سيلين ديون... تعدّدت التراجيديا والصمودُ واحد

من الفقر إلى المرض مروراً بخسارة الصوت... الفنانة العالمية تولد من قلب جراحها

الفنانة العالمية سيلين ديون في إطلالتها المفاجئة خلال حفل الـ«غرامي» 2024 (أ.ف.ب)
الفنانة العالمية سيلين ديون في إطلالتها المفاجئة خلال حفل الـ«غرامي» 2024 (أ.ف.ب)
TT

سيلين ديون... تعدّدت التراجيديا والصمودُ واحد

الفنانة العالمية سيلين ديون في إطلالتها المفاجئة خلال حفل الـ«غرامي» 2024 (أ.ف.ب)
الفنانة العالمية سيلين ديون في إطلالتها المفاجئة خلال حفل الـ«غرامي» 2024 (أ.ف.ب)

لم يقتصر الذهول على ملامح تايلور سويفت ليلة أطلّت سيلين ديون قبل أيام على مسرح جوائز الـ«غرامي» بكامل بريقها وابتسامتها. ما كان أحدٌ ليتصوّر أنّ المغنّية الكنَديّة، ورغم المرض الذي فتك بجسدها والأحاديث التي توقّعت نهاية مسيرتها، ستعود بهذه السرعة القياسيّة لتقف للمرّة المليون تحت الأضواء، وقبالة جمهورٍ نهض تصفيقاً وترحيباً.

«لا أعرف سوى الغناء. هذا ما فعلت طيلة حياتي، وهذا ما أحب أن أفعل»، جرعة معنويّات منحتها ديون لنفسها يوم حذّرها الأطبّاء من أنّ متلازمة الشخص المتيبّس التي أصابتها عام 2022، قد تضرب أوتارها الصوتيّة وتحرمها الغناء إلى الأبد.

لكنّ كواليس حفل الـ«غرامي» أثبتت العكس، فالفنانة العالمية لم تستطع أن تحبس النغم في صدرها طويلاً. اختلست لحظة من المرض ومن تحذيرات الأطبّاء، لتُدندنَ إلى جانب المغنية الأميركية الصاعدة صونيا إليز.

ارتجاج في المخّ ولقب «دراكولا»

لعلّها توارت 4 أشهر عن الأنظار بداعي الآلام المبرحة والعلاج الصارم، إلّا أنّ «الصمود» كلمة تتصدّر الصفحة الأولى في قاموس سيلين، منذ بداياتها في عالم الموسيقى الشاسع والمتطلّب.

صحيح أنّ ثروتها تبلغ اليوم 800 مليون دولار، لكنّها كبرت في بيتٍ فقير. رضيعة، نامت في الدُرج بسبب ضيق المساحة، ولاحقاً تشاركت السرير والملابس ذاتها مع شقيقاتها؛ كونها الصغرى بين 14 ولداً. رغم ذلك، فهي تتذكّر ذاك البيت المتواضع في كيبيك – كنَدا بكلماتٍ دافئة: «لم نكن فقراء لكننا لم نملك المال. لقد مُنحنا الحب والعاطفة والدعم، ولا حاجة إلى أكثر من ذلك!».

ديون هي الصغرى في عائلة مؤلفة من 14 ولداً (فيسبوك الفنانة)

في الخامسة من عمرها، تعرّضت ديون لحادث صدم تسبب بارتجاجٍ في مخّها. لكن ما هي إلا أسابيع حتى نهضت لتكتشف أغلى ما لديها؛ صوتها. غنّت للمرة الأولى في زفاف شقيقها، ومنذ ذلك اليوم تحوّلت إلى نجمة الحانة الصغيرة التي كان يملكها والداها.

وسط أبوَيها وأشقّائها الكبار وزبائن المحلّ حيث لا تصمت الموسيقى، شعرت سيلين الصغيرة بالأمان والفرح. في المقابل، كانت المدرسة جحيماً بالنسبة إليها؛ «كرهتُها»، تقول ديون. فزملاء الصفّ لم ينظروا إليها يوماً كنجمة، بل رشقوها بالسخرية والتنمّر ولقّبوها بـ«مصّاصة الدماء» (دراكولا)، بسبب أنيابها البارزة ووجهها النحيل.

ديون في بداياتها الفنية (موقع الفنانة)

طفولة مفقودة ومنزل مرهون

تكتب في مذكّراتها، أنّ رينيه أنجليل، ويوم سمعها تغنّي في مكتبه للمرة الأولى، بكى. كانت في الـ12 من عمرها، وهو في عامه الـ38. بالدمعةِ انطلقت رحلة العمل والحب والنجاح مع رينيه، وبالدمعة انتهت.

لكن ما بين البداية والختام، مسافة 4 عقودٍ عبرتها سيلين ديون على إيقاع المثابرة والرغبة في التطوّر والعمل المتواصل. تلك الفتاة التي ارتقت إلى مرتبة العالميّة في سنّ الـ15 بفضل أغنية «D’amour ou d’amitié»، كادت ألّا تأخذ يوم راحة في حياتها.

دفعت ثمناً باهظاً من أجل تحقيق حلم الغناء، فاضطرّت إلى الإلقاء بطفولتها خلف ظهرها والسير باتّجاه النجوم. «لا أندم على خسارتي لسنوات المراهقة. نعم اشتقت للبيت والعائلة، لكنّ حلمي كان واحداً، وهو أن أصير مغنّية»، لطالما كرّرت ديون.

غير أنّ الطريق لم تكن مفروشة بالورود، فقد اضطرّ مدير الأعمال وصانع النجمة رينيه أنجليل أن يرهن منزله، من أجل إنتاج ألبومها الأوّل. من جهتها، خضعت سيلين لتدريباتٍ قاسية ولإجراءاتٍ تجميليّة بهدف تحسين ملامحها. فهي اصطدمت بداية بحواجز الشكل التي قد تعيق وصول الفنانات، ولطالما أقرّت بأنها لم تكن تملك الحدّ الأدنى من المقوّمات الجماليّة.

ديون بعد فوزها بمسابقة الأغنية الأوروبية يوروفيجن عام 1988 (إنستغرام الفنانة)

خيانات الصحة والصوت

الصوت الاستثنائي الجبار الذي سجّلت بفضله ديون أكثر من 30 ألبوماً و150 أغنية، وحققت عشرات ملايين المبيعات حول العالم، بدا خائناً منذ السنوات الأولى. عام 1989، تأذّت حنجرتها خلال إحدى الحفلات ما اضطرّها لالتزام الصمت لـ3 أسابيع متتالية.

تكررت الحادثة ذاتها عام 2012، عندما فقدت ديون صوتها من جديد بسبب ضعفٍ في أوتارها. أدّى ذلك إلى إلغائها مجموعة كبيرة من الحفلات، والامتناع عن الكلام لقرابة الشهرين. أما سنة 2018، فخضعت لجراحة في أذنها أبعدتها شهراً عن المسارح.

لم تكتفِ الأزمات الصحية بتهديد مسيرة ديون الفنية، فهي رافقتها داخل البيت العائلي. هزّت أزمة قلبيّة فترة خطوبتها بمدير أعمالها رينيه أنجليل، مع العلم بأنّ علاقتهما كانت منذ البداية محفوفة بالصعوبات. عن قصة الحب الخياليّة تلك، تكتب في سيرتها الذاتيّة: «كنت مغرمة برجل لا يجب أن أحبّه ولا يريد أن أحبّه ولا أن يحبّني».

تَردّد الرجل الخارج للتوّ من زواجٍ شائك، في تسليم قلبه لسيلين التي تصغره بـ3 عقود. وعندما تزوّجا أخيراً عام 1994، دخل مرض السرطان حياتهما فأصاب حنجرة أنجليل.

تزوّجت سيلين ديون مدير أعمالها رينيه أنجليل في حفل زفاف أسطوري عام 1994 (إنستغرام)

معاناة الحمل ورحيل رينيه

في الأثناء، كانت سيلين التي ابتعدت عن الأضواء وهي في ذروة نجاحها من أجل الاعتناء بزوجها، تحاول أن تحمل من دون جدوى. تعرّضت للإجهاض المتكرّر وخضعت للتلقيح الاصطناعي، قبل أن يشرق يوم جديد (كما تقول أغنيتها A New Day Has Come) ويولد ابنها البكر رينه شارل عام 2001.

تكرّرت المعاناة ذاتها قبل ولادة التوأم إدي ونيلسون عام 2010، لكنّ الفرحة بهما لم تكتمل، إذ عاد السرطان ليجتاح حياة الثنائي ويأخذ أنجليل هذه المرة.

ديون مع أبنائها الثلاثة في جنازة زوجها عام 2016 (أ.ف.ب)

«يجب أن أكون قويّة من أجل أولادي»، تمسّكت ديون بهذه الفكرة وعادت إلى المسرح لتصدح في ذكرى رينيه: «سأكذب إن قلت إنني بخير، أفكّر فيك مائة مرة وأسمع كلماتك في صدى صوتي».

كثيرة هي المرّات التي لملمت فيها سيلين ديون نفسها وعادت إلى الحياة بعد صفعات القدَر. تشبّثت بحبال صوتها، لكنّها لم تتوقّع أن الضربة الآتية ستقطع تلك الحبال وتجرّدها من عتاد المسرح والموسيقى.

مع ذلك، وبعد سنة من الآلام المبرّحة بسبب المرض الذي يصيب شخصاً من بين كل مليون، تعود ديون لتثبت أنها فعلاً حالة فريدة من بين ملايين. بعد إطلالة الـ«غرامي»، تستعدّ لإطلاق وثائقي على منصة «أمازون برايم»، يصوّر لحظة بلحظة ومن دون تجميل، رحلتها في الظلّ وخلف الستائر مع داءٍ ربّما يبّس جسدها، لكنه حتماً لم يُصب قلبها باليباس.


مقالات ذات صلة

أحمد سعد لـ«الشرق الأوسط»: سأُحدث ثورة في عالم الألبومات

الوتر السادس أحمد سعد لـ«الشرق الأوسط»: سأُحدث ثورة في عالم الألبومات

أحمد سعد لـ«الشرق الأوسط»: سأُحدث ثورة في عالم الألبومات

قال الفنان المصري أحمد سعد إنه يركز في الفترة المقبلة على إحداث ثورة في عالم الألبومات الغنائية، بإطلاق عدد من الألبومات والأشكال الغنائية المختلفة.

محمود إبراهيم (القاهرة)
الوتر السادس آري جان سرحان لـ«الشرق الأوسط»: بين التراث والحداثة أصنع هويتي

آري جان سرحان لـ«الشرق الأوسط»: بين التراث والحداثة أصنع هويتي

تتعدّد مواهب الفنان السوري آري جان سرحان، إذ يجمع بين التمثيل والغناء والتلحين. غير أنّ نجمه سطع في عالم التأليف الموسيقي، فحجز لنفسه مكانة بين الفنانين.

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق سيلين ديون تُصدر أغنية جديدة بعد 7 سنوات على آخر ألبوماتها (حساب الفنانة على إكس)

سيلين ديون ترقص فوق الهاوية والقمم وتنتشل جان جاك غولدمان من عُزلته

أغنية جديدة للفنانة الكنَديّة بعنوان «هيّا نرقص»، استعداداً لعودتها الجماهيريّة في الخريف المقبل ضمن مجموعة حفلات في باريس.

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق عمرو دياب (حسابه على إنستغرام)

الألبومات الغنائية لفرض نفسها في موسم الصيف بمصر

تشهد سوق الأغنية المصرية انتعاشاً لافتاً خلال موسم الصيف المقبل، في ظل استعداد عدد كبير من نجوم الغناء لطرح أعمالهم الغنائية الجديدة.

محمود إبراهيم (القاهرة)
يوميات الشرق يضيق العالم فتصبح الموسيقى اتّساعاً داخلياً (صور الفنانة)

مايا واكد والموسيقى التي تُمسك بالجرح كي لا ينزف

الفنّ كما تصفه يقترب من الجرح، يلمسه ويفتحه أحياناً كي ينظّفه من الداخل...

فاطمة عبد الله (بيروت)

«أنشودة الأرض» يوثق رحلة نازلي مدكور في عالم الفن التشكيلي

حضور المتناقضات حتى في العمل الواحد (الشرق الأوسط)
حضور المتناقضات حتى في العمل الواحد (الشرق الأوسط)
TT

«أنشودة الأرض» يوثق رحلة نازلي مدكور في عالم الفن التشكيلي

حضور المتناقضات حتى في العمل الواحد (الشرق الأوسط)
حضور المتناقضات حتى في العمل الواحد (الشرق الأوسط)

في تجربة فنية ثرية تعيد تأمل العلاقة بين الإنسان والطبيعة، افتتحت الفنانة التشكيلية المصرية نازلي مدكور معرضها الجديد بعنوان «أنشودة الأرض... سيرة فنية»، مُقدِّمةً رحلةً بصريةً تختزل عقوداً من البحث والتجريب.

منذ بدايات نازلي الأولى، ظهرت في أعمالها عناصر البيئة المصرية من صحارى مترامية، وواحات هادئة، ونخيل، وبيوت طينية، لكنها لم تقدِّمها بوصفها صوراً منقولة، بل مادة حية أعادت اكتشافها وفق رؤيتها الخاصة وإحساسها الداخلي.

ويضم هذا المعرض المستمر في «قاعة الزمالك للفن» حتى 7 مايو (أيار) 2026، أكثر من 100 عمل فني، تمتد من بدايات الفنانة في ثمانينات القرن الماضي حتى أحدث إنتاجها خلال العامين الأخيرين.

معرض «أنشودة الأرض» يُعدُّ استعادياً؛ فهو يُقدِّم خلاصة تجربة الفنانة المصرية، ويجمع 4 مراحل رئيسية من مسيرتها تحت سقف واحد.

تميل نازلي مدكور إلى ألوان قريبة من تدرجات الأرض وملامسها (الشرق الأوسط)

وتتمثَّل المرحلة الأولى من حياة نازلي الفنية في الانشغال بالمنظر الطبيعي، حيث كانت تنظر إليه من الخارج، وتتأمله بوصفه مشهداً بصرياً قائماً، ثم تعيد صياغته عبر تغييرات وتكوينات جديدة تحمل رؤيتها الخاصة.

تقول نازلي مدكور لـ«الشرق الأوسط»: «كنت خلال تلك المرحلة أسافر كثيراً إلى أمكنة مختلفة في مصر، لا سيما الواحات وسيناء وسيوة؛ لأتشبع بالطبيعة المصرية ومشاهدها، وحتى ألتقي أيضاً الناس الذين يعيشون في تلك البيئات المختلفة».

في حين تمثلت المرحلة التالية من رحلة نازلي الفنية في حضور المرأة داخل اللوحة، واندماجها مع مشاهد الطبيعة، قبل أن تنتقل لاحقاً إلى مرحلة جديدة أصبحت خلالها تنظر إلى المنظر الطبيعي من الداخل لا من الخارج: «خلال هذه المرحلة تكوّن لدي مخزون بصري ووجداني، وأصبحت أعمل من داخل الاستوديو، مستندة إلى إحساسي الأعمق بالأماكن؛ فصار تجسيدي لها نابعاً من الذاكرة والانفعال».

نازلي تعيد اكتشاف الطبيعة وفق رؤيتها الخاصة وإحساسها الداخلي (الشرق الأوسط)

وتمثل تجربة نازلي مدكور في الآونة الأخيرة عودة إلى المنظر الطبيعي، لكنها عودة مختلفة في الرؤية والمعالجة، بما يسمح للجمهور بإجراء مقارنة بين الأعمال، وهي مقارنة تكشف عن حجم التحول والنضج عبر كل هذه السنوات.

ويكتسب المعرض أهميةً إضافيةً مع صدور كتاب يوثِّق هذه الرحلة الفنية، يبدأ بحوار مع الفنانة حول مسيرتها، ويضم دراستين نقديتين لكل من الناقد المصري عز الدين نجيب، والناقد العراقي فاروق يوسف.

كما يستعيد المعرض جانباً من تعاونها مع دار نشر أميركية متخصصة في الكتب الفنية، اختارتها لإنجاز رسوم كتاب «ليالي ألف ليلة وليلة» للأديب المصري نجيب محفوظ.

وتقول: «كانت تلك تجربتي الأولى في رسم الكتب، وقدمت فيها شخصيات الرواية بروح مستلهَمة من المنمنمات العربية القديمة، وحققت نجاحاً كبيراً».

أعمال تجمع بين التجريد والتشخيص في أحدث معارض نازلي مدكور (الشرق الأوسط)

وفي المعرض الجديد؛ تُعرَض الرسومات الأصلية للكتاب إلى جانب نسخة من الإصدار نفسه.

وتكشف الأعمال المعروضة قدرة الفنانة على الحفاظ على موضوعاتها الأثيرة، مثل الربيع والطبيعة والمرأة، من دون الوقوع في أسر التكرار، إذ ظلت منفتحةً على التجريب، سواء في اللون أو الحركة أو البناء التشكيلي أو الخامات المُستخدَمة.

ويستكشف المتأمل للأعمال في المراحل الفنية المختلفة أنَّها لا تتوقف عند أسلوب واحد أو صيغة جاهزة. تقول نازلي: «يشكِّل التجريب عنصراً أساسياً في حياة الفنان، ولا ينبغي أن يقتصر على البدايات، أو على مرحلة محددة من المسيرة الإبداعية؛ فالفنان لا يمكن أن يتوقف عند صيغة واحدة يظل يكررها لسنوات طويلة».

نازلي مدكور تستعيد مسيرتها الفنية في معرض جديد بالقاهرة (الشرق الأوسط)

ومن أبرز ما يؤكده تأثير التجريب في أعمالها، هو إدخالها عناصر جديدة فيها باستمرار، سواء في اللون أو الحركة أو البناء التشكيلي أو غير ذلك من أدوات التعبير.

كما اقتحمت خامات جديدة وملامس متنوعة، واستخدمت عناصر طبيعية مثل الرمال وورق البردي والحبال ومزق الأقمشة، مضيفة: «الفنان ينضج من خلال هذه المغامرة المستمرة؛ لأنَّ التجريب لا يطوِّر العمل وحده، بل يطوِّر صاحبه أيضاً».

يبرز المعرض كذلك حضور المتناقضات حتى في العمل الواحد؛ حيث يلحظ المتلقي عدداً من التناقضات البصرية والوجدانية، مثل الجمع بين البنية القوية والعفوية، أو بين الهندسة الصارمة والانسيابية الحرة.

وهنا تؤكد أن «هذا التداخل يمثل عنصراً مهماً؛ لأنه يولّد الطاقة والحركة داخل اللوحة، ويمنحها حيوية خاصة تنعكس على إحساس المشاهد بها».

الفنانة المصرية نازلي مدكور (الشرق الأوسط)

وترى الفنانة أن هذا التداخل يعكس طبيعة الإنسان نفسه، بوصفه كائناً مشحوناً بالتناقضات، وهي تناقضات قد تخلق المشكلات، لكنها تقود أيضاً إلى حلول جديدة.

لكن لا يتوقف الأمر عند هذا الحد؛ إذ تمزج أعمالها بين النزعة التجريدية والاتجاه التشخيصي؛ وهو ما تبرره قائلة: «يميل التشخيص إلى سرد الحكاية بصرياً، بينما يتيح التجريد مساحة أوسع لنقل المشاعر والانفعالات، وهو ما أريد أن أجمع بينهما في أعمالي».

وتتجلى في اللوحات حالة واضحة من التلاحم بين الأشكال والأرضيات، حيث تبدو العناصر في اندماج عضوي داخل نسيج واحد؛ من دون فواصل حادة بين الكتل والخلفيات، بما يضفي على الأعمال تماسكاً وحيوية في آنٍ واحد.

وتختم مدكور: «أنظر إلى العالم بوصفه منظومةً متكاملةً ومصيراً مشتركاً؛ لذلك أتعامل مع الإنسان داخل اللوحة بالخشونة نفسها التي تحضر في الطين وعناصر الطبيعة، كما أميل إلى ألوان قريبة من تدرجات الأرض وملامسها».


قرية في ألاسكا تُعيد إحياء سياحة الدببة القطبية... بشروط صارمة

في أرض قاسية... كائنٌ يعرف كيف يبقى (أ.ف.ب)
في أرض قاسية... كائنٌ يعرف كيف يبقى (أ.ف.ب)
TT

قرية في ألاسكا تُعيد إحياء سياحة الدببة القطبية... بشروط صارمة

في أرض قاسية... كائنٌ يعرف كيف يبقى (أ.ف.ب)
في أرض قاسية... كائنٌ يعرف كيف يبقى (أ.ف.ب)

تطمح قرية نائية للسكان الأصليين في ألاسكا إلى استعادة مكانتها وجهةً أولى لمُشاهدة الدببة القطبية، بعد تراجع هذا النشاط خلال السنوات الماضية. ففي نهاية كلّ صيف، تتجمَّع الدببة البيضاء الضخمة قرب قرية كاكتوفيك الواقعة على حافة القارة داخل محميّة القطب الشمالي، لتتغذَّى على بقايا الحيتان وتنتظر تجمّد البحر، في مشهد كان يجذب أكثر من ألف سائح سنوياً.

وإنما جائحة «كوفيد-19» وقرار فيدرالي بوقف الجولات البحريّة أدّيا إلى شبه توقُّف هذه السياحة، وسط مخاوف من تأثير تدفُّق الزوار على نمط حياة السكان وسلوك الدببة. اليوم، يسعى قادة القرية إلى إعادة إحياء هذا النشاط، مع وضع ضوابط جديدة توازن بين الفوائد الاقتصادية وحماية البيئة والمجتمع المحلّي.

كائن يملك هذا العالم منذ زمن بعيد (أ.ف.ب)

ووفق «الإندبندنت»، يؤكد رئيس مؤسّسة «كاكتوفيك إينوبيات»، تشارلز لامب، أنّ السياحة يمكن أن توفّر دخلاً مهماً، لكن إدارتها يجب أن تختلف عمّا كانت عليه سابقاً. فخلال العقود الماضية، أدَّى تزايد أعداد الزوار، خصوصاً بعد تصنيف الدببة القطبية مهدَّدة بالانقراض عام 2008، إلى ضغط كبير على القرية الصغيرة التي لا يتجاوز عدد سكانها 250 شخصاً، ممّا تسبَّب في إرباك الحياة اليومية للسكان، وتراجع استفادتهم الاقتصادية.

كما أسهمت القيود التنظيمية ودخول شركات سياحية كبرى في تقليص دور السكان المحلّيين، في حين اشتكى الأهالي من سلوك بعض السياح، ومن ازدحام الرحلات الجوّية الذي أثَّر حتى في تنقّلاتهم الأساسية.

ومع توقُّف الجولات القاربية منذ 2021، بدأت الدببة تستعيد حذرها الطبيعي من البشر، بعدما أدّى الاعتياد السابق إلى زيادة المخاطر، حتى إنّ دوريات الحماية اضطرّت أحياناً إلى قتل عدد من الدببة سنوياً.

وتعمل القرية، حالياً، بالتعاون مع السلطات الأميركية، على إعادة إطلاق السياحة ربما بحلول 2027، ضمن إطار يضمن سلامة الجميع، مثل تحديد مدّة بقاء القوارب قرب الدببة، وتشجيع زيارات أطول وأكثر احتراماً لثقافة السكان.

ويرى القائمون على المبادرة أنّ السياحة المستقبلية يجب أن تمنح الزوار تجربة أعمق، تتيح لهم فهم الحياة في القطب الشمالي، لا مجرّد مشاهدتها من قرب.


«هجرة» السعودي ينال جائزة أفضل فيلم في «أسوان السينمائي»

فيلم «هجرة» حصد جائزة مهرجان أسوان (إدراة المهرجان)
فيلم «هجرة» حصد جائزة مهرجان أسوان (إدراة المهرجان)
TT

«هجرة» السعودي ينال جائزة أفضل فيلم في «أسوان السينمائي»

فيلم «هجرة» حصد جائزة مهرجان أسوان (إدراة المهرجان)
فيلم «هجرة» حصد جائزة مهرجان أسوان (إدراة المهرجان)

حصد فيلم «هجرة» السعودي، جائزة أفضل فيلم في «مهرجان أسوان الدولي لأفلام المرأة» بدورته العاشرة، التي أُقيمت من 20 إلى 25 أبريل (نيسان) الحالي، وتحمل اسم رائدة السينما عزيزة أمير، ووصل عدد الأفلام المشارِكة في دورة هذا العام إلى 73 فيلماً من 34 دولة.

ويحكي فيلم «هجرة» عن رحلة نسائية إلى الحج، في إطار دراما مشوقة تنسجها نساء في السعودية خلال رحلة عبر الصحراء إلى مكة، حيث تختفي طفلة وتنطلق جدتها في رحلة إلى الشمال للبحث عنها. وهو من تأليف وإخراج شهد أمين، وتمثيل براء عالم، ونواف الظفيري، وخيرية نظمي، وهو إنتاج مشترك بين المملكة العربية السعودية والعراق والمملكة المتحدة.

وحصد الفيلم جوائز عدة سابقاً في مهرجات مختلفة من بينها جائزة «نتباك» لأفضل فيلم آسيوي في مهرجان فينيسيا السينمائي الدولي 2025، وجائزة اليسر من لجنة التحكيم في «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي 2025»، وكذلك جائزة أفضل فيلم سعودي من جوائز فيلم العلا في «مهرجان البحر الأحمر»، وجائزة أفضل فيلم من «مهرجان مالمو للسينما العربية» عام 2026.

واستقبل «مهرجان أسوان الدولي لأفلام المرأة» أكثر من 800 فيلم في هذه الدورة، من بينها أفلام تُعرَض لأول مرة دولياً أو أفريقياً، ومنها أفلام شاركت في مهرجانات كبرى مثل كان، وفينيسيا، وبرلين، وروتردام، وفق إدارة المهرجان الذي يترأسه السيناريست محمد عبد الخالق، ويديره حسن أبو العلا، وتشغل منصب رئيسة مجلس الأمناء السفيرة ميرفت التلاوي، ونائبة رئيس مجلس الأمناء الدكتورة عزة كامل.

جانب من حفل ختام المهرجان (إدارة المهرجان)

ووفق بيان للمهرجان بعد حفل ختام دورته العاشرة، الجمعة، فقد حصد جائزة لجنة التحكيم الفيلم الهولندي «عاملها كسيدة»، وذهبت جائزة أفضل مخرج لفيلم «ابنة الكوندور»، وهو إنتاج مشترك بين بوليفيا، وبيرو، وأوروغواي، وفاز بجائزة أفضل ممثل نواف الظفيري عن فيلم «هجرة»، ومُنحت جائزة أفضل ممثلة إلى نينكي بلاس عن فيلم «عاملها كسيدة»، كما فاز بجائزة أفضل سيناريو فيلم «البيت البرتغالي» وهو إنتاج إسبانيا والبرتغال، ومنحت لجنة التحكيم تنويهاً خاصاً لفيلم «كومبارسا»، وهو إنتاج مشترك بين غواتيمالا والولايات المتحدة الأميركية.

وقالت المنتجة المغربية فاطمة النوالي آزر، عضوة لجنة تحكيم مسابقة الأفلام الطويلة إن فيلم «هجرة» يمثل طفرةً مهمةً في السينما السعودية لموضوعه الشيق والإنساني والنسوي، بالإضافة للتقنيات التي تشير إلى رؤية متمكنة لمخرجة الفيلم. وأضافت لـ«الشرق الأوسط» أن «لجنة التحكيم أجمعت على منح الفيلم جائزة الأفضل لرؤيته المختلفة والمميزة، وهو يؤكد وجود طفرة في التقنيات، وجرأة في التناول في السينما السعودية، وهو ما يظهر في أمثلة ونماذج كثيرة».

في حين أشارت المخرجة عزة كامل، نائبة رئيس «مهرجان أسوان الدولي لأفلام المرأة» إلى الحالة المختلفة التي يقدِّمها فيلم «هجرة». وقالت لـ«الشرق الأوسط»: «إن هذا الفيلم أثبت مدى التطور والطفرة الرائعة في السينما السعودية كتابةً وإخراجاً وتمثيلاً، كما أثبت النظرية التي تقول إن تناول الموضوعات المحلية بإخلاص وبراعة هو أقرب طريق للوصول إلى العالمية، ولذلك حصد هذا الفيلم جوائز عدة في مهرجانات شتى حول العالم».

وفاز فيلم «المينة» بجائزة أفضل فيلم قصير وهو إنتاج المغرب وإيطاليا وفرنسا وقطر، كما فاز الفيلم الإيطالي «النموذج الكينيبالي» بجائزة لجنة التحكيم.

فيلم «هجرة» السعودي تمَّ عرضه في مهرجانات عدة (إدارة مهرجان أسوان)

وفاز بجائزة الاتحاد الأوروبي الفيلم التونسي «دنيا»، بينما فاز فيلم «رحلة لم تكتمل» بجائزة أحسن فيلم عمل جماعي بمسابقة أفلام الورش، وذهبت جائزة أحسن إخراج لفيلم «الخير والبركة»، وفاز فيلم «الأم» بجائزة أحسن تمثيل لممثلة.

وفاز بجائزة أحسن فيلم بأفلام ذات أثر «تهويدة ما بعد النوم»، إخراج عبد الرحمن بركات، ومنحت لجنة التحكيم جائزة أحسن فكرة لفيلم «ياللا عجل»، إخراج سارة إلياس، كما فاز فيلم «الدرج» إخراج مايك يوناني بجائزة لجنة التحكيم.

فيلم «هجرة» يحكي عن رحلة حج (مهرجان أسوان)

وحصد المركز الأول في مسابقة أفلام الجنوب فيلم «مسافات» للمخرجة ليزا كمال، وفاز فيلم «بيدي» للمخرج عبد الله حسن بالمركز الثاني، وذهب المركز الثالث لفيلم «مبقاش براح» للمخرجة ميرا ممدوح.

وجاءت الدورة العاشرة من «مهرجان أسوان الدولي لأفلام المرأة»، برعاية وزارات الثقافة، والسياحة، والتضامن الاجتماعي، والمجلس القومي للمرأة، ومحافظة أسوان، وبالشراكة الاستراتيجية مع الاتحاد الأوروبي، وهيئة الأمم المتحدة للمرأة، وبرعاية البنك الأهلي المصري، ونقابة السينمائيين، ومؤسسة «دروسوس»، وشركة «مصر للطيران»، وشركة «ريد ستار».