دراما رمضان تسحب البساط من تحت دور السينما في السعودية

تراجع شباك التذاكر السعودي بنحو 46 %... و«موفي» تُغلق صالاتها إلى نهاية الشهر

تراجع اهتمام الجمهور في السينما خلال رمضان (الشرق الأوسط)
تراجع اهتمام الجمهور في السينما خلال رمضان (الشرق الأوسط)
TT

دراما رمضان تسحب البساط من تحت دور السينما في السعودية

تراجع اهتمام الجمهور في السينما خلال رمضان (الشرق الأوسط)
تراجع اهتمام الجمهور في السينما خلال رمضان (الشرق الأوسط)

خلال شهر رمضان المبارك من كل عام، يتراجع الإقبال على دور السينما في السعودية، وهو ما ظهر بوضوح في التقرير الأسبوعي الصادر اليوم عن الهيئة العامة لتنظيم الإعلام، الذي كشف انخفاضاً حاداً في إيرادات الأفلام، لتسجل هذا الأسبوع 94 ألف تذكرة مباعة، مقارنة بأكثر من 175 ألف تذكرة خلال الأسبوع الماضي.

ويأتي هذا التراجع، مع توجه الجمهور السعودي خلال هذه الفترة نحو الأعمال الرمضانية المقدمة عبر شاشات التلفزيون والمنصات مسبقة الدفع، التي سحبت البساط من تحت دور السينما، حيث تتنافس هذه القنوات على قائمة المسلسلات والبرامج الجاذبة للجمهور، وتقديم الأعمال الحصرية والأعمال ذات الإنتاج الخاص، للفوز بكعكة الجذب الجماهيري في الشهر الفضيل.

واستطاع الفيلم الأميركي «The Beekeeper» رغم تراجع الإيرادات من تصدر قائمة العشرة أفلام الأولى في شباك التذاكر السعودي للأسبوع الحالي، بأكثر من 14 ألف تذكرة، يليه الفيلم العربي «رحلة 404» الذي لا يزال محافظاً على المركز الثاني منذ الأسبوع الماضي وذلك بـ8217 تذكرة، في حين جاء الفيلم الهندي «Manjummel Boys» ثالثاً بـ7717 تذكرة مباعة. وفي المرتبة الرابعة جاء فيلم «No Way Up»، وفي الخامسة «Madame Web»، ليحلّ «Fast Charlie» سادساً، ويليه سابعاً فيلم «عصابة عظيمة»، وفي المرتبة الثامنة جاء «Dark Game»، وفي التاسعة الفيلم السعودي «مندوب الليل»، الذي أكمل أسبوعه الـ13 في السينما، وأخيراً في المرتبة العاشرة جاء فيلم «Phoenix».

«YODHA» هو الفيلم الجديد الوحيد الصادر هذا الأسبوع (الشرق الأوسط)

من ناحيته، أعلن أكبر مشغل في البلاد «موفي سينما» (Muvi Cinemas) عن إغلاق مؤقت لجميع الفروع البالغ عددها نحو 22 فرعاً، خلال شهر رمضان المبارك، على أن تستأنف التشغيل يوم 4 أبريل (نيسان) الذي يوافق 25 رمضان، أي قبل عيد الفطر بأيام قليلة، حيث تشهد دور السينما نشاطاً معتاداً خلال إجازة العيد، في حين اكتفى بقية المشغّلين بتقليل عروض الأفلام وتقديم عروض ترويجية.

يتزامن ذلك مع تزايد عدد دور السينما في البلاد، التي وصلت إلى 65 دار سينما، موزعة على 22 مدينة سعودية، بـ608 شاشات، لستة مشغلين، ونحو 62.074 مقعداً، مما يظهر حجم النمو الكبير الذي شهده القطاع السينمائي بشكل مطرد، بالنظر إلى أن افتتاح دور السينما السعودية كان قبل نحو 6 أعوام فقط، وتحديداً في أبريل 2018.

من ناحية أخرى، كشفت الهيئة العامة لتنظيم الإعلام في بيانها، عن صدور فيلم واحد جديد للأسبوع الحالي، وهو الفيلم الهندي «YODHA»، وذلك على خلاف المعتاد من صدور عدة أفلام جديدة في الأسبوع الواحد، مع الإشارة إلى أن دور السينما كانت قد سحبت فيلم «Dune 2» قبل أيام من شهر رمضان، وذلك رغم تحقيقه إيرادات عالية في شباك التذاكر تحسباً لموسم الركود الرمضاني، على أن يعود للسينما ضمن قائمة أفلام عيد الفطر المرتقبة.



بين المليار و400 مليون دولار… ترمب يشرح حقيقة تمويل قاعة الرقص بالبيت الأبيض

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يشير بيده إلى أعمال بناء قاعة الرقص خلف الستائر أثناء حديثه في القاعة الشرقية بالبيت الأبيض (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يشير بيده إلى أعمال بناء قاعة الرقص خلف الستائر أثناء حديثه في القاعة الشرقية بالبيت الأبيض (رويترز)
TT

بين المليار و400 مليون دولار… ترمب يشرح حقيقة تمويل قاعة الرقص بالبيت الأبيض

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يشير بيده إلى أعمال بناء قاعة الرقص خلف الستائر أثناء حديثه في القاعة الشرقية بالبيت الأبيض (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يشير بيده إلى أعمال بناء قاعة الرقص خلف الستائر أثناء حديثه في القاعة الشرقية بالبيت الأبيض (رويترز)

وسط الجدل المتصاعد حول مشروع إنشاء قاعة احتفالات جديدة في البيت الأبيض، عاد الرئيس الأميركي دونالد ترمب، ليؤكد موقفه، مدافعاً عن المشروع، ومشدّداً على أنه لا يهدف إلى الترف أو البذخ كما يروّج منتقدوه؛ بل يرتبط أساساً بتعزيز الجوانب الأمنية. وأوضح أن التمويل المثار حوله لا يُوجَّه بالكامل لبناء قاعة رقص؛ بل يندرج ضمن حزمة أوسع من الإجراءات الرامية إلى تأمين مرافق البيت الأبيض.

ووفقاً لما نقلته صحيفة «إندبندنت»، قدّم ترمب تبريراً جديداً للمشروع، مؤكداً أن القاعة المقترحة «ضرورية لضمان سلامة الرئيس»، وأنها ليست مجرد مساحة فاخرة لإقامة المناسبات؛ بل جزء من بنية أمنية متكاملة.

وخلال حديثه في واشنطن العاصمة يوم الخميس، واجه ترمب سؤالاً من أحد الصحافيين حول سبب تحميل دافعي الضرائب تكلفة تُقدّر بمليار دولار، كما ورد في مقترح جمهوري ضمن مشروع قانون جديد للإنفاق على الأمن الداخلي. ويأتي هذا الرقم في تناقض مع تصريحاته السابقة، التي قدّر فيها التكلفة بنحو 400 مليون دولار، مشيراً آنذاك إلى أن متبرعين أثرياء من القطاع الخاص سيتكفلون بها.

لقطة تُظهر عملية إنشاء قاعة الاحتفالات الجديدة في البيت الأبيض (أ.ب)

وردّ ترمب قائلاً: «حسناً، ليسوا كذلك»، في إشارة إلى مبلغ المليار دولار، موضحاً أن هذا الرقم لا يخص قاعة الاحتفالات وحدها؛ بل يشمل «مشاريع أخرى عديدة تتعلق بالأمن في قسم محدد من أراضي البيت الأبيض»، مؤكداً أن «ليس كل هذا المبلغ مخصصاً لقاعة الاحتفالات».

وتابع: «نخصص 400 مليون دولار لتجهيز قسم قاعة الرقص، وسنقوم بذلك بشكل خاص. أنا أتولى هذا الأمر مع وطنيين آخرين يحبون بلدنا»، في إشارة إلى مساهمة متبرعين من خارج الحكومة.

وأضاف: «هناك جهات ترغب في تنفيذ أمور معينة ذات طابع عسكري... لكن ذلك لا علاقة لنا به... المسألة أوسع من ذلك بكثير؛ فنحن بصدد إنشاء قاعة احتفالات آمنة». وأكد أن المشروع «قيد التنفيذ، ويتقدم بوتيرة أسرع من المخطط لها، وضمن الميزانية المحددة»، مشيراً إلى أن تكلفته تتراوح بين 300 و400 مليون دولار، وأن «جزءاً كبيراً من هذا المبلغ سيُخصص لتعزيز الأمن والسلامة».

لقطة جوية تُظهر أعمال بناء قاعة الرقص الجديدة في البيت الأبيض بواشنطن (أ.ب)

وفي سياق متصل، سأل الصحافي ترمب عمّا إذا كان سيدعم نشر تفاصيل دقيقة حول مساهمات المتبرعين المشاركين في تمويل المشروع، فأجاب بأنه «لا يمانع» في ذلك، مجدداً إشادته بمؤيديه، قبل أن يوجّه انتقادات حادة لمعارضي هذا المشروع الذي يصفه بالمهم.


«ديبوت - انعكاس بوييمانز»... داخل العالم السرّي لأحد أضخم مخازن الفنّ

هنا يتحوَّل الحفظ إلى جزء من التجربة الفنّية (موقع المتحف)
هنا يتحوَّل الحفظ إلى جزء من التجربة الفنّية (موقع المتحف)
TT

«ديبوت - انعكاس بوييمانز»... داخل العالم السرّي لأحد أضخم مخازن الفنّ

هنا يتحوَّل الحفظ إلى جزء من التجربة الفنّية (موقع المتحف)
هنا يتحوَّل الحفظ إلى جزء من التجربة الفنّية (موقع المتحف)

تَدخُل المخرجة الهولندية سونيا هيرمان دولز إلى فيلمها «ديبوت - انعكاس بوييمانز» (DEPOT – Reflecting Boijmans) من باب غير متوقَّع: أغنية في الافتتاح مثل شارة مَرِحة وخفيفة تمنح أسماء فريق العمل إيقاعاً احتفالياً. منذ الدقائق الأولى، تنزع عن شريطها ثقل الوثائقيات المعمارية وتمنحه حركةً حيّةً تليق بولادة مكان لا يريد أن يُشبه المخازن المُظلمة التي اعتدنا تخيُّلها خلف المتاحف. هكذا يتراءى الفيلم («مسرح بيريت» في «الجامعة اليسوعية» ببيروت) دعوةً إلى النظر في الفنّ حين يُغادر عزلته الطويلة نحو العلن.

تُحفَظ اللوحات بعناية تُشبه الخوف عليها من الزمن (موقع المتحف)

يُواكب العمل مسار ولادة «ديبوت - انعكاس بوييمانز» في مدينة روتردام، وهو أحد أضخم المخازن الفنّية المفتوحة للجمهور في العالم. ورغم أنَّه لا ينفرد وحده بفكرة إتاحة المخازن أمام الزوّار، فإنَّ حجمه وطموحه وطريقة اشتغاله تجعله تجربةً استثنائيةً. في هذا المكان، يتحوَّل المخزن إلى مساحة تنكشف فيها الحياة السرّية للأعمال الفنّية. الكاميرا تُراقب اللوحات والمنحوتات خلال رحلتها المُتأنّية بين الأيدي والرافعات والصناديق وغُرف الترميم، فنراها وهي تُفحَص وتُنظَّف وتُهيَّأ للعرض بعناية شديدة، كأنَّ الفيلم يُعيد لها حضورها الإنساني ويُبيِّن حجم الاهتمام الذي تحتاج إليه كي تعبُر الزمن وتخلد في الذاكرة.

فيلم يُرافق ولادة إحدى أكثر المساحات الفنّية فرادةً في أوروبا (البوستر الرسمي)

تلتقط دولز التحوّل بمقاربة سينمائية تعرف كيف تمنح هذا العالم حركته الداخلية. فالمادة التي كان يمكن أن تقع في الجفاف، بين معلومات عن الهندسة والتخزين والحفظ، تتحوَّل بين يديها إلى تجربة مشغولة بالتدفُّق والملمس والإيقاع. وبينما الكاميرا تشرح المبنى، تتجوَّل في طبقاته مثل مَن يكتشف جسداً جديداً للفنّ. نرى السلالم والزجاج والعلوّ والصناديق والمصاعد والواجهات العاكسة، ثم الأيدي. وهذه الأيدي هي مِن أجمل ما في الفيلم. أيدٍ تحمل اللوحات ببطء، تُلامِس الإطارات كما يُلامَس وجهُ عزيزٍ، تُوضِّب المنحوتات بحذر، وتتعامل مع كلّ عمل على أنه وديعة ثمينة من الزمن.

يتأمّل «الوثائقي» معنى حفظ الفنّ، والعلاقة الحسّاسة بين العناية واستمرار الأعمال الفنّية عبر السنوات. الحفظ كما يقترحه هذا المكان يرتكز على التوازن بين الوقاية والانفتاح. فاللوحة تحتاج إلى حرارة محسوبة ورطوبة مضبوطة ومسافة أمان، لكنها تحتاج أيضاً إلى عين تراها. العمل الفنّي الذي ينجو من التلف ويموت في العتمة يخسر جزءاً من رسالته. لذلك يُقدّم هذا المخزن تصوّراً جديداً لكيفية صون الذاكرة الفنّية عبر فتحها أمام الناس من دون التفريط بشروط حمايتها والعناية بها.

من هنا، يمنح الفيلم مساحة واسعة للمهندس الهولندي ويني ماس، ومدير المتحف سيارل إكس، فهما العقلان اللذان رافقا ولادة هذا المشروع منذ فكرته الأولى. المسألة بالنسبة إليهما كانت إعادة تعريف وظيفة المتحف. ومن خلال الحوارات والاجتماعات والزيارات المتكرّرة إلى الورشة، يلتقط «الوثائقي» التحدّي الأكبر، وهو بناء مساحة تستوعب أكثر من 150 ألف عمل فنّي، مع الحفاظ على شروط الحفظ الصارمة، وفي الوقت نفسه السماح للجمهور بالاقتراب من هذا العالم المدهش.

تصميم يفتح الفنّ على المدينة ويمنح الذاكرة شكلاً معاصراً (موقع المتحف)

في مسار اللوحة من المخزن إلى العرض، يفتح الفيلم أبواب العالم الداخلي للمتحف. خلف كلّ لوحة تصل إلى الحائط ثمة رحلة كاملة. قرار، تصنيف، تغليف، نقل، فحص، ترميم، إضاءة، تعليق... ما يظهر للزائر في النهاية على أنَّه صورة مُكتملة، يسبقه عملٌ طويل من العناية. هنا يتجلَّى جوهر الفيلم. إنَّه يُعلّمنا أنَّ الجمال لا يولد في لحظة العرض وحدها، فهو سلسلة متراكمة من الجهود الصبورة والدؤوبة التي تُثمِر تحوُّل المتحف إلى مساحة تحفظ ذاكرة المدن وتصون ما تخشى الثقافات اندثاره أو ضياعه مع الوقت.

مبنى يُشبه منحوتةً عملاقةً تحتفظ بذاكرة آلاف الأعمال العظيمة (موقع المتحف)

وتأتي الواجهة الخارجية المُغطّاة بالمرايا في وسط روتردام لتمنح المشروع بُعداً فلسفياً إضافياً. المبنى يعكس المدينة والأشجار والسماء وحركة الناس. كأنّ الفنّ لا يريد أن ينفصل عن محيطه، والمخزن الضخم، بدل أن يفرض حضوره على شكل كتلة مُغلقة، يذوب في صُوَر المدينة ويردّها إليها. المرايا، هذه الحيلة الجمالية، تصبح محاكاةً لعلاقة جديدة بين المتحف والفضاء العام. المدينة ترى نفسها على سطح المكان الذي يحفظ ذاكرتها الفنّية، فيصير المبنى مرآة للداخل والخارج معاً.

واجهة مرآوية تُذيب المتحف في سماء روتردام وأشجارها (موقع المتحف)

تنجح دولز في جَعْل العمارة حكايةً وجَعْل الحكاية سؤالاً عن الحضارة. فالمدن لا تُقاس بارتفاع أبراجها وحده، ولا بسرعة طرقاتها، وإنما بما تمنحه للفنّ من مكانة. حين تبني مدينة مخزناً بهذا الحجم والشفافية، فهي تقول إنَّ الذاكرة ليست بقايا من الماضي، والجمال يحتاج إلى مؤسّسات تحرسه كما تحرس الأمم لغاتها وبيوتها وأسماءها.

في غرف الحفظ تعيش الأعمال حياة أخرى بعيداً عن جدران العرض (موقع المتحف)

«ديبوت - انعكاس بوييمانز» فيلم يُرافق ولادة مساحة فنّية استثنائية، ويُلامس هيبة الدخول إلى مكان تختزن جدرانه ذاكرة آلاف الأعمال العظيمة. فكلّ زاوية في هذا المبنى توحي بأنَّ الإنسان يقف أمام تاريخ كامل من الأفكار والوجوه والأزمنة التي جرى إنقاذها من التلاشي وحفظها بعناية تكاد تُشبه الطَقْس. إنه وثائقي يمنح تفاصيل الحفظ والتخزين حضوراً إنسانياً وبصرياً آسراً، ويُحوِّل المتحف إلى مساحة تلتقي فيها العصور والذاكرة والفنّ ضمن حركة متواصلة من الحرص والترميم والاكتشاف. من خلاله، تتباهى روتردام بفتح قلبها الفنّي للناس وجَعْل ما كان وراء الأبواب المُغلقة جزءاً من التجربة العامة. وفي هذا الانفتاح يلمع أحد أجمل دروس الفيلم: الفنّ يعيش أكثر حين يجد مَن يصونه ومَن يراه.


ديفيد أتنبارا في عامه المائة... حياة أسطورة

أتنبارا يمد يده لحيوان كانغارو في حديقة حيوان بأستراليا (أ.ب)
أتنبارا يمد يده لحيوان كانغارو في حديقة حيوان بأستراليا (أ.ب)
TT

ديفيد أتنبارا في عامه المائة... حياة أسطورة

أتنبارا يمد يده لحيوان كانغارو في حديقة حيوان بأستراليا (أ.ب)
أتنبارا يمد يده لحيوان كانغارو في حديقة حيوان بأستراليا (أ.ب)

احتفلت بريطانيا الجمعة 8 مايو (أيار) بعيد ميلاد مقدم البرامج الأشهر ديفيد أتنبارا الـ100، واحتلت صوره وفقرات من برامجه معظم الصفحات الاجتماعية لمؤسسة «بي بي سي» وغيرها من المحطات البريطانية، كذلك صفحات لشخصيات مرموقة ومؤسسات خاصة بالبيئة. وعلى منصة «بي بي سي» هناك قسم حافل بحلقات البرامج الشهيرة التي أنتجها أتنبارا على مدار 70 عاماً أو أكثر من العمل في الوثائقيات والبرامج الخاصة بالطبيعة وكوكبنا الأرض.

تحولت الشاشة العملاقة في ساحة بيكاديلي إلى حفل احتفالي بأتنبارا (رويترز)

بالأمس، تحولت الشاشة العملاقة في ساحة بيكاديلي إلى حفل احتفالي بأتنبارا، عرضت مشاهدَ من برامجه بأسلوب غامر بديع، وكأن لندن ترسل تهنئة من أشهر ميادينها لشيخ المذيعين في بريطانيا والعالم.

100 عام على الأرض عاشها أتنبارا بحب وشغف شديدين لكل الكائنات على سطحها وفي سمائها وفي أعماق محيطاتها، لم يتوقف عن العمل خلال كل تلك السنوات، هناك دائماً برنامج يقدمه أتنبارا أو يعلق بصوته على أحداثه. عبر صوته الهادئ الرخيم أخذ المشاهدين معه في غابات أفريقيا وأميركا الجنوبية وفي الصحاري العربية وجبال آسيا، لا يكاد يوجد مكان على الأرض لم يتناوله أتنبارا في برامجه، قال في أحد برامجه الأولى إنه لم يتسلق جبل إيفرست، ولكنه بالتأكيد كان له أثر على من حلموا بتسلق تلك القمة وكثير ممن وصلوا إليها.

قام عالم الطبيعة والمذيع ديفيد أتنبارا بملامسة أنفه مع حيوان البوتورو خلال زيارته لحديقة حيوان تارونغا في سيدني بأستراليا عام 2003 (أ.ب)

من الصعب تخيل معرفتنا بالأرض وطبيعتها دون أن يكون صوته في الخلفية. أحبَّ أتنبارا الحياة على الأرض، سافر في أرجائها وأمسك بيديه الأحافير والحيوانات والطيور الصغيرة، تصور مع الغوريلا وجلس مبتسماً وداعاً حين قررت أنثى غوريلا وضع يدها على رأسه وتفحص فمه بينما جلس صغارها على جسده، لم يجزع، بل جلس هادئاً حتى شفت الغوريلا فضولها. له لقطات كثيرة وهو يجلس على الأرض بالقرب من هذا الحيوان أو ذاك ناظراً لهم بنظرة الطفل الفضولي الذي لم يشبع نهمه من اكتشاف كل ما حوله. لم تُوقفه سِنُّه المتقدمة عن النزول في أعماق المحيط في غواصة زجاجية ليرى الحياة في الأعماق، ويُري لمشاهديه الحياة هناك.

ذلك الشغف والفضول لا يزالان مُتَّقدَين داخل أتنبارا حتى وهو في المائة من العمر. ولعل ذلك الشغف هو ما يجعله في حالة إنتاج دائمة، وهو ما تعوّد عليه جمهوره، فهم ينتظرون دائماً البرنامج الجديد لديفيد أتنبارا، وكان دائماً يكافئهم على انتظارهم ببرنامج بعد الآخر، وكان أحدثها برنامج عن الحياة الطبيعية في الحدائق في بريطانيا، موضوع بسيط جداً، ولكنه أخرج من الحدائق الصغيرة أسرار ساكنيها من الحيوانات والطيور وغيرها بأسلوبه السهل الممتنع الذي لا يستطيع أحد مجاراته.

قبل أن يكمل عامه المائة بيوم، نشر رسالة صوتية قال فيها إنه كان ينوي قضاء اليوم بشكل هادئ مع المقربين له، ولكن كم الرسائل التي وصلته من محبيه جعلته يرسل رسالة عرفان وشكر عبر محطته «بي بي سي»، والتي عمل فيها وتدرج في مراكزها المهمة حتى وصل لمنصب المدير العام، وهنا توقف وقرر الاستقالة؛ لأنه لم يرد أن تكون الوظيفة هي الشاغل لوقته، فقد أراد أن يعمل على برنامج «الحياة على كوكب الأرض» في عام 1979، وفعل. سافر بعدها إلى 49 بلداً على مدى ثلاثة أعوام لتصوير البرنامج الذي لا يزال يعدُّ الأكثر تميزاً في مجال برامج الطبيعة.

معروف عن أتنبارا أنه يرد بنفسه على الرسائل التي تصله، لم يستخدم الإنترنت، بل كانت الآلة الطابعة هي وسيلته المفضلة للرد على مراسليه، يفتخر كثيرون بوجود رسالة لديهم بتوقيع أتنبارا. والرد المرسل منه ليس مجرد كلمات شكر. كان يرد على التساؤلات بالشرح والتفاعل مع الموضوعات التي تطرح عليه، وفي عيد ميلاده لم يستطع الرد على مراسليه فأرسل لهم اعتذاراً عن عدم الرد عليهم، ووجّه لهم الشكر بصوته المميز.

في أثناء الاحتفال بعرض برنامجه «كوكبنا» من إنتاج «نتفليكس» في حفل أقيم بمتحف التاريخ الطبيعي بلندن عام 2019 (أ.ب)

سأله مذيع محطة «سي إن إن» أندرسون كوبر في عام 2020: «إذا كان هناك شيء تحب إعادته الآن فماذا تختار؟»، قال أتنبارا: «عندما رأيت شعباً مرجانية لأول مرة، ولحظة رؤية الطائر الطنان للمرة الأولى، واللحظة التي أمسكت فيها بيد أول أطفالي».

ورغم أن هناك إنتاجاً ضخماً من البرامج الوثاقية الخاصة بالطبيعة ووجود كم وافر منها على كافة المحطات، فإن لديفيد أتنبارا موقعاً خاصاً في قلوب المشاهدين، موقعاً ناله بسبب حبه وشغفه بعمله، وبحكم العمر الطويل والعمل الدائم الذي جعل له مكاناً خاصاً في ذاكرة أجيال عديدة لن ينازعه فيها أحد، فالأسطورة تصنع بدأب وحب وشغف واستمرارية، هي باختصار ديفيد أتنبارا.