باسل عدرا: قدمت «لا أرض أخرى» لفضح جرائم إسرائيل أمام الغرب

المخرج الفلسطيني أعرب عن فخره لفوز فيلمه بجائزتين في «برلين السينمائي»

صانعا الفيلم خلال عرضه الأول في برلين (إدارة المهرجان)
صانعا الفيلم خلال عرضه الأول في برلين (إدارة المهرجان)
TT

باسل عدرا: قدمت «لا أرض أخرى» لفضح جرائم إسرائيل أمام الغرب

صانعا الفيلم خلال عرضه الأول في برلين (إدارة المهرجان)
صانعا الفيلم خلال عرضه الأول في برلين (إدارة المهرجان)

أكد الصحافي والمخرج الفلسطيني باسل عدرا سعيه لمخاطبة الغرب في فيلمه الوثائقي «لا أرض أخرى» من أجل «فضح جرائم الاحتلال الإسرائيلي» ومموّلي إسرائيل بالسلاح ليدركوا الممارسات غير الآدمية التي يتعرضون لها بصفتهم فلسطينيين.

وفاز الفيلم الفلسطيني - النرويجي «لا أرض أخرى»، الذي عُرض للمرة الأولى ضمن فعاليات مهرجان «برلين» في دورته الـ74 بجائزتي «أفضل فيلم وثائقي» في المهرجان، بالإضافة إلى «جائزة الجمهور» في برنامج «البانوراما» لأفضل فيلم وثائقي.

فيلم «لا أرض أخرى» يروي جرائم الاحتلال في الضفة الغربية (إدارة المهرجان)

وقال عدرا لـ«الشرق الأوسط» إنه حاول من خلال فيلمه تسليط الضوء على الانتهاكات الإسرائيلية ضد أهالي منطقته «مسافر يطا» وعملية «التهجير القسري»، التي يتعرضون لها منذ عقود، وعلى الرغم من محاولات صمودهم المستمرة فإن الضغط يزداد يوماً بعد الآخر وسط صمت من المجتمع الدّولي.

وأضاف أن منطقة «مسافر يطا»، التي ينتمي إليها ويعيش فيها مع عائلته تواجه مخططات إسرائيلية لتهجير جميع سكانها، خصوصاً بعد صدور حكم المحكمة الإسرائيلية العليا باعتبار أن المنطقة مخصصة للتدريبات العسكرية، في حين تتواصل عملية بناء المستوطنات بدلاً من القرى والتجمعات الفلسطينية المحدودة الموجودة في المنطقة.

الملصق الدعائي للفيلم (إدارة المهرجان)

وأشار إلى أن هناك 6 تجمعات سكنية من الجنوب ترك سكانها مواقعهم منذ 7 أكتوبر (تشرين الأول) تحت وطأة الحصار الإسرائيلي ومنع إيصال المياه للبيوت الصغيرة، وهو المشهد الذي وثّقه في الفيلم وتكرر بعد انتهاء فيلمه مجدداً.

وأظهر الفيلم خلال الأحداث، توفر عوامل الأمان ومقومات الحياة للمستوطنات الموجودة في المنطقة في مقابل هدم المنازل الفلسطينية بالجرّافات وقطع مواسير المياه وخطوط الكهرباء التي تغذي المساكن الفلسطينية المتواضعة في المنطقة.

جانب من حضور العرض الأول للفيلم في «برلين السينمائي» (إدارة المهرجان)

وشارك باسل في إخراج الفيلم يوفال أبراهام، الصحافي والناشط الإسرائيلي، ويقول باسل إنّ هذه المشاركة بدأت من صداقتهما المشتركة التي تكوّنت قبل بدء التحضير للفيلم، خصوصاً أن أبراهام من الإسرائيليين القليلين الذين يساندون المجتمعات العربية وحقهم في البقاء بأراضيهم.

لا يخفي باسل أن مشاركة أبراهام ساعدته في خروج الفيلم للنور، وسهّلت وصوله لقطاعات مختلفة، خصوصاً مع حصولهما على دعم من مهرجان «صندانس» في الولايات المتحدة، وسَفَرُ أبراهام لحضور ورشة تدريب هناك أثناء العمل على الفيلم، مشيراً إلى أن الفيلم بمثابة جزءٍ من نشاط وحراك مجتمعي يستهدف «فرض عقوبات غربية على إسرائيل لانتهاكها القانون الدّولي».

لقطة من الفيلم (إدارة المهرجان)

استغرق المخرج الفلسطيني نحو 5 سنوات في التحضير للفيلم بجانب استعانته بمواد أرشيفية مصورة للمنطقة على مدار أكثر من 20 عاماً، وهو ما أوجد لديه مادة فيلمية كبيرة عليه الاختيار فيما بينها، خصوصاً مع استقراره على القضية التي يطرحها منذ بدء التصوير، لكن من دون الخوض في التفاصيل الخاصة بخط سير الفيلم.

يشير باسل إلى حرصه على اختيار أفضل اللقطات التي تخدم هدف الفيلم وتُعبّر عنه بتسليط الضوء على سياسة «التهجير القسري» التي تنفذها إسرائيل، خصوصاً أن الفيلم يعد خطوة من خطوات التوثيق التي يقوم بها نشطاء فلسطينيون وإسرائيليون وأجانب في المنطقة.

وعلى الرغم من قرب الانتهاء من الفيلم قبل حرب غزة، يبرّر باسل وضع لقطات لعنف المستوطنين تجاههم، وإطلاق أحدهم النار على ابن عمه بحماية الشرطة الإسرائيلية للتأكيد على استمرار السياسات الإسرائيلية تجاه أهالي منطقته الذين يعيشون «حالة من الرعب على حياتهم وممتلكاتهم في كل ليلة».

باسل ويوفال خلال مشاركتهما في المهرجان (إدارة المهرجان)

ورغم حصد الفيلم جائزتين من المهرجان فإن رحلة المخرج الفلسطيني إلى برلين لم تكن سهلة، وبخلاف المعاناة التي يواجهها الفلسطينيون للخروج من الضفة الغربية بسبب إجراءات التفتيش والاعتراضات الأمنية المحتملة، فإن حصوله على «الفيزا» لم يكن سهلاً في ظل إغلاق السفارة الألمانية أبوابها، مما اضطره إلى الحصول على تأشيرة سفر تسمح له بالوصول إلى برلين عن طريق بروكسل.

يرفض الناشط والمخرج الفلسطيني اعتبار أن الأجيال الجديدة أقل صموداً من آبائهم وأجدادهم، رغم تزايد القمع اليومي والانتهاكات، وتنفيذ إسرائيل لسياسة فصل عنصري ممنهج وأكثر عنفاً، تستهدف من خلالها إجبار التجمعات الأصغر على الرحيل من أماكنها، معرباً عن أمله في أن يساهم الفيلم بالضغط لإيقاف «التهجير القسري» لأهالي منطقته التي يستعد للعودة إليها مجدداً.


مقالات ذات صلة

كيف حددت «حماس» متهمين في اغتيال قائدين لـ«القسام»؟

خاص النيران مندلعة بمبنى سكني قصفته إسرائيل خلال استهداف القائد العسكري لـ«حماس» عز الدين الحداد بحي الرمال في مدينة غزة ليل 15 مايو 2026 (إ.ب.أ) p-circle

كيف حددت «حماس» متهمين في اغتيال قائدين لـ«القسام»؟

تحدثت مصادر من «حماس» إلى «الشرق الأوسط» عن تفاصيل تحديد هوية متهمين في اغتيال عز الدين الحداد ومحمد عودة، مؤكدة أنه سيتم الإعلان عن إعدام «متهم» جديد قريباً.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي خيام نازحين فلسطينيين في مدينة غزة (رويترز) p-circle

«مركبات تكتيكية ومناطق إيواء في غزة»... هل بدأ «مجلس السلام» في تجاوز «حماس»؟

أظهرت تحركات عدة مرتبطة بـ«مجلس السلام» المعني بغزة، خلال اليومين الماضيين، تغييرات بشأن طبيعة التعاطي مع القطاع الذي يعاني ويلات الحرب منذ 3 سنوات.

«الشرق الأوسط» (غزة)
خاص مشيِّعون يحضرون جنازة 3 فلسطينيين بينهم الصبي طارق صباح (10 سنوات) قُتلوا بغارة إسرائيلية في خان يونس جنوب غزة يوم الأربعاء (رويترز)

خاص مصادر لـ«الشرق الأوسط»: «حماس» تسلم ردها على تعديلات ملادينوف... ولا تتوقع قبوله

علمت «الشرق الأوسط» أن وفد حركة «حماس» الذي وصل الثلاثاء إلى القاهرة، سلم رده للوسطاء على التعديلات التي كان قد قدمها نيكولاي ملادينوف، ممثل «مجلس السلام».

«الشرق الأوسط» (غزة)
شؤون إقليمية رئيس أركان الجيش الإسرائيلي السابق غادي أيزنكوت (رويترز)

رئيس الأركان الإسرائيلي السابق أيزنكوت يسعى لإزاحة نتنياهو وترؤس الحكومة

أعلن رئيس أركان الجيش الإسرائيلي السابق غادي أيزنكوت، الثلاثاء، إطلاق حملته الانتخابية سعياً لخلافة رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
خاص فلسطينيون يشيِّعون رضيعة قُتلت مع أمها بغارة إسرائيلية في خان يونس جنوب غزة (رويترز)

خاص مصدر مصري: 4 ملفات في محادثات القاهرة للتعجيل بتنفيذ «اتفاق غزة»

حدد مصدر مصري مطلع على مسار مفاوضات تستضيفها القاهرة بشأن اتفاق وقف إطلاق النار في غزة، 4 بنود مطروحة في الاجتماعات قال لـ«الشرق الأوسط» إنها «رئيسية ومصيرية».

محمد محمود (القاهرة )

إشتياق أحمد زهاد: «الفتاة الكفيفة والفيل» رحلة لاكتشاف البصيرة

يعد الفيلم التجربة الأولى لمخرجه (الشركة المنتجة)
يعد الفيلم التجربة الأولى لمخرجه (الشركة المنتجة)
TT

إشتياق أحمد زهاد: «الفتاة الكفيفة والفيل» رحلة لاكتشاف البصيرة

يعد الفيلم التجربة الأولى لمخرجه (الشركة المنتجة)
يعد الفيلم التجربة الأولى لمخرجه (الشركة المنتجة)

قال المخرج البنغلاديشي إشتياق أحمد زهاد إن فيلمه «الفتاة الكفيفة والفيل» (The Blind Girl and an Elephant) لا يقدم حكاية عن فتاة فقدت بصرها بقدر ما يطرح تساؤلاً حول معنى الرؤية نفسها، مؤكداً أن الإنسان قد يمتلك القدرة على النظر، لكنه يظل عاجزاً عن فهم الآخرين، أو إدراك حقيقتهم، بينما يستطيع شخص فاقد للبصر أن يرى العالم من خلال الذاكرة، والخيال، والمشاعر، والقدرة على التواصل مع من حوله. وأضاف أن هذه الفكرة شكلت نقطة الانطلاق في بناء الفيلم.

وأضاف زهاد في مقابلة مع «الشرق الأوسط» عبر تطبيق «زووم» أن الفيلم يستند إلى رموز متجذرة في الثقافة البنغلاديشية، وفي مقدمتها الفيل، الذي يحتل حضوراً لافتاً في الحرف اليدوية، والفنون الشعبية، لا سيما في التطريز التقليدي المعروف باسم «ناكشي كانثا»، حيث تستخدم النساء رسومات الفيلة على الأغطية، والمراوح اليدوية، وقطع القماش المختلفة.

عرض الفيلم البنغلاديشي في النسخة الماضية من مهرجان شنغهاي السينمائي (الشركة المنتجة)

وأشار إلى أنه رأى في هذا الرمز تجسيداً لقوة المرأة، وكرامتها، وصبرها، فالفيل يمتلك قوة هائلة، لكنه لا يلجأ إليها إلا عند الضرورة، وهو ما وجده قريباً من واقع كثير من النساء في مجتمعه، اللاتي يمتلكن قوة داخلية كبيرة، لكنهن يعشن داخل منظومة اجتماعية تفرض عليهن الصمت، والخضوع.

وحقق الفيلم حضوراً لافتاً في النسخة الماضية من مهرجان «شنغهاي السينمائي الدولي»، بعدما حصد جائزة «الكأس الذهبية لأفضل تصوير سينمائي» ضمن مسابقة «المواهب الآسيوية الجديدة»، والتي ذهبت إلى مدير التصوير ساميول كريم شوبتاك، وتدور أحداثه حول ثلاث فتيات يعشن في قرية ريفية في بنغلاديش خلال مرحلة ما بعد جائحة كورونا.

ومع تزايد سطوة الأفكار المحافظة، والخرافات، والقيود الاجتماعية المفروضة على النساء، تحاول الفتيات الثلاث الهروب إلى المدينة بحثاً عن حياة أكثر حرية، إلا أن مصائرهن تختلف بصورة مأساوية، إذ تُجبر إحداهن على الزواج بعد انتشار صورة لها، بينما تموت الثانية إثر تعرضها للإجهاض، في حين تتمكن الفتاة الكفيفة من مواصلة رحلتها حتى تصل إلى مواجهة الفيل في نهاية تحمل دلالات رمزية عن التحرر، والانتصار على الخوف.

وأشار زهاد إلى حرصه من البداية على الابتعاد عن تقديم بطلات الفيلم بوصفهن ضحايا ينتظرن تعاطف الجمهور، موضحاً أن اهتمامه انصب على الكشف عن عوالمهن الداخلية، بما تحمله من أحلام، ورغبات، وتناقضات، ومخاوف، قبل الحديث عن الضغوط الاجتماعية التي يتعرضن لها، لافتاً إلى أن النساء في الفيلم لا يعرفن فقط من خلال ما يعانينه، وإنما من خلال صداقاتهن، وأحاديثهن، ولحظاتهن الخاصة، والأحلام التي يحاولن التمسك بها رغم القيود المفروضة عليهن.

تناول الفيلم قصص 3 فتيات (الشركة المنتجة)

وأضاف أن بناء الفيلم اعتمد بصورة كبيرة على الإشارات، والرموز البصرية أكثر من اعتماده على الشرح المباشر، فتعمد في بعض المشاهد إخفاء أجزاء من الأحداث، وعدم عرضها بصورة كاملة، حتى يصبح المتفرج شريكاً في عملية السرد، مؤكداً أنه لم يشأ تقديم الواقعة بصورة صريحة، لأن العنف ضد النساء في مجتمعه كثيراً ما يبقى مخفياً، أو يُروى بصورة ناقصة، ولذلك أراد أن تعكس لغة الفيلم هذا الإخفاء نفسه، وأن يشعر المشاهد بالفراغ الذي تتركه الحقيقة الغائبة.

وأكد زهاد أن السينما بالنسبة إليه مسؤولية فكرية قبل أن تكون تجربة بصرية، ولذلك حرص على أن يظل الفيلم مفتوحاً أمام أكثر من قراءة، معتبراً أن العمل السينمائي يفقد جزءاً كبيراً من قيمته عندما يفرض تفسيراً واحداً على الجمهور، بينما يصبح أكثر ثراء عندما يسمح لكل متفرج بأن يجد معناه الخاص داخل الصورة.

وأضاف زهاد أن النقاش مع مدير التصوير ساميول كريم شوبتاك بدأ منذ مراحل التحضير الأولى للفيلم، ولم يتوقف طوال فترة التصوير، إذ انصب على كيفية إيجاد لغة بصرية تجمع بين صدق الواقع وشاعرية الصورة، موضحاً أنهما لم يرغبا في تقديم الريف البنغلاديشي بوصفه مساحة وثائقية جامدة، كما لم يسعيا إلى تحويله إلى عالم تجريدي منفصل عن الحياة، وإنما كان الهدف هو تقديم واقع حقيقي يعبر في الوقت نفسه عن الحالة النفسية للشخصيات. ولهذا اعتمدا على لقطات ثابتة، وإيقاع هادئ، وإضاءة مضبوطة بعناية، مع استخدام الظلال بوصفها جزءاً من السرد، حتى تتحول الصورة إلى وسيلة للتعبير عن المشاعر التي تعجز الكلمات عن وصفها.

المخرج البنغلاديشي إشتياق أحمد زهاد (الشركة المنتجة)

وأكد أن الفيلم لا يسعى فقط إلى نقل الواقع الاجتماعي الذي تعيشه النساء في المناطق الريفية ببنغلاديش، بل يحاول أيضاً استكشاف الطريقة التي ينعكس بها هذا الواقع على أحلامهن، ورغباتهن، وصراعاتهن الداخلية، مؤكداً حرصه خلال العمل على منح البعدين، الخارجي والداخلي، القدر نفسه من الاهتمام، لأن تصوير القهر الاجتماعي وحده لا يكفي لفهم الإنسان، كما أن التركيز على العالم الداخلي دون الإشارة إلى الظروف المحيطة يظل ناقصاً.

وأضاف أن «ما كان يشغله طوال عملية الكتابة والإخراج هو معرفة الكيفية التي تستجيب بها الشخصيات للضغوط التي تواجهها، وكيف تتمسك بحقها في الاختيار رغم كل ما يحاصرها، لافتاً إلى أن مفهوم «الرؤية» يشكل المحور الرئيس للفيلم، لكنه لا يرتبط بالإبصار بوصفه عملية بيولوجية، بل بطريقة فهم الإنسان للعالم وللآخرين.

وأوضح أنه اكتشف أثناء العمل أن الرؤية ترتبط أيضاً بالذاكرة، والخيال، والعاطفة، وأن الإنسان قد يرى بعينيه، لكنه يعجز عن إدراك ما يحدث أمامه، بينما يستطيع شخص لا يرى أن يمتلك فهماً أكثر عمقاً للحياة، وللعلاقات الإنسانية، فالبطلة الكفيفة تجسد هذه الفكرة بوضوح، فهي تعرف ما تريده، وتدرك قيمة حريتها، وتختار أن تتمسك بأحلامها حتى عندما يحاول المجتمع فرض مسار مختلف عليها، ولهذا تصبح في النهاية الشخصية الوحيدة القادرة على الوقوف أمام الفيل.

يعد الفيلم التجربة الأولى لمخرجه (الشركة المنتجة)

وأشار إلى أن إنجاز أول فيلم روائي طويل في مسيرته شكّل رحلة شخصية غيّرت كثيراً من نظرته إلى العالم، فقبل خوض هذه التجربة كان يربط الرؤية بالعين فقط، لكنه أدرك خلال مراحل الكتابة والتصوير والمونتاج أن الرؤية الحقيقية ترتبط أيضاً بالذاكرة، والخيال، والقدرة على فهم الآخرين، معتبراً أن هذه التجربة جعلته يعيد النظر في الطريقة التي يراقب بها الناس، والأماكن، والواقع، وأصبح أكثر اقتناعاً بأن الإنسان قد يعيش حياته كلها وهو ينظر إلى الأشياء من دون أن يراها فعلاً.


هانيا مروة لـ«الشرق الأوسط»: تجاوزنا كل الصعوبات ونأمل بغدٍ أفضل

مركز «متروبوليس سينما» ينظم احتفالية في الذكرى الـ20 لتأسيسه (متروبوليس سينما)
مركز «متروبوليس سينما» ينظم احتفالية في الذكرى الـ20 لتأسيسه (متروبوليس سينما)
TT

هانيا مروة لـ«الشرق الأوسط»: تجاوزنا كل الصعوبات ونأمل بغدٍ أفضل

مركز «متروبوليس سينما» ينظم احتفالية في الذكرى الـ20 لتأسيسه (متروبوليس سينما)
مركز «متروبوليس سينما» ينظم احتفالية في الذكرى الـ20 لتأسيسه (متروبوليس سينما)

في عام 2006، افتتحت جمعية «متروبوليس للسينما» أول صالة عرض لها في شارع الحمراء، ثم انتقلت إلى الأشرفية، حيث استقرت لسنوات في مبنى «صوفيل» بمنطقة مار نقولا، قبل أن تفتتح أخيراً مركزها الخاص في شارع مار مخايل.

واصلت «متروبوليس» رسالتها في ترسيخ الثقافة السينمائية وتعزيز حضورها. ومنذ انطلاقتها، أخذت على عاتقها الترويج للسينما المستقلة وتوفير مساحة عرض بديلة للأفلام والجمهور على حد سواء. وعلى مدى عقدين، أسهمت الجمعية في بناء مجتمعٍ يرتكز على الحوار الثقافي، متجاوزة أزمات وحروباً وتحديات شتى. وخلال هذه المسيرة، نظّمت مهرجانات وعروضاً سينمائية وفعاليات متنوعة، لتتحول إلى منصة تجمع صناع الأفلام والجمهور ومحبي السينما والثقافة عموماً.

وتشير مؤسسة الجمعية ومديرتها هانيا مروة في حديث لـ«الشرق الأوسط» إلى أن أصعب السنوات التي مرّت بها الجمعية كانت في عام 2020، وتوضح: «في تلك الحقبة تلقينا عدة صدمات متتالية من أزمة اقتصادية في لبنان وانفجار المرفأ وجائحة كوفيد. كما خسرنا المساحة التي كنا فيها بمركز (صوفيل). كانت المصيبة كبيرة بحيث تساءلنا عما إذا نكمل مشوارنا أو لا». وتستطرد: «هذه الفترة راجعنا حساباتنا، وعما إذا ما نقوم به يستأهل منا الاستمرارية. وكانت وقفة مع الذات هامة، إذ عدنا بقوة وصلابة أكبر تشبه ما يتمتع به لبنان. كما أسهمت قدرة الجمهور في قرار العودة لأنه برهن عن إرادته في المحافظة على هويته الثقافية الواضحة. لقد تجاوزنا كل الصعوبات ونأمل بغدٍ أفضل».

فيلم «سينما باراديزو» يفتتح عروض الاحتفالية في 8 يوليو الحالي (متروبوليس سينما)

اليوم، وبمناسبة مرور 20 عاماً على تأسيس «متروبوليس سينما» تنظم الجمعية احتفالات تمتد من 8 إلى 11 يوليو الحالي. وتحت عنوان «20 عاماً معاً» تطلق عروضاً سينمائية مختارة وتعقد ندوات ولقاءات مع مخرجين وشخصيات بارزة من صناع السينما ومنظمي المهرجانات، ممن تركوا بصمات مؤثرة في المشهد السينمائي الإقليمي والعالمي.

كما يتضمن البرنامج عرض 5 أفلام، على أن تُختتم الاحتفالات بسهرة موسيقية في حديقة المركز، يحييها كل من لانا ضاهر، وشربل هبر، ولاري أبو صافي.

أما الخطوة الأبرز التي تطلقها في هذه المناسبة فترتكز على توسيع آفاقها، فتمد الجسور الثقافية بينها وبين مناطق خارج بيروت ضمن مشروع «صالة وصل». وهو كناية عن شبكة صالات سينما مستقلّة في لبنان، تأتي بمبادرة من سينما متروبوليس وبدعم من السفارة الفرنسية في لبنان، فتربط شبكة المناطق من الجنوب إلى الشمال والبقاع، مجسدة القناعة بأن السينما ينبغي أن تكون أكثر قرباً ومتاحة للجميع. وتوضح مروة في هذا السياق: «عندما تشردنا لأربع سنوات بعد خسارة مساحة سينما صوفيل، رحنا نتعاون مع مؤسسات ثقافية عدَّة حتى خارج بيروت لتنظيم نشاطاتنا السنوية. وانطلاقاً من تلك اللحظة فكرنا في توثيق هذه الخطوة من باب التضامن والتكافل بحيث لا تكون عابرة وترتبط فقط بالأزمات. ومن الجنوب مروراً بالشمال والبقاع سنمد الجسور بيننا وبين عدة مؤسسات ومراكز ثقافية لتعزيز هذه الخطوة. وحالياً ندرِّب فرق عمل لتولي هذه المهمات في مختلف المناطق. وتُمارس تلك المراكز عملها بشكل مستقلٍ من دون الارتباط بنا مباشرة. فيكون بمثابة تعاون مستقل نأمل أن يصل إلى مرحلة الجهوزية التامة في نهاية نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل».

وفي مبادرة لتعزيز تنوع الأصوات والثقافات والخبرات، تستضيف الاحتفالية مجموعة من صناع الأفلام ومنتجيها، في إطار التبادل المشترك في هذا الفضاء وإيماناً بضرورة وجود ملتقى بين الأفلام وصانعي الأفلام والمجتمعات التي تجعل السينما ممكنة.

وابتداء من 8 يوليو يبدأ عرض سلسلة أفلام تستهل بفيلم «سينما باراديزو» من إخراج جوزيبي تورناتوري بنسخة مرممة. وحصلت هذه النسخة العالمية على الجائزة الخاصة من لجنة التحكيم في مهرجان كان السينمائي لعام 1989، وجائزة الأوسكار لأفضل فيلم أجنبي من العام نفسه. وفي عام 2000 عرضت 173 دقيقة كان المخرج قد حذفها من الفيلم الأصلي وعرضت بأميركا باسم «سينما باراديزو الإصدار الجديد». وهو من بطولة جاك بيرين وفيليب نواريه وتدور أحداثه في الحقبة التي تلت الحرب العالمية الثانية.

أما الفيلم الثاني الذي يعرض في 9 من الحالي بعنوان «موسيقانا» إخراج جان لوك غودار وأُنتج في عام 2004، يليه عرض مقابلة أجراها المخرج اللبناني غسان سلهب مع مخرجه مدتها 40 دقيقة.

وبعيد عرض فيلم «الكاميرا العربية» في 10 يوليو من إخراج التونسي فريد بو غدير تقام طاولة مستديرة تحت عنوان «موجة السينما العربية الجديدة: حكاية شغف»، يديرها المنتج أنطوان خليفة بمشاركة المنتج المصري محمد حفظي والمنتج اللبناني جورج شقير والمخرجة اللبنانية إليان الراهب.

ويعدّ «سانتينيل» للمخرج اللبناني علي شري من الأفلام المنتظرة من قبل الجمهور اللبناني. وقد اختير في أسبوع النقاد في مهرجان «كان السينمائي» 2026 ويعرض في 11 الحالي. ويحكي قصة الرقيب لافلور، المثقل بإيقاع الثكنات العسكرية وعبء الواجب الصامت. يمنحه الطبيب ليلة واحدة من الحرية، بشرط أن يعود قبل الفجر، ويبدأ تجواله الليلي في قلب عالم ينفصل تدريجياً عن الواقع ليلة معلقة بين القدر والفرار. وسيحضر العرض المخرج نفسه ومنتج الفيلم ريمي بونوم، والنجم العالمي ناويل بيريز بيسكايارت.

وتختتم الجمعية عروضها في الليلة نفسها مع الفيلم اللبناني «يوماً ما ولد» بحضور المخرجة ماري روز أسطا. وتدور القصة حول صبي في الحادية عشرة يعيش مع عمه في قرية لبنانية اعتادت على أصوات الطائرات الحربية بوصفها جزءاً من يومها العادي. وفي هذا السياق المشحون، يكتشف الطفل أنه يمتلك قدرة غامضة لا يفهم حدودها.

وبالإضافة إلى العروض، هناك حضور لافت لشخصيات بارزة في صناعة السينما للمشاركة بفعاليات هذا الحدث. ومن بينهم المنتج المصري محمد حفظي، مؤسس ومدير شركة فيلم كلينك، الذي سيشارك في حلقة نقاش حول السينما العربية بعد عرض فيلم «الكاميرا العربية» للمخرج التونسي فريد بوغدير.

كما يشارك كريستوف لو بارك، مدير مهرجان «سينيميد» الذي يقام في مدينة مونبلييه الفرنسية، والموزع جيان لوكا شقرا مؤسس ومدير شركة «فرونت رو فيلمد»، وكذلك بثينة كاظم مؤسسة سينما عقيل في دبي، ويوسف الشاذلي مؤسس سينما زاوية في مصر، وقيس زايد الشريك المؤسس لـ«سينما دار» في تونس، وغيرهم.


التضخم يُحيل عملات ورقية مصرية إلى «خزائن الذكريات»

الجنيه المصري الورقي (فيسبوك)
الجنيه المصري الورقي (فيسبوك)
TT

التضخم يُحيل عملات ورقية مصرية إلى «خزائن الذكريات»

الجنيه المصري الورقي (فيسبوك)
الجنيه المصري الورقي (فيسبوك)

أحال التضخم عملات ورقية مصرية عتيقة إلى خزائن الذكريات، بعدما باتت غائبة عن التعاملات اليومية، وأصبحت درباً من التاريخ.

وأعاد خبرٌ تم تداوله بشكل واسع أخيراً عبر مواقع إخبارية وصفحات سوشيالية عن إصدار عملات ورقية جديدة من فئات 25 و50 قرشاً و100 قرش (الجنيه) هذه العملات إلى واجهة الاهتمام، لكن سرعان ما حسم «البنك المركزي المصري» الجدل في بيان له، مساء الأربعاء، بنفي صحة ما جرى تداوله عبر مواقع التواصل الاجتماعي وبعض المواقع الإخبارية، مؤكداً أنه «لا تجري حالياً طباعة أي إصدارات جديدة من هذه الفئات الورقية».

ورغم أن هذه العملات لم تنته دورتها النقدية الرسمية، فإنها غابت عن الحياة اليومية، لتبقى حاضرةً في الأدراج القديمة، وألبومات جامعي العملات، لذلك لم يكن الجدل الذي أثاره الخبر غير الصحيح متعلقاً بالقرار نفسه بقدر ما كشف عن حالة من «الحنين» إلى فئات نقدية اختفت تدريجياً من الصورة.

البنك المركزي المصري بوسط القاهرة (الشرق الأوسط)

وشدّد البنك المركزي المصري في بيانه على أن العملات الورقية من فئات 25 و50 قرشاً و100 قرش لم تُسحب من التداول، موضحاً أن المتداول منها حالياً يعود إلى إصدارات سابقة تم طباعتها منذ سنوات، ولا يزال يتمتع بقوة الإبراء القانونية، ويظل صالحاً للتداول إلى حين انتهاء دورته النقدية.

إلا أن استمرار الصلاحية القانونية لتلك العملات لا يوازي حضورها الفعلي في الأسواق، حيث يؤكد تجار ومستهلكون أن العثور على هذه الفئات في التعاملات اليومية أصبح أمراً نادراً، فيقول ربيع حسن، صاحب محل لبيع المواد الغذائية، إن ما يُعرف بـ«الفكة» من فئة ربع الجنيه اختفى منذ سنوات عن التداول، موضحاً: «لا يعمل بها، وأقل فئة متداولة اليوم هي نصف الجنيه المعدني، وحتى الجنيه الورقي تراجع بعد انتشار الجنيه المعدني، فقبل أكثر من عشر سنوات كان من الممكن شراء قطعة حلوى بربع الجنيه، أما اليوم فلا يقل سعر كيس من رقائق البطاطس أو الحلوى عن عشرة جنيهات، وكذلك المشروبات الغازية، لذلك فإن الحديث عن (ربع الجنيه) صار جزءاً من الذكريات»، كما يقول لـ«الشرق الأوسط».

تراجع حاد

وظل الجنيه المصري محتفظاً بمكانته لعقود طويلة، حتى مع ربطه بالدولار عام 1962، قبل تراجعه تدريجياً وأصبح الدولار الواحد يعادل حالياً نحو 50 جنيهاً، ما انعكس مؤخراً على المادة المعدنية التي يُصنع منها، فالعملة التي بدأت رحلتها من الذهب والفضة، انتهت إلى خامات اقتصادية منخفضة التكلفة، في محاولة لتقليل نفقات الإنتاج، ومواجهة ظواهر مثل نقص «الفكة» و«صهر العملات».

وحسب الموقع الإلكتروني للبنك المركزي المصري، فقد صدر (ربع الجنيه) الورقي للمرة الأولى عام 1917 عن البنك الأهلي المصري، عندما كان يتولى مهام البنك المركزي، قبل أن يشهد خمسة إصدارات رئيسية بأشكال وتصميمات مختلفة في أعوام 1952 و1961 و1976 و2001، لكن بسبب التضخم تقلص وجود هذه العملة في الأسواق بحدة، عاماً بعد عام، مع تراجع قيمتها الشرائية أمام موجات التضخم المتلاحقة.

نصف الجنيه (فيسبوك)

وحسب تعبير محمد أشرف، 61 عاماً وهو من هُواة جمع العملات، فإن (ربع الجنيه) أصبح من «العملات التي تجاوزها الزمن»، ويقول إن «ربع الجنيه الورقي، ومن قبله ربع الجنيه المعدني المثقوب من المنتصف، انتقلا تدريجياً من التداول اليومي إلى مجموعات جامعي العملات، سواء للاقتناء أو الاستبدال أو البيع»، ويضيف لـ«الشرق الأوسط» أنه «أهدى أحفاده أوراقاً من عملة ربع الجنيه بعد أن وقّع لهم عليها، لتظل تذكاراً لمرحلة زمنية كانت فيها قيمة العملة تكفي لشراء ما لم تعد تشتريه اليوم».

وكانت مصلحة الخزانة العامة وسك العملة قد أعلنت في أبريل (نيسان) الماضي اعتزامها طرح عملة معدنية جديدة من فئة الـ«2 جنيه»، مؤكدة أن الخطوة تستهدف دعم هيكل الفئات النقدية، وتعزيز توافر «الفكة» في الأسواق، في مؤشر على اتجاه السياسة النقدية نحو تعزيز استخدام الفئات المعدنية الأكبر بدلاً من إعادة إصدار العملات الورقية الصغيرة.

عملات منقرضة

ويصف الدكتور وائل النحاس، المستشار الاقتصادي وخبير أسواق المال، ربع الجنيه بأنه بات من «العملات المنقرضة»، ويقول لـ«الشرق الأوسط» إن «اختفاء الفئات الصغيرة من التعاملات اليومية يعكس تآكل قيمتها مع ارتفاع معدلات التضخم خلال السنوات الأخيرة، وما صاحبه من زيادات متتالية في أسعار السلع والخدمات، الأمر الذي أفقدها دورها في المعاملات اليومية».

جدير بالذكر أنه حتى يناير (كانون الثاني) 2011 كان متوسط سعر صرف الدولار أمام الجنيه يعادل 5.5 جنيه، لكن الاضطرابات السياسية والأزمات الاقتصادية التي شهدتها البلاد، بالإضافة إلى تبني الحكومة خطة إصلاح اقتصادي تتضمن إصلاحات هيكلية في الاقتصاد المصري مع الاستقرار على سعر صرف مرن للعملة؛ أسهما في انخفاض قيمة الجنيه بشكل حاد.

عملة ورقية مصرية من فئة ربع الجنيه (البنك المركزي المصري)

ويقول النحاس إن «ربع الجنيه ينتمي إلى ما يمكن وصفه بـ(العملات الوسيطة) أو فئات (الفكّة)، التي تُستخدم لتيسير المعاملات الصغيرة، غير أن السوق لم تعد تتعامل فعلياً مع ما هو أقل من الجنيه أو الجنيهين»، على حد تعبيره.

ويضيف أن «استمرار تراجع القوة الشرائية يفسر الاتجاه إلى طرح فئات معدنية أعلى، مثل العملة الجديدة من فئة الجنيهين، وربما لاحقاً فئات وسيطة أخرى، لتلبية احتياجات التداول اليومي».

تذكارات

ويرى المستشار الاقتصادي أن «مصير ربع الجنيه بات أقرب إلى مصير عملات (المليم) أو (الشلن) و(البريزة)، و(الريال) التي انتقلت من دائرة الاستخدام العملي إلى نطاق التذكارات التاريخية وأسواق المقتنيات والأنتيكات، بعدما أصبحت قيمتها الشرائية غير قادرة على مواكبة أسعار السلع والخدمات».

وتعكس المعاملات اليومية في المتاجر وغيرها تراجع الجنيه، حيث لم يعد الجنيه الواحد قادراً بمفرده على شراء أي منتج أو سلعة باستثناء بعض أنواع «البونبوني»، وتلجأ متاجر إلى إعطاء بعض أنواع الحلوى الصغيرة للزبائن بديلاً للجنيه في حالة عدم توفر «الفكة».