انتقام السيّدة الفرنسيّة الأولى

فيلم يروي رحلة صعود برناديت شيراك من الظلّ إلى الضوء

الممثلان كاترين دونوف وميشال فوييرموز بشخصيّتَي برناديت وجاك شيراك (شركة وارنر)
الممثلان كاترين دونوف وميشال فوييرموز بشخصيّتَي برناديت وجاك شيراك (شركة وارنر)
TT

انتقام السيّدة الفرنسيّة الأولى

الممثلان كاترين دونوف وميشال فوييرموز بشخصيّتَي برناديت وجاك شيراك (شركة وارنر)
الممثلان كاترين دونوف وميشال فوييرموز بشخصيّتَي برناديت وجاك شيراك (شركة وارنر)

يوم دخلت برناديت شيراك إلى قصر الإليزيه عام 1995 مرافقةً زوجها الرئيس، لم تُفتح أبواب القاعات المُتلألئة أمامها. وُضعت السيّدة الأولى الخجولة والمرتبكة في الظلّ، فاضطّرّت إلى ملء فراغ البدايات بالاعتناء بالحدائق والمطابخ، ورغم ذلك فهي لم تُمنَح سوى فُتات المائدة الرئاسية.

في فيلم «برناديت»، تعود المخرجة والكاتبة ليا دوميناك إلى 12 سنة من تاريخ الجمهورية الفرنسية، تحديداً إلى ولايتَي جاك شيراك الرئاسيتَين (1995 – 2007). كان بالإمكان تسمية الفيلم «انتقام السيّدة الأولى»، نظراً لحكاية التحوّل الملهمة التي يرويها، ولاحتفائه بصعود برناديت من قعر العتمة إلى ذروة الضوء.

يرتكز العمل السينمائي إلى الوقائع، ويلوّنها بحسٍّ عالٍ من الفكاهة وببعض الفنتازيا. لا يغوص في متاهات السياسة، بل يصبّ تركيزه على يوميات السيدة التي انتقلت من صفة «منبوذة»، إلى لقب «الشخصية النسائية المفضّلة لدى الفرنسيين».

كمَن يمنح نفسه صكّ براءةٍ مُسبَق، ينطلق فيلم «برناديت» بأغنية تقول: «ما سوف يلي هو في الأغلب قصة خياليّة». غير أن مَن واكبوا الرئيس الفرنسي الراحل جاك شيراك وزوجته برناديت (90 عاماً)، يعلمون كم أنه كان ممتلئاً بذاته، وقد نُقل عنه قوله المتكرّر لها: «كم أنتِ محظوظة لأنك تزوّجتِني».

برناديت شيراك وصديقتها سلحفاة حديقة الإليزيه (شركة كاري للإنتاج)

يُحكى أنّ شيراك لم يغازل برناديت يوماً، بل اكتفى بتشبيهها بالسلحفاة، معاتباً إياها على بطئها. وفي لفتة رمزيّة ضمن الفيلم، تطلّ سلحفاةٌ صغيرة من بين أعشاب الحديقة، لترافق السيّدة الأولى في رحلة شفائها من جراح الإهمال والاستخفاف بقدراتها.

يتّخذ الفيلم شكل الانتقام أما المضمون فيلعب على وتر النسويّة، من دون الغرق في رتابة السيرة الذاتية، وقد راقَ هذا الأمر كثيراً للممثلة الفرنسية كاترين دونوف. تبنّت «محبوبة الفرنسيين» مسيرة برناديت، بما فيها من لحظاتٍ طريفة ومواقف أليمة.

الملصق الرسمي لفيلم «برناديت» (شركة كاري للإنتاج)

هي سيّدة تجاوزت الـ60 من عمرها، وعليها أن تواجه رجال القصر، في طليعتهم زوجها. يتعمّق الصراع العائلي أكثر، إذ تقف ابنتها كلود في صفّ والدها مستشارةً له، فيشكّلان حلفاً ضدّ ظهور برناديت العلنيّ وتدخّلها في شؤون الرئاسة. ينزعج الجميع من تلك السيدة «القديمة الطراز»، وصاحبةِ اللسان السليط الذي لا يوفّر أحداً؛ تُشبّه رئيس الحكومة ألان جوبيه بـ«الفاكهة الجافّة»، وتلقّب خلَفَه دومينيك دو فيلبان بـ«نيرون».

لا شيء يخفض صوت برناديت، وعندما يأتون لها بمستشارٍ علّه يهدّئ من نبرتها، تتّخذ الأمور منحىً جديداً. يلعب مدير مكتب السيدة الأولى، برنارد نيكي، دوراً محورياً في معركتها الانتقاميّة. يتلاقيان على كونهما شخصَين مستبعدَين وغير مرغوبٍ فيهما، فينسجان معاً قصة نجاح تحجز للسيّدة شيراك مقعداً ذهبياً في قلوب الفرنسيين، ولاحقاً في قصر الإليزيه.

بمساعدة مستشارها الإعلامي خرجت السيدة الأولى إلى الضوء (شركة كاري للإنتاج)

إنها

حرب الثنائيات بين برنارد وبرناديت من جهة، وجاك شيراك وابنته كلود في المقابل. لكن رغم الشخصيات المشحونة ضدّ بعضها البعض، فإنّ ذلك لا ينعكس ثقلاً على المشاهدين، إذ يمرّ الفيلم بسلاسةٍ مدعومةٍ بالكوميديا والفواصل الموسيقية الراقصة.

لم تكتفِ برناديت بمسؤولياتها السياسية كعضو بلديّة ومستشارة في بلدة كوريز الفرنسية، بل قادت حملاتٍ إنسانية على امتداد الجمهورية الفرنسية. فبعد اكتشافها خيانة شيراك لها مع امرأة إيطالية ليلة وفاة الأميرة ديانا في باريس صيف 1997، قلبت الجرح انتفاضة وأطلقت مجموعةً من المبادرات الاجتماعية. على رأس المشاريع التي تبنّتها، «عملية القطع النقديّة الصفراء» وهدفُها تشجيع طلّاب المدارس على التبرّع بالمال للأطفال المرضى القابعين في المستشفيات.

المواجهة المستمرة بين برناديت شيراك وابنتها كلود (شركة كاري للإنتاج)

صحيحٌ أنها انطلقت من رغبةٍ في التقرّب من الناس وكسر صورة السيدة الأولى الباردة والمملّة، إلا أنها في المقابل حملت تلك القضايا بعاطفةٍ واهتمامٍ كبيرَين. وبدعمٍ من مستشارها ومن المصمّم كارل لاغرفيلد الذي أشرف على تفاصيل إطلالتها، وصلت «السلحفاة» بسرعة إلى قلوب الفرنسيين واحتلّت المرتبة الأولى فيها خلال 7 سنوات متتالية، وفق استطلاعات الرأي آنذاك.

شكّلت برناديت شيراك علامة فارقة في قافلة زوجات الرؤساء الفرنسيين، إذ لم تستطع واحدة منهنّ منافسة شعبيّتها. فاجأت الجميع بالانقلاب الذاتيّ الذي حقّقته، لكنّ صدمة زوجها بها بقيت صامتة، فاكتفى بالمراقبة عن بُعد محاولاً الاستفادة من شعبيّتها المستجدّة خلال حملته الرئاسية الثانية. صمّ آذانه عن آرائها ونصائحها السياسية، وتحصّنَ خلف شخصية فولاذيّة جسّدها الممثل ميشال فوييرموز بقدرٍ كافٍ من الإقناع، ومع حرصٍ من قِبَل المخرجة على عدم إطلاق الأحكام على شيراك وتحريض المُشاهد على شخصه.

السيّدة الفرنسية الأولى برناديت شيراك خلال احتفال في قصر الإليزيه عام 2006 (أ.ف.ب)

في تسعينها اليوم، اعتزلت شيراك الحياة العامة وقد تراجعت صحّتها كثيراً خلال العامَين الماضيَين. هي لم تشاهد بالتالي عودتها السينمائية، إلا أنّ ردّة فعل ابنتها كلود على الفيلم جاءت سلبيّة. ومن أبرز أسباب الاعتراض العائلي على الفيلم، تصويره كواليس حياة ابنة الثنائي شيراك الكبرى لورانس، والتي أمضت معظم سنواتها في مصحّة بسبب إصابتها بمرض فقدان الشهية العصبي.

هذا الجرح الذي أضيف إلى جراح برناديت الزوجيّة، تطرّقت إليه علناً للمرة الأولى في مذكّراتها الصادرة عام 2001. وقد تزامن قرار إصدارها سيرتها الذاتية، مع حملة زوجها الانتخابية الثانية؛ الأمر الذي فاقم الصدام بينهما.

تزامن إصدار برناديت شيراك لمذكّراتها مع حملة زوجها الانتخابية الثانية (شركة وارنر)

حتى اللحظة الأخيرة، أخذ جاك برأي برناديت في كل شاردة وواردة صغيرة؛ ممّا سيأكل إلى ما سيرتدي. لكنه في الشؤون الكبيرة، غيّبها حتى نهاية العهد، وهو لم يتوانَ عن إهانتها. ففي أحد مشاهد الفيلم، وفيما كانت تلقي كلمة في الإيليزيه، أرسل إليها ورقة كتب عليها: «اصمتي».

أما هي فأحبّته بمثابرةِ السلحفاة التي فازت بالسباق إلى قلوب الفرنسيين، وحقّقت الانتقام لذاتها والانتصار للأنثى المقموعة.


مقالات ذات صلة

شاشة الناقد: شخصيات مُحاصرة على وَقْع الحديد الحامي... والقطار لا ينتظر

سينما «خروج آمن»... حين يفوت قطار الحياة (ماد سوليوشن)

شاشة الناقد: شخصيات مُحاصرة على وَقْع الحديد الحامي... والقطار لا ينتظر

يحاصر المخرج محمد حمّاد شخصياته بأوضاع اجتماعية جادّة. ولأنها جادّة فهي أيضاً صعبة.

محمد رُضا (لندن)
يوميات الشرق صنّاع الفيلم خلال العرض الأول في مهرجان برلين (الشركة المنتجة)

المخرج الفرنسي آلين غوميز: فكرة «داو» بدأت من جنازة والدي

قال المخرج الفرنسي - السنغالي آلين غوميز إن فكرة فيلم «داو» الذي عُرض للمرة الأولى في النسخة الماضية من مهرجان «برلين السينمائي» تولدت خلال جنازة والده.

أحمد عدلي (برلين)
يوميات الشرق «لا أستطيع أن أشاهد نفسي»... ممثلون ندموا على أدوار قدّموها

«لا أستطيع أن أشاهد نفسي»... ممثلون ندموا على أدوار قدّموها

ممثلون كبار ندموا على أدوار قدّموها وتجاورت على رفوف منازلهم جوائز الأوسكار مع جوائز الراتزي عن أسوأ أداء... مَن هم هؤلاء النجوم؟

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق عرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان برلين السينمائي (الشركة المنتجة)

أولريكه أوتينغر: استوحيت «كونتيسة الدم» من زيارتي لمدن منسية

قالت المخرجة الألمانية أولريكه أوتينغر إن فكرة فيلم «كونتيسة الدم» لم تولد من رغبة مباشرة في تقديم عمل عن مصاصي الدماء، بل جاءت نتيجة رحلة شخصية.

أحمد عدلي (القاهرة )
يوميات الشرق عُرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان روتردام السينمائي (الشركة المنتجة)

شهريار سوميت: «ماستر» يرصد التحولات الاقتصادية في بنغلاديش

قال المخرج البنغالي رضوان شهريار سوميت، إن فيلمه «ماستر» جاء نتيجة مراقبة طويلة للتحولات الاقتصادية التي تشهدها بلاده.

أحمد عدلي (القاهرة )

متاحف الآثار المصرية تحتفي بالمرأة في يومها العالمي وعيد الأم

السلطانة ملك (وزارة السياحة والآثار)
السلطانة ملك (وزارة السياحة والآثار)
TT

متاحف الآثار المصرية تحتفي بالمرأة في يومها العالمي وعيد الأم

السلطانة ملك (وزارة السياحة والآثار)
السلطانة ملك (وزارة السياحة والآثار)

احتفت متاحف مصرية بالمرأة خلال شهر مارس (آذار) الحالي الذي وافق اليوم العالمي للمرأة في الثامن من الشهر، كما يوافق عيد الأم 21 من الشهر نفسه، عبر اختيار قطع أثرية لمقتنيات نسائية وتماثيل النساء من العصور القديمة، ومنسوجات عليها رسوم تجسد المرأة، وصور ومتعلقات من مكاحل وأمشاط وغيرها.

وتحتفي المتاحف المصرية بدور المرأة عبر التاريخ، وتسلّط الضوء على نماذج مشرّفة لنساء أسهمن بعطائهن وإنجازاتهن في خدمة المجتمع، وتركْن بصمات خالدة في مجالات العمل الإنساني والثقافي والحضاري، وفق بيان لوزارة السياحة والآثار، الجمعة.

ومن بين القطع الأثرية التي اختارتها بعض المتاحف لتكون قطعة شهر مارس، وفق تصويت إلكتروني لزوار المتاحف والجمهور، أبرز متحف مطار القاهرة الدولي تمثالاً صغيراً من البرونز للإلهة إيزيس وهي جالسة تُرضع طفلها حورس، ويعلو رأسها تاج يتكون من قرنين يتوسطهما قرص الشمس. وقد اتخذ المصريون القدماء من الإلهة إيزيس رمزاً للأمومة والحماية.

ويعرض متحف إيمحتب بسقارة تمثالاً للإلهة إيزيس في هيئة آدمية جالسة ترتدي تاج القرنين وقرص الشمس، وتحمل طفلاً صغيراً يمثل الإله حورس.

بينما يعرض متحف الإسماعيلية لوحة من الحجر الجيري تعود للدولة القديمة تمثل الثالوث المقدس في نقش بارز، حيث تظهر إيزيس على اليمين وحورس على اليسار، بينما يتوسطهما الملك ممثلاً للإله أوزيريس، في مشهد يعكس دور إيزيس كحامية للملك ولابنها حورس.

الثالوث إيزيس وأوزيريس وحورس (وزارة السياحة والآثار)

كما يعرض متحف كفر الشيخ (دلتا مصر) رأس تمثال من الجرانيت للملكة برنيكي الثانية، ابنة ماجاس حاكم قورينية والملكة أباما السورية، التي وُلدت عام 267 ق.م، وحكمت مصر في أثناء حرب الملك بطليموس الثالث ضد الملك سلوقس الثاني.

ويعرض متحف طنطا (دلتا مصر) تمثالاً من الحجر الجيري للإلهة تاورت، إلهة الحمل والإنجاب عند المصري القديم، التي صُوّرت في هيئة أنثى فرس النهر.

كما يعرض متحف الإسكندرية القومي تمثالاً من البرونز للإلهة إيزيس من العصر البطلمي، ويصورها في وضع الجلوس وهي تُرضع الطفل حربوقراط (حورس).

ويعرض متحف الأقصر للفن المصري القديم مرآة من البرونز كانت من أهم أدوات الزينة والتجميل منذ أقدم العصور، ويعرض متحف النوبة بأسوان تمثالاً من الغرانيت للأميرة آمونرديس، ابنة الملك كاشتا وأخت الملك بعنخي، التي شغلت منصب الزوجة الإلهية للإله آمون.

من المعروضات المتحفية المختارة في شهر مارس (وزارة السياحة والآثار)

ومن العصور الوسطى والعصر الحديث يعرض متحف الفن الإسلامي مكحلة من العاج المطعّم بالصدف ترجع إلى العصر المملوكي، ويعرض المتحف القبطي قطعة من النسيج القبطي تصور المرأة بأشكال مختلفة، ومن بينها قطعة تحمل صورة نصفية لسيدة بكامل زينتها، تحيط بها جامات زخرفية تضم طيوراً متنوعة.

بينما يعرض متحف المركبات الملكية ببولاق صورة فوتوغرافية من فترة حكم الأسرة العلوية، وهي صورة للسلطانة ملك، الزوجة الثانية للسلطان حسين كامل، التي لُقبت بـ«أميرة الفقراء وراعية الأيتام» تقديراً لأعمالها الخيرية الواسعة. وقد اشتهرت بعطائها الإنساني، خاصة خلال شهر رمضان.

أما متحف ركن فاروق بحلوان (جنوب القاهرة) فيعرض صورة فوتوغرافية للأميرة فوزية فؤاد التي اشتهرت بدعمها للأعمال الخيرية وحقوق المرأة، حيث تولت رئاسة مبرة محمد علي لفترة طويلة، وأسهمت في تنفيذ العديد من البرامج الخيرية لخدمة الفقراء وإنشاء المستشفيات ومكافحة الأوبئة.

بينما يعرض متحف المجوهرات الملكية بالإسكندرية لوحة زيتية للأميرة فاطمة ابنة الخديوي إسماعيل، التي تعد من أبرز الداعمين للتعليم في مصر، حيث تبرعت بمجوهراتها والأرض التي أُقيمت عليها الجامعة المصرية (جامعة القاهرة حالياً).

من القطع الأثرية التي تحتفي بالمرأة (وزارة السياحة والآثار)

ويعرض متحف جاير أندرسون بالسيدة زينب (وسط القاهرة) شكمجية من الخشب المطعّم بالصدف تتكون من درجين تعلوهما مرآة صغيرة بين قائمين، وترتكز على أربع أرجل تنتهي كل منها بشكل كروي ومذهّب.

ويعرض متحف الشرطة القومي بقلعة صلاح الدين مشطاً خشبياً مزيناً بزخارف هندسية ونباتية دقيقة ومطعّماً بالصدف، وقد زُيّن أحد جانبيه بثلاث جامات دائرية تتوسطها جامة كُتب بداخلها: «إن الشيطان لكم عدو مبين».

ويأتي تقليد اختيار قطعة الشهر في متاحف الآثار المصرية ليؤكد على التفاعل بين الجمهور الذي يختار القطع الأثرية عبر تصويت على «فيسبوك»، والعرض المتحفي، وتفاعل المتاحف مع المناسبات المختلفة المحلية والعالمية.


طوروس سيرانوسيان... صفحة من مجد الزمن الجميل تُطوى

أول مَن وضع لبنان على خريطة الفنّ العالمي (فيسبوك)
أول مَن وضع لبنان على خريطة الفنّ العالمي (فيسبوك)
TT

طوروس سيرانوسيان... صفحة من مجد الزمن الجميل تُطوى

أول مَن وضع لبنان على خريطة الفنّ العالمي (فيسبوك)
أول مَن وضع لبنان على خريطة الفنّ العالمي (فيسبوك)

قلّة من جيل اليوم تتذكّر اسم متعهّد الحفلات اللبناني من أصل أرمني طوروس سيرانوسيان، فهو شخصية فنّية عملت منذ الستينات حتى الألفية الثانية على تعزيز موقع لبنان الفنّي في العالم. وبرحيله تُطوى صفحة من مجد الزمن الجميل في لبنان، فصاحب اللقب الأحبّ إلى قلبه «وزير السياحة المتنقّل» أسَّس «مهرجانات جبيل» في أوائل السبعينات، وكذلك «مهرجانات دير القلعة»، ناشراً بذلك مفهوم الفنّ المناطقي من خلال إحياء حفلات ضمن المهرجانات. وكان يتذكّر تلك المرحلة راوياً: «عام 1970 قدّمت إلى وزارة السياحة طلباً لإقامة مهرجانات في جبيل. وافقت وأعطتني حقاً حصرياً لـ10 أعوام. صرفتُ أكثر من نصف مليون دولار، واشتريت من إنجلترا أجهزة صوت وإنارة. أضأتُ القلعة والطرقات المؤدّية إليها، فكتب رئيس بلدية جبيل الدكتور أنطوان شامي: (كان الشوك يفترش أرض قلعة جبيل فأنارها طوروس سيرانوسيان وجعل منها منارة)».

ومن خلال «بيت الفنان اللبناني» الذي أسَّسه عام 1987، خلق صلة وصل بين متعهّدي الحفلات في الخارج ونجوم لبنان.

كتب مذكراته في كتاب «مذكرات في ذكريات» (فيسبوك)

لم يكن يفصل بين علاقات العمل والصداقة، بل كان يفتخر بذلك ويقول: «ربحت صداقة جميع الفنانين اللبنانيين وأكثرية الفنانين العالميين». أما الأحبّ إلى قلبه من زمن الفن الجميل، فكانت الراحلة صباح التي تولّى إدارة أعمالها لـ30 سنة متتالية، فاحتلّت مكانة خاصة لديه؛ إذ كان يعدّها من أهم المطربات في العالم العربي.

وكان سيرانوسيان أول مَن استقدم نجوماً أجانب إلى لبنان، فقد أحضر شارل أزنافور 6 مرات، في حين زار جيلبير بيكو بيروت لإحياء 5 حفلات، وتفوّقت عليهما داليدا بإحيائها في مرحلة السبعينات 7 حفلات غنائية من تنظيم سيرانوسيان. وكذلك الأمر بالنسبة إلى ديميس روسوس، وراي تشارلز، وغلوريا غاينر. وكان في كلّ مرة يزور فيها باريس أو اليونان يتواصل مع هؤلاء النجوم محافظاً على صداقته معهم لعقود متتالية.

بالنسبة إليه، فإنّ «مهرجانات بيت الدين» هي الوحيدة التي استطاعت الحفاظ على مكانتها الرائدة بين المهرجانات الأخرى. في المقابل كانت لديه ملاحظات على مهرجانات لم تعرف، وفق رأيه، التعمُّق أكثر فيما يطلبه الجمهور اللبناني وما يراعي مشاعره الوطنية.

تولّى إدارة أعمال الراحلة صباح لـ30 سنة (فيسبوك)

ولم يكتفِ سيرانوسيان بإحياء حفلات لفنانين لبنانيين وغربيين بين لبنان والعالم، بل أسهم أيضاً في صناعة نجوم غناء. من بين هؤلاء الثنائي نينا وريدا بطرس في أوائل التسعينات. اكتشف موهبتهما بعدما حضر لهما حفلات فنّية، لا سيما أنّ الأختين كانتا قد فازتا بالميدالية الذهبية في برنامج «استوديو الفن» لهواة الغناء. وبذلك كان سيرانوسيان أول مَن أطلق ثنائياً غنائياً في لبنان والعالم العربي. ومن أشهر أغانيهما «لولي»، و«بأمارة إيه»، و«البلدي وبس».

وحرص الراحل على توثيق هذه المسيرة الطويلة في كتابه «مذكرات في ذكريات»، فاستعرض كواليس العمل مع العمالقة وأسرار صناعة المهرجانات الكبرى، ليكون مرجعاً للأجيال القادمة في إدارة الفنّ والترفيه. وضمَّ الكتاب سيرته الذاتية والمواقف الصعبة التي واجهها خلال مشواره.

وبرحيل طوروس سيرانوسيان يفقد لبنان أحد مؤسِّسي العمل النقابي والفنّي وداعمي المواهب الشابة. وكان الراحل وديع الصافي من أكثر المعجبين به، وقد وصفه بأنه «الرجل التاريخي في رفع اسم لبنان فنّياً وثقافياً».

وإثر إعلان وفاته، نعاه عدد كبير من معاصريه، بينهم الإعلامي والناقد الفنّي جمال فياض الذي كتب كلمات مؤثرة: «رحل طوروس سيرانوسيان... حبيبنا وصديقنا ورفيق الأيام الحلوة والزمن الجميل. رحل الطيب الآدمي، الفنان الذي احترم كلمته ووعده في كلّ عمل قام بإنتاجه. دعم وقدَّم كثيراً للفنانين في بداياتهم حتى نجوميتهم. طوروس الحبيب... نفسك في السماء».


حملة مصرية لتوثيق تجارب السائحين في المعالم التاريخية والطبيعية

جانب من الحملة الترويجية (وزارة السياحة والآثار)
جانب من الحملة الترويجية (وزارة السياحة والآثار)
TT

حملة مصرية لتوثيق تجارب السائحين في المعالم التاريخية والطبيعية

جانب من الحملة الترويجية (وزارة السياحة والآثار)
جانب من الحملة الترويجية (وزارة السياحة والآثار)

أعلنت وزارة السياحة المصرية إطلاق حملة ترويجية للمقاصد السياحية في مصر، تتضمن تصوير مقاطع فيديو للسائحين يوثقون فيها تجاربهم، ويتحدثون عن انطباعهم حول المقصد السياحي المصري الذي زاروه.

وتتضمن الحملة مقاطع فيديو في أماكن متنوعة، من بينها مقاصد تاريخية مثل المعابد والأهرامات ومناطق السياحة الثقافية عموماً، وكذلك مقاطع فيديو في السواحل المصرية؛ حيث السياحة البيئية والشاطئية والعلاجية وسياحة المؤتمرات.

وتأتي هذه الحملة، التي تنفذها الهيئة العامة للتنشيط السياحي بالتعاون مع الاتحاد المصري للغرف السياحية، في إطار توجيهات وزير السياحة والآثار المصري، شريف فتحي، بضرورة توثيق ونقل تجارب السائحين من مختلف الجنسيات بشكل يومي خلال زيارتهم الحالية لمصر، بما يعكس ما تنعم به البلاد من أمن وأمان واستقرار، ويبرز استمتاع الزائرين بتجاربهم السياحية، في ظل التطورات الإقليمية الراهنة، وفق بيان للوزارة، الجمعة.

وتسعى الحملة الإعلامية المصوّرة، التي انطلقت الخميس، إلى إبراز الأجواء الإيجابية والحركة السياحية بالوجهات المصرية؛ حيث تعتمد على تصوير مقاطع فيديو قصيرة مع السائحين بشكل يومي في عدد من الوجهات السياحية المختلفة، يتم نشرها عبر المنصات الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي التابعة للوزارة والهيئة والاتحاد والغرف السياحية.

كما تهدف المقاطع إلى التعرف على ردود فعل السائحين وانطباعاتهم، بما يُسهم في رصد مؤشرات الحركة السياحية في ظل الأحداث الإقليمية الراهنة، ودعم الجهود المبذولة للارتقاء بجودة الخدمات المقدمة للزائرين، وتعزيز تجربة السائح بالمقصد السياحي المصري.

فيديو من الحملة الترويجية أمام الأهرامات (وزارة السياحة والآثار)

وأكد رئيس الهيئة المصرية العامة للتنشيط السياحي، الدكتور أحمد يوسف، أن المقاطع التي يتم تصويرها مع السائحين تؤكد أن الصورة الذهنية للمقصد السياحي المصري ما زالت تعكس شعورهم بالأمن والأمان خلال الزيارة، مشيراً إلى أن الهيئة تحرص على نقل تجارب أكبر عدد من السائحين في الوجهات السياحية المصرية المختلفة.

ولفتت سوزان مصطفى، رئيس الإدارة المركزية للتسويق السياحي بالهيئة المصرية العامة للتنشيط السياحي، إلى أن هذه المقاطع تتيح نقل صورة حية ومباشرة للحركة السياحية في مصر، من خلال عرض التجارب الحقيقية للسائحين وانطباعاتهم خلال زيارتهم، وإبراز ما يتمتع به المقصد السياحي المصري من مقومات سياحية متنوعة وبيئة آمنة ومستقرة.

وعدّ الخبير السياحي المصري، محمد كارم، هذه الحملة «من أهم أدوات الترويج حالياً، وهي خطوة توثق تجربة السائحين في المقصد السياحي المصري».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «السائح لم يعد يعتمد على الإعلانات التقليدية، ولكنه ينجذب أكثر للتجارب الحقيقية، فحين نقدم تجارب حية وواقعية تنتقل بسهولة للسائحين الآخرين، وكأن السائح بمنزلة سفير لمصر في الخارج؛ يتحدّث عنها ويبرز تجربته فيها، بما يجذب سائحين آخرين إليها».

الغردقة من المقاصد السياحية المصرية الجاذبة للأجانب (وزارة السياحة والآثار)

وعدّ كارم أن «الهدف الأساسي من هذه الحملة توجيه رسالة بأن مصر دولة آمنة مستقرة تتمتع بالتنوع السياحي من حضارة وتاريخ وطبيعة، ما يُسهم في ترسيخ صورة ذهنية إيجابية للمقصد السياحي، وهو ما أتوقع أن ينعكس على زيادة معدلات الزائرين ومعدلات الإشغالات والإقبال على المقصد السياحي المصري».

ويُمثل قطاع السياحة أحد مصادر الدخل القومي المهمة لمصر، ووصل عدد السائحين الذين زاروا مصر العام الماضي إلى نحو 19 مليون زائر، وهو رقم قياسي لم تحققه من قبل، وتطمح مصر لجذب 30 مليون سائح سنوياً بحلول عام 2031، من خلال برامج ترويجية متنوعة، من بينها برنامج أطلق قبل فترة بعنوان «تنوع لا يضاهى» لتأكيد تنوع الأنماط السياحية التي تتمتع بها مصر، ومن بينها السياحة الثقافية والشاطئية والعلاجية والبيئية والترفيهية وسياحة المؤتمرات والسفاري.