«محمد المنيف» يحوّل مستودع ذكريات القرية إلى خرائط من جمال اللوحات

تجربة عمرها 6 عقود في الفن والصحافة

يعكف الفنان محمد المنيف على كتاب حول تجربة المرأة في الفن التشكيلي وتحولاتها من ملهمة إلى منافسة (الشرق الأوسط)
يعكف الفنان محمد المنيف على كتاب حول تجربة المرأة في الفن التشكيلي وتحولاتها من ملهمة إلى منافسة (الشرق الأوسط)
TT

«محمد المنيف» يحوّل مستودع ذكريات القرية إلى خرائط من جمال اللوحات

يعكف الفنان محمد المنيف على كتاب حول تجربة المرأة في الفن التشكيلي وتحولاتها من ملهمة إلى منافسة (الشرق الأوسط)
يعكف الفنان محمد المنيف على كتاب حول تجربة المرأة في الفن التشكيلي وتحولاتها من ملهمة إلى منافسة (الشرق الأوسط)

وسط مرسمه بمدينة الرياض، يقضي الفنان التشكيلي محمد المنيف جلّ يومه، ويعكف لساعات على استنطاق ذاكرته وانطباعاته واستمطار مخيلته. يعالج الألوان، ويطلق العنان لأفكاره، مسكوناً بقريته، ومحتفظاً بخزينة سخية من ذكريات الطفولة والصبا في مدارج حوطة سدير، حيث تلونت الصور في مخيلته بألوان الطبيعة البِكر، ومحفوفاً بلوحاته التي تملأ جدران بيته، بنحو 150 لوحة تزيّن تفاصيل المنزل، وتبعث الحياة والذكريات في أركانه. تجربة فنية عريضة، في معالجة المعاني والذكريات بالألوان واللوحات، لواحد من رواد الصف الثاني لأجيال الفن التشكيلي السعودي، التي بدأت في الستينات، وحافظت على وهجها حتى اليوم.

وزير الإعلام السعودي الأسبق الدكتور محمد عبده يماني يفتتح المعرض الثامن لمحمد المنيف عام 1981 (الشرق الأوسط)

المنيف: شرح اللوحات ليس إلا جزءاً يسيراً مما حوته خلال مراحل تنفيذها... وقليل من الفنانين يمنح مفاتيح فهمها (الشرق الأوسط)

البدايات حقل التجارب

البدايات بالنسبة إلى المنيف ليست نمطاً ثابتاً، فهي تختلف من فنان إلى آخر، بناء على ما يتلقاه في طفولته من اهتمام، وصولاً إلى مرحلة النضج والتجارب التي يتكئ عليها بعد ذلك. وفيما يتعلق ببدايات الحراك التشكيلي في السعودية، يحكي المنيف أن بوناً شاسعاً حدث بين بداياته المحدودة، التي لا يتعدى نشاطها برامج الجهات المعنية بالفن التشكيلي، ومنها الرئاسة العامة لرعاية الشباب التي أسست تلك البدايات ولملمت شمل الفنانين من جميع مناطق المملكة، وأشركت الفن التشكيلي في فعالياتها الثقافية العربية الدولية، وبين ما يتوفر بين يدي الفنان اليوم من الوسائل التي تنقل فنّه وتجربته إلى جمهور واسع، بالإضافة إلى وجود نقلة نوعية ترعاها مؤسسات سعودية رصينة لدعم القطاعات الفنية الواعدة.

مرسم التشكيلي محمد المنيف حيث يقضي جملة يومه ويعكف لساعات على استنطاق ذاكرته وانطباعاته واستمطار مخيلته (الشرق الأوسط)

الفن تجربة شخصية

الفن بالنسبة إلى المنيف، لا تقاليد عتيقة أو جديدة فيه، بل الواقع الذي يعيش فيه الفنان، يفرض عليه نوعية إبداعه، مشيراً إلى أن بعض الفنانين يتمسك بخط سير إبداعه وفق مصادر إلهامه، ويطور فيه نمطاً من التقارب بين مرحلة يتوازى فيها مع الجديد، دون أن يتخلى عن هوية بيئته وثقافة مجتمعه، مستشهداً في ذلك بتجارب عالمية وعربية ما زالت تعد بوصلة توجه المتلقي إلى مصدرها، ومشيداً بتجارب سعودية أبدعت في تحديث الفن، مثل الفنانة لولوة الحمود والفنانة مها الملوح والفنان أحمد ماطر.

ويرى المنيف أن الفنان المنتمي لثقافة مجتمعه لا يحتاج إلى رقيب، فهو يعمل بناء على رقيبه الذاتي، ويضيف: «نحن في وطننا ننتمي إلى نهج الجمال، واستنباطه من موروثنا الأدبي والبيئي، وليست لدينا قضايا غير الجمال بكل تفاصيله مع حرية التفاعل مع الآخر».

اللوحة في نظر المنيف تشبه الصندوق الأسود في الطائرة، لا تُعرف خباياها إلا حينما يمنحك الفنان المفاتيح لذلك، وليس على المتلقي أن يبحث عن فحوى ما أراده الفنان في لوحته، وإنما النظر إليها من زاويته الشخصية، ويعلق: «اللوحة في رأيي لا يمكن تفسيرها للمشاهد، وما نسمعه من الفنانين عند شرح لوحاتهم ليس إلا جزءاً يسيراً مما حوته خلال مراحل تنفيذها، من الفكرة ثم المعالجة في بنائها من خطوط وألوان قد لا يستحضرها الفنان بسهولة، وقد لا يرغب في كشف ما تخفيه، وقليل من يمنح تلك المفاتيح، فالنقطة في فضاء اللوحة تعني فكرة قد يُؤلَّف منها كتاب كامل».

الفن بالنسبة إلى المنيف لا تقاليد عتيقة أو جديدة فيه، بل الواقع الذي يعيش فيه الفنان يفرض عليه نوعية إبداعه (الشرق الأوسط)

بين الفنّ والصحافة

المنيف عاد مؤخراً لإقامة معرضه الشخصي العاشر، بعد انقطاع دام 4 عقود، عمل خلالها في الصحافة التي ركز فيها جهوده على متابعة الوسط الفني، والتشكيلي تحديداً، بالإضافة إلى علّة أخرى، زهّدت المنيف في إقامة المعارض، وهو ما وصفه بمرحلة الركود والتراجع التي واجهها الفن المحلي في جانب المعارض الشخصية، وما شاب المعارض الجماعية في مرحلة لاحقة من خلط وتقديم لأعمال فنية لا يرى في وجودها ما يشعل في نفسه الإحساس والحماس إلى المنافسة وتبادل الخبرة.

وعن تجربته مع الصحافة التي امتدت ما بين عامي 1976 و2020 ، يقول المنيف إن الصحافة التي عنيت بالفن التشكيلي كانت مبعث تنافس بين الصفحات في الصحف المحلية، رغم ما واجهته من نقص المصادر وشحّ الأنشطة ومشقة التواصل مع الفنانين في مختلف مناطق المملكة، فيما توفر منصات الإعلام الجديد اليوم فرصة ثمينة لإطلاق تجربة صحافية فريدة، تعنى بالفنون عموماً، وبكل فنّ على حدة.

150 لوحة من عمل الفنان محمد المنيف تزين جدران منزله في مدينة الرياض (الشرق الأوسط)

المرأة والفن... من ملهمة إلى منافسة

يعكف الفنان محمد المنيف الآن، على كتاب حول تجربة المرأة في الفن التشكيلي، ومن خلال ذلك يجد المنيف كل يوم ما يستحق إضافته إلى المحتوى. الأمر الذي أبطأ إنجازه وإصداره. يتضمن الكتاب حتى اللحظة مسيرة وبدايات علاقة المرأة بالفنون عبر القرون، وصولاً إلى الفنون التشكيلية بمسماها الحديث، الذي لم يكن مألوفاً في الفترات التاريخية السابقة، ويضم الكتاب نماذج من التشكيليات العربيات، من بينهن عدد بارز ومؤثر وفاعل من السعوديات.

ويحكي المنيف عن تحول المرأة في تجربتها الفنية، من ملهمة في كثير من اللوحات العالمية من عصر النهضة وما بعده، حيث كانت اللوحات تبرز المرأة كعنصر ذي قيمة، وتوثق تفاصيل جمالها ولبسها وزينتها، مثل لوحات غوغان، قبل أن تنخرط المرأة في مرحلة جديدة من المنافسة التي تتمثل في حضور طاغٍ في الفنون التشكيلية عالمياً ومحلياً، تحولت معها من كونها موضوعاً للوحة إلى منتجة لها، بلا تمييز في القدرات. خير مثال على ذلك ما حققته بعض السعوديات من حضور عالمي لفت أنظار المتابعين للمعارض.



«عين سحرية» و«نرجس» يتصدران مشاهدات مسلسلات رمضان

الملصق الترويجي لمسلسل «عين سحرية» (الشركة المنتجة)
الملصق الترويجي لمسلسل «عين سحرية» (الشركة المنتجة)
TT

«عين سحرية» و«نرجس» يتصدران مشاهدات مسلسلات رمضان

الملصق الترويجي لمسلسل «عين سحرية» (الشركة المنتجة)
الملصق الترويجي لمسلسل «عين سحرية» (الشركة المنتجة)

أظهرت نتائج «استطلاع الرأي» الذي أجراه مركز «بحوث ودراسات الرأي العام» بكلية الإعلام في جامعة القاهرة، تصدّر مسلسلي «عين سحرية»، المعروض في النصف الأول من موسم دراما رمضان، و«حكاية نرجس»، المعروض في النصف الثاني من الشهر، قائمة الأعمال الأكثر مشاهدة هذا العام. ووفق بيان صحافي صادر عن الكلية، يهدف الاستطلاع إلى قياس تقييم الجمهور المصري لدراما رمضان 2026.

ويواصل المركز تقييم الأعمال الدرامية سنوياً، ويُعد هذا العام الرابع على التوالي في إطار الرصد الأكاديمي، تحت إشراف الدكتورة وسام نصر، عميدة الكلية، والدكتورة سحر مصطفى، مديرة المركز.

وحسب البيان، أُجري الاستطلاع خلال الفترة من 15 إلى 27 مارس (آذار) 2026، على عينة قوامها 1100 مشارك من مشاهدي دراما رمضان في مصر. وتصدّر مسلسل «عين سحرية»، بطولة عصام عمر وباسم سمرة، قائمة «أفضل مسلسل رمضاني» لعام 2026، تلاه «حكاية نرجس» بطولة ريهام عبد الغفور وحمزة العيلي، ثم «صحاب الأرض» بطولة منة شلبي وإياد نصار، و«اثنين غيرنا» بطولة آسر ياسين ودينا الشربيني.

الملصق الترويجي لمسلسل «حكاية نرجس» (الشركة المنتجة)

وعلى صعيد الأعمال الفنية «الأكثر متابعة»، أظهرت نتائج الاستطلاع تصدّر مسلسل «حكاية نرجس» القائمة، يليه «الست موناليزا»، ثم «عين سحرية».

وأكدت الدكتورة ليلى عبد المجيد، العميدة الأسبق لكلية الإعلام بجامعة القاهرة، أن استطلاعات الرأي التي يجريها المركز لقياس اتجاهات الجمهور تجاه دراما رمضان تمثل «تقليداً إيجابياً» يسهم في دعم صناع القرار عند التخطيط للمواسم الدرامية المقبلة، لا سيما أنها تعكس تفضيلات الجمهور وذائقته.

وأضافت، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن المركز يعتمد على تمويل ذاتي كامل، ولا يتلقى دعماً من شركات الإنتاج، بما يضمن تجنب تضارب المصالح. وأشارت إلى أن الباحثين يعملون باستقلالية وموضوعية، وأن النتائج تعبّر عن شرائح متنوعة من الجمهور دون مجاملة أو تدخل.

من جانبها، أشادت الناقدة الفنية المصرية ماجدة خير الله بجهود المؤسسات التي أعلنت نتائج تقييم موسم رمضان 2026، موضحة أن هذه الدراسات، رغم أهميتها في التعبير عن توجهات شريحة من الجمهور وإفادتها لصناع الدراما، لا ينبغي أن تُقيد الجميع؛ إذ يظل التنوع عنصراً أساسياً، ويحتفظ الجمهور بحُرية اختيار ما يفضله.

وأرجعت ماجدة خير الله، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، تصدّر مسلسلات مثل «عين سحرية» و«حكاية نرجس» و«صحاب الأرض» إلى تنوع موضوعاتها، وجديّة معالجتها، إلى جانب عمق الطرح الدرامي، وتميّز الأداء التمثيلي لنجومها.

الملصق الترويجي لمسلسل «صحاب الأرض» (الشركة المنتجة)

وترى الدكتورة وسام نصر، عميدة كلية الإعلام، أن نتائج استطلاع المركز تعكس وعياً مجتمعياً بالقضايا المطروحة، مشيرة إلى أهمية الدور البحثي والمجتمعي الذي يؤديه مركز «بحوث ودراسات الرأي العام» في رصد اتجاهات الجمهور المصري، وتحليل أنماط تعرضه، وتفاعله مع المحتوى الدرامي.

وأضافت، في البيان الصحافي، أن المركز سيواصل جهوده البحثية خلال الفترة المقبلة، بما يعزز دور الجامعة في خدمة المجتمع.

من جانبها، أوضحت الدكتورة سحر مصطفى، مديرة المركز، أن النتائج تمثل مؤشراً دقيقاً لاتجاهات الجمهور، لا سيما في تقييم أفضل المسلسلات، بما يوفر «قاعدة معلومات» مهمة يمكن أن تسهم في تطوير صناعة الدراما في المواسم المقبلة، وفق بيان الكلية.

وأكدت الدكتورة سارة فوزي، أستاذة الدعاية والإعلان بكلية الإعلام في جامعة القاهرة، أن عينة الاستطلاع اتسمت بتنوع واضح من حيث العمر والمناطق والمستويين الاقتصادي والاجتماعي، إلى جانب النوع.

وأضافت لـ«الشرق الأوسط»، أن الاستطلاع شمل مختلف الأعمال الدرامية وصُنّاعها، حيث اختار الجمهور الأفضل دون أي توجيه، لافتة إلى أن النتائج أظهرت تنوع الذائقة الفنية لدى المصريين بين الدراما الوطنية، وقضايا المرأة، والتكنولوجيا، ومكافحة الجريمة، وسيادة القانون، وغيرها من الموضوعات الهادفة.

وشددت على أن الجهة القائمة على الاستطلاع محايدة وغير ربحية، مؤكدة أن نتائجه تمثل مرجعاً موثوقاً به يمكن أن يستند إليه صُنّاع الدراما في تحديد توجهات الجمهور خلال المواسم المقبلة.


رحيل «فاطمة كشري» أشهر كومبارس بالسينما المصرية يجدد سيرة «مظاليم الفن»

فاطمة كشري في أحد البرامج التلفزيونية (يوتيوب)
فاطمة كشري في أحد البرامج التلفزيونية (يوتيوب)
TT

رحيل «فاطمة كشري» أشهر كومبارس بالسينما المصرية يجدد سيرة «مظاليم الفن»

فاطمة كشري في أحد البرامج التلفزيونية (يوتيوب)
فاطمة كشري في أحد البرامج التلفزيونية (يوتيوب)

عادت سيرة «مظاليم الفن» إلى الواجهة، مع وفاة الفنانة فاطمة السيد عوض الشهيرة باسم «فاطمة كشري»، الأحد، عن عمر ناهز 68 عاماً، التي وصفت بأنها من أشهر الكومبارسات في السينما المصرية، وجاء رحيلها بعد معاناة مع المرض نتيجة إجرائها عملية جراحية، ورغم أدوارها المحدودة، فإنها تركت بصمة في ذاكرة المشاهدين.

وتصدر اسم «فاطمة كشري» قوائم «الترند» على منصة «غوغل» بمصر، الاثنين مع إعلان خبر رحيلها. ومع إبراز قنوات تلفزيونية خبر وفاتها استعاد كثير من مستخدمي «السوشيال ميديا» أدوارها في السينما منذ مشاركتها في فيلم «صراع الأحفاد» عام 1989، وحتى أدوارها في أفلام «بوحة» و«أحلى الأوقات» و«جواز بقرار جمهوري».

وعرفت الفنانة الراحلة بتجسيدها شخصية «بنت البلد» في أدوار قدمتها سواء عن طريق كومبارس صامت أو بجمل قليلة في بعض الأعمال السينمائية والدرامية، ونظراً لشهرتها استضافتها مجموعة من البرامج التلفزيونية تحدثت خلالها عن الأعمال التي شاركت فيها والفنانين الذين اقتربت منهم، وعن سيرتها الشخصية وتسميتها «فاطمة كشري» نسبة لعملها على عربة كشري مع زوجها قبل أن تتجه للفن، وهي السيارة التي عادت للعمل عليها في نهاية حياتها بعد تقليص حضورها في المجال الفني، وفق تقارير إعلامية محلية.

الفنانة الراحلة تتحدث عن حياتها في أكثر من برنامج (يوتيوب)

ويرى الناقد الفني المصري، أحمد سعد الدين أن الوسط الفني المصري به مشكلة كبيرة فيما يخص الاهتمام بأصحاب الأدوار الثانوية، ويضيف لـ«الشرق الأوسط»: «هذه المشكلة تجددت اليوم مع وفاة فاطمة كشري التي توصف بأنها أشهر كومبارس، لكن هذا يعيدنا إلى شخصية أخرى هي فايزة عبد الجواد، السيدة السمراء التي كانت تظهر في أدوار رئيسة العصابة أو ما شابه، ومطاوع عويس وحسن كفتة، وهي مجموعة من الكومبارس عاشوا مع السينما ما يقرب من 50 سنة، لكن للأسف يتعرضون لنهاية سيئة، بسبب النسيان والتهميش رغم عملهم في أهم الأفلام».

وتعد فايزة عبد الجواد (1940 - 2016) من أشهر من عمل أدواراً ثانوية في السينما المصرية، وقد اكتشفها الفنان رشدي أباظة أثناء تصوير فيلم «تمر حنة»، حيث كانت من سكان المنطقة التي يتم فيها تصوير الفيلم، ولعبت أدواراً مهمة في أفلام مثل «هنا القاهرة»، و«بكيزة وزغلول» و«القضية 85 جنايات».

فايزة عبد الجواد (موقع السينما دوت كوم)

ويتابع سعد الدين: «المخرج الكبير الراحل صلاح أبو سيف كان يوزع الأدوار ويطلب بالاسم ويقول مطاوع عويس يؤدي هذا المشهد، كان يختارهم بالاسم، وفاطمة كشري ينطبق عليها الأمر أيضاً، مثل هؤلاء معروف لصناع السينما، لكن ليس لهم مكان يحميهم، لا نقابة، ولا رعاية صحية، ولا خدمات تقدم لهم، وقد أثرنا هذا الموضوع عام 2008 ولكن للأسف لم نصل لشيء، والنقيب أشرف زكي أشار إلى قانون النقابة الذي يشترط حصول عضو النقابة على شهادة على الأقل (الثانوية العامة)، وهؤلاء معظمهم لم يكملوا تعليمهم».

ولفت الناقد الفني إلى أن «الكومبارس عددهم كبير للغاية، ولكنهم مهمشون، وليس لهم مكان في الهيكل الإداري لصناعة الفن، وهي مشكلة كبيرة نتحدث عنها منذ فترة طويلة، وطالبنا بتنظيم رابطة لهم أو نقابة لكن دون جدوى»، وتابع: «وفاة فاطمة كشري بصفتها واحدة من أشهر الكومبارسات في الوقت الحالي أعادت تلك القضية للواجهة، لكن يجب أن ننظر إلى هذه الفئة بطريقة تضمن لها حياة كريمة، حيث لا يجوز أن يصل بعضهم إلى سن السبعين ولا يجد عملاً أو دخلاً يعينه على الحياة».

وقدمت «فاطمة كشري» مجموعة من الأدوار في السينما والتلفزيون، من بينها أفلام «صابر وراضي»، و«محمد حسين»، و«ضغط عالي»، فيما قدمت في التلفزيون مسلسلات، من بينها «ونوس»، و«راس الغول»، و«نيللي وشيريهان».

الفنانة فاطمة كشري في أحد الأفلام (موقع السينما دوت كوم)

ويرى الناقد الفني المصري محمد عبد الرحمن أن «حالة الحزن على الفنانة (فاطمة كشري) التي ظهرت بشكل واسع على (السوشيال ميديا) تؤكد أن الفنان بصرف النظر عن مساحة ظهوره على الشاشة، يشعر الجمهور بهذا الفن وبموهبته»، ويضيف لـ«الشرق الأوسط» أن «من أسباب شهرة (فاطمة) طريقتها التلقائية في التعبير وهو ما ظهر في حواراتها التلفزيونية، ولا شك أن الجمهور عادة ما ينصف هؤلاء المظاليم عندما يودعهم بشكل لائق».

وبينما يصف الناقد الفني، أحمد السماحي، الكومبارس بأنهم «ملح الأرض في السينما المصرية»، إلا أنه أرجع «الاهتمام الكبير برحيل فاطمة كشري وتصدرها (الترند) إلى أن الساحة الفنية فارغة هذه الأيام، وبالتالي لم يجد مرتادو ومستخدمو مواقع التواصل الاجتماعي شيئاً بخلاف خبر رحيل (فاطمة كشري)»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «فاطمة كشري كان لها تاريخ في السينما المصرية لظهورها المتكرر في كثير من الأفلام والمسلسلات، لكنها تشبه مئات أو آلاف الكومبارس الذين مروا بتاريخ السينما المصرية»، ولفت إلى أسماء أخرى كان لهم حضور مؤثر مثل الأخوين عبد المنعم وحسين إسماعيل وغير ذلك.


الفنون الأدائية... دبلوم جديد يعرِّف الحركة بوصفها هوية

رقصة شعبية جنوبية بالدفوف (ورث)
رقصة شعبية جنوبية بالدفوف (ورث)
TT

الفنون الأدائية... دبلوم جديد يعرِّف الحركة بوصفها هوية

رقصة شعبية جنوبية بالدفوف (ورث)
رقصة شعبية جنوبية بالدفوف (ورث)

في لحظة ثقافية تتقاطع فيها أسئلة الهوية مع رهانات المستقبل، يفتح المعهد الملكي للفنون التقليدية (وِرث) نافذة جديدة على أحد أكثر الفنون حساسية، وتعقيداً: «الأداء الحركي» ليس مجرد رقصة، أو استعراض، بل يعد خطاباً بصرياً يحمل في طياته تاريخ المكان، وإيقاع الإنسان، وذاكرة الجماعة. ومن هذا الأفق يأتي إعلان «دبلوم متوسط في تصميم الأداء الحركي»، والذي يُقدِّم لأول مرة في المملكة مشروعاً ثقافياً متكاملاً يعيد تعريف العلاقة بين الجسد والتراث، وبين الحركة والمعنى.

من الفنون الشعبية إلى المختبرات الإبداعية

في المملكة لم تكن الفنون الأدائية يوماً مجرد ترف جمالي، بل كانت، كما تكشف التجارب التاريخية، أداةً للتعبير عن التحولات الاجتماعية، ومرآةً للبيئات المختلفة، من السواحل إلى الجبال. وهذه الفنون، التي توارثتها الأجيال شفهياً وحركياً، تحمل شفرات ثقافية دقيقة تتجلَّى في الإيقاع، واللباس، وحتى في ترتيب الصفوف أثناء الأداء.

رقصة شعبية على إيقاع الطبول تعكس تنوع الفنون الأدائية في السعودية (ورث)

من «العرضة» التي وُلدت من رحم المعارك، إلى «السامري» الذي يهمس بقصص الغزل، ومن «الخطوة» الجنوبية إلى «الدحة» الشمالية، يتشكل أرشيف حي من الحركات التي لا تُقرأ بالكلمات، بل تُفهم عبر الجسد نفسه. وهنا تحديداً يأتي الدبلوم الجديد ليحوِّل هذا الإرث من حالة التلقي إلى فضاء التحليل والإبداع.

برنامج يعيد صياغة العلاقة بين التراث والحداثة

يمتد البرنامج لعامين دراسيين (أربعة فصول)، ويُقدَّم حضورياً في مقر المعهد بحي الفوطة في الرياض، ضمن جدول صباحي، وبشكل مجاني للمواطنين السعوديين، في خطوة تعكس توجهاً واضحاً نحو دعم الثقافة، وإتاحتها.

لكن الأهم ليس في المدة، أو الشكل، بل في الفلسفة التي يقوم عليها البرنامج؛ إذ يهدف إلى صقل مخيلة الطلاب ليصبحوا مصممين حركيين قادرين على إنتاج أعمال أدائية معاصرة، دون أن يفقدوا صلتهم بالجذور.

المقررات لا تكتفي بتعليم تقنيات الحركة، بل تتجاوز ذلك إلى: تحليل الأساليب التقليدية والمعاصرة، وفهم الخصائص الثقافية للفنون الأدائية السعودية، والدمج بين الارتجال والتجريب والبناء الحركي المدروس، وإنتاج عروض مسرحية متكاملة ضمن فرق فنية.

وهي مقاربة تعليمية تجمع بين النظرية والتطبيق، وبين المختبر والركح، والتراث بوصفه مادةً، والفن بوصفه ممارسةً.

الجسد بوصفه أرشيفاً حياً

رقصة شعبية تعكس تراث المناطق الساحلية في السعودية (ورث)

ما يميز هذا التوجه أنه يتعامل مع الجسد بوصفه وعاء للذاكرة، لا أداة فقط. فكل حركة، كما يشير الباحثون في الفنون الأدائية، تحمل دلالة اجتماعية وثقافية، ويمكن قراءتها بوصفها وثيقة غير مكتوبة عن المجتمع.

في الفنون التقليدية السعودية، تتجسد هذه الفكرة بوضوح؛ إذ تعكس طريقة الاصطفاف في العرضة قيم التلاحم، في حين تكشف الإيقاعات البحرية عن علاقة الإنسان بالبحر، وتحكي الأزياء تفاصيل البيئة، والاقتصاد، وأنماط الحياة.

من هنا، يصبح «تصميم الأداء الحركي» عملية إعادة قراءة لهذا الأرشيف، ثم إعادة كتابته بلغة معاصرة.

صناعة جيل جديد من المصممين الحركيين

لا يقتصر طموح البرنامج على التعليم، بل يتجاوزه إلى بناء جيل جديد من «المصممين الحركيين»، وهو تخصص لا يزال في طور التشكل محلياً، يكونون قادرين على ابتكار عروض أدائية حديثة، وتوظيف التراث في سياقات معاصرة، ودعم المشهد الثقافي بعروض تجمع بين الأصالة والابتكار. وهي أهداف تتقاطع مع التحولات الكبرى التي يشهدها القطاع الثقافي في المملكة، حيث تتزايد الحاجة إلى كوادر قادرة على إنتاج محتوى فني يعكس الهوية، ويواكب في الوقت نفسه المعايير العالمية.

ما بين الذاكرة والمستقبل

في النهاية، لا يمكن قراءة هذا الدبلوم بمعزل عن السياق الأوسع الذي تعيشه المملكة ثقافياً؛ إذ لم يعد التراث مجرد مادة للحفظ، بل أصبح مادة للإنتاج، ومصدراً للإلهام، ومنطلقاً لصناعات إبداعية جديدة.

وبينما كانت الفنون الأدائية في الماضي تُنقل من ساحة إلى أخرى، ومن جيل إلى جيل، ها هي اليوم تدخل قاعات الدرس، لتُدرَّس، وتُحلَّل، وتُعاد صياغتها.

إنه انتقال من «الأداء بوصفه ممارسة» إلى «الأداء بوصفه معرفة»، ومن الحركة بوصفها عادةً، إلى الحركة بوصفها علماً وفناً في آنٍ واحد.