شخصيات «أومبا-لومباس» في فيلم «ونكا» تفتح جدلاً قديماً

محاولات لتفادي تهمة العنصرية التي وُصم بها كاتب الرواية روالد دال

هيو غرانت في شخصية «أومبا لومباس» في مشهد من فيلم «ونكا» (أ.ب)
هيو غرانت في شخصية «أومبا لومباس» في مشهد من فيلم «ونكا» (أ.ب)
TT

شخصيات «أومبا-لومباس» في فيلم «ونكا» تفتح جدلاً قديماً

هيو غرانت في شخصية «أومبا لومباس» في مشهد من فيلم «ونكا» (أ.ب)
هيو غرانت في شخصية «أومبا لومباس» في مشهد من فيلم «ونكا» (أ.ب)

نيويورك: روبرت إيتو*

ماذا نفعل مع «أومبا لومباس»؟

هذا هو السؤال الذي تشابك معه صناع الأفلام والكتاب منذ عام 1964 لأول مرة منذ ظهور العمال الصغار الذين لا يحصلون على أجر إلى حد كبير في كتاب أطفال روالد دال المحبوب «تشارلي ومصنع الشوكولاته».

في رواية دال الأصلية، كان «أومبا-لومباس» من الأقزام الأفارقة الذين يتضورون جوعاً، حيث كانوا يعيشون إلى حد كبير على مجموعة من اليرقات الخضراء ولحاء الأشجار حتى «أنقذهم» ويلي ونكا. وقام بتهريب القبيلة بأكملها من أفريقيا في صناديق التعبئة للعيش والعمل، والغناء والرقص، في مصنع الشوكولاته.

قال دال في مقابلة أجريت معه عام 1988: «لم يخطر ببالي أن تصويري لقبيلة (أومبا-لومباس) كان عنصرياً».

في العقود الخمسة التي تلت الظهور الأدبي، خاضت «أومبا-لومباس» سلسلة من التحولات لزعزعة قصتهم من جذورها الاستعمارية. كانت بعض الإصلاحات تجميلية بصورة واضحة (في الطبعات اللاحقة من الكتاب، جعل الرسامون رجال القبائل ببساطة من أصحاب البشرة البيضاء). أما المحاولات الأخرى فلم يمكن عدّها إصلاحات على الإطلاق: ففي فيلم «تشارلي ومصنع الشوكولاته» لعام 2005، قام المخرج تيم بيرتون بتحويل القارات، ونقل قبيلة «أومبا-لومباس» من أفريقيا إلى مكان يشبه أميركا الجنوبية بشكل غامض، كما تصوره مخرج أفلام مغامرات من خمسينات القرن الماضي.

ملصق فيلم «ونكا» الصادر هذا الشهر

وفي فيلم «ونكا» من وارنر برذرز، التي افتتح هذا الشهر، يتناول صناع الفيلم الجوانب الاستعمارية بشكل مباشر.

ومن نواحٍ عديدة، سمحت النسخة التمهيدية - التي تصور نضال ونكا (تيموثي شالاميت) للنهوض بمشروع الشوكولاته وتشغيله - لصانعي الأفلام بتجنب العناصر الأكثر إثارة للاشمئزاز في الكتاب. وبدلاً من الخدم المبتسمين، هناك فرد واحد من «أومبا لومبا»، وهو أشبه بذئب منفرد، وهو عدو أكثر غرابةً ومعلم في نهاية المطاف أكثر من كونه خادماً خاضعاً مطيعاً. ببساطة، إنه هيو غرانت. أما بالنسبة لظروف العمل السطحية لـ«أومبا-لومباس» (هل يدفع لهم فقط بالشوكولاته؟) والأسئلة حول كيف وأين يحصل ونكا على كل حبوب الكاكاو هذه لصنع الشوكولاته اللذيذة، إنه يسرقها عن غير قصد - من «أومبا-لومباس»! - وهو يصنع الحلوى بنفسه (في هذه المرحلة من القصة، لا يزال صانع حلوى بكميات صغيرة).

قال بول كينغ، مخرج الفيلم والكاتب المشارك: «لقد كنت مهتماً حقاً بفكرة حكم (أومبا-لومباس) على (ونكا) لسرقته حبوب الكاكاو الخاصة بهم، وفرض العقوبات عليه».

وأخيراً يقدم الفيلم الجديد جانب «أومبا-لومباس» من هذه القصة التي كانت غير متكافئة. رغم ذلك، كانت هناك شكاوى حول «أومبا-لومباس» حتى قبل افتتاح هذا الفيلم الأخير، مع بعض الممثلين الذين انتقدوا قرار تقديم غرانت في دور يلعبه تقليدياً الممثلون الأقزام.

انتقد الباحثون كتب دال للأطفال على مدى عقود، مشددين على حالات من القوالب النمطية العنصرية والجنسية. هذا العام، أشعلت دار «كتب بوفين» عاصفة نارية عندما أصدرت نسخاً جديدة منقحة من كلاسيكيات دال، بما في ذلك «تشارلي ومصنع الشوكولاته» و«ماتيلدا»، التي أزالت، من بين أمور أخرى، إشارات إلى لون البشرة وحجم الجسم والعبودية. ولأعوام عديدة، ظل كُتاب السيرة الذاتية يهجمون دال ذاته، ويصفونه بمعاداته للسامية وبمعاملته القاسية إلى حد مذهل لزوجته الأولى، الممثلة باتريشيا نيل الحائزة على جائزة «الأوسكار».

أومبا لومباس في نسخة عام 1971 من فيلم «تشارلي ومصنع الشوكولاته» (imdb)

لذا، ليس من المستغرب أنه عندما قام مبدعو فيلم «ويلي ونكا ومصنع الشوكولاته» في عام 1971، من بطولة جين وايلدر، بتكييف قصة دال»لأول مرة، كانوا يبتعدون بأقصى سرعة ممكنة وأبعد ما يستطيعون عن رواية «العبد السعيد» في الكتاب.

بعد أعمال الشغب العرقية في بريطانيا في خمسينات القرن العشرين وحركة الحقوق المدنية الأميركية في ستينات القرن نفسه، قالت كاثرين كيزر، أستاذة اللغة الإنجليزية بجامعة ساوث كارولينا ومؤلفة مقالة «أطفال الحلوى ومصانع الشوكولاته: روالد دال، والعنصرية، والصناعة العالمية»: «ليست هناك طريقة للمبالغة في تقدير أن ذلك لم يكن مؤاتياً لتلك اللحظة».

في نسخة وايلدر، تحولت شخصيات «أومبا-لومباس» من السكان الأصليين الجائعين من «أعمق وأظلم جزء في أفريقيا» إلى رجال برتقاليي الوجوه، ذوي شعر أخضر في أزياء أوروبية غريبة. وقد تغير موطنهم الأفريقي إلى دولة لومبالاند الخيالية؛ وبدلاً من تهريبهم من الأدغال في صناديق، جرى نقلهم كبشر محترمين.

في عام 1971 وظف صانعو الفيلم فنانين يعانون من التقزم ولوّنوهم باللون الأخضر، وهو قرار أزعج دال. قال ماثيو دينيسون، مؤلف كتاب السيرة الذاتية الذي نال استحساناً النقاد بعنوان «روالد دال: راوية اللامتوقع». (قال: كره دال نسخة الفيلم، جزئياً، لأنه لم يستطع تحمل جين وايلدر، لأسباب لا أفهمها).

كما تعرض دال للضغط لإعادة صياغة «أومبا-لومباس» في طبعات لاحقة من كتبه. أعاد رسامون مختلفون تخيل صور الرسام جوزيف شيندلمان للسكان الأصليين السود المبتسمين على أنهم عفاريت ذوو بشرة فاتحة مع شعر أشقر، أو هِيبِيز ملتحون.

بالنسبة لكيزر، فإن محاولات الروائي «نزع الزنجية» (كلمات دال) عن شخصياته الخاصة، تحت الضغط المعروف، جعلتهم، من بعض النواحي، أقل إنسانية.

شخصية أومبا لومباس كما ظهرت في فيلم «تشارلي ومصنع الشوكولاته» من إخراج تيم بيرتون عام 2005 (imdb)

على مر السنين، استمرت «أومبا-لومباس» في التحول. في عام 2005 أعاد تيم بيرتون صنع فيلم «تشارلي ومصنع الشوكولاته»، تم اختيار ممثل واحد، ديب روي، ليلعب كل أفراد «أومبا-لومباس»، حيث استخدمت التقنية الرقمية لخلق نسخ طبق الأصل من العمال الذين يغنون ويرقصون ويسبحون في ملابس زاهية ومتطابقة (استخدمت الروبوتات أيضاً في بعض المشاهد). على خشبة المسرح في عدد لا يحصى من إنتاجات المدارس، كان الأداء من قبل الأطفال يرتدون الشعر المستعار باللون الأخضر، مع أو بدون وجه برتقالي، وفي ويست آند لندن من قبل هجين من نصف إنسان ونصف دمية.

من الواضح أنه كان هناك الكثير من المواد البصرية لدى كينغ ليختار منها. ومع ذلك، فإن شخصيات دال الأصلية، الأقزام الأفارقة، لم تكن أبداً موضع اعتبار.

وقال كينغ: «لقد كان اختياراً جيداً لتغيير ذلك. شعرت بالارتياح الشديد لقرار دال».

هيو غرانت في شخصية «أومبا لومباس» في مشهد من فيلم «ونكا» (وارنر بروذارز)

إنه دور صغير نسبياً لهيو غرانت، ولكنه دور يلعب في رؤية كيزر لقصة من شأنها أن تعوض قبيلة «أومبا-لومباس»، وهو دور يُروى من وجهة نظرهم. وقالت: «أعتقد أن أومبا-لومباس كانت طريقة لجعل العولمة ذات الإطار الاستعماري تبدو مريحة وممتعة وجذابة. ولكن ربما لو كان بوسعك الحصول على (رواية التشكيل) من منظور فرد واحد يدعى أومبا لومبا، مما يمنح أومبا لومبا طابعاً داخلياً ومسمى، مما من شأنه أن يصلح هذه المعضلة».

في النهاية، يقدم غرانت دور أومبا-لومبا تحية إجلال لذكرى الرواية الأصلية التي يعود إلى عام 1971، حتى عندما مُنح نوعاً من السلطة والاستقلال لم يكن بوسع أولئك الخدم الأصليين إلا أن يحلموا به.

* خدمة «نيويورك تايمز»


مقالات ذات صلة

اعتراض من أسرة نجيب محفوظ يُعقّد مشروع عمرو سعد لإعادة «اللص والكلاب»

يوميات الشرق شكري سرحان في لقطة من فيلم «اللص والكلاب» (الشركة المُنتجة)

اعتراض من أسرة نجيب محفوظ يُعقّد مشروع عمرو سعد لإعادة «اللص والكلاب»

اعترضت أم كلثوم، ابنة الأديب المصري الراحل نجيب محفوظ، على إعلان الفنان عمرو سعد عزمه إعادة تقديم رواية «اللص والكلاب» سينمائياً.

داليا ماهر (القاهرة)
يوميات الشرق يهدف الفيلم لتعريف الأطفال بقضية اللجوء - (الشركة المنتجة)

«اللجوء إلى المدرسة» يتعاطف مع أوضاع اللاجئين في أوروبا

احتضنت الدورة الـ16 من مهرجان «مالمو للسينما العربية»، عرض فيلم الرسوم المتحركة «اللجوء إلى المدرسة».

أحمد عدلي (مالمو (السويد))
يوميات الشرق رائد السينما السعودية عبد الله المحيسن (مهرجان مالمو للسينما العربية)

عبد الله المحيسن: والدي اعترف بي فنياً بعد «اغتيال مدينة»

اختار المخرج عبد الله المحيسن أن يكون محامياً للمجتمع، مدافعاً عن قضايا الإنسان من خلال السينما.

أحمد عدلي (مالمو (السويد) )
يوميات الشرق لقطة لأحد مشاهد فيلم «القصص» (الشركة المنتجة)

منتجون مصريون يتراجعون عن عرض أفلامهم في ظل «الإغلاق المبكر»

بفعل تداعيات قرار «الإغلاق المبكر»؛ تراجع منتجون مصريون عن عرض أفلامهم في صالات العرض في موسم «أعياد الربيع».

انتصار دردير (القاهرة)
يوميات الشرق إبراهيم الحساوي يجسد دور الجد في لقطة من فيلم «هوبال» (الشركة المنتجة)

«الفيلم العربي ببرلين» يبرز معاناة مجتمعات عربية في دورته الـ17

تعكس الموضوعات المطروحة الواقع الراهن في المنطقة، بما في ذلك الحروب والتدخلات الإمبريالية، والأزمات الاقتصادية والاجتماعية، مع حضور قوي للقضية الفلسطينية.

أحمد عدلي (القاهرة)

5 أطعمة على الإفطار... وقود يومي لتعزيز الذاكرة والتركيز

ما تضعه في طبقك يرافق أفكارك طوال اليوم (موقع هيلث)
ما تضعه في طبقك يرافق أفكارك طوال اليوم (موقع هيلث)
TT

5 أطعمة على الإفطار... وقود يومي لتعزيز الذاكرة والتركيز

ما تضعه في طبقك يرافق أفكارك طوال اليوم (موقع هيلث)
ما تضعه في طبقك يرافق أفكارك طوال اليوم (موقع هيلث)

يشير خبراء التغذية إلى أنّ ما نتناوله في وجبة الإفطار لا يقتصر تأثيره على الشعور بالشبع، وإنما يمتدّ ليؤثّر بشكل مباشر في التركيز والذاكرة والأداء العقلي طوال اليوم.

كما يمكن أن تسهم بعض أطعمة الإفطار الشائعة في تعزيز صحة الدماغ، في حين قد ترتبط الأطعمة فائقة المعالجة أو الغنية بالسكر بتراجع الأداء المعرفي على المدى الطويل، وفق موقع صحي.

وتوضح اختصاصية التغذية الأميركية، سارة غارون، أنّ الدماغ بعد ساعات الصيام الليلي يعتمد بشكل كبير على أول وجبة لتحديد مستوى النشاط الذهني خلال اليوم.

وسلَّط الموقع الضوء على 5 أطعمة يُنصح بتناولها صباحاً لدعم صحة الدماغ وتحسين وظائفه:

الجوز (عين الجمل)

يُعد الجوز من أبرز الأطعمة المفيدة للدماغ، إذ أظهرت بحوث حديثة أن تناول إفطار غني بالجوز لدى البالغين الشباب يسهم في تحسين سرعة ردّ الفعل وتعزيز الذاكرة خلال اليوم.

وتؤكد اختصاصية التغذية الأميركية، ويندي بازيليان، أنّ هذه النتائج مهمة، لأنها تشير إلى أنّ إدخال الجوز في وجبة الإفطار قد يُحقّق تأثيرات معرفية قصيرة المدى قابلة للقياس لدى الأصحاء.

التوت الأزرق

يُعد التوت الأزرق من أبرز الأطعمة الداعمة لصحة الدماغ، إذ تصفه خبيرة التغذية الأميركية، ماغي مون، بأنه «وجبة صباحية ذكية لتعزيز الذاكرة لجميع الأعمار».

وقد دعمت الدراسات هذا التوجُّه، حيث أظهرت نتائج سريرية تحسُّناً في ذاكرة الأطفال في اليوم نفسه لمدّة تصل إلى 6 ساعات بعد تناوله. كما بيّنت بحوث أخرى أنّ كبار السن الذين يعانون ضعفاً إدراكياً خفيفاً أو تراجعاً في الذاكرة قد سجَّلوا تحسّناً ملحوظاً في الذاكرة العرضية عند تناوله بانتظام.

البيض

يُعد البيض من أكثر خيارات الإفطار شيوعاً، وهو مصدر غني بمادة «الكولين» الضرورية لصحة الدماغ.

وتوضح بازيليان أنّ الكولين يلعب دوراً محورياً في إنتاج «الأستيل كولين»، وهو ناقل عصبي يرتبط بشكل مباشر بالتعلُّم والذاكرة. وتشير الأدلة العلمية إلى أنّ تناول الكولين المستخلص من البيض بجرعات يومية منتظمة قد يُسهم في تحسين الذاكرة اللفظية، كما أنّ تناول بيضة واحدة يومياً قد يدعم الطلاقة اللفظية وسرعة معالجة المعلومات.

ويحتوي البيض أيضاً على عناصر غذائية مهمة لنمو الدماغ، مثل اللوتين والبروتين ومجموعة من الفيتامينات والمعادن، ممّا يجعله غذاءً متكاملاً لدعم القدرات الذهنية.

الفطر

يُعد الفطر خياراً صباحياً غير تقليدي لكنه فعّال، إذ تشير البحوث إلى أنه قد يساعد على استقرار المزاج وتقليل الإرهاق الذهني لمدة تصل إلى 6 ساعات، مما يحدّ من التراجع المعرفي خلال فترة ما بعد الظهر.

وقد أظهرت دراسة حديثة تحسّناً في هذه المؤشرات لدى مَن تناولوا ما يعادل كوباً من الفطر الطازج، فيما تشير دراسات طويلة الأمد إلى أنّ الاستهلاك المرتفع للفطر يرتبط بأداء إدراكي أفضل.

الأفوكادو

يتمتّع الأفوكادو بمكانة مميزة بين الأطعمة الداعمة لصحة الدماغ، بفضل احتوائه على مادة «اللوتين» المضادة للأكسدة، المرتبطة بتحسين الذاكرة وحلّ المشكلات.

وتشير الدراسات إلى أن تناول الأفوكادو يومياً قد يرفع مستويات اللوتين في الجسم، مع تحسُّن في الذاكرة العاملة وكفاءة الانتباه المستمر.

وتضيف بازيليان أنّ الأفوكادو غني بالدهون الأحادية غير المشبَّعة والألياف، ممّا يساعد على تحسين تدفُّق الدم وتنظيم مستويات السكر، وهو ما ينعكس إيجاباً على صفاء الذهن واستقرار الطاقة خلال اليوم، لا سيما في ساعات الصباح.


تقنية جديدة تثبت فعاليتها في علاج الاكتئاب

الاكتئاب يؤثر في جودة حياة المريض وعلاقاته الاجتماعية وقدرته على العمل (جامعة غرب اسكوتلندا)
الاكتئاب يؤثر في جودة حياة المريض وعلاقاته الاجتماعية وقدرته على العمل (جامعة غرب اسكوتلندا)
TT

تقنية جديدة تثبت فعاليتها في علاج الاكتئاب

الاكتئاب يؤثر في جودة حياة المريض وعلاقاته الاجتماعية وقدرته على العمل (جامعة غرب اسكوتلندا)
الاكتئاب يؤثر في جودة حياة المريض وعلاقاته الاجتماعية وقدرته على العمل (جامعة غرب اسكوتلندا)

أثبتت تقنية علاجية جديدة فعالية قوية في علاج حالات الاكتئاب الشديد المقاوم للعلاج، مع مستوى أمان معرفي أعلى مقارنة بالعلاج التقليدي بالصدمات الكهربائية، وفق تجربة سريرية دولية.

وجرى اختبار التقنية الجديدة بقيادة مركز الإدمان والصحة النفسية في تورونتو وجامعة كاليفورنيا الأميركية، بمشاركة عدد من المراكز البحثية في الولايات المتحدة وكندا، ونُشرت النتائج، الأربعاء، بدورية «The Lancet Psychiatry».

يُذكر أن الاكتئاب الشديد المقاوم للعلاج هو شكل حاد من الاضطراب الاكتئابي لا يستجيب للعلاجات التقليدية، مثل مضادات الاكتئاب أو العلاج النفسي، رغم استخدامها بالشكل الكافي ولفترات مناسبة. ويعاني المصابون به من أعراض مستمرة وشديدة، تشمل الحزن العميق، وفقدان الاهتمام، واضطرابات النوم، وانخفاض الطاقة، وصعوبة أداء الأنشطة اليومية.

ويُعد هذا النوع من الاكتئاب من أكثر الحالات تعقيداً في الطب النفسي، إذ قد يستمر لسنوات طويلة ويؤثر بشكل كبير في جودة حياة المريض وعلاقاته الاجتماعية وقدرته على العمل. وفي بعض الحالات، يتم اللجوء إلى علاجات متقدمة، مثل التحفيز الدماغي أو العلاج بالصدمات الكهربائية، نظراً لعدم استجابة الحالة للعلاجات الدوائية المعتادة.

واختبر الباحثون فعالية التقنية العلاجية الجديدة، المعروفة باسم «العلاج بالنوبات المغناطيسية» (Magnetic Seizure Therapy - MST)، وهي إحدى طرق التحفيز الدماغي الحديثة المستخدمة لعلاج حالات الاكتئاب الشديد. وتُعد هذه التقنية تطويراً للعلاج بالصدمات الكهربائية، لكنها تعتمد على أسلوب أكثر دقة وأقل تأثيراً على الوظائف المعرفية، لا سيما الذاكرة.

وتعمل هذه التقنية عبر استخدام مجالات مغناطيسية مركّزة تُوجَّه إلى مناطق محددة بدقة من الدماغ، وذلك لإحداث نوبة علاجية مضبوطة، تشبه تلك الناتجة عن العلاج بالصدمات الكهربائية، ولكن بطريقة أكثر تحكماً وانتقائية، لتجنب المناطق المرتبطة بالذاكرة.

ويهدف هذا التحفيز إلى إعادة تنظيم النشاط الكهربائي في الدماغ وتحسين التواصل بين الشبكات العصبية المرتبطة بالمزاج.

وشملت الدراسة السريرية نحو 300 مريض يعانون من اكتئاب شديد لا يستجيب للعلاجات الدوائية أو النفسية، حيث جرى توزيعهم لتلقي إما «العلاج بالنوبات المغناطيسية» أو العلاج بالصدمات الكهربائية التقليدية.

وأظهرت النتائج أن نحو 48 في المائة من المرضى في كلتا المجموعتين حققوا تحسناً ملحوظاً في أعراض الاكتئاب، ما يشير إلى أن تقنية «العلاج بالنوبات المغناطيسية» تحقق فعالية علاجية مماثلة للعلاج القياسي الحالي.

لكن الدراسة كشفت عن فارق مهم في الآثار الجانبية، إذ تبين أن العلاج بالصرع المغناطيسي يتميز بتقليل واضح في مشكلات الذاكرة بعد العلاج، وانخفاض التأثيرات المعرفية مقارنة بالعلاج الكهربائي، إضافة إلى تحسن القدرة على التعافي دون اضطرابات إدراكية ملحوظة.

وقال الباحثون إن هذه النتائج تمثل خطوة مهمة نحو تطوير بدائل أكثر أماناً للعلاجات الدماغية، خصوصاً للمرضى الذين يعانون من الاكتئاب المقاوم للعلاج، وهي الفئة التي تشكل نحو ثلث الحالات تقريباً.

وأضافوا أن هذا التقدم قد يمهد لمرحلة جديدة في علاج الاضطرابات النفسية، تجمع بين الفعالية العالية وتقليل الأضرار الجانبية على الذاكرة والوظائف العقلية.


كويكب ضخم يقترب من الأرض ويُرى بالعين المجرَّدة

بين الأرض والسماء... لقاء لا يتكرَّر كثيراً (شاترستوك)
بين الأرض والسماء... لقاء لا يتكرَّر كثيراً (شاترستوك)
TT

كويكب ضخم يقترب من الأرض ويُرى بالعين المجرَّدة

بين الأرض والسماء... لقاء لا يتكرَّر كثيراً (شاترستوك)
بين الأرض والسماء... لقاء لا يتكرَّر كثيراً (شاترستوك)

يتّجه كويكب، يُلقَّب بـ«إله الفوضى»، نحو الأرض، في حدث فلكيّ نادر، وإنما المخاوف من خطر وشيك تبدو غير مبرَّرة في الوقت الحالي.

وأفادت وكالة الفضاء الأميركية «ناسا» بأن الجرم السماوي يقترب ضمن إطار مرور استثنائي، وليس ضِمن سيناريو كارثي. ورغم أنّ موعد هذا اللقاء لا يزال بعد بضع سنوات، فإنّ أهميته تكمن في مدى قربه اللافت، إذ سيكون مرئياً بالعين المجرَّدة دون الحاجة إلى تلسكوبات.

ونقلت «الإندبندنت» أنّ الكويكب يُعرف باسم «99942 أبوفيس»، وهو جرم يُتوقّع أن «يمر بأمان» على مسافة 20 ألف ميل من الأرض في عام 2029، في واحد من أقرب الاقترابات المُسجَّلة على الإطلاق لجسم سماوي بهذا الحجم.

وقال علماء الفلك في «ناسا»: «رغم أن (أبوفيس) لا يشكّل خطراً مباشراً على الأرض، فإنّ اقتراب جرم بهذا الحجم إلى هذا الحدّ من كوكبنا يُعدّ حدثاً نادراً واستثنائياً». وأضافوا أنّ المجتمع العلمي حول العالم يترقَّب هذه اللحظة، ويتطلَّع إليها على أنها فرصة فريدة لدراسة الكويكب واستكشاف خصائصه بشكل مفصّل.

ويبلغ عرض الكويكب نحو 1115 قدماً، وسيقترب من الأرض أكثر من الأقمار الاصطناعية التي تدور في المدار المُتزامن مع الأرض، وفق «ناسا».

وذكرت وكالة الفضاء الأوروبية أنّ هذا سيكون أقرب اقتراب لكويكب بهذا الحجم كان البشر على عِلْم به مسبقاً.

وقد أثار توقيت هذا التحليق النادر، الذي يصادف الجمعة 13 أبريل (نيسان) في كثير من مناطق العالم، تفاعلاً واسعاً على مواقع التواصل الاجتماعي بين الحماسة والقلق.

وسُمّي الكويكب تيمّناً بإله الشر والدمار في مصر القديمة، إذ اقترح هذا الاسم مكتشفوه، وهم علماء الفلك روي تاكر، وديفيد ثولين، وفابريتسيو برناردي، من مرصد كيت بيك الوطني بولاية أريزونا؛ لكون «أبوفيس» هو الاسم اليوناني للإله المصري «أبيب».

وتفيد «ناسا» بأن كويكباً بهذا الحجم يمرّ بهذه المسافة القريبة من الأرض مرة واحدة فقط كلّ بضعة آلاف من السنوات في المتوسّط، ممّا يجعل الحدث نادراً في التاريخ البشري المُسجّل.

وعند اكتشافه للمرّة الأولى عام 2004، صُنِّف على أنه تهديد مُحتمل بالاصطدام بالأرض في أعوام 2029 أو 2036 أو 2068، وإنما «ناسا» استبعدت منذ ذلك الحين حدوث أي تصادم لمدّة لا تقل على 100 عام، بعد تتبُّع مداره باستخدام التلسكوبات البصرية والرادارات الأرضية.

وسيتمكّن سكان نصف الكرة الشرقي من رصده بالعين المجرَّدة، إذا سمحت الأحوال الجوّية، دون الحاجة إلى مُعدّات خاصة. وخلال مروره، يُتوقَّع أن تؤدّي جاذبية الأرض إلى «سحب الكويكب ولفّه وتمديده»، ممّا قد يتسبب في تغيّرات على سطحه ومداره.

ويُعد «أبوفيس» كويكباً صخرياً يتكوَّن من مواد سيليكاتية ومزيج من النيكل والحديد، وهو من بقايا النظام الشمسي المبكر التي تشكّلت قبل نحو 4.6 مليار سنة.

وقد أعادت «ناسا» توجيه مركبتها الفضائية «أوسايرس-أبيكس» للالتقاء بالكويكب بعد مروره؛ لدراسة تأثير جاذبية الأرض عليه، في حين تعتزم «وكالة الفضاء الأوروبية» إطلاق مهمة «رمسِس»؛ لمرافقته خلال أقرب نقطة اقتراب.

وتهدف هذه المهمّات إلى دراسة بنيته الداخلية وخصائصه الفيزيائية، بما يعزّز فهم الأجرام القريبة من الأرض بشكل أعمق.