المعلّم أنطوان ملتقى يغادر الخشبة إلى الدور الأخير

بعد رحلة لعب فيها مختلف الأدوار

الرائد أنطوان ملتقى يرحل عن 91 عاماً
الرائد أنطوان ملتقى يرحل عن 91 عاماً
TT

المعلّم أنطوان ملتقى يغادر الخشبة إلى الدور الأخير

الرائد أنطوان ملتقى يرحل عن 91 عاماً
الرائد أنطوان ملتقى يرحل عن 91 عاماً

رائد، عصامي، معلّم، هو المسرحي أنطوان ملتقى، الذي خسره لبنان عن عمر 91 عاماً، بعد رحلة استثنائية على خشبة المسرح وفي كواليسها. ممثل حاذق، مخرج مجتهد، قضى عمره في البحث والتجريب، لبلوغ الأفضل.

هو ابن لبنان التكوين والتأسيس. ولد عام 1933 في «وادي شحرور». كان لا يزال طفلاً حين لعب دور مزارع صغير، ثم مثّل مع أبناء الحي. وكما في العديد من القرى اللبنانية، كان لوادي شحرور نوادٍ للرياضة والمسرح والسينما، ومن خلالها قدّم عام 1950 مسرحيته الأولى «آلزير» تمثيلاً وإخراجاً، مقتبساً إياها عن فولتير.

في الجامعة درس الفلسفة، لكنه غرق في كتب شكسبير، قرأه حتى الثمالة، وبقي مهجوساً به وبأبطاله ودرامية نصوصه. كانت الفاتحة العملية مع كاتبه الأثير عندما أخرج ومثّل «ماكبث» في الجامعة.

أنطوان ولطيفة ملتقى

تعرّف أنطوان على لطيفة شمعون، وتزوج بها بعد قصة حب عاصفة، لتصبح رفيقة دربه في الفن كما في الحياة، وليرتبط اسماهما معاً، ويعرفان بأعمالهما المشتركة. علماً أن لطيفة الحقوقية، دخلت المسرح معه بمحض صدفة، وبعد اختبار نجحت فيه وأكملت الطريق، وأنجبا ثلاثة أبناء، أحدهما زاد ملتقى الموسيقي والفنان التشكيلي.

كان لقاؤه بالمخرج منير أبو دبس انطلاقة جديدة، في التلفزيون ثم في المسرح، ومن خلال «فرقة المسرح الحديث»، لكن سرعان ما دب الخلاف بينهما، بسبب تباين المنهج والرؤية في العمل. أبو دبس يرى أن ثمة دوراً كبيراً للمخرج في قولبة أداء الممثل، وأنطوان يعتقد أن دور المخرج يقف عند تحفيز الممثل وإطلاق قدراته وإخراج أحسن ما لديه. وهذا يتناسب مع اهتمامه الشديد بالحالة النفسية لممثليه، ومساعدته لهم على تفجير الكوامن الداخلية للشخصية التي يؤدون دورها. وهو لشدة اهتمامه بتدريب من يعملون معه، لجأ إلى اليوغا كوسيلة لصقل مهاراتهم، كما عمل على تعليمهم النطق السليم، ومخارج الحروف، وكيفية التنفس، للتحكم في الصوت.

ملتقى الذي آمن بخصب العمل الجماعي، تعاون باستمرار مع فنانين من مختلف الاختصاصات، ومخرجين ذوي اتجاهات متباينة وأسس بعد أن ترك أبو دبس «حلقة المسرح اللبناني» ومن خلالها أحيا النقاشات، وعقد المؤتمرات ودرّب وقدم المسرحيات.

يصحّ القول إن أنطوان ملتقى نظر إلى دوره أبعد من مسرحي وفنان، فقد كان دينامو ثقافيا لا يهدأ عن العمل والتفكير والتعاون مع الآخرين. واحدة من أفكاره كانت «مهرجانات راشانا» التي تعدّ من أقدم المهرجانات اللبنانية. عكف على تنظيمها ميشال بصبوص في قريته التي حولها إلى محترف للنحت واستقبل الفنانين، مع أخوية الفريد وجوزيف. هناك في راشانا من بين ما قدمه ملتقى مسرحية «جريمة وعقاب» عن رواية دوستويفسكي عام 1963، و«ماكبث» عام 1962 وأقيمت المسرحيات والمعارض التشكيلية. وهناك أيضاً جاء جاك لانغ شاباً مع فرقة من فرنسا لتقديم عمل مسرحي، ليصبح بعد ذلك أحد أشهر وزراء الثقافة في بلاده.

أنطوان ملتقى

هذه الرغبة عند ملتقى في التعاون مع كتاب ومثقفين وتشكيليين، جعلته في حالة بحث دائم عن تكوين مجموعات عمل. فقد كان أحد المؤسسين لـ«مسرح الأشرفية» ومن بعد إغلاقه كان «المسرح الاختباري». وكان ملتقى أيضاً وراء تشكيل «تجمع المسرح المعاصر» الذي عمّر سنة واحدة. كما تعاون مع غالبية مسرحيي عصره، من برج فازليان إلى ميشال غريب وجلال خوري.

وإلى جانب المسرح لم ينقطع ملتقى عن التعليم، أستاذاً للفلسفة والرياضيات في ثانوية فرن الشباك الرسمية، منذ العام 1958 حتى 1966، كما أصبح أستاذاً في الجامعة اللبنانية منذ إنشاء معهد الفنون الجميلة عام (1965) ولغاية تقاعده (1996)، وهو الذي أسس معهد التمثيل، وأداره لسنوات.

ودور ملتقى كأستاذ خرّج أجيالاً من الفنانين، يبقى من بين أدواره المؤثرة. وقد نعاه طلابه إثر ذيوع خبر وفاته، وتحدثوا بإسهاب عن مآثره، وعطاءاته، وإخلاصه في نقل تجربته إلى الأجيال الجديدة.

النزعة الشكسبيرية عند ملتقى جعلته يقبل على تقديم مسرحيات عبقري المسرح الإنجليزي ويعيد تقديمها باستمرار لا سيما «ماكبث» أضف إليها «ريتشارد الثالث» و«كوميديا الأخطاء». وعرف عنه أنه من بين الأوائل الذين قدموا مسرحاً ناطقاً بالعربية، بعد أن كنت لغة الخشبة في غالبيتها فرنسية في ذلك الوقت. وأخذ عليه أنه كان يقدم مسرحيات مقتبسة عن نصوص ذات أصول أجنبية، لكن كانت له تبريراته.

وبعد «عرس الدم» التي عرضها على رأس جبل في بلدة إهدن الشمالية، واستخدم الطبيعة والمرتفعات كجزء من الديكورات التي اعتلاها الممثلون، وما رافقها من تأثر الحاضرين، وانفعالاتهم، قرر أن يعنى بالمشكلات الاجتماعية، كجزء من رسالته كفنان، وأدرك أهمية انصهاره في هموم جمهوره، فكانت «سوء تفاهم» و«كاليغولا» لألبير كامو و«الذباب» لجان بول سارتر.

في مسلسل عشرة عبيد صغار

وعرف الجمهور العريض ملتقى حين شارك في تمثيل المسلسل التلفزيوني اللبناني «عشرة عبيد صغار» حيث دخل إلى كل بيت.

حيوية أنطوان ملتقى جعلته متعدد الأدوار، فهو الذي يقتبس، وأحياناً يمثل، وغالباً ما يفضّل التركيز على الإخراج، ويتدخّل في كل شاردة وواردة. يعتبر أن نظرته كمخرج إلى السينوغرافيا التي كان يفضلها متقشفة، لا بد أن تؤخذ بعين الاعتبار، من قبل مصمم الديكور. كذلك كان يولي وهو الذي يحب الخشبات العارية، الضوء دوراً محورياً في إبراز حركة الممثلين ومشاعرهم. لكن الذي لم يكن يحبذه هما الغناء والموسيقى على المسرح، لأنهما لا يتناسبان ونزعته الفلسفية في بناء الحوارات وتحريك الشخصيات.

ومع أن الرجل مال باستمرار لتعريب نصوص أجنبية واقتباسها وتقديمها باللغة العربية، إلا أنه بقي متمسكاً وهو يقدم أعماله بتمايزه كشرقي، وباختلافه في الهوية. وبالتالي، لم يكن ملتقى الذي بدأ التمثيل على خشبة في الهواء الطلق، وهذا ما كان شائعاً، بسبب عدم وجود المسارح المغلقة، يغيب عن باله، أنه يخاطب جمهوراً مختلفاً تماماً عن الذي كان يتواصل معه شكسبير. لهذا لجأ أحياناً إلى المسرح الذي يتوسط الجمهور، والذي يلتف حوله المتفرجون من كل الزوايا، ويحتم على الممثل أداءً خاصاً يختلف عن الأداء في المسرح الغربي.

هكذا يمكن القول إن أنطوان ملتقى الذي يعتبر أحد رواد «المسرح اللبناني الحديث» انطلق من الصفر تقريباً، في غياب أي بنى مسرحية، وفي لحظة تعرّف على المسرح الغربي بأصوله ونظرياته. وكان ممن أسسوا بدءاً من منتصف القرن الماضي، باجتهادهم وتجاريبهم، ومغامراتهم، وجرأتهم، لقواعد مسرحية سواء في التدريب والتعليم ضمن الحلقات، أو في التدريس الأكاديمي، أو في فتح المجال أمام نقاشات مستمرة، حول دور الممثل، وحدود عمل المخرج، وقيمة الإضاءة، وإمكانية الاستفادة من رسامين، وشعراء ونحاتين في عالم المسرح.

بصرف النظر عن طبيعة النتاجات التي قدمها أنطوان ملتقى، فقد فتح الباب واسعاً أمام التفكير، والسؤال، والتجاريب الإبداعية.


مقالات ذات صلة

فرقة «ماسبيرو المسرحية» للمنافسة فنياً وتلفزيونياً

يوميات الشرق الإعلامي أحمد المسلماني خلال إلقاء كلمته (الهيئة الوطنية للإعلام)

فرقة «ماسبيرو المسرحية» للمنافسة فنياً وتلفزيونياً

قال رئيس الهيئة الوطنية للإعلام بمصر، أحمد المسلماني، إن تأسيس فرقة «ماسبيرو المسرحية» يهدف إلى إطلاق نهضة مسرحية بالتعاون مع مؤسسات وزارتي الثقافة والشباب.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
يوميات الشرق الملصق الترويجي للعرض المسرحي «كازينو» (البيت الفني للمسرح)

انتعاشة مسرحية وغنائية في مصر احتفالاً بـ«أعياد الربيع»

في إطار الاحتفال بـ«أعياد الربيع»، و«عيد القيامة»، يشهد المسرح المصري انتعاشة فنية ملحوظة.

داليا ماهر (القاهرة)
يوميات الشرق حين يعجز الجسد... يتقدَّم العقل (إنستغرام)

«أفاتار» يُعيد راقصة باليه إلى المسرح رغم مرضها

تقول راقصة باليه مصابة بمرض التصلُّب الجانبي الضموري إنها تمكَّنت من الرقص مرّة أخرى بعد استخدام موجات دماغها لتقديم شخصية «أفاتار» بشكل حيّ مباشر على المسرح.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق الملصق الترويجي للمسرحية (حساب المستشار تركي آل الشيخ في فيسبوك)

«جريمة في فندق السعادة»... مسرحية مصرية للعرض بموسم الرياض

يستعد مسرح «محمد العلي» بالعاصمة السعودية الرياض، لاستقبال فريق عمل المسرحية المصرية «جريمة في فندق السعادة»، التي يتصدر بطولتها عدد كبير من نجوم الكوميديا.

داليا ماهر (القاهرة )
يوميات الشرق المشهد يعرفنا أكثر ممّا نعرفه (الشرق الأوسط)

مقهى الحرب ومصحّها... زياد الرحباني يعود من الشاشة لتفكيك حاضر بيروت

مما يمنح هذه العودة معناها الأشدّ تأثيراً قدرةُ زياد الرحباني على كتابة نصوص تتقدَّم الزمن الذي خرجت منه...

فاطمة عبد الله (بيروت)

مؤسسة خيرية لإحياء ذكرى الملكة إليزابيث في مئوية ميلادها

سيكون الملك تشارلز راعياً للجمعية الخيرية الجديدة (غيتي)
سيكون الملك تشارلز راعياً للجمعية الخيرية الجديدة (غيتي)
TT

مؤسسة خيرية لإحياء ذكرى الملكة إليزابيث في مئوية ميلادها

سيكون الملك تشارلز راعياً للجمعية الخيرية الجديدة (غيتي)
سيكون الملك تشارلز راعياً للجمعية الخيرية الجديدة (غيتي)

يجري العمل على إنشاء مؤسسة خيرية جديدة لتخليد سيرة الملكة إليزابيث الثانية، بالتزامن مع أسبوع يُصادف الذكرى المئوية لميلادها. وقد خصصت الحكومة منحة استثنائية بقيمة 40 مليون جنيه إسترليني لتأسيس «مؤسسة الملكة إليزابيث»، على أن يتولى الملك تشارلز الثالث رعايتها، حسب «بي بي سي» البريطانية. وستُعنى المؤسسة بإعادة تأهيل المساحات المشتركة داخل المجتمعات، في تجسيد لنهج الملكة الراحلة في الخدمة العامة، المستند إلى قناعتها بأن «الجميع جيراننا»، وهي عبارة لطالما ردّدتها خلال حياتها.

وقال رجل الأعمال السير دامون بوفيني، الذي سيتولى رئاسة المؤسسة: «هذه فرصة حقيقية لدعم المجتمعات في مختلف أنحاء المملكة المتحدة، وإعادة إحياء المساحات المشتركة، وهي الأماكن التي يجتمع فيها الناس على اختلاف أعمارهم وخلفياتهم، وتمنحهم شعوراً بالانتماء». وتهدف المؤسسة إلى تطوير المباني والمساحات الخضراء غير المستغَلة، إلى جانب تمكين المجتمعات من اكتساب المهارات والتدريب اللازمين لتنظيم فعاليات محلية.

وتندرج هذه المبادرة ضمن تقليد بريطاني راسخ يقضي بتخليد ذكرى الملوك الراحلين عبر مشاريع حية تترك أثراً مباشراً في الحياة اليومية للمواطنين. ففي أعقاب وفاة جد الملكة عام 1936، أُطلق مشروع «ملاعب الملك جورج الخامس» لصون المساحات الترفيهية في أنحاء البلاد. وتُعد المؤسسة الجديدة واحدة من ثلاثة مشاريع تذكارية أُطلقت لإحياء إرث الملكة في خدمة الشأن العام.

إلى ذلك، أعلنت العائلة الملكية، الأحد، أن المؤرخة آنا كاي، ستتولى كتابة السيرة الذاتية الرسمية للملكة إليزابيث الثانية، التي توفيت عام 2022 بعد تربعها أكثر من سبعين عاماً على العرش. وذكرت وسائل إعلام بريطانية أن الملك تشارلز الثالث كان يرغب في أن تتولى امرأة كتابة سيرة حياة والدته. وقالت كاي المعروفة بتأريخها للحقبة الجمهورية البريطانية بين عامي 1649 و1660، إن توليها هذه المهمة «شرف عظيم».

وأفاد قصر باكينغهام، في بيان، أن كاي ستتمكن من الاطلاع على أوراق إليزابيث الشخصية والرسمية المحفوظة في الأرشيف الملكي. وأضاف القصر أنها ستتمكن أيضاً من التحدث إلى أفراد العائلة المالكة وأصدقاء الملكة وموظفي القصر. ووصفت كاي الملكة إليزابيث بأنها «امرأة استثنائية، امتدت حياتها على مدى قرن شهد تغييرات كبيرة». وأعربت عن امتنانها العميق للملك الذي أولاها ثقته ومنحها حق الاطلاع على وثائق والدته، مؤكدة عزمها على بذل قصارى جهدها لتوثيق حياة إليزابيث وإسهاماتها على أكمل وجه. وأحياناً قد تكشف السير الذاتية الرسمية لأفراد العائلة المالكة في بريطانيا تفاصيل غير متوقعة عن حياتهم الشخصية. فقد كشف ويليام شوكروس الذي كتب السيرة الذاتية الرسمية لوالدة إليزابيث، زوجة الملك جورج السادس، عن معاناتها من سرطان القولون وهي في الستينيات من عمرها وشفائها منه.


مؤسسة «بينالي الدرعية» تفوز بجائزة «آرت بازل» 2026 عن فئة المتاحف والمؤسسات

جانب من موقع «مؤسسة بينالي الدرعية«» في حي جاكس الإبداعي (مؤسسة بينالي الدرعية)
جانب من موقع «مؤسسة بينالي الدرعية«» في حي جاكس الإبداعي (مؤسسة بينالي الدرعية)
TT

مؤسسة «بينالي الدرعية» تفوز بجائزة «آرت بازل» 2026 عن فئة المتاحف والمؤسسات

جانب من موقع «مؤسسة بينالي الدرعية«» في حي جاكس الإبداعي (مؤسسة بينالي الدرعية)
جانب من موقع «مؤسسة بينالي الدرعية«» في حي جاكس الإبداعي (مؤسسة بينالي الدرعية)

فازت مؤسسة «بينالي الدرعية» بميدالية فئة المتاحف والمؤسسات ضمن جوائز «آرت بازل» 2026، في إنجاز يعكس حضورها المتنامي على الساحة الفنية العالمية ودورها في دعم وتطوير المشهد الثقافي في المنطقة.

وجاء هذا التكريم تقديراً لجهود المؤسسة في إبراز الفنون المعاصرة والفنون الإسلامية عالمياً، وتعزيز التبادل الثقافي بين السعودية ومختلف دول العالم، إلى جانب دورها بوصفها منصة تجمع الفنانين، والمجتمعات، والأفكار من أنحاء متعددة.

ضمَّت لجنة الخبراء التي اختارت المؤسسة نخبة من القيادات الفنية العالمية، من بينهم إيلينا فيليبوفيتش، والبروفسور الدكتور بونافنتور سوه بيجينغ نديكونغ، وجيسيكا مورغان، وأدريانو بيدروسا، والشيخة حور بنت سلطان القاسمي، وسوهانيا رافيل، وفرانكلين سيرمانز، وفيليب تيناري، وهانس أولريش أوبريست.

إبراز الفنون المعاصرة والفنون الإسلامية على الساحة العالمية (مؤسسة بينالي الدرعية)

وتُعد جوائز «آرت بازل»، التي أُطلقت عام 2025، من أبرز المبادرات العالمية التي تحتفي بالتميُّز في الفن المعاصر، إذ تعتمد في اختيار الفائزين على معايير تشمل الابتكار، وجودة التنفيذ، والتفاعل مع الجمهور، والأثر الثقافي.

ومنذ تأسيسها عام 2020، رسَّخت «مؤسسة بينالي الدرعية»، بقيادة الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان آل سعود وزير الثقافة ورئيس مجلس أمناء المؤسسة، مكانتها في المشهد الثقافي الدولي، وبرزت قدرتها على إحداث التحوُّلات الكبيرة، إذ تتولى المؤسسة مهمة تنظيم «معرض بينالي» سنوياً بالتناوب بين «بينالي الدرعية للفن المعاصر» في الدرعية، و«بينالي الفنون الإسلامية» في جدة، إضافة إلى إشرافها على تطوير «حي جاكس الإبداعي» في الدرعية.

وفي تعليقها على الجائزة، قالت الرئيسة التنفيذية للمؤسسة آية البكري: «نفخر بهذا التقدير من (آرت بازل)، إحدى أبرز المنصات العالمية المنتجة للفن المعاصر. ويؤكِّد هذا التكريم حضور المملكة ودورها الفاعل في تعزيز الحوار الثقافي العالمي، كما يمنحنا دافعاً لمواصلة جهودنا في تطوير المشهد الثقافي بالسعودية».

يُذكر أن الدورة الثالثة من «بينالي الدرعية للفن المعاصر»، المقامة تحت عنوان «في الحِل والترحال»، تستمر في استقبال الزوار حتى 2 مايو (أيار) 2026، لتكون خامس فعالية كبرى تنظمها المؤسسة خلال 5 سنوات.


مبادرة سعودية تشرك المجتمعات المحلية في حماية الهوية العمرانية

تستهدف المبادرة في عامها الأول ترميم عدة قرى تراثية من خلال نموذج دعم مبتكر (واس)
تستهدف المبادرة في عامها الأول ترميم عدة قرى تراثية من خلال نموذج دعم مبتكر (واس)
TT

مبادرة سعودية تشرك المجتمعات المحلية في حماية الهوية العمرانية

تستهدف المبادرة في عامها الأول ترميم عدة قرى تراثية من خلال نموذج دعم مبتكر (واس)
تستهدف المبادرة في عامها الأول ترميم عدة قرى تراثية من خلال نموذج دعم مبتكر (واس)

أطلقت السعودية مبادرة نوعية تهدف إلى تمكين المجتمعات المحلية من قيادة قاطرة الحفاظ على التراث العمراني في السعودية، من خلال توسيع دائرة دور المجتمعات المحلية في صون وإعادة تأهيل القرى والبلدات التراثية، وتحويلها من مجرد شواهد صامتة على التاريخ إلى روافد اقتصادية وثقافية نابضة بالحياة.

وأعلن الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان وزير الثقافة السعودي، عن مبادرة لدعم المجتمعات المحلية في ترميم البلدات التراثية؛ لتعزيز مساهمة المجتمع في الحفاظ على أصوله التراثية ذات القيمة وتأهيلها. وقال الوزير خلال كلمة ألقاها مع ختام «ملتقى القطاع الثقافي غير الربحي» في الرياض، الخميس، أن «قيمنا وإرثنا وثقافتنا تمثل عناصر القوة في القطاع الثقافي غير الربحي، وبفضلها أسهمت المجتمعات المحلية بمختلف مناطق المملكة في ترميم نحو 1000 موقع للتراث العمراني».

يُعد سجل التراث العمراني قائمةً رسمية للمواقع والمباني التراثية التي سُجّلت وفقاً للمعايير (واس)

نموذج مبتكر لاستدامة السرد التاريخي

وتستهدف المبادرة الجديدة في عامها الأول ترميم مجموعة قرى تراثية من خلال نموذج دعم مبتكر يتضمن تقديم دعم مالي مماثل لما يقدم من قبل المنظمات غير الربحية لدعم وتمكين ملاك البلدات التراثية الراغبين في ترميم وإعادة تأهيل هذه البلدات على نفقتهم الخاصة.

وتتوِّج المبادرة التي سيتم الإعلان عن فتح باب التقديم عليها خلال الربع الرابع من العام الحالي 2026، شراكة مميزة وفاعلة بين العمل الحكومي ممثلاً في هيئة التراث، والعمل المجتمعي، للحفاظ على البلدات التراثية في مناطق السعودية، وتحفيز الجهود لتنميتها وإدارتها وتفعيلها وتحويلها إلى روافد ثقافية واقتصادية تسهم في تنمية المجتمعات المحلية، والحفاظ على الهوية العمرانية.

وقال محمد العمري، الخبير في التراث الشعبي، إن الخطوة التي كشفت عنها وزارة الثقافة ستعزز من دور المجتمعات المحلية في حفظ الهوية العمرانية عبر الأجيال. وتابع العمري، أن السعودية غنية بالتراث العمراني الذي يتعدد حسب زمانه ومكانه، وأضاف: «على قدر اتساع جغرافية السعودية، تملك في المقابل قدراً كبيراً من تنوع وغنى وثراء التجربة التراثية والاجتماعية التي احتفظت بها البلدات والقرى، والتي كانت قديماً تتشكل وفق الوظائف والاحتياجات التي تلبيها لمجتمع سكانها عبر العصور».

وأكد الخبير العمري أن القرى والبلدات التراثية كادت تتعرض للاندثار لولا جهود فردية قام بها أجيال ممن حفظ هذا التاريخ الحيّ وتعاهده بالصيانة والاهتمام، وبقي حتى اليوم ذكرى حيّة على أثر الأجيال الماضية، وشاهداً قائماً للأجيال المقبلة، منوهاً بدور المبادرات التي تبنتها وزارة الثقافة، ممثلة في هيئة التراث التي رعت هذه الحقبة الجديدة من الاهتمام بتراث مناطق السعودية المتعددة والغنية.‏

أعلنت هيئة التراث مطلع العام تحقيق مستهدف الوصول إلى تسجيل 50 ألف أصل تراث عمراني سعودي (واس)

تسجيل 50 ألف أصل تراث عمراني

منذ عززت السعودية من الانتباه إلى ثروتها من التراث‏ والآثار، وهي تحقق تقدماً في اكتشاف غنى المناطق السعودية وما تحتفظ به من سجلات أثرية تاريخية، ومن ذلك التراث العمراني الذي يمثل شاهداً حيّاً على الحكايات الاجتماعية، ووسيلة لفهم الماضي، ومساعداً في اتخاذ قرارات واعية بشأن المستقبل، على اعتبار أن كل مبنى عمراني، وطراز هندسي، أو موقع تاريخي، يسهم في إعادة تشكيل الإدراك لهوية المكان، وتوجيه سياسات الحماية والترميم.‏

وأعلنت هيئة التراث مطلع هذا العام، عن تحقيق المستهدف المعتمد للهيئة بالوصول إلى تسجيل 50 ألف أصل تراث عمراني على مستوى السعودية، وهو أحد المستهدفات التي وُضعت ضمن خطتها في بداية عام 2025.

يسهم تسجيل المواقع في إعادة تشكيل الإدراك لهوية المكان وتوجيه سياسات الحماية والترميم (واس)

ويأتي تسجيل هذه المواقع ضمن جهود الهيئة المتواصلة لحماية أصول التراث العمراني وتوثيقها وتسجيلها، والعمل على إدارتها بكفاءة عالية، إلى جانب إبراز قيمتها التراثية وتعزيز الوعي المجتمعي بأهميتها، بما يضمن استدامتها موروثاً ثقافياً للأجيال المقبلة.

وتواصل الهيئة جهودها في تسجيل مواقع التراث العمراني استناداً إلى معايير ولوائح نظام الآثار والتراث العمراني التي تهدف إلى تطوير جهود البحث والاكتشاف، وحصر المواقع التراثية وتسجيلها في قائمة التراث العمراني الوطني، وذلك باستخدام أحدث التقنيات والممارسات المعتمدة عالمياً في مجال التراث، وإنشاء قاعدة بيانات شاملة للمواقع التراثية بهدف الحفظ والتوثيق والحماية.

ويُعد سجل التراث العمراني قائمةً رسمية للمواقع والمباني التراثية التي سُجّلت وفقًا لمعايير ذات أهمية وطنية أو عمرانية أو ثقافية محددة بموجب نظام الآثار والتراث العمراني، حيث تعتمد الهيئة على نظم المعلومات الجيومكانية في إدارة وتخزين وحفظ بيانات هذه المواقع والمباني بدقة؛ بهدف تحديد التدابير الوقائية ومتطلبات الحماية اللازمة لها، بما يضمن صونها للأجيال المقبلة.

ومن بيوت الطين إلى الأحياء القديمة، ومن الأبواب المزخرفة والمشربيات العتيقة، وكثير من صور الإرث المعماري، قطعت السعودية شوطاً كبيراً في العمل على إعادة استكشاف الأماكن، وتوثيق التفاصيل، وتطوير سجلها الوطني للتراث العمراني، الذي انضمت إليه الآلاف من مواقع التراث العمراني، تعزيزاً لحماية هذه المواقع من التعديات أو الإهمال، وضماناً لصونها للأجيال المقبلة.