وسط مرسمه بمدينة الرياض، يقضي الفنان التشكيلي محمد المنيف جلّ يومه، ويعكف لساعات على استنطاق ذاكرته وانطباعاته واستمطار مخيلته. يعالج الألوان، ويطلق العنان لأفكاره، مسكوناً بقريته، ومحتفظاً بخزينة سخية من ذكريات الطفولة والصبا في مدارج حوطة سدير، حيث تلونت الصور في مخيلته بألوان الطبيعة البِكر، ومحفوفاً بلوحاته التي تملأ جدران بيته، بنحو 150 لوحة تزيّن تفاصيل المنزل، وتبعث الحياة والذكريات في أركانه. تجربة فنية عريضة، في معالجة المعاني والذكريات بالألوان واللوحات، لواحد من رواد الصف الثاني لأجيال الفن التشكيلي السعودي، التي بدأت في الستينات، وحافظت على وهجها حتى اليوم.


البدايات حقل التجارب
البدايات بالنسبة إلى المنيف ليست نمطاً ثابتاً، فهي تختلف من فنان إلى آخر، بناء على ما يتلقاه في طفولته من اهتمام، وصولاً إلى مرحلة النضج والتجارب التي يتكئ عليها بعد ذلك. وفيما يتعلق ببدايات الحراك التشكيلي في السعودية، يحكي المنيف أن بوناً شاسعاً حدث بين بداياته المحدودة، التي لا يتعدى نشاطها برامج الجهات المعنية بالفن التشكيلي، ومنها الرئاسة العامة لرعاية الشباب التي أسست تلك البدايات ولملمت شمل الفنانين من جميع مناطق المملكة، وأشركت الفن التشكيلي في فعالياتها الثقافية العربية الدولية، وبين ما يتوفر بين يدي الفنان اليوم من الوسائل التي تنقل فنّه وتجربته إلى جمهور واسع، بالإضافة إلى وجود نقلة نوعية ترعاها مؤسسات سعودية رصينة لدعم القطاعات الفنية الواعدة.

الفن تجربة شخصية
الفن بالنسبة إلى المنيف، لا تقاليد عتيقة أو جديدة فيه، بل الواقع الذي يعيش فيه الفنان، يفرض عليه نوعية إبداعه، مشيراً إلى أن بعض الفنانين يتمسك بخط سير إبداعه وفق مصادر إلهامه، ويطور فيه نمطاً من التقارب بين مرحلة يتوازى فيها مع الجديد، دون أن يتخلى عن هوية بيئته وثقافة مجتمعه، مستشهداً في ذلك بتجارب عالمية وعربية ما زالت تعد بوصلة توجه المتلقي إلى مصدرها، ومشيداً بتجارب سعودية أبدعت في تحديث الفن، مثل الفنانة لولوة الحمود والفنانة مها الملوح والفنان أحمد ماطر.
ويرى المنيف أن الفنان المنتمي لثقافة مجتمعه لا يحتاج إلى رقيب، فهو يعمل بناء على رقيبه الذاتي، ويضيف: «نحن في وطننا ننتمي إلى نهج الجمال، واستنباطه من موروثنا الأدبي والبيئي، وليست لدينا قضايا غير الجمال بكل تفاصيله مع حرية التفاعل مع الآخر».
اللوحة في نظر المنيف تشبه الصندوق الأسود في الطائرة، لا تُعرف خباياها إلا حينما يمنحك الفنان المفاتيح لذلك، وليس على المتلقي أن يبحث عن فحوى ما أراده الفنان في لوحته، وإنما النظر إليها من زاويته الشخصية، ويعلق: «اللوحة في رأيي لا يمكن تفسيرها للمشاهد، وما نسمعه من الفنانين عند شرح لوحاتهم ليس إلا جزءاً يسيراً مما حوته خلال مراحل تنفيذها، من الفكرة ثم المعالجة في بنائها من خطوط وألوان قد لا يستحضرها الفنان بسهولة، وقد لا يرغب في كشف ما تخفيه، وقليل من يمنح تلك المفاتيح، فالنقطة في فضاء اللوحة تعني فكرة قد يُؤلَّف منها كتاب كامل».

بين الفنّ والصحافة
المنيف عاد مؤخراً لإقامة معرضه الشخصي العاشر، بعد انقطاع دام 4 عقود، عمل خلالها في الصحافة التي ركز فيها جهوده على متابعة الوسط الفني، والتشكيلي تحديداً، بالإضافة إلى علّة أخرى، زهّدت المنيف في إقامة المعارض، وهو ما وصفه بمرحلة الركود والتراجع التي واجهها الفن المحلي في جانب المعارض الشخصية، وما شاب المعارض الجماعية في مرحلة لاحقة من خلط وتقديم لأعمال فنية لا يرى في وجودها ما يشعل في نفسه الإحساس والحماس إلى المنافسة وتبادل الخبرة.
وعن تجربته مع الصحافة التي امتدت ما بين عامي 1976 و2020 ، يقول المنيف إن الصحافة التي عنيت بالفن التشكيلي كانت مبعث تنافس بين الصفحات في الصحف المحلية، رغم ما واجهته من نقص المصادر وشحّ الأنشطة ومشقة التواصل مع الفنانين في مختلف مناطق المملكة، فيما توفر منصات الإعلام الجديد اليوم فرصة ثمينة لإطلاق تجربة صحافية فريدة، تعنى بالفنون عموماً، وبكل فنّ على حدة.

المرأة والفن... من ملهمة إلى منافسة
يعكف الفنان محمد المنيف الآن، على كتاب حول تجربة المرأة في الفن التشكيلي، ومن خلال ذلك يجد المنيف كل يوم ما يستحق إضافته إلى المحتوى. الأمر الذي أبطأ إنجازه وإصداره. يتضمن الكتاب حتى اللحظة مسيرة وبدايات علاقة المرأة بالفنون عبر القرون، وصولاً إلى الفنون التشكيلية بمسماها الحديث، الذي لم يكن مألوفاً في الفترات التاريخية السابقة، ويضم الكتاب نماذج من التشكيليات العربيات، من بينهن عدد بارز ومؤثر وفاعل من السعوديات.
ويحكي المنيف عن تحول المرأة في تجربتها الفنية، من ملهمة في كثير من اللوحات العالمية من عصر النهضة وما بعده، حيث كانت اللوحات تبرز المرأة كعنصر ذي قيمة، وتوثق تفاصيل جمالها ولبسها وزينتها، مثل لوحات غوغان، قبل أن تنخرط المرأة في مرحلة جديدة من المنافسة التي تتمثل في حضور طاغٍ في الفنون التشكيلية عالمياً ومحلياً، تحولت معها من كونها موضوعاً للوحة إلى منتجة لها، بلا تمييز في القدرات. خير مثال على ذلك ما حققته بعض السعوديات من حضور عالمي لفت أنظار المتابعين للمعارض.







