلى تقلص القاعدة الجماهيرية لها»، مشيراً إلى أنَّ حضور حفل غنائي بات يتطلب ميزانيةً مرتفعةً لا تتناسب مع شريحة واسعة من الجمهور، الأمر الذي أفقد الحفلات طابعها الجماهيري الذي كانت تتمتع به في فترات سابقة.

ارتفاع معدلات التضخم

رأي دعمه الناقد الموسيقي مصطفى حمدي، الذي يقول لـ«الشرق الأوسط»: «إن حضور حفل موسيقي أصبح أمراً ضاغطاً اقتصادياً على الأسر التي تنتمي للطبقة المتوسطة؛ بسبب الارتفاع الكبير في أسعار الحفلات، وهو ما انعكس حتى على كثافة حضور الحفلات الجماهيرية التي كانت تسجِّل حضوراً بأرقام تصل إلى 60 أو 70 ألف شخص، ولم تعد موجودة تقريباً في الوقت الحالي».

ووفق تقرير صدر عن جهاز «التعبئة والإحصاء» المصري، في سبتمبر (أيلول) 2020 فإنَّ نسبة الفقر بلغت 29.7 في المائة عن عام 2019 - 2020، مع وضع مبلغ 857 جنيهاً شهرياً و10279 جنيهاً سنوياً خطاً للفقر، بينما بلغ حدُّ الفقر المدقع 550 جنيهاً شهرياً والسنوي 6604 جنيهات على أساس سعر صرف 16 جنيهاً لكل دولار، بينما يسجِّل الدولار اليوم بالبنوك نحو 52.5 جنيه.

ومع غياب الأرقام الرسمية الحديثة بشأن نسب الفقر، فقد أشار تقرير للبنك الدولي إلى ارتفاع نسب الفقر إلى 32.5 في المائة، وفق تقرير للبنك الدولي عن عام 2022.

ويؤكد حمدي أنَّ زيادة معدلات التضخم انعكست بشكل لافت على الترفيه الذي تمثل الحفلات الموسيقية أحد جوانبه، مشيراً إلى «غياب مشهد الحضور الأسري عن الحفلات كما كان سابقاً، بالإضافة إلى محدودية الحفلات الجماهيرية الكبيرة التي تُقام لنجوم الصف الأول». على حد تعبيره.

وهنا يستعيد محمود فوزي السيد مشهد الحفلات الغنائية بالجامعات التي كانت تلعب دوراً مهماً في إتاحة الفن للشباب من خلال استضافة نجوم كبار مثل عمرو دياب، وتامر حسني، ومحمد حماقي، مما يوفر متنفساً فنياً بأسعار مناسبة للطلاب، إلا أن هذه الظاهرة تراجعت بشكل ملحوظ، ما أسهم في تضييق فرص الوصول إلى الحفلات، خصوصاً لدى الفئات الشابة.

تشهد أسعار تذاكر الحفلات ارتفاعاً كبيراً (حساب تامر حسني على «فيسبوك»)

وشدَّد على ضرورة تدخل وزارة الثقافة المصرية ومؤسساتها، وعلى رأسها دار الأوبرا المصرية، لإعادة التوازن إلى سوق الحفلات من خلال تنظيم فعاليات جماهيرية بأسعار مناسبة، مؤكداً أنَّ تفعيل هذا الدور من شأنه توسيع قاعدة الجمهور وإعادة الحفلات إلى طبيعتها بوصفها فناً متاحاً للجميع، خصوصاً مع أهمية موسم الصيف الذي يفترض أن يشهد نشاطاً مكثفاً في هذا المجال.

ويُعدُّ الصيف هو الموسم الأبرز للحفلات في مصر، والتي لا تقتصر على المدن الساحلية فحسب ولكن أيضاً على العاصمة، بينما شهد موسم عيد الفطر وأعياد الربيع حفلات محدودة غاب عنها النجوم العرب بشكل لافت.


«عنابة للفيلم المتوسطي» يحتفي بالسينما المصرية

الفنانة إلهام شاهين تتسلم تكريمها في افتتاح مهرجان عنابة (إدارة المهرجان)
الفنانة إلهام شاهين تتسلم تكريمها في افتتاح مهرجان عنابة (إدارة المهرجان)
TT

«عنابة للفيلم المتوسطي» يحتفي بالسينما المصرية

الفنانة إلهام شاهين تتسلم تكريمها في افتتاح مهرجان عنابة (إدارة المهرجان)
الفنانة إلهام شاهين تتسلم تكريمها في افتتاح مهرجان عنابة (إدارة المهرجان)

يحتفي مهرجان «عنابة للفيلم المتوسطي» الجزائري بالسينما المصرية، التي اختارها ضيفة شرفٍ لدورته السادسة، التي انطلقت يوم الجمعة 24 أبريل (نيسان). كما يستعيد أبرز أعمال المخرج الراحل يوسف شاهين، في إطار الاحتفال بذكرى مئوية ميلاده.

كانت وزيرة الثقافة والفنون الجزائرية، الدكتورة مليكة بن دودة، قد افتتحت المهرجان بحضور محافظه محمد علال، حيث ذكرت في كلمتها أن المهرجان يُعدّ امتداداً لإرث حضاري عريق.

وزيرة الثقافة والفنون الجزائرية تكرم الفنان صالح أوقروت (إدارة المهرجان)

وكرّمت الوزيرة 4 شخصيات خلال حفل الافتتاح، ومنحتهم جائزة «العناب لإنجاز الحياة»، وهم: المخرج العالمي بيل أوغست، الحائز على جائزة الأوسكار والسعفة الذهبية لمهرجان «كان» مرتين، والفنان الجزائري صالح أوقروت، تقديراً لحضوره المميز في الأعمال الكوميدية والدرامية، والفنانة الجزائرية بهية رشيد، التي أثرت الساحة الفنية في الجزائر على مدى مسيرة حافلة بالعطاء، والنجمة المصرية إلهام شاهين، صاحبة المسيرة الحافلة التي جعلت منها إحدى أبرز أيقونات الشاشة العربية.

وعبّرت الفنانة إلهام شاهين عن سعادتها بهذا التكريم، وقالت في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»: «أنا ممتنّة جداً وسعيدة بهذا التكريم؛ فهو تتويج لمسيرتي الفنية، ويؤكد أن اختياراتي كانت صحيحة، وأن لهذه المسيرة أثراً»، وأضافت: «من الرائع أن يأتي تكريمي في دورة تكون فيها مصر ضيفة الشرف، وفي ظل الاحتفال بمئوية المخرج الكبير يوسف شاهين، الذي أتشرف به».

ملصق لاحتفاء مهرجان «عنابة» بمئوية يوسف شاهين (إدارة المهرجان)

ولفتت إلى حبها للجزائر، مؤكدة أنها تحمل لها ذكريات جميلة؛ إذ سبق تكريمها رفقة النجمة وردة من قبل الرئيس الأسبق بوتفليقة، كما حضرت «مهرجان وهران» مرتين، وحصلت على جائزتي أفضل ممثلة وأفضل فيلم عن «خلطة فوزية»، الذي كان من إنتاجها أيضاً، إضافة إلى مشاركتها في دورة أخرى عضواً في لجنة التحكيم.

وشهد المهرجان حضوراً لافتاً لفنانين مصريين، من بينهم: المخرج خالد يوسف، وسهير المرشدي، ورانيا فريد شوقي، وسيف عبد الرحمن، ومدير التصوير السينمائي سمير فرج، الذي يقدّم «ماستر كلاس» في فن التصوير السينمائي.

واستهلَّ المهرجان فعالياته بافتتاح معرض «يوسف شاهين والسينما الجزائرية»، الذي تستضيفه محطة القطار بعنابة، ويتضمن صوراً له ولأفلام أخرجها بين مصر والجزائر، من بينها «عودة الابن الضال» (1976)، و«جميلة بوحريد» (1958).

وتحت عنوان «الإنتاج المشترك المتوسطي: عودة الابن الضال بعد 50 عاماً»، يُنظّم المهرجان ندوة موسَّعة في إطار مئوية يوسف شاهين، بمشاركة المخرج خالد يوسف، والفنانة سهير المرشدي، والفنان سيف عبد الرحمن، ومن الجزائر المخرج أحمد راشدي، وأحمد بجاوي، وسليم عقار.

ويستعيد المهرجان، ضمن برنامج «ذاكرة شاهين»، 3 من أبرز أفلامه، مقدّماً إياها في عروض جماهيرية تتيح إعادة اكتشاف عبقرية شاهين والتأمل في رؤيته الفريدة للإنسان والمجتمع والهوية، وهي أفلام: «باب الحديد»، و«عودة الابن الضال»، و«النيل والحياة».

ويحتفي المهرجان باختيار مصر ضيفَة شرفٍ لدورته السادسة؛ إذ ذكر محافظ المهرجان، محمد علال، أن هذا الاختيار يُعدّ استحضاراً لتاريخ سينمائي عريق مشترك، امتدّ لأكثر من 50 عاماً من التعاون والإبداع بين البلدين. كما يقيم المهرجان ندوةً حول 130 عاماً من السينما المصرية، بمشاركة نقاد مصريين.

ملصق الدورة السادسة من المهرجان (فيسبوك)

وقال الناقد المصري زين خيري لـ«الشرق الأوسط»، إن احتفاء «عنابة» بالسينما المصرية ومئوية يوسف شاهين يعكس عمق العلاقة بين مصر والجزائر، خصوصاً في مجال السينما، مشيراً إلى أن التعاون بين شاهين والسينمائيين الجزائريين كان واسعاً وممتداً، إذ أخرج أفلاماً عن الثورة والمقاومة.

وعدّ خيري مشاركته، إلى جانب نقاد مصريين، في ندوة «السينما المصرية في 130 عاماً» من الندوات المهمة في المهرجان، مؤكداً أن «مهرجان عنابة»، من خلال متابعته له منذ انطلاقه، جادٌّ ومتميِّز، ويولي اهتماماً كبيراً باختياراته من الأفلام، والضيوف، والفعاليات.

يُذكر أن الدورة الـ6 من مهرجان «عنابة للفيلم المتوسطي»، المتخصص في أفلام دول البحر المتوسط، تشهد عرض 55 فيلماً من 20 دولة، من بينها 13 فيلماً يُعرض عالمياً للمرة الأولى.