من التمثيل والغناء إلى بيع الأحذية... دونالد ترمب ومتلازمة الشهرة

دونالد ترمب مقدّماً وصلة غنائية خلال حفل جوائز «إيمي» عام 2005 (أ.ب)
دونالد ترمب مقدّماً وصلة غنائية خلال حفل جوائز «إيمي» عام 2005 (أ.ب)
TT

من التمثيل والغناء إلى بيع الأحذية... دونالد ترمب ومتلازمة الشهرة

دونالد ترمب مقدّماً وصلة غنائية خلال حفل جوائز «إيمي» عام 2005 (أ.ب)
دونالد ترمب مقدّماً وصلة غنائية خلال حفل جوائز «إيمي» عام 2005 (أ.ب)

«إذا دعمَتْ جو بايدن فستكون قليلة الوفاء للرجل الذي أتاح لها جمع كل هذا المال، بفضل إقراره قانون تحديث الموسيقى». هذه هي العبارة التي منّنَ بها دونالد ترمب تايلور سويفت؛ المغنية الأميركية المحبوبة التي يتابعها على «إنستغرام» وحدَه 280 مليون شخص، والتي تشكّل ماكينة انتخابية بحدّ ذاتها. لن يناسب ترمب بالتالي أن تعلن سويفت مساندتها لبايدن في الانتخابات الرئاسية المقبلة، كما هو متوقّع.

ليست سويفت الفنانة الوحيدة التي تنفر من الرئيس الأميركي السابق، فمثلُها مئات المشاهير الأميركيين. يوم انتُخب عام 2017، لم ينجح في استقدام نجمٍ جماهيري واحد ليغنّي في حفل تنصيبه. يتناقض واقع ترمب الحالي مع بداياته التي غالباً ما كان يظهر خلالها ملتصقاً بالمشاهير، أمثال: مايكل جاكسون، وأوبرا وينفري، ومايك تايسون، وغيرهم.

جمعت ترمب صداقة امتدّت سنوات بالمغنّي الأميركي مايكل جاكسون (منصة إكس)

إيفانا كمّلت ترسانة السلطة

قبل أيّام، أعاد ترمب التذكير بأنه لا يوفّر فرصة للفت الأنظار، مُطلقاً علامته التجاريّة الخاصة بالأحذية الرياضية. وقد تَزامنَ الكشف عن الحذاء الذهبي الجديد البالغ ثمنه 399 دولاراً، مع تغريم ترمب 355 مليون دولار لإدانته في قضية احتيال.

ترمب معرّفاً الجمهور بالحذاء الرياضي الجديد الذي أطلقه (أ.ب)

لطالما احترف ترمب لعبة الأضواء، فبدا مصاباً بمتلازمة الشهرة منذ بداياته كمطوّر عقاري يعمل لصالح والده. لم تنقصه الكاريزما ولا جرأة الوقوف أمام الكاميرا من دون سابق تحضير. أما لسانه السليط وأسلوبه الهجومي فسلاحان رافقاه منذ سنوات الشباب.

صادقَ السياسيين في خطوة استباقيّة للمسيرة التي كان ينوي خوضها لاحقاً. ساعدته ثروته الآخذة في الازدياد على بناء هالة حوله؛ من القصور؛ حيث الشلّالات والنوافير، إلى الطائرات الخاصة، والمروحيّات، واليخوت، وناطحات السحاب، والكازينوهات... لم يبخل على نفسه بترسانة السلطة. وقد اكتملت الصورة البرّاقة مع زوجة تسحرها هي أيضاً حياة المشاهير.

ترمب وزوجته الأولى إيفانا (أ.ب)

ساهمت إيفانا ترمب في رسم صورة دونالد القوي والشهير. يداً بيَدٍ دخلا إلى أهمّ المناسبات في نيويورك، كعروض الأزياء الفخمة، وحفلات العشاء الخيريّة، وسهرات توزيع الجوائز العالميّة. لم يفوّتا وقفة أمام عدسة مصوّر، ولا فرصة لمصافحة شخصية معروفة. ولاحقاً، فتحا قصرهما لاستضافة حفلاتهما الخاصة؛ حيث حلّ المشاهير على رأس قائمة المدعوّين.

من بين الحضور كذلك صحافيّو «التابلويد» الذين صادقَهم ترمب وأغدق الرّشَى عليهم، كي يفردوا صفحاتهم له ولأخباره وصوره. وليست عادة الاستكتاب غريبة على الملياردير الذي نشر حتى الآن نحو 20 كتاباً باسمِه، بينما هي من تأليف أشخاصٍ بقيت أسماؤهم في العتمة.

ترمب يحمل مجسّماً لنجمة هوليوود الخاصة به عام 2007 وترافقه زوجته الثالثة ميلانيا وابنه بارون (أ.ب)

مسيرة سينمائية حافلة

ما الذي قد يدفع برجل أعمالٍ صاحبِ سلطة ومال للمشاركة في عشرات الأفلام والمسلسلات، سوى جوع الشهرة؟

كانت بداية ترمب «السينمائية» عام 1989 في فيلم«Ghosts Can’t Do It»، جسّد فيه شخصيّته الحقيقية، واكتفى بمشهد واحد قال فيه: «تأكّدي يا سيدة سكوت أنّ في هذه الغرفة ما يكفي من السكاكين الحادّة لذبحك حتى العظام، وفيها ما يكفي من القلوب الباردة لأكل قلبك كمقبّلات». عن هذا المرور المثير للاشمئزاز، استحقّ جائزة أسوأ ممثّل بدور مساعد.

لم تُثنِه تلك البداية غير المشجّعة عن تكرار التجربة، فبرز مروره ضمن الجزء الثاني من فيلم «Home Alone» عام 1992. كان يملك حينها فندق «بلازا»؛ حيث جرى التصوير، وقد أطلّ لبُرهة مساعداً البطل «كيفن» في إيجاد طريقه إلى بهو الفندق.

مشاركة سريعة لدونالد ترمب في فيلم «Home Alone» عام 1992 (إنستغرام)

توالت المشارَكات الخاطفة في الأفلام والمسلسلات والوثائقيات، واستمرّت إلى ما قبل انتخابه رئيساً، وهو غالباً ما جسّد شخصيّته الحقيقية، إذ قلّما تقمّص شخصيات أخرى كما حصل عام 1994 في فيلم«The Little Rascals»؛ حيث أدّى دور والد أحد الأطفال أبطال الفيلم. ومن بين أبرز الأفلام التي شارك فيها ترمب «The Associate»، و«Zoolander»، و«Two Weeks Notice». أما على صعيد المسلسلات، فقد كان له مرور في 8 منها، أبرزها: «Sex and the City»، و«The Nanny»، و«Days of our Lives».

من مرور ترمب في فيلم «Two Weeks Notice» عام 2002 (منصة إكس)

الإعلامي الأعلى سعراً

المحطّة المفصليّة في صعود ترمب نحو النجوميّة كانت برنامج تلفزيون الواقع «The Apprentice» (المبتدئ) الذي تولّى إنتاجه وتقديمه على شبكة «NBC» ما بين عامَي 2004 و2015. تنافسَ متسابقو البرنامج من أجل الحصول على منصب إداري في إحدى شركات ترمب التجارية. يُحكى أنّ ترمب كان يتقاضى 3 ملايين دولار عن كل حلقة، كما استحقّ عنه ترشيحَين إلى جوائز «إيمي» التلفزيونية. وقد برزت آنذاك جملته الشهيرة «You’re fired» (أنت مطرود) من ضمن استراتيجية اللؤم والتحقير التي كان يعتمدها مع المتبارين.

ترمب خلال جولة إعلامية لبرنامجه «The Apprentice» عام 2015 (أ.ب)

امتدّت تجربة ترمب الإعلامية إلى تقديم برنامج إذاعي. ولمراكمة مزيد من الشهرة، لم يتردّد في الظهور ضمن إعلانات تجاريّة ما بين الثمانينات وعام 2010، وقد شملت مطاعم بيتزا وبرغر، ومشروبات غازيّة، ومحلات ملابس، وبطاقات ائتمان، وغيرها.

دونالد يغنّي

أطلّ دونالد ترمب في فيديو كليب لبوبي براون عام 1988، إلا أنّ أحداً لم يتوقّع أن تذهب به الجرأة إلى حدّ الغناء مباشرة على مسرح جوائز الـ«إيمي» عام 2005.

وضع ترمب كل مراحل حياته تحت الضوء، حتى إنه استثمر في زيجاته وحالات طلاقه المتعدّدة. تصدّرت قصة خيانته إيفانا عام 1990 الصحافة الأميركية، ويوم وضعت زوجته الثانية مارلا مايبلز ابنتهما تيفاني، دعا صحافية إلى غرفة المستشفى حتى تنال حصريّة الخبر والصور.

بين علاقاته مع ممثلات وبطلات رياضيات، وحياته الزوجيّة المترنّحة، شكّلت خصوصيات ترمب مادّة دسمة تابعها الجمهور الأميركي بفضول، عبر الإعلام المجنّد لحسابه.

ترمب وزوجته الثانية الممثلة وعارضة الأزياء مارلا مايبلز (أ.ب)

نجم البيت الأبيض

لعبت هذه القدرة على تسلية الجماهير بحكاياته، دوراً لا يستهان به في وصول ترمب إلى البيت الأبيض. مع العلم بأنه ليس الرئيس الأميركي الأول ذا الأرشيف الحافل بلحظات الشهرة؛ إذ سبقه إلى ذلك رونالد ريغان الذي كان نجماً سينمائياً.

غير أن ترمب نقل معه حب الاستعراض وإدمان الأضواء إلى المكتب البيضاويّ. في أول اجتماع لمجلس الوزراء عام 2018، رحّب بالحاضرين قائلاً: «أهلاً بكم في الاستوديو». واستمرّ العرض من خلال حساباته على وسائل التواصل الاجتماعي؛ لا سيما «تويتر».

نقل ترمب هوَسه بالشهرة إلى البيت الأبيض حيث اختلطت السياسة بالاستعراض (أ.ب)

لم يمسّه شيء من جدّيّة المنصب الرئاسي؛ بل واصل البهلوانيّات الإعلامية والاستثمار في الفضائح، فتداخل في عهده الاستعراضُ بالسياسة. أما الآن وبينما يتحضّر لجولة انتخابية جديدة، فقد عاد ترمب للرهان على الصوت المرتفع والتسويق لنفسه مستخدماً كل وسائل النجوميّة المتاحة.


مقالات ذات صلة

هدنة «الدقائق الأخيرة» تكبح التصعيد الأميركي - الإيراني

شؤون إقليمية احتجاجات في نيويورك ضد العمليات العسكرية الأمريكية في إيران يوم الثلاثاء (أ.ف.ب)

هدنة «الدقائق الأخيرة» تكبح التصعيد الأميركي - الإيراني

قبل نحو 90 دقيقة من نفاد الموعد الذي حدده الرئيس الأميركي دونالد ترمب، كنهاية لمهلة منحها لإيران للتوصل إلى اتفاق بشأن الحرب، أعلنت واشنطن وطهران كبح التصعيد.

«الشرق الأوسط» (عواصم)
شؤون إقليمية الرئيس الأميركي دونالد ترمب يستمع إلى رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف وهو يتحدث عقب التوقيع الرسمي على المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار في غزة خلال قمة بشرم الشيخ (أرشيفية - رويترز)

رئيس وزراء باكستان يطالب ترمب بتمديد المهلة الممنوحة لإيران أسبوعين

قال شهباز شريف على إكس إن «الجهود الدبلوماسية الرامية إلى تسوية سلمية للحرب المستمرة في الشرق الأوسط تتقدم بثبات وقوة، مع القدرة على تحقيق نتائج ملموسة».

«الشرق الأوسط» (إسلام أباد)
أوروبا نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس (يمين) ورئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان يظهران على خشبة المسرح معاً خلال فعالية في بودابست (رويترز)

فانس عن أوربان عشية انتخابات المجر: «نموذج» لأوروبا

أعلن نائب الرئيس الأميركي جاي دي فانس اليوم دعمه لرئيس الوزراء المجري القومي فيكتور أوربان في المرحلة الأخيرة من انتخابات برلمانية الأحد.

«الشرق الأوسط» (بودابست - واشنطن)
تحليل إخباري فلسطينيون يبكون خلال تشييع أحد أقاربهم من مستشفى «شهداء الأقصى» في دير البلح يوم الثلاثاء بعد مقتله في غارة إسرائيلية وسط غزة يوم الاثنين (أ.ف.ب)

تحليل إخباري «مهلة» ملادينوف لتسليم «سلاح غزة» تعقّد الملف

دخل ملف تسليم سلاح قطاع غزة مرحلة جديدة، مع تحديد الممثل السامي للقطاع في «مجلس السلام»، نيكولاي ملادينوف مهلة لتقديم «حماس» رداً على إطاره المطروح حالياً.

محمد محمود (القاهرة)
الولايات المتحدة​ الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش (د.ب.أ)

غوتيريش يبدي «قلقه البالغ» حيال تصريحات ترمب الأخيرة عن إيران

أعرب الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش اليوم الثلاثاء عن قلقه إزاء تحذير الرئيس الأميركي دونالد ترمب من أن «حضارة بكاملها» سيتم القضاء عليها في إيران.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

رحيل زينب السجيني… صوت الأمومة والجمال في الفن المصري

رحيل الفنانة المصرية زينب السجيني (الشرق الأوسط)
رحيل الفنانة المصرية زينب السجيني (الشرق الأوسط)
TT

رحيل زينب السجيني… صوت الأمومة والجمال في الفن المصري

رحيل الفنانة المصرية زينب السجيني (الشرق الأوسط)
رحيل الفنانة المصرية زينب السجيني (الشرق الأوسط)

غيّب الموت، اليوم، الفنانة التشكيلية المصرية زينب السجيني عن عمرٍ ناهز 96 عاماً، لتطوي برحيلها صفحة فنانة كان حضورها ممتداً عبر سبعة عقود من العمل الإبداعي والأكاديمي، شكّلت خلالها رؤيتها الخاصة للمرأة والطفولة والبيئة الشعبية المصرية، ورسّخت مكانتها كواحدة من رائدات الفن التشكيلي في مصر والعالم العربي. وُلدت السجيني في القاهرة عام 1930، ونشأت بين أحياء الظاهر والحسين والجمالية، فحملت في تكوينها الأول ملامح المدينة القديمة، وحواريها، وعمارتها الإسلامية، وصُناعها الشعبيين الذين شكّلوا وجدانها البصري المبكر.

كانت الفنانة زينب السجيني تستعيد تلك السنوات بوضوح بالغ، قائلة، في حوار سابق لـ«الشرق الأوسط»، إن طريق طفولتها في تلك الأحياء العتيقة بالقاهرة كان فصلاً مفتوحاً على الجمال والأصالة.

فحين كانت طفلة كانت تسير من حي الضاهر إلى الحسين؛ حيث يوجد بيت جدّها، وتمر على منطقة النحاسين، فترى صُناع الأواني، وتراقبهم وهم يغنّون أثناء العمل، ثم تمر على شارع المعز وترى عمارته الإسلامية، ووجوه الناس البسيطة التي كانت مصادر إلهام أولى سكنت الذاكرة ولم تغادرها، وفق قولها في حديثها السابق.

تلقّت الفنانة المصرية تعليمها في كلية الفنون الجميلة بجامعة حلوان، حيث حصلت على بكالوريوس قسم الزخرفة في عام 1956، ثم واصلت دراستها في المعهد العالي للتربية الفنية، قبل أن تنال درجة الدكتوراه في فلسفة التربية الفنية عام 1978، لتجمع بين الممارسة الفنية والتدريس، وتصبح لاحقاً أحد الأسماء المؤثرة في تشكيل وعي أجيال من الفنانين الشباب.

من أعمال الفنانة زينب السجيني (الشرق الأوسط)

وقد نعتْها الدكتورة جيهان زكي، وزيرة الثقافة المصرية، مؤكدة أن «مصر فقدت قيمة فنية وإنسانية نادرة، وصوتاً مُخلصاً للجمال»، مشيرة إلى أن الرحلة «أسهمت بعطائها الأكاديمي والفني في صياغة رؤية جمالية امتدت لأجيال متعاقبة».

كما وصف وزير الثقافة الأسبق الفنان فاروق حسني رحيلها بأنه «خسارة كبيرة للمشهد الفني»، مُستعيداً أثرها البارز في إثراء الحركة التشكيلية. ولم تكن «قاعة الزمالك للفن» بالنسبة للفنانة الراحلة مجرد مكان اعتاد عرض أعمالها على جدرانه، بل كانت جزءاً من تاريخها؛ فطوال 36 عاماً رافقت القاعة في محطاتها الكبرى، وقدمت عبرها أعمالاً صارت علامات في تاريخها المعاصر. وفق ما جاء في نعي القاعة لها.

وجاء فيه أيضاً: «كانت زينب السجيني قيمة فنية وإنسانية نادرة؛ حملت في أعمالها نبض الحياة وصدق التجربة، وامتد عطاؤها لأجيال من الفنانين، لقد تركت إرثاً خالداً سيبقى شاهداً على عمق تجربتها».

وقد ظل محوراً متكرراً في لقاءاتنا بقاعة الزمالك حيث كانت تقيم معارضها، سؤال الجمهور حول احتفائها بالمرأة والطفولة، وخلوّ أعمالها تقريباً من وجود الرجل.

وكانت تجيب دائماً بأن المرأة بالنسبة لها «مرآة الروح ومَخزن الحنان»، وأن تركيزها عليها «ليس موقفاً ضد الرجل بل هو انحياز للفطرة الإنسانية في أن الأم والطفلة هما جذور الحياة»، كاشفة عن رغبتها في دعم المرأة العربية التي كانت ترى أن «جانباً كبيراً من حقوقها مُهدَر».

رؤيتها للمرأة والطفولة انطلقت من الأوساط الشعبية (الشرق الأوسط)

وكانت تستعيد تأثير عمّها، النحات الكبير جمال السجيني، الذي تعلمت منه الصبر على تشكيل الوجوه الإنسانية، وزوجها الفنان عبد الرحمن النشار، الذي ظل مصدراً للدعم والإلهام. ارتبط مشروع زينب السجيني الفني بفكرة الأمومة بوصفها قيمة وجودية لا تخضع لزمن؛ فمنذ خمسينات القرن الماضي لا تكاد تخلو لوحة لها من حضور المرأة، أو الفتاة الصغيرة، في لحظات تتراوح بين اللعب وتصفيف الشعر والاستعداد للمدرسة والركض في الحارة، أو التنزه في الحدائق.

وكانت ترى أن سر عدم الملل من هذا العالم يعود إلى «قدرة اللوحات على دفع المتلقي إلى أعماق تلك الشخصيات النقية»، مؤكدة أن «الاختلاف في الانفعالات والملابس والألوان يجعل العوالم متجددة مهما تكررت ثيمة الأمومة في لوحاتها». وعن تكرار الرموز الشعبية مثل العروسة القماش والحمام والبيوت القديمة، وصفت هذه الثيمات بأنها «ليست رموزاً مبعثرة، بل هي نسيج متكامل يمثل مصر كما رأتها وانصهرت في داخلها». كانت زينب السجيني تؤمن بأن الفن استعادة للروح، وأن لحظة الإمساك بالفرشاة «هي محاولة لالتقاط جوهر الإنسان قبل ملامحه»، وربما لهذا السبب ظلّ عالمها الفني يحتفظ بقدر كبير من العفوية والحميمية، حتى في أكثر لحظاته شاعرية. برحيل زينب السجيني يفقد الفن التشكيلي واحدة من أبرز أصواته النسائية وأكثرها إخلاصاً للتجربة الإنسانية، لكنها تترك وراءها إرثاً غنياً من الأعمال، وهو إرث سيظل يؤكد أن الفن يمكنه، حين يكون صادقاً، أن يظل حياً رغم غياب أصحابه.


مركز الأرصاد السعودي: لا دلائل على صيف مبكر

درجات الحرارة ستكون أقل من المعدل الطبيعي لمدة أسبوعين اعتباراً من نهاية أبريل (واس)
درجات الحرارة ستكون أقل من المعدل الطبيعي لمدة أسبوعين اعتباراً من نهاية أبريل (واس)
TT

مركز الأرصاد السعودي: لا دلائل على صيف مبكر

درجات الحرارة ستكون أقل من المعدل الطبيعي لمدة أسبوعين اعتباراً من نهاية أبريل (واس)
درجات الحرارة ستكون أقل من المعدل الطبيعي لمدة أسبوعين اعتباراً من نهاية أبريل (واس)

أكّد المركز السعودي للأرصاد، الثلاثاء، عدم وجود مؤشرات مناخية تدل على صيف مبكر في البلاد، لافتاً إلى تماشي الأنماط الجوية الحالية مع المعدلات الموسمية المعتادة، وفق ما تُظهره النماذج المناخية والتحليلات الحديثة.

وأوضح حسين القحطاني، المتحدث باسم المركز، أن التوقعات تشير إلى أن درجات الحرارة، اعتباراً من نهاية شهر أبريل (نيسان) الحالي، ستكون أقل من المعدل الطبيعي لمدة أسبوعين متتاليين، يعقبها أسبوع تتقارب فيه درجات الحرارة مع معدلاتها الطبيعية على أغلب مناطق السعودية.

وأضاف القحطاني أن التوقعات الفصلية لصيف هذا العام - يونيو (حزيران) ويوليو (تموز) وأغسطس (آب) - تُرجّح تسجيل درجات حرارة أعلى من المعدلات الطبيعية على نطاق واسع بالسعودية، بفارق يتراوح بين 1.0 و2.0 درجة مئوية بمناطق الغرب والجنوب الغربي وأجزاء من الجنوب، فيما يُتوقع أن تكون الزيادة أقل من ذلك في بقية المناطق.

وبيّن المتحدث أن هذه التوقعات تأتي ضمن الدراسات المناخية الموسمية التي يجريها المركز بشكل دوري، مشيراً إلى أنه سيصدر تقريراً مناخياً مُفصَّلاً خلال الفترة المقبلة، يستعرض أبرز ملامح صيف هذا العام والتغيرات المتوقعة.

ودعا القحطاني الجميع إلى متابعة التحديثات الرسمية الصادرة عن المركز، لما لها من أهمية في الاستعداد المبكر والتعامل الأمثل مع المتغيرات المناخية.


«الذهب الأسود»… متحف سعودي يستعرض تاريخ النفط بسردية فنية مبتكرة

يعدّ «متحف الذهب الأسود» أول متحف دائم بهذا الحجم والتخصص (هيئة المتاحف)
يعدّ «متحف الذهب الأسود» أول متحف دائم بهذا الحجم والتخصص (هيئة المتاحف)
TT

«الذهب الأسود»… متحف سعودي يستعرض تاريخ النفط بسردية فنية مبتكرة

يعدّ «متحف الذهب الأسود» أول متحف دائم بهذا الحجم والتخصص (هيئة المتاحف)
يعدّ «متحف الذهب الأسود» أول متحف دائم بهذا الحجم والتخصص (هيئة المتاحف)

منذ كان النفط لغزاً غامضاً، حتى تجلّى متلألئاً بدرجات الأخضر والذهبي والأزرق، شكّل اكتشافه رحلةً استثنائية بدأت مع فجر الحياة على هذا الكوكب. ومع مرور الزمن، تعمّق فهم الإنسان هذا المورد؛ فاكتشف أصوله، وتعرّف إلى خصائصه، حتى غدا جزءاً لا يتجزأ من الحياة المعاصرة.

ومن بابل إلى البحر الميت، وصولاً إلى آسيا وما بعدها، ظلّ النفط حاضراً في مسيرة الإنسان منذ أقدم الحضارات، راسخةً مكانته في تاريخ البشرية، من أعماق الأرض إلى أعلى مراكز القرار.

ومن قلب العاصمة الرياض، انطلق «متحف الذهب الأسود»، بتعاون بين وزارتي الثقافة والطاقة في السعودية، وبدعم من «برنامج جودة الحياة»، ليروي قصة النفط وتأثيراته العميقة في المجتمعات والبيئة، عبر سرد فني مبتكر يجسّد العلاقة بين الإنسان والنفط، منذ اكتشافه في مرحلة المادة الخام، وصولاً إلى انعكاساته المعاصرة على الحياة والاقتصاد والبيئة.

الأمير عبد العزيز بن سلمان وعدد من الوزراء في جولة داخل «المتحف» (هيئة المتاحف)

وخلال حفل افتتاح «المتحف»، الذي يقع في مبنى أيقوني صمّمته المعمارية الراحلة زها حديد، داخل «مركز الملك عبد الله للدراسات والبحوث البترولية (كابسارك)» في الرياض، قال الأمير عبد العزيز بن سلمان، وزير الطاقة السعودي، إن هذا المتحف ثمرة تعاون بين منظومة الثقافة، ممثلةً في «هيئة المتاحف»، ومنظومة الطاقة، ممثلةً في «كابسارك»، ليقدّم «قراءة متكاملة لتاريخ البترول وتأثيره الممتد إلى مختلف جوانب الحياة».

من جهته، قال الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان، وزير الثقافة، في كلمته خلال الافتتاح، إن «متحف الذهب الأسود» يمثّل محطة مهمة في القطاع الفني والحوار الثقافي العالمي. وبصفته أول متحف دائم مخصّص للنفط والفن، فإنه «يوفّر مساحة استثنائية للتأمل الملهم والتفكير النقدي، والاحتفاء بالقوة التحويلية للثقافة في تشكيل فهمٍ أعمق للعالم».

الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان وزير الثقافة في كلمته خلال الافتتاح (هيئة المتاحف)

قصة التحول العميق في التاريخ الإنساني

يُعدّ «متحف الذهب الأسود» أول متحف دائم بهذا الحجم والتخصص يستكشف قصة التحوّل العميق الذي أحدثه النفط في تاريخ الإنسانية، من خلال عدسة الفن الحديث والمعاصر وأشكال التعبير الإبداعي.

ويتكوّن المتحف من 4 أقسام رئيسية: اللقاء، والأحلام، والشكوك، والرؤى؛ تقود الزائر إلى فهم نشأة النفط، وتحولات استخدامه، وتعقيدات أثره، وما قد يحمله المستقبل من احتمالات.

ويتناول «المتحف» النفط من منظور إنساني وثقافي وفني، مقدّماً مجموعة دائمة تضم أكثر من 350 عملاً فنياً حديثاً ومعاصراً، أبدعها أكثر من 170 فناناً سعودياً وعالمياً بارزاً من أكثر من 30 دولة، من بينهم: منال الضويان، وأحمد ماطر، ومهند شونو، ومحمد الفرج، وأيمن زيداني، ودوغ أيتكن، وجيمي دورهام، ودينيس هوبر، وألفريدو جار، ورينو لايراك، وجورج صبرة، وباسكال مارثين تايو، وآندي واومان... إلى جانب آخرين.

يستكشف «المتحف» قصة التحول العميق الذي أحدثه النفط في تاريخ الإنسانية (هيئة المتاحف)

كما يضم «المتحف» تركيبات فنية كبرى، وأعمالاً فوتوغرافية، ووثائق تاريخية تتيح للزوار استكشاف أثر النفط في تشكيل المجتمعات والاقتصادات وأنماط الحياة اليومية. ويتضمن أيضاً مشاهد غامرة، وإضاءة متقدمة، وأعمالاً تركيبية بصرية وسمعية، بما يشمل نموذجاً كبيراً للزمن الجيولوجي يصوّر نشأة النفط على مدى ملايين السنين.

ويستعرض المتحف أبرز المواقع التراثية النفطية في السعودية، حيث تُبرز قاعاته ومعارضه معالم وطنية مهمة، من بينها «بئر الدمام رقم 7 (بئر الخير)»، ودور الجيولوجي السعودي خميس بن رمثان، إضافة إلى مشاهد من مسيرتَي «أرامكو» و«أوبك»، وقصة حقل «الغوار».

من «اللقاء» إلى «الرؤى» عبر «الشكوك» و«الأحلام»

في جناح «اللقاء»؛ أولِ أقسام «المتحف»، تُستعرض أصول النفط واكتشافه واستخداماته المبكرة، إلى جانب رحلته من الجيولوجيا إلى المجتمع.

في جناح «اللقاء» تُستعرض أصول النفط واكتشافه واستخداماته المبكرة (هيئة المتاحف)

ويضم القسم عدداً من الأعمال التركيبية الرقمية الغامرة عن طحالب الدياتوم، ونموذجاً للمقياس الزمني الجيولوجي يوضّح تكوّن النفط ودور أشكال الحياة القديمة، كما يتضمن عروضاً أرشيفية تفاعلية عن استخدام الحضارات القديمة للنفط، بمن فيهم البابليون والرومان والمصريون القدماء.

وفي جناح «الأحلام»، يتحوّل النفط إلى مورد مرغوب يُغذّي تطلعات التقدّم والحداثة والوفرة؛ إذ يستكشف دوره في ابتكار مواد جديدة، وترسيخ ثقافة استهلاكية سائدة، وتعزيز سهولة الحياة الحديثة. كما يبرز كيف أصبحت المنتجات القائمة على النفط «خفية» لكنها أساسية في تفاصيل الحياة اليومية.

وعند الوصول إلى جناح «الشكوك»، يتجلّى الوعي المتنامي بتبعات استخدام النفط، وبالنزعة الاستهلاكية ومفارقة الاعتماد عليه؛ حيث يدعو هذا القسم إلى التفكير النقدي في تأثيراته على البيئة والمجتمع، ويربط بين الفن وحراك الناشطين والأبحاث متعددة التخصصات.

يضم «المتحف» تركيبات فنية كبرى وأعمالاً فوتوغرافية ووثائق تاريخية (هيئة المتاحف)

وأخيراً، يظهر جناح «الرؤى»، حيث تستشرف الأعمال الفنية في هذا القسم مستقبل الطاقة وعلاقة الإنسانية المستمرة بالنفط. ويشارك فيه فنانون وباحثون في بلورة تصوّرات متعددة لمستقبل الطاقة والمجتمع والاستدامة، مستخدمين الفن منصةً للنقاش بشأن تحوّل الطاقة.

وفي المعرض المؤقت الافتتاحي «عندما تتشكّل الطاقة»، الذي أُقيم بإشراف القيّم الفني كريستيان جانيكو وبمشاركة المجموعة الفرنسية «بي بي (BP)»، يُستكشف الحوار الديناميكي بين الفن والنفط والإنسان.

ومن خلال تركيبات فنية تستخدم حاويات ومضخات نفط، وتستحضر النفط بوصفه مادةً ورمزاً في آنٍ معاً، يمهّد هذا المعرض الطريق لسلسلة من المعارض المؤقتة التي ستواصل إثراء السردية المتجددة لـ«المتحف».

وترتبط تجربة القاعات والمعارض بوضوح بجوانب النفط الخفية وتأثيره في تيسير الحياة اليومية الحديثة؛ بدءاً من أنسجة الملابس، ووصولاً إلى مواد تغليف الطعام والأجهزة الطبية.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended