فيلم «ناقة»... حكاية تحذيرية بطلته تنجو من الموت بفضل حذائها

مشهد من الفيلم أثناء عرضه في القاعة الكبرى للمهرجان (الشرق الأوسط)
مشهد من الفيلم أثناء عرضه في القاعة الكبرى للمهرجان (الشرق الأوسط)
TT

فيلم «ناقة»... حكاية تحذيرية بطلته تنجو من الموت بفضل حذائها

مشهد من الفيلم أثناء عرضه في القاعة الكبرى للمهرجان (الشرق الأوسط)
مشهد من الفيلم أثناء عرضه في القاعة الكبرى للمهرجان (الشرق الأوسط)

بعد الاستماع إلى نصيحة أمها بأن تسلك الطريق المتعرجة، وتتفادى بِرَكَ الماء، وبألا تتحدث مع الذئب الكبير الشرير، تحملُ ذات الرداء الأحمر السلّة المملوءة بالفطائر اللذيذة، وتُسلِم قدميها إلى الطريق المتعرجة الموصلة إلى كوخ جدتها على الطرف الآخر من الغابة. في أثناء سيرها، تلتزم الطفلة بثلثي نصيحة أمها، ولكن تعجز عن إبقاء فمها مغلقاً عندما يبادرها الذئب بالسؤال عن وجهتها، فتخبره بأنها تحمل طعاماً إلى جدتها طريحة الفراش في كوخها في الناحية الأخرى من الغابة. وتضيف أن لكوخ جدتها باباً أخضر. وبينما ذات الرداء الأحمر تسير متمهلة مستغرقة في الغناء، يصل الذئب الجائع إلى كوخ الجدة... إلى نهاية القصة.

في 2004، أنجز المخرج بول هاغيس فيلمه «تصادم»، الذي اشترك في كتابة قصته مع بوبي موريسكو. وفاز «تصادم» بأوسكار أفضل فيلم. وكانت قائمة الممثلين والممثلات فيه مرصعة بالنجوم؛ ساندرا بولوك، ودون تشيادل، وجينيفير إسبوسيتو، ومات ديلون، وبريندان فريزر، وتِرنس هوارد، وثاندي نيوتن، وآخرين. أسماء كثيرة متعددة الخلفيات العرقية والإثنية والطبقية. تتقاطع وتتشابك حكاياتها بعضها مع بعض، لكن العلاقات بين أصحابها موسومة بالتوتر وملوثة بالتحيزات العنصرية والرهاب والجهل والأفكار المسبقة. هذا هو حال الشخصيات في البداية، لكن لأن التغير موضوع وثيمة كل القصص والروايات والأفلام، لا يبدو بعضها في النهاية كما كان في البداية. اقترب بعضها من بعض، إذ تحررت «نسبياً» من تحيزاتها والكره المتوارث وجهلها بالآخرين. تعرّض الفيلم لموجةٍ من الانتقادات لما اعتبره البعض تسطيحاً وتبسيطاً في معالجته لقضايا مثل العنصرية. انتقادات لا تفتقر إلى الصواب، لكنه يظل رغم ذلك فيلماً متميزاً وممتعاً، شاهدته قبل سنوات، وشاهدته مرة ثانية قبل كتابة هذه المقالة.

ما العلاقة بين قصة «ذات الرداء الأحمر» والفيلم «تصادم»؟ أتوقع أن يتشكل هذا السؤال في أذهان البعض. في الحقيقة، ثمة علاقة تربطهما، وتمتد منهما إلى مئات من الحكايات والقصص والأفلام، فكل منها يروي ما تسمى «حكاية تحذيرية cautionary tale». «ذات الرداء»، وكذلك «تصادم». وبقدر ما تهدف أفلام الحكايات التحذيرية إلى الإمتاع والترفيه، تقدم نفسها كمرايا مرفوعة - منصوبة في مواجهة الواقع، تتفيأ أن تكون قوة للتغيير، أو إثارة النقاش والجدل حول قضايا مجتمعية معينة، أو تقديم رسائل أخلاقية ودينية وسياسية، أو للتذكير بأن ما يتخذ من قرارات أو ما يرتكب من أخطاء وخطايا تكون لها نتائج وخيمة، أو قد تكون كذلك. تتوزع أفلام الحكايات التحذيرية على كل خانات التصنيف للأفلام السينمائية، وتشكل الغالبية العظمى من أفلام الرعب والإثارة.

يمكن القول إن فيلم «ناقة» للمخرج السعودي مشعل الجاسر حكاية تحذيرية. هكذا يبدو من وجهة نظري. ليس هذا إسقاطاً، إنما استنتاج مبني على ما يتوفر فيه من خصائص وعناصر الحكاية التحذيرية، كما أتمنى أن يبدو واضحاً في هذه القراءة.

لا أختلف مع من يرى أن ثمة جرأة في تقديم وتصوير الفيلم لفتاة تتعاطى المخدرات وتجرؤ على كسر التابو الديني والمجتمعي في نفس الوقت بالخروج مع صديقها في خلوة في الصحراء. لكن «ناقة»، من منظور آخر، يتضمن ما يبدو عقاباً قاسياً ومؤذياً نفسياً وجسدياً لبطلته سارة (أضواء بدر) لتجرؤها على كسر التابو، ممهدةً الطريق إلى ذلك بالكذب على والديها. لذلك لا يبدو «ناقة» ترويجاً للصداقة بين الجنسين ولخلواتهم سواء في الصحراء أو أي أمكنة أخرى. ولا يبدو أيضاً أن صانع الفيلم الضمني (صانع الفيلم كما أتصوره) ينظر بعين الرضا إلى العلاقة بين سارة وصديقها سعد (يزيد المجيول)، وإلى خروجهما إلى الصحراء، هذا ما استنتجه من سلسلة المواقف الصعبة والمخيفة التي تواجهها سارة بمفردها طوال الوقت، وتكاد تودي بها إلى الهلاك.

«النكبات» هي المفردة التي استخدمها المخرج مشعل الجاسر في وصف المواقف التي تتعرض لها سارة، في حديثه لصحيفة «الشرق الأوسط» (9 / 12 / 2023). يقول الجاسر عن «ناقة»: «لكن فيلمنا مختلف، فقصته تحدث في يوم واحد، ويمكن وصفه بالنكبات المتتالية، إذ تبدأ بموعد غرامي وتنتهي بكابوس غرامي». في الواقع إن ما يحدث لسارة كابوس لا علاقة له بالغرام. كابوس عاشته وحدها لساعات، أما صديقها سعد فلم يكن سوى نكبة من تلك النكبات التي تتعرض لها، وخيبة أمل يُعَبِّر عنها قولها صارخةً في وجهه: «والله إني مجنونة رايحة ويا واحد رخمة نص البر». أعجبتني فكرة «النكبات»، بمعنى المواقف الصعبة المُتحدية والمرعبة، وسأستمر في استخدامها إلى النهاية.

نجوم الفيلم أضواء بدر ومشعل الجاسر ويزيد المجيول (الشرق الأوسط)

لفت انتباهي تَركز النكبات في المسافة الزمنية بين خروج الصديقين من النفق ليتوغلا في الظلام حيث «الحُوار - الجمل الصغير» في انتظارهما، وبين لحظة دخول سارة النفق راكضة من دون سعد «الرخمة» لتخرج في نهايته على نور الخلاص والنجاة من النكبات الصحراوية لتصبح بالتالي، وبمفردها كما كانت سابقاً، في مواجهة ما قد يكون نكبة، أو أم النكبات، كامنة في انتظارها إذا لم تصل إلى سوق العويس في الساعة (9:59)، الموعد الذي حدده أبوها لعودتها، كسندريلا ذات الرداء الأسود، التي كان حذاؤها أحد عوامل نجاتها من الموت تحت أخفاف الناقة الغاضبة.

يؤدي اصطدام سيارة الصديقين بالجمل الصغير ثم نحره من قبل الراعي السوداني دوراً مهماً في تطور الحدث في الفيلم؛ أولاً، لكونه الشرارة التي أشعلت حقد وغضب الناقة، أي سبب النكبة الكبرى، الموقف الأشد صعوبة وتهديداً لحياة سارة، مواجهة سارة الوحيدة في ليل الصحراء مع الناقة الغاضبة في أعقاب النكبة التي تعرضت مع سعد لها، وهي إلقاء الشرطة القبض عليه لتبقى سارة تواجه خطر الموت وحدها بعد انقطاع السبل بها. وثانياً، بالإضافة إلى أنه السبب في النكبة التي كادت تودي بسارة إلى الموت والهلاك، ينبئ موت الحوار بموت الناقة أمه في حادث يكون أحد عوامل خروج سارة من الصحراء والعودة إلى الرياض عندما يقلها سائق سيارة المثلجات من موقع الحادث إلى أحد المستشفيات على الرغم من رفضها، لذا تهرب عند توقفه ودخوله المستشفى لاستدعاء من يسعفها.

لم يكتف صانع الفيلم بالمواجهة بين سارة والناقة كذروة تعقد الأحداث في الفيلم، والصراع بين سارة والطبيعة - الصحراء - الناقة، إنما استخدمها (المواجهة) أداة لكسر خطية السرد، بتجزؤ مشهد المواجهة إلى 3 أجزاء، بكلمات أخرى، إلى 3 سلاسل من اللقطات «مشهد الولادة، والجزء الأول والجزء الثاني من المواجهة»، واستخدام اثنتين منهما (السلاسل) في سرد استباقي (فلاش فوروارد) بانتزاعهما من موقعهما في التسلسل الزمني للأحداث (القصة) ووضعهما في موقعين مختلفين في زمن السرد - الخطاب في الفيلم.

فمشهد «فلاش فوروارد» ولادة الناقة يَرِدُ مبكراُ جداً للمرة الأولى، خلال الدقيقة الرابعة من بداية الفيلم - زمن السرد، مفصولاً عما قبله وعما بعده. ثم تتكرر الولادة في الجزء الثاني من مشهد المواجهة بين سارة والناقة، نحو الساعة الثامنة مساء وفقاً لزمن الحدث، وبعد ساعة و15 دقيقة من زمن الفيلم - السرد، بعد هروب المحتفلين لسبب مداهمة الشرطة للاحتفال وتوقف سيارة سعد لنفاد الوقود في البر. ثم يظهر الحوار الوليد للمرة الثالثة قرب مكان الحادث الذي أنهى حياة أمه. أما الاستباق الأول، الجزء الأول من مشهد المواجهة، فيبدأ في الدقيقة 33 (32:34) من زمن السرد، بُعَيْد وصول سعد وسارة للمخيم، وهما في طريقهما الى مكان الحفل، الساعة (06:32) من زمن القصة - الأحداث.

يبدو أن تقطيع وتوزيع مشاهد المواجهة وولادة الناقة وموتها على رقعة الخطاب للتأكيد على مركزية الناقة في الفيلم بجعلها أمام المشاهد من البداية إلى النهاية، بالإضافة إلى كسر خطية السرد.

ليس في «ناقة» سوى نكبات تواجه سارة أنى تلتفت، حتى المخيم حيث الاحتفال الذي يفترض أن تقتنص خلاله لحظات من البهجة، كان فضاءً مزروعاً بنكبات متتالية وجدت سارة نفسها وحيدة في مواجهتها، بداً من هلوستها تحت تأثير المخدر، والاختفاء الأول الغامض لسعد، ودخولها في شجار ومشادة كلامية مع الشاعر الدعي أبو فهد حمد الوسواس (جبران الجبران) ومع فتاتين في الحفل، وتحرش شابين بها، عرض أحدهما «تضبيطها»، قبل أن تتعرض للتحرش من قبل الشبان الثلاثة أمام محل تأجير الدبابات.

«ناقة» حكاية تحذيرية، تبدو فيها النكبات التي تمر بها سارة وتنجو منها كالعقاب على كسرها التابو والكذب على والديها. اللافت أن هجوم الناقة على سارة يبدأ مباشرة بعد إنهائها اتصال أمها بها، مدعية - كاذبة أن صديقتها هديل تناديها. لكنها نجت من أم النكبات بسبب اندلاع حريق في سوق العويس.


مقالات ذات صلة

المخرج الفلسطيني أحمد الدنف: نوثّق حياة غزة بعيداً عن صورة الحرب

يوميات الشرق أحمد الدنف خلال التصوير (فيسبوك)

المخرج الفلسطيني أحمد الدنف: نوثّق حياة غزة بعيداً عن صورة الحرب

الاستمرار في ظلّ هذه الظروف ليس سهلاً، لكنه مدفوع بإحساس عميق بالمسؤولية قبل الشغف.

أحمد عدلي (القاهرة)
سينما «العميل السري»... حكاية رجل على قائمة الموت

«العميل السري»... حكاية رجل على قائمة الموت

تقع أحداث «العميل السري» في البرازيل عام 1977. خلال تلك الفترة هيمنت الديكتاتورية العسكرية على الحياة المدنية، وبسطت سلطتها عبر الخوف والعنف معاً.

محمد رُضا (لندن)
سينما شاشة الناقد - التشويق بلا عمق: مفارقات السينما بين الإبهار والجوهر

شاشة الناقد - التشويق بلا عمق: مفارقات السينما بين الإبهار والجوهر

في فيلم «الطيور» (The Birds)، لم يكترث ألفرد هيتشكوك بتوفير سبب لثورة طيور النورس والغربان على سكان بلدة ساحلية في ولاية كاليفورنيا.

محمد رُضا (لندن)
يوميات الشرق تدور أحداث الفيلم خلال أسبوع واحد (الشركة المنتجة للفيلم)

إيزابيلا بيتروفا: «الضائعة» محاولة إنسانية للتصالح مع الماضي

قالت المخرجة البلغارية إيزابيلا بيتروفا إن فيلمها «الضائعة» يقوم على فكرة مواجهة الماضي والتصالح مع ما نحاول الهروب منه طويلاً.

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق ما غاب... يتقدَّم في المشهد (الشرق الأوسط)

«?Do You Love Me»... مونتاج الذاكرة في هدنة غير مستقرّة

يعتمد الفيلم (يُعرض حصرياً في سينما «متروبوليس») بنية مونتاجية مُحكَمة المعالم، حيث تتوالى اللقطات من دون روابط سببية مباشرة...

فاطمة عبد الله (بيروت)

المخرج الفلسطيني أحمد الدنف: نوثّق حياة غزة بعيداً عن صورة الحرب

أحمد الدنف خلال التصوير (فيسبوك)
أحمد الدنف خلال التصوير (فيسبوك)
TT

المخرج الفلسطيني أحمد الدنف: نوثّق حياة غزة بعيداً عن صورة الحرب

أحمد الدنف خلال التصوير (فيسبوك)
أحمد الدنف خلال التصوير (فيسبوك)

قال المصوّر والمخرج الفلسطيني أحمد الدنف إنّ فكرة فيلم «ضايل عنا عرض» بدأت مع مخرجته مي سعد، التي كانت تسعى في البداية إلى توثيق ما يحدث داخل غزة عبر تسجيلات صوتية تعكس تفاصيل الحياة اليومية، قبل أن تتطوّر الفكرة لاحقاً إلى مشروع بصري، لافتاً إلى أنّ التعارف بينهما حصل عن طريق المصوّر محمد سالم، وكان نقطة تحوّل مع اقتراح تحويل المشروع إلى تصوير فيديو، ومن خلاله جرى التواصل مع عدد من المصوّرين داخل القطاع.

وأضاف الدنف، الذي لا يزال موجوداً داخل غزة، لـ«الشرق الأوسط»، أنه تلقّى الفكرة بشكل مباشر من مي سعد، التي كانت تتابع عمل فريق السيرك في القطاع، مشيراً إلى أنه شَعَر منذ اللحظة الأولى بأنّ المشروع مختلف وقريب من روحه؛ لأنه لا يركّز على الحرب بقدر ما يسلّط الضوء على الحياة داخل غزة.

وأكد أن ما جذبه للمشاركة هو صدق الفكرة وبساطتها؛ إذ يسعى الفيلم إلى الاقتراب من الناس وتفاصيلهم ومحاولاتهم المستمرة للتمسّك بالحياة، لينطلقوا في العمل على المشروع خطوة خطوة حتى خرج بالشكل الذي يُعبّر عنهم، ويحكي قصتهم.

المخرج والمصوّر الفلسطيني أحمد الدنف صوَّر غزة من زاوية أخرى (فيسبوك)

الفيلم، الذي حصد عدداً من الجوائز، وعُرض للمرة الأولى في النسخة الماضية من مهرجان «القاهرة السينمائي»، صُوِّر في غزة عام 2024 خلال الحرب، ويتتبّع «سيرك غزة الحرّ» الذي أسّسته مجموعة من الشباب الفلسطينيين الذين رفضوا الاستسلام لليأس رغم الإبادة الجماعية التي يشهدها القطاع، وبين الملاجئ والشوارع المهدّمة وركام المباني المنهارة يواصلون تقديم عروضهم للأطفال، ويذهبون إليهم في كلّ مكان ليمنحوهم لحظات من الفرح والأمل في ظلّ قسوة الواقع الذي يعيشونه.

ووصف الدنف تجربته في العمل مع المخرجة مي سعد بأنها «مميّزة»، لكونها اعتمدت على الثقة والتفاهُم منذ البداية، مع تمتّعها بحسّ إنساني عالٍ، وحرصها على تقديم القصة بصدق من دون مبالغة أو استغلال، وهو ما عدَّه عنصراً مهماً، إلى جانب مساحة واسعة للنقاش وتبادل الأفكار، التي منحته حرّية كبيرة بكونه مصوّراً للعمل انطلاقاً من إحساسه وقربه من الواقع الذي يعيشه في غزة، في مقابل وضوح الرؤية الإخراجية لديها، الأمر الذي خلق توازناً بين الرؤية والتنفيذ.

وأكد أنّ التصوير داخل غزة يُمثّل تحدّياً مستمراً، ليس فقط على المستوى التقني، بل على المستويين الإنساني والنفسي أيضاًح لأنهم عملوا في ظروف غير مستقرّة، من بينها انقطاع الكهرباء، وصعوبة التنقل، ووجود مخاطر أمنية في أيّ لحظة، إلى جانب محدودية الإمكانات التي شكّلت تحدّياً إضافياً، سواء على مستوى المعدات أو الموارد، ممّا فرض عليهم البحث الدائم عن حلول سريعة ومرنة لمواصلة العمل دون فقدان اللحظة.

المخرجة مي سعد خلال مناقشة الفيلم في مهرجان «مالمو» (حساب الدنف في «فيسبوك»)

ولفت إلى أنّ التحدّي الأكبر تمثّل في الحفاظ على التوازن بين توثيق الحقيقة واحترام مشاعر الناس، في ظلّ التعامل مع قصص حسّاسة، وهي تحدّيات يرى أنها منحت الفيلم قوته وصدقه، مع أمنيته بأن يرى الجمهور غزة من زاوية مختلفة، ليس فقط على هيئة أرقام أو أخبار، بل حياة حقيقية مليئة بالمشاعر والأحلام.

وأوضح أنّ الفيلم يُمثّل محاولة للتأكيد على أنّ هناك دائماً مساحة للحياة والفنّ والأمل حتى في أقسى الظروف، مشيراً إلى أنّ عنوان «ضايل عنا عرض» يعكس فكرة الاستمرار والتمسك بالحياة.

وعن تكريمه في مهرجان «الإسكندرية السينمائي للفيلم القصير»، قال الدنف إنه استقبل الخبر بمشاعر مختلطة بين الفرح والمسؤولية؛ لأنّ التقدير في ظلّ هذه الظروف الصعبة يحمل قيمة كبيرة، لكنه في الوقت عينه ليس إنجازاً فردياً، بل يعود إلى كلّ مَن شارك في هذه الرحلة، ولكلّ الأشخاص الذين وثَّق قصصهم؛ لأنّ المهرجان يتمتّع بمكانة مهمّة، وحضوره فيه يُمثّل رسالة بأنّ الصوت والصورة القادمين من غزة قادران على الوصول إلى منصات مؤثرة.

وأشار إلى أنّ التكريم، على المستوى الشخصي، يُمثّل تقديراً لمسيرة مليئة بالتحدّيات، بينما يمنحه مهنياً دفعة للاستمرار والتطور، مع شعور متزايد بالمسؤولية لتقديم أعمال على قدر الثقة.

وعن فيلم «الرجل الذي يطعم أطفال غزة»، أوضح الدنف أنه يأتي في إطار تسليط الضوء على قصص إنسانية حقيقية من داخل غزة، ويركّز على شخصية حمادة شقورة، الذي اختار، رغم الظروف الصعبة، تكريس جهده لتوفير الطعام للأطفال، مشيراً إلى أنه نموذج إنساني بسيط لكنه عميق، وأن قطاع غزة مليء بالقصص الإنسانية الملهمة والمؤثرّة عالمياً.

وأكد أنّ ما جذبه لهذه القصة هو ابتعادها عن الصورة النمطية للحرب، وتركيزها على قيم التضامن والعطاء، خصوصاً تجاه الأطفال، لافتاً إلى أنّ الفيلم توثيقي بحت، قائم بالكامل على الواقع من دون إعادة تمثيل أو تدخُّل درامي، حيث اعتمد على الملاحظة والتوثيق المباشر، مع حضور الجانب السينمائي فقط في الاختيارات البصرية من دون المساس بحقيقة الحدث.

فيلم «ضايل عنا عرض» شارك في «مالمو للسينما العربية» (إدارة المهرجان)

وعن أكثر المشاهد تأثيراً، أشار إلى لحظات انتظار الأطفال للطعام، وما تحمله من مزيج بين الحاجة والأمل، مؤكداً أنّ هذه التفاصيل الصغيرة تحمل ثقلاً إنسانياً كبيراً.

وأكد أنّ تجربة التصوير في غزة تعني العيش داخل الواقع نفسه، وليس مجرد توثيقه، وهو ما يفرض مسؤولية مضاعفة، في ظلّ صعوبة التوازن بين كونه جزءاً من القصة ومصوراً يسعى إلى نقلها بصدق، لافتاً إلى تعرّضه لخسائر كبيرة في معدّاته نتيجة القصف، حيث فقد جزءاً منها مع تدمير منزله، ثم خسر معدات أخرى وسيارته خلال النزوح؛ ما شكّل تحدّياً إضافياً على المستوى المهني.

وأشار إلى أنه لم يكن أمامه خيار سوى الاستمرار؛ لأنّ القصة كانت دائماً أهم من الأدوات، واضطر إلى العمل بالإمكانات المتاحة رغم صعوبتها؛ لأن محدودية الإمكانات قد تؤثر تقنياً في جودة الصورة، لكنها أحياناً تمنحها قوة أكبر لجهة الإحساس والصدق، وهو ما تحقّق عبر اعتماده على حلول بديلة مثل الإضاءة الطبيعية، وتبسيط أسلوب التصوير، والتركيز على اللحظة.

وختم حديثه بالتأكيد على أنّ الاستمرار في ظلّ هذه الظروف ليس سهلاً، لكنه مدفوع بإحساس عميق بالمسؤولية قبل الشغف، مع رؤيته لنفسه جزءاً من الواقع في ظلّ وجود قصص لا بد أن تُروى؛ ما يدفعه إلى مواصلة العمل رغم كلّ التحدّيات.


لماذا يشعر مصريون بزلازل جزيرة كريت اليونانية؟

منطقة شمال مصر لا تقع ضمن نطاق نشاط زلزالي مباشر (تصوير: عبد الفتاح فرج)
منطقة شمال مصر لا تقع ضمن نطاق نشاط زلزالي مباشر (تصوير: عبد الفتاح فرج)
TT

لماذا يشعر مصريون بزلازل جزيرة كريت اليونانية؟

منطقة شمال مصر لا تقع ضمن نطاق نشاط زلزالي مباشر (تصوير: عبد الفتاح فرج)
منطقة شمال مصر لا تقع ضمن نطاق نشاط زلزالي مباشر (تصوير: عبد الفتاح فرج)

ضرب زلزال بقوة 5.77 درجة على مقياس ريختر، صباح الجمعة، منطقة شمال مدينة مرسى مطروح المصرية (شمال غربي مصر) المطلة على البحر المتوسط، بالتزامن مع هزة أرضية شهدتها جزيرة كريت اليونانية، دون تسجيل خسائر في الأرواح أو الممتلكات.

وأعلن المعهد القومي للبحوث الفلكية والجيوفيزيقية في مصر، أن محطات الشبكة القومية لرصد الزلازل سجلت الهزة على بُعد نحو 412 كيلومتراً شمال مرسى مطروح، في تمام الساعة 5:18 صباحاً بالتوقيت المحلي، وعلى عمق 26.85 كيلومتر.

وأوضح المعهد، في بيان، أن بعض المواطنين شعروا بالهزة بشكل خفيف، دون وقوع أي أضرار.

وفي التوقيت ذاته تقريباً ضرب زلزال بقوة 5.7 درجة الساحل الجنوبي لجزيرة كريت في اليونان. وذكر معهد الجيوديناميكا التابع للمرصد اليوناني في أثينا، أن مركز الزلزال وقع على بُعد نحو 23 كيلومتراً جنوب غربي مدينة لاسيثي، وعلى عمق 9.7 كيلومتر، دون ورود تقارير فورية عن إصابات أو أضرار.

وكانت مدينة مرسى مطروح قد شهدت قبل أسبوعين هزة أرضية أخرى، وقعت على بُعد 659 كيلومتراً شمال غربي المدينة، يوم 8 أبريل (نيسان) الحالي عند الساعة 1:35 مساءً بالتوقيت المحلي، وبلغت قوتها 4.8 درجة على مقياس ريختر. وأكد المعهد القومي للبحوث الفلكية آنذاك عدم تلقيه أي بلاغات بشأن الشعور بالهزة داخل مصر، وعدم تسجيل أي خسائر.

«مسافة آمنة»

من جانبه، قال الدكتور شريف الهادي، رئيس قسم الزلازل بالمعهد القومي للبحوث الفلكية، إن جزيرة كريت اليونانية تُعد من أكثر المناطق نشاطاً في الهزات الأرضية في حوض البحر المتوسط وعلى مستوى العالم؛ نظراً لموقعها الجيولوجي الفريد الذي يضعها في قلب حزام «شرق المتوسط» الزلزالي النشط، ما يؤدي إلى تكرار حدوث الهزات الأرضية فيها.

وأضاف في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن منطقة شمال مصر لا تقع ضمن نطاق نشاط زلزالي مباشر، وأن الهزة التي شعر بها سكان مرسى مطروح بشكل خفيف تعود إلى تأثر المنطقة بنشاط زلزالي من مكان آخر، مصدره جزيرة كريت، الواقعة ضمن هذا الحزام الزلزالي النشط.

شدة الشعور بالزلازل تتراجع كلما زادت المسافة بين مركز الزلزال والحدود المصرية (تصوير: عبد الفتاح فرج)

وأوضح أن شدة الشعور بالزلازل تتراجع كلما زادت المسافة بين مركز الزلزال والحدود المصرية، مشيراً إلى أن زلزال كريت الأخير وقع على «مسافة آمنة» تتجاوز 400 كيلومتر من أقرب نقطة للحدود المصرية.

وأكد رئيس قسم الزلازل بالمعهد القومي للبحوث الفلكية، أن مصر تقع على «مسافة آمنة» جغرافياً من حزام «شرق المتوسط» الزلزالي، وهو ما يفسر عدم شعور سكان مصر في أغلب الأحيان بالهزات الخفيفة المتكررة التي تضرب جزيرة كريت، خصوصاً مع وقوع معظمها على أعماق ضحلة داخل البحر، حيث تُمتص نسبة كبيرة من طاقتها؛ لذلك يقتصر التأثير غالباً على الإحساس بالهزات المتوسطة أو القوية التي تضرب كريت، لكن دون تسجيل أضرار في البنية التحتية بمصر، نتيجة تشتت الطاقة الزلزالية قبل وصولها إلى اليابسة.

وأشار الهادي إلى أن درجة الإحساس بهذه الهزات الأرضية داخل مصر تختلف باختلاف طبيعة التربة والتركيب الجيولوجي؛ فالموجات الزلزالية تمر بسرعة أكبر عبر الصخور الصلبة في المناطق الجبلية، ما يقلل الإحساس بها، في حين تتباطأ وتزداد شدتها عند انتقالها إلى التربة الرسوبية الرخوة في وادي النيل والدلتا، وهو ما يطيل مدة الاهتزاز ويزيد من الإحساس به، خصوصاً لدى سكان المباني المرتفعة، وتزداد احتمالات الشعور بالهزات في المدن الساحلية مثل الإسكندرية ومرسى مطروح؛ نظراً لقربهما الجغرافي من سواحل البحر المتوسط.


حركات بطيئة... نتائج أقوى: تمارين خفيفة تُعزّز العضلات بلا إرهاق

الجهد الذكي طريقٌ أقصر للقوة (جامعة إديث كوان)
الجهد الذكي طريقٌ أقصر للقوة (جامعة إديث كوان)
TT

حركات بطيئة... نتائج أقوى: تمارين خفيفة تُعزّز العضلات بلا إرهاق

الجهد الذكي طريقٌ أقصر للقوة (جامعة إديث كوان)
الجهد الذكي طريقٌ أقصر للقوة (جامعة إديث كوان)

أظهرت دراسة أجرتها جامعة إديث كوان الأسترالية أنّ تقوية العضلات وزيادة القوة البدنية لا تتطلَّب بالضرورة مجهوداً مُرهِقاً أو تمارين عالية الشدّة، بل يمكن تحقيق نتائج فعّالة من خلال أداء حركات بطيئة ومتحكم بها.

وأوضح الباحثون أنّ فاعلية التمارين لا ترتبط بالجهد الشديد بقدر ما ترتبط بطريقة أداء الحركة نفسها، وهو ما قد يُغيّر المفهوم الشائع عن اللياقة البدنية مستقبلاً. ونُشرت النتائج، الخميس، في دورية علمية متخصّصة في علوم الرياضة والصحة.

ويقوم الاعتقاد السائد لدى كثيرين على أنّ بناء العضلات وتحسين اللياقة يرتبطان بالتمارين الشاقة ورفع الأوزان الثقيلة أو ممارسة النشاط البدني لمدّة طويلة، وصولاً إلى الإرهاق أو الشعور بالألم العضلي بعد التمرين، على أساس أن «لا فائدة من دون معاناة»، وإنما الدراسة الجديدة تشير إلى أن هذا التصور ليس دقيقاً في جميع الحالات.

وأظهرت النتائج أن بعض أنواع التمارين، مثل التمارين اللامركزية، يمكن أن تُحقّق فوائد ملحوظة للعضلات والقوة البدنية من دون الحاجة إلى مجهود بدني شديد أو تدريب مرهق كما هو شائع في التمارين التقليدية.

وتعتمد التمارين اللامركزية على عمل العضلات خلال إطالتها تحت تأثير مقاومة أو وزن، بدلاً من انقباضها لرفع الحمل. ويحدث ذلك خلال مرحلة «خفض الحركة»، مثل إنزال الأثقال تدريجياً، أو النزول على الدرج، أو الجلوس على الكرسي ببطء.

وتتميّز هذه التمارين بقدرتها على زيادة قوة العضلات وتحسين أدائها مع استهلاك طاقة أقل مقارنة بالتمارين التقليدية. كما أنها تُقلل الضغط الواقع على الجسم، ممّا يجعلها خياراً مناسباً لفئة واسعة من الأشخاص، بمن فيهم كبار السنّ ومرضى الأمراض المزمنة، نظراً إلى كونها أقل إجهاداً للقلب والرئتين.

وتشمل الأمثلة البسيطة لهذه التمارين التي يمكن ممارستها في المنزل: القرفصاء باستخدام الكرسي عبر الجلوس ببطء ثم الوقوف تدريجياً لتقوية عضلات الفخذين والأرداف، وخفض الكعبين من خلال الوقوف على أطراف الأصابع ثم إنزال الكعبين ببطء لتقوية عضلات الساقين، وتمارين الضغط على الحائط عبر دفع الجسم نحو الحائط ثم العودة ببطء لتقوية عضلات الصدر والذراعين بطريقة آمنة وسهلة. ويمكن أن تُحقّق هذه التمارين تحسينات صحية ملموسة في مدة لا تتجاوز 5 دقائق يومياً.

ورغم احتمال الشعور ببعض آلام العضلات في البداية، خصوصاً عند عدم الاعتياد عليها، فإنّ هذه التمارين لا تتطلّب الألم لتحقيق الفائدة الصحية.

وقال الباحث الرئيسي في الدراسة بجامعة إديث كوان، الدكتور كين نوساكا، إنّ الاعتقاد بأنّ التمرين يجب أن يصل إلى حد الإرهاق الكامل يُثني كثيرين عن ممارسة النشاط البدني بانتظام.

وأضاف نوساكا، عبر موقع الجامعة: «بدلاً من ذلك، ينبغي التركيز على التمارين اللامركزية التي تُحقّق نتائج أقوى بجهد أقل بكثير من التمارين التقليدية، ومن دون الحاجة حتى إلى صالة رياضية، ممّا يجعلها عملية وسهلة الاستمرار».