«مدركة»... حكاياتُ التاريخ يرويها النخيل الباسق وشجر الدوم

تحتضن «عين النبي»... واستوطنها ابن آدم

بعض النقوش والآثار في وادي «أبو حماط» (البلدية)
بعض النقوش والآثار في وادي «أبو حماط» (البلدية)
TT

«مدركة»... حكاياتُ التاريخ يرويها النخيل الباسق وشجر الدوم

بعض النقوش والآثار في وادي «أبو حماط» (البلدية)
بعض النقوش والآثار في وادي «أبو حماط» (البلدية)

بعض لحظات الحياة لا تُنسى، منها أن تُمعن النظر وأنت تتسلّق جبال قرية «مدركة»، وتسير تحت ظلال أشجارها من النخيل والدوم، على مساحة 14 كيلومتراً في قرية ليست كسائر القرى، وأنت تشهق وتقبض بجوارحك على جميع الحكايات المؤرَّخة، لتدخُل أفكارك في صراع مع نبضات قلبك المتسارعة، وتحار أيهما يلجم جموح الذهول، وأنت تسمع أنّ أول مَن أقام في هذه القرية الواقعة شرق شمالي مكة المكرمة، كان النبي شيث بن آدم.

تحتضن «مدركة» أشجار النخيل والدوم (البلدية)

تريَّث في العبور، ولا تغادر المكان إلا وقد دوّنت اسمك في زواياه، فما أُتيح لك اليوم قد لا يُتاح غداً. أطلق شغفك، وبعثِر في الاتجاهات الأربعة أسئلة الأماكن، وامسح من ذاكرتك ما يكفي لتخزين روايات التاريخ عن «مدركة» التي مرَّ بها «ذو القرنين»، وكانت حاضرة في العصر الآشوري (911 - 612 قبل الميلاد) تحت اسم «مدركاتو». آنذاك، كان يحكمها الأمير العربي شلمنصر (858 - 824 قبل الميلاد)، ووجدت لها مكاناً في التاريخ اليوناني الذي أشار إلى أنها منطقة غنية اقتصادياً، وذات نفوذ كبير لقبائل العرب.

زاد من جماليات «مدركة» اختلاف روايات المؤرّخين حول تسميتها. فمنهم من ذهب إلى واقعة عمرو بن مضر بن إلياس، الذي أدرك إبله من القوم وجالدهم عليها بقتلهم، وسُمّي الموقع الذي وقع فيه القتال «مدركة»، وحمل عمرو بن إلياس هذا الاسم اعتزازاً لقتاله المجموعة واسترداد إبله. أما المؤلّف ياقوت الحموي، فذهب إلى أنّ أول مَن سكنها قريش الظواهر؛ وفي الحالتين يؤكد المؤرخون قِدم القرية الموغلة في التاريخ، خصوصاً أنّ هذه الواقعة تتوافق مع المعجم اللغوي، وتعني «أدرك»؛ أي اللحاق والتمكن من الشيء أو إدراك سعة الاطّلاع.

«عين النبي» هي أحد المواقع الحيوية (البلدية)

ودخلت «مدركة» الإسلام في السنة السابعة للهجرة، عندما زار وفد من أهلها المدينة المنوّرة لمبايعة النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) لتحتضن القرية لاحقاً مسجد «الخطاب» الذي يُنسَب بناؤه إلى الخليفة الثاني عمر بن الخطاب لدى عودته من الحج.

«مدركة» لم تغطّ على صفحات التاريخ فحسب، بل ظلّت شامخة تُدوّن اسمها في كتب لا تنتهي صفحاتها. فالمنطقة سلسلة جبلية تضيق وتتّسع في مواقع عدة، تتخلّلها أودية وشعاب، تتحدّر من الشرق إلى الغرب، وجبال ومرتفعات جنوباً وغرباً، وحرّات (جمع حرّة، وهي ظاهرة جغرافية يكتسي فيها سطح الأرض بالصخور النارية والطفح البركاني) شمالاً وشرقاً، وحوض خصيب وسط الأودية وأسفلها، ما يجعلها متنفّساً سياحياً للاستمتاع بغابات من الأشجار، ووادٍ يقسمها إلى نصفين، متعرّج ومنحنٍ في مواقع كثيرة.

«عين النبي» التي أقطعها الرسول لأحد أصحابه (البلدية)

تُعرف «مدركة» بعروس شمال مكة المكرمة، وتشتهر بسلّتها الزراعية والحيوانية، كما أنّ تضاريسها متنوّعة ما بين أرض مستوية، وتلال ومساحات زراعية، وجبال فسيحة بأودية جمة. وتحتوي على مناظر خلابة ومقوّمات اقتصادية ومرتكزات سياحية، يسهل الوصول إليها من طريق يسلكه الحجاج والمعتمرون والمصطافون. أضافت هذه الميزة للقرية بُعداً تجارياً وسياحياً، خصوصاً أنها تقع بين 3 محافظات كبرى، هي جدة، والطائف، ورابغ؛ ما يسهم في تدفّق أكبر للباحثين عن الجماليات والتاريخ.

«أبو حماط» من المواقع التي تحلو زيارتها (البلدية)

في هذا السياق، يقول رئيس بلدية «مدركة» المهندس ياسين الذبياني، لـ«الشرق الأوسط»، إنّ البلدية تتولّى مهمّات عدّة تخدم سكان المنطقة، وتقدّم خدماتها المباشرة لتحسين نمط العيش، فتكون القرية وجهة للزائرين. ويوضح أنّ البلدية تخدم 3 مراكز، هي «مدركة»، و«رهاط»، و«القفيف»، تحظى باهتمام رسميّ كبير ضمن «رؤية المملكة 2030»، التي تركز على بناء مجتمع حيوي يعتزّ بتاريخه وجذوره، واقتصاد مزدهر ينعكس على المواطنين.

ويلفت إلى أنّ «مدركة» نالت دعماً كبيراً ومباشراً من حكومة خادم الحرمين الشريفين، ومنذ عهد المؤسِّس الأول الملك عبد العزيز، الذي أسَّس أول إمارة فيها عام 1344 هجرية للبادية وقبائلها. من ذلك الحين وحتى اليوم، تشهد نقلات نوعية وتطويرية في جميع المسارات.

«القرين الأبيض» هو جبل مرمر كبير يُستخرج منه رخام الحرم المكي (البلدية)

يتابع الذبياني الحديث عن «مدركة»: «ترتبط بأحداث تاريخية شهدتها القرية قبل آلاف السنين. وهي اكتسبت أهميتها مع هذه الأحداث، ضمن موقعها الجغرافي المهمّ في الوسط بين مكة المكرمة وجدة، إضافة إلى طبيعتها الخلّابة، ومناخها الجميل على مدار العام».

«مدركة» تتميّز بطبيعتها ومناخها الجميل (البلدية)

ومن المواقع المألوفة، «ماء الرجيع»، وهو مقر ماء تصبّ فيه 5 أودية، وقد شهد واقعة «الرجيع» في عهد النبي محمد (صلى الله عليه وسلم)، ويتميّز بجريان الماء على مدار العام. وهناك أيضاً «القرين الأبيض»، وهو جبل مرمر كبير يقع في حرّة «مدركة»، يُستخرج منه رخام الحرم المكي. إضافة إلى «قلات العتيبيات»، وهي أحواض صخرية عميقة تتجمع فيها المياه طوال العام، وتُعدّ مكاناً لتجمُّع القوافل على طريق مكة.

وديان وجداول تسير في «مدركة» على مدار العام (البلدية)

أما «عين النبي» الجارية حتى يومنا، فمصبُّها وادي المعلاه برهاط، وذُكر في كتب السير أنّ النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) أقطعها لأحد الصحابة. كذلك «الحصاة الخطمية»، وهي صخرة نُحت في داخلها مكان للاستراحة على قُطر 4 أمتار تقريباً، مفتوح من 3 جهات، ومطلّ على وادي علق.

وإن أنهيت الجولة، فيلزم عليك التوجّه نحو وادٍ بحرة رهاط، «أبو حماط»، وهي عين جارية على مدار العام يحيط بها شجر الحماط والحبق، وتكثر من حولها النقوش الأثرية القديمة.


مقالات ذات صلة

ترسية عقد إنشاء المتحف السعودي للفن المعاصر بقيمة 490 مليون دولار

الاقتصاد رسم تخيلي للمتحف السعودي للفن المعاصر في الدرعية (الشرق الأوسط)

ترسية عقد إنشاء المتحف السعودي للفن المعاصر بقيمة 490 مليون دولار

أُعلن عن ترسية عقد إنشاء المتحف السعودي للفن المعاصر في منطقة الدرعية بقيمة 490 مليون دولار (1.84 مليار ريال).

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد مقر «بنك البلاد» في العاصمة السعودية الرياض (الموقع الإلكتروني للبنك)

«بنك البلاد» السعودي يقر تغييرات في مجلس الإدارة والإدارة التنفيذية

استقال ناصر السبيعي من رئاسة مجلس إدارة «بنك البلاد» على أن تسري الاستقالة من 1 يونيو (حزيران) المقبل، وعُين بشار القنيبط رئيساً تنفيذياً للبنك من التاريخ ذاته.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
خاص مركز الملك عبد الله المالي في الرياض (واس)

خاص البنوك السعودية تحقق أرباحاً فصلية غير مسبوقة بـ6.4 مليار دولار مدعومة بـ«رؤية 2030»

حقَّق القطاع المصرفي السعودي أرباحاً قياسية بلغت 6.4 مليار دولار بالرُّبع الأول من 2026 بنمو 7.6%، مدعوماً بزخم «رؤية 2030» جديدة تماماً.

محمد المطيري (الرياض )
خاص محللون: «رؤية 2030» تمضي في مسار تشكيل اقتصاد السعودية بتسارع التنويع

خاص محللون: «رؤية 2030» تمضي في مسار تشكيل اقتصاد السعودية بتسارع التنويع

نجحت السعودية خلال السنوات الأخيرة في إعادة تشكيل قاعدتها الاقتصادية، منتقلةً من نموذج يعتمد بشكل رئيسي على النفط، إلى اقتصاد أكثر تنوعاً واستدامة.

مساعد الزياني (الرياض)
الاقتصاد «رؤية 2030»: حكاية التحول من الإدارة التقليدية إلى الريادة الرقمية العالمية

«رؤية 2030»: حكاية التحول من الإدارة التقليدية إلى الريادة الرقمية العالمية

انطلقت السعودية في مسار التحوُّل الرقمي والاقتصاد المعرفي، مستندةً إلى بنية تحتية رقمية مُتقدِّمة وبناء معرفي تراكم عبر سنوات طويلة، ما عزز قدرتها على المنافسة.

عبير حمدي (الرياض)

عبد الله غيث يكتسح استفتاءً «سوشيالياً» عن تمثيل «الصعايدة» درامياً

آخر مشهد لعبد الله غيث في مسلسل «ذئاب الجبل» (يوتيوب)
آخر مشهد لعبد الله غيث في مسلسل «ذئاب الجبل» (يوتيوب)
TT

عبد الله غيث يكتسح استفتاءً «سوشيالياً» عن تمثيل «الصعايدة» درامياً

آخر مشهد لعبد الله غيث في مسلسل «ذئاب الجبل» (يوتيوب)
آخر مشهد لعبد الله غيث في مسلسل «ذئاب الجبل» (يوتيوب)

على الرغم من مرور 33 عاماً على رحيل الفنان المصري عبد الله غيث، فإنه تصدَّر استطلاعاً للرأي حول أفضل فنان جسَّد دوراً صعيدياً، كما تصدّر اسمه «الترند» على منصة «إكس» في مصر، الأحد، عقب طرح عدد من مستخدمي المنصة استفتاءً حول أفضل الممثلين الذين قدموا دور «الصعيدي».

وكان من أبرز وآخر أعمال عبد الله غيث (1930 – 1993) دوره في مسلسل «ذئاب الجبل» عام 1993، وهو العام الذي رحل فيه في أثناء تصوير المسلسل، الذي شارك في بطولته إلى جانب أحمد عبد العزيز، وسماح أنور، وشريف منير، وحمدي غيث.

وضمّ الاستفتاء عدداً من المرشحين لأفضل من جسّد دور الصعيدي، من بينهم الفنانون ممدوح عبد العليم، وأحمد عبد العزيز، ويوسف شعبان، وأحمد السقا، غير أن معظم التعليقات رجّحت كفة عبد الله غيث، خصوصاً لدوره في مسلسل «ذئاب الجبل» الذي حظي حينها بنجاح كبير.

ويرى الناقد الفني المصري أحمد السماحي أن «السوشيال ميديا»، رغم التحفظات الكثيرة عليها، تؤدي أحياناً دوراً إيجابياً في استعادة الرموز الفنية، من خلال تداول مقاطع قصيرة من أعمالهم أو استحضار سيرهم. وقال لـ«الشرق الأوسط»: «بالنسبة للفنان عبد الله غيث، فهو فنان عظيم وموهوب، بل يُعد أحد عظماء مصر الذين يجيدون التحدث باللغة العربية الفصحى كما العامية؛ فهو صاحب موهبة نادرة تشبه الألماس، تضيء كل فترة، ولا يطمسها أثر الزمن، بل يجدد تألقها».

جانب من صور لاستفتاء «سوشيالي» حول دور الصعيدي (متداولة على إكس)

وتابع السماحي: «أود الإشارة إلى نقطة مهمة، وهي إجادة عبد الله غيث لأدوار الصعايدة والفلاحين إجادة تامة؛ فمن يراقب أداءه ولغته، سواء في دور الفلاح أو الصعيدي، سيجد أنه من القلائل في مصر الذين قدموا اللهجة الصعيدية بشكل حقيقي ومبهر».

ورأى الناقد أن عبد الله غيث، من خلال أدواره المختلفة، أعاد الاعتبار للفلاح والصعيدي في أعماله السينمائية والمسرحية والتلفزيونية والإذاعية، حيث قدم للإذاعة المصرية مسلسلات عدَّة، من بينها «وردة وعابد المداح».

وأشار السماحي إلى أن «عبد الله غيث قدّم اللهجتين الفلاحية والصعيدية بشكل واقعي جداً، في حين يلجأ كثيرون إلى المبالغة، سواء في مد الحروف أو التفخيم أو التكلف في النطق، وهو ما يبتعد عن الحقيقة»، مؤكداً أنه «كان متقناً للغة الفصحى، كما كان بارعاً ومتمكناً في اللهجتين الفلاحية والعامية».

ويُعد عبد الله غيث أحد أبرز الفنانين المصريين، واشتهر بأعماله السينمائية، مثل ملحمة «أدهم الشرقاوي» عام 1964، من إخراج حسام الدين مصطفى، وفيلم «الحرام» عام 1965، من إخراج هنري بركات، حيث شارك في بطولته أمام فاتن حمامة، وفيلم «الرسالة» عام 1976، من إخراج مصطفى العقاد، حيث جسَّد دور حمزة بن عبد المطلب في النسخة العربية، مقابل النسخة الإنجليزية التي أدّى فيها الدور نفسه أنتوني كوين.


المسرح المصري لاستعادة بريقه بعروض شبابية ومغامرات «تراثية»

جانب من عرض «متولي وشفيقة» (وزارة الثقافة)
جانب من عرض «متولي وشفيقة» (وزارة الثقافة)
TT

المسرح المصري لاستعادة بريقه بعروض شبابية ومغامرات «تراثية»

جانب من عرض «متولي وشفيقة» (وزارة الثقافة)
جانب من عرض «متولي وشفيقة» (وزارة الثقافة)

يسعى المسرح المصري إلى استعادة بريقه من خلال عروض مسرحية تراهن على طاقات الشباب وتستلهم التراث، حيث شهد مسرحا «الغد» و«الطليعة» تقديم عرضين، من بينهما «أداجيو... اللحن الأخير» من إنتاج «فرقة مسرح الغد» بقيادة الفنان سامح مجاهد، وذلك وسط حضور جماهيري لافت.

وقد حظي العرض بتفاعل كبير من الجمهور، إذ أشاد رئيس قطاع المسرح بوزارة الثقافة، الدكتور أيمن الشيوي، بالمستوى الفني، معرباً عن تقديره للأداء العام، ومثمِّناً جهود فريق العمل والرؤية الإخراجية.

العرض مأخوذ عن رواية للأديب الكبير إبراهيم عبد المجيد، بإعداد وإخراج السعيد منسي، ويقدم معالجة مسرحية ذات طابع موسيقي وإنساني.

وتدور أحداث «أداجيو... اللحن الأخير» في إطار درامي يعتمد على بناء يشبه المعزوفة الموسيقية، من خلال قصة حب تتقاطع فيها المشاعر الإنسانية مع الاضطراب النفسي، وتستدعي ذكريات تقود الشخصيات إلى عوالم داخلية عميقة، في محاولة لطرح حالة من الشجن والصدق والوفاء الإنساني.

عرض «أداجيو اللحن الأخير» بمسرح الغد (وزارة الثقافة المصرية)

العرض من بطولة رامي الطمباري، وهبة عبد الغني، وبسمة شوقي، وجورج أشرف، وجنا عطوة، ومحمد دياب، وأحمد هشام، وأمنية محسن. ومن أشعار حامد السحرتي، والموسيقى والألحان لرفيق جمال، وإعداد وإخراج السعيد منسي.

يرى الناقد الفني المصري أحمد سعد الدين أن مسرح القطاع العام أصبح هو الواجهة المسرحية، مشيراً إلى تراجع دور مسرح القطاع الخاص. وأضاف: «قدّم القطاع العام خلال السنوات الأربع الماضية عدداً كبيراً من العروض ذات الطابع الشبابي، ما جذب شريحة واسعة من الجمهور الشاب».

ولفت سعد الدين إلى أن الأعمال المنتمية إلى التراث المسرحي، مثل «الملك لير»، تشهد إقبالاً كبيراً، إلى جانب المسرحيات الجديدة مثل «متولي وشفيقة» و«أداجيو»، التي يرى فيها كثيرون متنفساً فنياً. وتابع: «يرى البعض أن مسرح القطاع الخاص كان أقرب إلى الترفيه المشوب بالإسفاف، في حين يخضع مسرح الدولة لرقابة أكبر، ما أسهم في تقديم أعمال جيدة تناسب الأسرة».

وشهد مسرح الطليعة بالعتبة عرض «متولي وشفيقة»، من إنتاج فرقة مسرح الطليعة بقيادة المخرج سامح بسيوني، وتأليف محمد علي إبراهيم، وإخراج أمير اليماني، وبطولة نخبة من الفنانين الشباب.

وقد استقبل العرض عدداً كبيراً من الفنانين والمبدعين والنقاد خلال الأسبوع، في حضور لافت يعكس اهتماماً فنياً وجماهيرياً بالعمل. ويقدم العرض القصة الشهيرة «شفيقة ومتولي» من وجهة نظر «متولي»، الذي يروي الأحداث، كاشفاً أنه كان يعد «شفيقة» ابنته أكثر من كونها شقيقته. وتتطور الأحداث مع وقوعها في حب «دياب» الذي يغويها انتقاماً من متولي، وصولاً إلى النهاية المأساوية. ويطرح العرض معالجة مغايرة للفيلم الشهير «شفيقة ومتولي» (1979) من بطولة سعاد حسني وأحمد زكي، مقدماً رؤية مسرحية معاصرة.

وأوضح سعد الدين: «تشهد مسارح الدولة في الفترة الحالية عرضين متميزين حققا نجاحاً لافتاً رغم ضعف الدعاية لهما. ففي السابق، كانت العروض المسرحية تحظى بحملات إعلانية واسعة عبر التلفزيون والصحف، أما اليوم فيؤكد هذا النجاح أن العمل الجيد، القادر على مخاطبة عقل ووجدان المشاهد، يظل قادراً على جذب جمهور متعطش للمسرح».


الموسم الخامس لـ«اللعبة» يجدد الجدل حول فرص نجاح أجزاء المسلسلات

تعرض الجزء الخامس لردود فعل متباينة (حساب هشام ماجد على فيسبوك)
تعرض الجزء الخامس لردود فعل متباينة (حساب هشام ماجد على فيسبوك)
TT

الموسم الخامس لـ«اللعبة» يجدد الجدل حول فرص نجاح أجزاء المسلسلات

تعرض الجزء الخامس لردود فعل متباينة (حساب هشام ماجد على فيسبوك)
تعرض الجزء الخامس لردود فعل متباينة (حساب هشام ماجد على فيسبوك)

جدّد الموسم الخامس من مسلسل «اللعبة» الجدل حول فرص نجاح الأجزاء المتتالية من المسلسلات، وذلك بعد ردود الفعل المتباينة التي حظي بها الجزء الجديد المعروض حالياً على منصة «شاهد». وتدور أحداثه في إطار اجتماعي كوميدي حول التنافس في الألعاب بين فريقي «مازو»، الذي يؤدي دوره هشام ماجد، و«وسيم»، الذي يجسده شيكو.

يشارك في بطولة «اللعبة 5» كلٌّ من أحمد فتحي، ومحمد ثروت، ومي كساب، وميرنا جميل، وسامي مغاوري، وعارفة عبد الرسول، ومحمد أوتاكا، إلى جانب عدد من ضيوف الشرف، منهم أشرف عبد الباقي، وحجاج عبد العظيم. وأشرف على الكتابة فادي أبو السعود، بينما كتب القصة والسيناريو والحوار كلٌّ من أحمد سعد والي، ومحمد صلاح خطاب، وإبراهيم صابر، وأخرجه معتز التوني.

وعلى عكس الأجزاء السابقة من المسلسل، ظهر «موجّه اللعبة»، الذي اعتاد فريق العمل تقديمه في الحلقة الأخيرة، منذ الحلقة الأولى، ويؤدي دوره الفنان أشرف عبد الباقي. في المقابل، تأخر ظهور تحديات الألعاب بين الفريقين في الحلقات الأولى، مع التركيز بشكل أكبر على الجانب الاجتماعي في حياة البطلين «مازو» و«وسيم».

ورغم احتفاظ المسلسل بجميع أبطاله الرئيسيين، وتنوّع المواقف التي يتعرضون لها، فإن الحلقات المعروضة شهدت تبايناً في ردود الفعل عبر مواقع التواصل الاجتماعي، كما لم يتصدر المسلسل نسب المشاهدة بشكل مستمر، على خلاف ما كان يحدث مع عرض معظم الأجزاء السابقة.

هشام ماجد وشيكو في مشهد من المسلسل (حساب شيكو على فيسبوك)

وقال الناقد الفني المصري أندرو محسن إن «الجزء الجديد أثار حالة من التفاعل الواضح بين الجمهور، حتى إن جاء هذا التفاعل في بدايته بشكل سلبي». وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «الحلقات الأولى كانت أضعف بشكل ملحوظ مقارنة ببقية الموسم، لكن العمل بدأ يستعيد توازنه تدريجياً بدءاً من الحلقة الخامسة أو السادسة، حتى وصل إلى مستوى جيد جداً في الحلقات اللاحقة، التي أرى أنها اقتربت من المستوى الذي اعتاده الجمهور في الأجزاء السابقة».

وعدّ من أبرز التحديات التي واجهت هذا الموسم كثرة الشخصيات؛ فرغم أن هذه النقطة كانت في الأصل من عناصر قوة المسلسل؛ إذ يتيح تعدد الشخصيات تنوعاً في ردود الأفعال داخل التحديات؛ ما يخلق مساحة أوسع للكوميديا، فإنه أكد أن هذا التنوع نفسه تحوّل مع الوقت إلى عبء؛ لأن ليس كل الشخصيات تمتلك القدرة نفسها على توليد المواقف الكوميدية؛ ما أدى إلى تراجع تأثير بعضها.

ولفت محسن إلى أن صُنّاع العمل كان يمكنهم التعامل مع هذه الأزمة بشكل أفضل من خلال تقليل مساحة بعض الشخصيات أو استبعادها جزئياً، ورأى أن «تقليل ظهور شخصية ابن وسيم كان قراراً ذكياً في هذا السياق، وكان من الممكن تطبيق الفكرة نفسها على شخصيات أخرى لم تقدم جديداً».

هشام ماجد بطل المسلسل (حسابه على فيسبوك)

في حين يشير الناقد الفني المصري محمد عبد الرحمن إلى أن الانتقادات التي تعرّض لها العمل تعكس كثافة المتابعة، لكنها في الوقت نفسه تكشف إشكالية مرتبطة بطبيعة الأعمال الدرامية متعددة الأجزاء، إذ لا يكون صنّاعها، مع تكرار المواسم، قادرين دائماً على الحفاظ على المستوى نفسه من الجودة، وهو ما يمكن رصده في هذا العمل.

وقال، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، إن «المشكلة الأساسية في الجزء الجديد ترتبط بدراما الشخصيات والخطوط الدرامية للأبطال الرئيسيين خارج إطار اللعبة، التي جاءت أقل إحكاماً مقارنة بالأجزاء السابقة، بالإضافة إلى طبيعة الألعاب التي يخوض فيها الأبطال التحديات، والتي افتقدت عناصر الإثارة والتشويق والغموض التي ميَّزت المواسم الماضية».