أودية الرياض تزهو بأنوار الفن

تحتضن أعمال فنانين عرب وأجانب ضمن عروض احتفال «نور الرياض»

أيمن يسري ديدبان (نور الرياض)
أيمن يسري ديدبان (نور الرياض)
TT

أودية الرياض تزهو بأنوار الفن

أيمن يسري ديدبان (نور الرياض)
أيمن يسري ديدبان (نور الرياض)

النور بألوانه وانعكاساته وبريقه وخفوته يتجلى في احتفال «نور الرياض»، أضخم معرض فنون ضوئية في العالم، وقد انطلق الأسبوع الماضي في العاصمة السعودية. الاحتفال في أيامه الأولى نجح في جذب الزوار لمختلف المناطق التي تحتضن أعمال فنانين من السعودية والعالم، ولكن هل يمكن تخيل ما الذي يعنيه ذلك الاحتفال الذي دخل عامه الثالث بهذه الدورة؟ مبدئياً يمكن القول بأن الأثر الجمالي البصري واضح جدًا خصوصاً في الأماكن المفتوحة، في الأودية، وفي الحديقة العامة، وعلى الجدران الشاهقة لبنايات مركز الملك عبد الله المالي «كافد». مجهود جبار في التنظيم والتنسيق والتنفيذ لاقى استجابة من الجمهور من المختصين، ومن سكان الرياض وزوارها، ورغم قصر فترة الحدث (من 30 نوفمبر (تشرين الأول) - 16 ديسمبر (كانون الأول))، لكنْ للنشاط القصير المكثف حلاوته وألقه الخاصان. خلال زيارة فعاليات «نور الرياض» سنحت لي الفرصة لزيارة المواقع الخمسة التي تركز فيها النشاط الضوئي، من تلك المواقع اخترت لكم وادي نمار ووادي حنيفة، لنطلق منهما رحلتنا مع نور الرياض.

وادي نمار... الطبيعة في حوار مع الفن الضوئي

وديان الرياض محطات للاستجمام والتنزه، على رمالها تجلس العائلات يتناول أفرادها الشاي أو الوجبات، بينما يلهو الأطفال على مقربة، اعتاد أهل العاصمة الخروج للوديان للتنزه، وهو تقليد عريق ممتد لا يزال يثير البهجة والاسترخاء. في وادي نمار تتباعد الأعمال عن بعضها، ومن ثم فاستقلال العربات الصغيرة هو الحل الأمثل لمطالعة الأعمال المختلفة مع التوقف عند اللائحة التعريفية لكل عمل الموضوعة قريباً منه ليتمكن الزائر من الحصول على المعلومات الأساسية.

الشلال المتراجع

نمر عبر الطرقات المتعرجة لنستكشف الأعمال الفنية التي توزعت على طول الوادي، بعضها اتخذ من الجبال شاشات للعرض، مثال عمل الفنانة البولندية أنجيلكا ماركول «منطقة إيغوازو»، 2013، الذي يصور شلالاً مائياً عملاقاً يقع بين حدود مقاطعة ميسيونس الأرجنتينية وولاية بارانا البرازيلية في منطقة شلالات إيغوازو، وفق رؤية الفنانة تنحسر المياه إلى الجرف كما لو أنها تعود بالزمن، مشيرة إلى ثيمة الفنانة المتكررة عن مرور الزمن وانعكاسه. العمل مسقط ضوئياً على الجبال الضخمة المحاذية للماء في وادي نمار، ويوفر مساحة للتأمل والمتعة البصرية.

رؤى

تتوقف بنا العربة لنستطيع الاقتراب من عمل الفنان السعودي سلطان بن فهد «رؤى 2023» الذي يبدو مبنى صغيراً من الخرسانة، لا يمكننا الدخول له، ولكننا نستطيع رؤية ما بداخله عبر نافذة زجاجية عريضة، وأخرى أصغر أسفل منها، ويظهر من خلال النافذة مزيج بديع من الألوان التي تندمج معاً دون شكل محدد، ولكنها جاذبة، وتتميز بجمال بصري أخاذ، وهو أسلوب مميز لأعمال الفنان عموماً، فالألوان عنده براقة حية ومستمدة من التراث المحلي.

لا يزال من هنا

الهوية المحلية تتجلى أيضاً في عمل «فاي استوديو» للفنانين سعيد جبعان وحاتم الأحمد. نتوقف أمام دائرة في الأرض ملونة بضوء أحمر، تجذب الزوار للوقوف عليها والعبث بالرمال داخل الدائرة لتتكون أشكال مختلفة، تصبح كاللعبة الغامرة الممتعة، وينغمس كل شخص داخل الدائرة في الرسم بالقدمين محركاً الرمال في أشكال مختلفة، العمل يحمل عنوان «لا يزال من هنا 2023» ووفق بيان العرض فهو يتأمل في المعرفة التي طورها البدو الرحل لتحديد الطرق وسبل الأمان في البيئة الصحراوية.

«فاي استوديو» للفنانين سعيد جبعان وحاتم الأحمد (نور الرياض)

رحلة عبر تموجات الرمال

الفنانة السعودية هناء الملي تقف إلى جانب عملها التركيبي «رحلة عبر تموجات الرمال»، الذي يبدو غرفة دائرية بيضاء مضيئة، وبالدخول للتركيب نجد أنفسنا داخل طبقات من النسيج الناصع الذي يكوّن حلقة متعددة الطبقات حول الزائر وكأنه شرنقة. ترى الفنانة أنها تمثل الاحتضان، وتقول لـ«الشرق الأوسط» إنها تبحث دائماً عن تأكيد هويتها فهي نشأت في السعودية من أم سعودية بأصول سورية ووالدها سعودي من أصول تركية وكردية: «أحاول أن أعرف من أنا، سافرت لأميركا للدراسة، وهناك عايشت مفهوم الغربة والحنين للوطن، حاولت فهم مصدر هذا الإحساس. «عملها هنا محاولة للفهم استخدمت فيه ممارساتها بوصفها فنانة تعمل في النسيج والأصباغ الطبيعية، ومزجت فيه نسيج السدو التراثي، الأقمشة المعلقة أمامنا تتمايل مع نسيم الليل بحركة متكررة تعكس الإحساس بالغربة، والتعافي من تلك المشاعر أيضاً. تضيف: «هنا أستخدم الضوء للمرة الأولى» وأيضاً تستخدم الفنانة الشعر، فخلال وجودنا داخل العمل نستمع لكلماتها: «مع كل قطعة أقوم بها، أكتب قصيدة لها بالفعل. لذلك، حتى يتمكن الناس من فهم شعور الشوق والشعور بالغربة. هذه القطعة هي نوع من خاتمة هذا الاغتراب. والقصيدة تقول ذلك أيضاً».

«رحلة عبر تموجات الرمال» للفنانة هناء الملي (نور الرياض)

النجم الساقط

من الأعمال المعروضة هنا أيضاً عمل للفنان عبد الله العمودي «ابحث عني وسوف تجدني» يبدو كأنه نجم مشتعل سقط على الأرض، النجم هنا هو نجم «سهيل» الذي يتخذ مكاناً بهياً في الفلكلور الخاص بشبه الجزيرة العربية يظهر في الأشعار والأغاني والعلوم. عمل العمودي هنا يبتكر قصة جديدة للنجم «سهيل» لكن على الأرض هذه المرة عبر ضوئه الأحمر المشع نستكشف بعضنا. يقول العمودي لـ«الشرق الأوسط»: «هنا تخيلت أن سهيل قد هبط للأرض، وأصبح علينا أن نجده، ونرشده نحن».

«ابحث عني وسوف تجدني» للفنان عبد الله العمودي (نور الرياض)

النفق

يتحدث عمل الفنان سليمان السالم عن موقع محدد مر خلاله كثيراً في مدينة مكة المكرمة، وهو النفق المعروف باسم «المسخوطة» الذي يعد أطول أنفاق جبال مكة المؤدية إلى الحرم. يقول السالم لـ«الشرق الأوسط» إن العبور عبر النفق يثير شعور الترقب، فالمار خلاله يشعر بأنه بلا نهاية. ومن هنا يأتي الفيديو المصاحب للعمل متميزاً بلمسة لا نهائية تأملية. يتخذ العمل من فتحة مدخل سد وادي نمار مكاناً للعرض، ما يمنحه تأثيراً خداعياً إضافةً إلى سياق مناسب؛ فحتى وقد عُدِّل الفيديو بطريقة تحذف كل شيء ما عدا أضواء النيون الساطعة في النفق. عبر العمل يتحول النفق المعروف في مكة إلى آخر «افتراضي غير واضح المعالم»، كما يشير خلال حديثه معي، ويقول إنه يتعامل من خلال أعماله مع المعالم والأشياء التي تعد مألوفة، ولا تثير الدهشة ليغير من المشاعر البسيطة اليومية التي نشعر بها في يومنا لتختزل في العمل لتصبح مركزة وحادة».

«النفق» للفنان سليمان السالم (نور الرياض)

بتوقيت الأرض

يتخذ عمل الفنانة الأميركية جانيت إيشلمان «بتوقيت الأرض 1.26 الرياض» مساحة ضخمة في وادي نمار، يبدو كمظلة مقلوبة شاسعة المدى متلونة بألوان مرحة، تمنح المساحة للتأمل والتمعن في الضوء واللون، تحت العمل يجلس الزوار على وسائد محلية تراثية، ينيرهم العمل بضوئه، ويشد بأبصارهم للأعلى، وكأنما يسلط الضوء على العلاقات بين البشر وبينهم وبين الأرض من ناحية أخرى.

وادي حنيفة الأشجار والماء

في وادي حنيفة تطل علينا مجموعة أخرى من الأعمال الباهرة، يختلف وادي حنيفة عن وادي نمار من حيث مساحات العرض، ومن حيث بعد الأعمال عن بعضها وأيضاً في سهولة الوصول لها. في جانب من الوادي تجلس العائلات على العشب يتناولون الشاي، ويتسامرون وخلفهم شاشة ضخمة تعرض المناظر الطبيعية، في تلك اللحظة تتبدى عبقرية استخدام الوادي كمكان لعرض الأعمال الفنية التي تنسجم مع الزوار، وتصبح جانباً أساسياً من نزهتهم وحواراتهم، وتدخل التعبيرات الفنية إلى داخل المجتمع بكل رقي وجمال.

أيمن يسري وبيت الشجرة

يبدو مثل بيت خشبي مزخرف من بعيد، عمل جاذب يصبح هو الضوء الذي نتجه إليه، نسير على الرمال، وعلى الحصى عابرين ممرات ترابية لنصل للبيت الخشبي. العمل التركيبي الخاص من دون أبواب أو نوافذ هو عبارة جدران وسقف من الخشب يحمل فراغات محفورة يدلف منها الضوء ليكون أشكالاً متنوعة على الأرض الرملية. يجذب العمل الزوار بجمالية عالية وحس الطفولة، هل يمكن أن نعده بيت الشجرة الذي حلمنا بالصعود إليه صغاراً؟ ربما يكون ذلك، لكن تجربة الدخول لذلك الكيان ومراقبة انعكاسات الضوء على ملابسنا، وعلى الوجوه وأيضاً على الأرض تجربة بصرية باهرة في حد ذاتها. الفنان يقف على مقربة من العمل يبتسم بهدوئه المعتاد، ويقول لـ«الشرق الأوسط» مشيراً للعمل: «هو مظلة تأخذ فكرتها من ظلال الشجر، حيث يصبح الهدف هو الظل نفسه». التعبير الفني للمجسم هنا لا يقدم بالضوء، ولكن بالظل، وفق ما يشرح لنا الفنان: «الفراغات الموجودة هي مثل قطع (بازل) الألغاز الخشبية، هنا الألغاز لا تخرج لنا قطعاً محددة المعالم مثل الألغاز الخشبية التي كنا نلعب بها في الطفولة لتكوين أشكال محددة على سبيل المثال الديناصور. ولكن الناتج هنا هو أشكال عشوائية «وهذا هو المقصود».

«الحياة» للفنانة زهرة الغامدي (نور الرياض)

المياه العميقة والحياة

من الأعمال التي نراها في وادي حنيفة عبر الشاشات الضخمة عمل الفنانة سارة أبو عبد الله، ويحمل اسم «المياه العميقة»، وتجري أحداث الشريط المرئي داخل الوادي، وفي الفيديو، تلعب الأرض نفسها دور البطولة متضمنة حشراتها وحيواناتها، وقد تظهر لنا قاسية وجرداء، ولكنها في الواقع مليئة بالحياة والشعر. للفنانة السعودية زهراء الغامدي عمل هنا أيضاً نجده متجسداً على الأرض مستظلاً بشجريتين متعانقتين، يحمل عنوان «الحياة» تتأمل من خلاله الفنانة الصحراء مستمدة إلهامها منها، ومن تغيرها المستمر. ننظر إلى العمل، ونحار في ماهية الكيانات المضيئة أمامنا المنسقة على نحو بديع، نعرف من البيان المرفق أن العمل يمزج «المواد الاصطناعية مثل البلاستيك مع المواد الطبيعية، ويُنشئ سطحاً مشقوقاً دامجاً المواد المُستخدمة معاً بالحرارة يسمح بمرور الضوء من خلال فتحاته العديدة التي تسمح للضوء الذهبي بأن يشق طريقه ليكون مرئياً».

الأعمال المعروضة في الواديين كثيرة وباهرة، ولا يمكن إيفاؤها حقها إلا برؤيتها والنصيحة هنا بزيارة مواقع عروض نور الرياض؛ فليس من سمع كمن رأى.


مقالات ذات صلة

حضور سعودي لافت في «مالمو للسينما العربية» بالسويد

يوميات الشرق الممثلة لامار فدان في فيلم «هجرة» (الشركة المنتجة)

حضور سعودي لافت في «مالمو للسينما العربية» بالسويد

تشهد الدورة السادسة عشرة من مهرجان «مالمو للسينما العربية» بالسويد حضوراً لافتاً للسينما السعودية بوجود أفلام سعودية في مختلف المسابقات.

أحمد عدلي (القاهرة )
يوميات الشرق صور المخرج مع رفاقه ومعارفه في الإقليم (الشركة المنتجة)

إليزي سواسوا: «طفح الكيل» يوثق شهادة جيل وُلد تحت النار في بلدي

في شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية حيث تتقاطع الثروات المعدنية الهائلة مع أطول الحروب المنسية في أفريقيا، يقدَّم فيلم «طفح الكيل» بوصفه أكثر من عمل وثائقي.

أحمد عدلي (برلين)
يوميات الشرق المخرجة التشيكية خلال تسلم الجائزة في برلين (إدارة المهرجان)

بيبا لوبوجاكي: «لو تحولت الحمائم إلى ذهب» امتداد لسيرة عائلتي

قالت المخرجة التشيكية، بيبا لوبوجاكي، إن فيلمها الوثائقي «لو تحولت الحمائم إلى ذهب» لم يكن اختياراً تقليدياً لقصة بقدر ما كان امتداداً مباشراً لسيرتها العائلية.

أحمد عدلي (القاهرة )
سينما محمد حمَّاد لـ«الشرق الأوسط»: في «خروج آمن» أطرح قضايا وأسئلة لا أجوبة عليها

محمد حمَّاد لـ«الشرق الأوسط»: في «خروج آمن» أطرح قضايا وأسئلة لا أجوبة عليها

بعد 10 سنوات على تحقيقه فيلمه الأول «أخضر يابس»، يعود المخرج محمد حمَّاد ومنتجته خلود سعد للعمل معاً في فيلم آخر بعنوان «خروج آمن»، عُرض في «مهرجان برلين».

محمد رُضا (لندن)
يوميات الشرق حرص صناع الفيلم على حضور العرض العالمي الأول في برلين (إدارة المهرجان)

ريما داس: اخترت سرد «ليس بطلاً» من منظور الأطفال

يقدم الفيلم الهندي «ليس بطلاً» للمخرجة ريما داس عملاً إنسانياً هادئاً يتأمل التحولات الصغيرة التي تصنع فارقاً عميقاً في حياة الأطفال والكبار على حد سواء.

أحمد عدلي (برلين)

السعودية تؤسس معهداً ملكياً للأنثروبولوجيا لتوثيق التحولات الاجتماعية ودراسة المجتمعات

يمثل تأسيس المعهد منصة علمية لتوثيق التراث وتعميق الوعي بالثقافة المحلية عبر الأبحاث الأنثروبولوجية (واس)
يمثل تأسيس المعهد منصة علمية لتوثيق التراث وتعميق الوعي بالثقافة المحلية عبر الأبحاث الأنثروبولوجية (واس)
TT

السعودية تؤسس معهداً ملكياً للأنثروبولوجيا لتوثيق التحولات الاجتماعية ودراسة المجتمعات

يمثل تأسيس المعهد منصة علمية لتوثيق التراث وتعميق الوعي بالثقافة المحلية عبر الأبحاث الأنثروبولوجية (واس)
يمثل تأسيس المعهد منصة علمية لتوثيق التراث وتعميق الوعي بالثقافة المحلية عبر الأبحاث الأنثروبولوجية (واس)

يطلق «المعهد الملكي للأنثروبولوجيا والدراسات الثقافية» الذي أقرّ تأسيسه مجلس الوزراء السعودي، يوم الثلاثاء، مرحلة جديدة من النضج للأعمال البحثية والمعرفية المتعلقة بدراسة المجتمع السعودي وفهم تحولاته، عبر أدوات علمية رصينة.

وثمَّن الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان وزير الثقافة، للقيادة السعودية، إطلاقها هذا المسار، مؤكداً أن المعهد سيمثل «راوياً موثوقاً لثقافتنا، ومنارة إلهام في دراسات فهم الإنسان». وأوضح الأمير بدر أن تأسيس المعهد يمثل منصة علمية لتوثيق التراث السعودي وتعميق الوعي بالثقافة المحلية عبر الأبحاث الأنثروبولوجية، ما يسهم في تقديم رؤى ثقافية فاعلة تشجع التبادل الثقافي العالمي.

وتكتسب السعودية أهمية خاصة في حقل الدراسات الأنثروبولوجية والثقافية؛ نظراً لما تختزنه من عمق تاريخي وحضاري ممتد منذ قرون حتى اليوم، كما تتميز بتنوع ثقافي واجتماعي ومناطقي واسع، يتجلى في أنماط الحياة، والعادات والتقاليد، واللغة والتعبير الشفهي، فضلاً عن تجلياته في الآداب، والفنون الأدائية، والعمارة، والفنون البصرية، وفنون الطهي، والأزياء، وغيرها من الممارسات والتمثلات الثقافية التي تشكل مادة غنية للدراسة والتحليل والتوثيق.

وسيعمل المعهد على تطوير بحوث أكاديمية وتطبيقية متخصصة في الأنثروبولوجيا والدراسات الثقافية، بما يشمل دراسة المجتمعات المحلية، وأنماط العيش، والنظم الرمزية، والتحولات الاجتماعية، وأشكال التعبير الثقافي في المملكة العربية السعودية. كما سيعنى المعهد بتوثيق التراث الثقافي المادي وغير المادي في سياقاته الاجتماعية والتاريخية، ورصد ما يتصل به من معارف وممارسات وتمثلات وقيم، بما يضمن تقديم فهم علمي متكامل للعناصر الثقافية بوصفها جزءاً من الخبرة الإنسانية الحيّة.

كسر «العداء القديم» تجاه علم الأناسة

يرى مراقبون وأكاديميون أن هذا القرار ينهي عقوداً من التوجس تجاه علم الأنثروبولوجيا (علم الأناسة)، واعتبر الدكتور حمزة بن قبلان المزيني أن تأسيس المعهد «برهان على ما بلغناه من وعي بأهمية هذا التخصص الذي كان البعض يعاديه عداءً مفرطاً». واستحضر المزيني في حديث مع «الشرق الأوسط» نضال الأكاديميين السعوديين الأوائل، وفي مقدمتهم الدكتور سعد الصويان، الذي واجه معارضة شديدة لمحاولة تدريس هذا التخصص في الجامعات، مما اضطره للعمل «خارج الأسوار» لتقديم أبحاث أناسية مذهلة حول المجتمع السعودي.

وقال المزيني: «هنا يجب علينا أن نتذكر ما عاناه بعض الأكاديميين السعوديين من معارضة شديدة حين حاولوا إنشاء قسم في الجامعة لهذا التخصص، ويأتي الزميل الأستاذ الدكتور سعد الصويان في مقدمة هؤلاء، واضطرت المعارضة الشديدة لتدريس هذا التخصص في الجامعة الدكتور الصويان إلى أن يقوم بجهد فائق خارج أسوار الجامعة في البحث والتنقيب في جوانب مجتمعنا عن بعض المظاهر الأناسية التي تعمل تحت مستوى وعينا، وأنجز في ذلك أعمالاً رائعة».

وأكد المزيني أن المجتمع السعودي لا يزال بكراً لم يُدرس بما يكفي، وبناء عليه سيكون ميداناً غنياً للدارسين الأناسيين السعوديين. وأضاف: «الهدف من هذا التخصص المعرفة العلمية الموثوقة التي تؤدي إلى اكتشاف سمات مجتمعنا لنزداد معرفة بأنفسنا، ولا بأس باكتشاف مظاهر مجتمعنا ونفسيتنا السلبية؛ فهذا هو الطريق الصحيح لمعالجتها، بدلاً من تجاهلها أو التكتم عليها. يُضاف إلى ذلك أن تأسيس هذا المعهد يأتي برهاناً آخر على التغيرات الإيجابية الكثيرة التي تحققت في بلادنا».


أولريكه أوتينغر: استوحيت «كونتيسة الدم» من زيارتي لمدن منسية

عرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان برلين السينمائي (الشركة المنتجة)
عرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان برلين السينمائي (الشركة المنتجة)
TT

أولريكه أوتينغر: استوحيت «كونتيسة الدم» من زيارتي لمدن منسية

عرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان برلين السينمائي (الشركة المنتجة)
عرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان برلين السينمائي (الشركة المنتجة)

قالت المخرجة الألمانية، أولريكه أوتينغر، إن فكرة فيلم «كونتيسة الدم»، الذي عرض في الدورة الأحدث من مهرجان برلين السينمائي، لم تولد من رغبة مباشرة في تقديم عمل عن مصاصي الدماء، بل جاءت نتيجة رحلة شخصية قامت بها في أواخر التسعينات، حين دُعيت إلى فيينا وقررت أن تسلك طريقاً طويلاً بالسيارة مروراً ببرلين وشرق ألمانيا وعدد من دول أوروبا الشرقية في طريقها إلى النمسا، وهي الرحلة التي جعلتها تشعر بأن تلك المدن القديمة تبدو وكأنها مدن منسية، تقبع خارج الزمن، بما تحمله من عمارة وتاريخ وطبقات من الذاكرة، فكانت الشرارة الأولى التي أوحت لها بفيلم عن مصاصي الدماء.

وأضافت لـ«الشرق الأوسط» أن الفيلم لم يكن مشروعاً بسيطاً يمكن إنجازه بشكل اعتيادي كما يحدث مع الأفلام الأخرى نظراً لطبيعته الخاصة وما يحتاجه من تفاصيل وتجهيزات عدة، وهو أمر جعل العمل عليه مستمراً لأكثر من 27 عاماً حتى يرى النور، وهي فترة كانت كفيلة بإعادة كتابة السيناريو عدة مرات وإحداث تغيرات كبيرة، لكن مع ثبات فكرة العمل وطبيعته.

وأوضحت أن تعاونها في كتابة الحوار مع الكاتبة النمساوية الحاصلة على نوبل إلفريدي يلينيك أضاف للنصّ بعداً ثقافياً وساخراً، مشيرة إلى أنها تواصلت معها في أوائل الألفية الجديدة، وكتبت مقاطع تحمل إشارات دقيقة إلى التاريخ النمساوي والبنية الاجتماعية، لكن بعض تلك المقاطع حُذف لاحقاً بسبب ضرورة تقليص زمن الفيلم، وما بقي من مساهمتها يمنح العمل نبرة نقدية خفية، تتسلل عبر الحوار دون مباشرة.

المخرجة الألمانية أولريكه أوتينغر (الشركة المنتجة)

وفي ما يتعلق ببناء السيناريو، قالت إنها تعتمد دائماً على دفتر ضخم من الصور والرسوم والمواد البصرية التي تجمعها على مدار سنوات، وصنعت من هذه المواد لوحات قصصية استعانت بها في مناقشة مدير التصوير، فالصور كانت نقطة البداية، قبل أن تبني حكاية تقوم على تنويعات المطاردة، وفق قولها «فمصاصو الدماء يبحثون عن دم جديد، والكونتيسة تنقب في تاريخ عائلتها، والخيط الرئيسي يتمثل في البحث عن كتاب غامض يهدد وجود مجتمع مصاصي الدماء نفسه».

وأكدت أن شخصية «مصاص الدماء» جذبتها لأنها نموذج حي لكيفية تحديث الأساطير القديمة باستمرار، مع بقاء الصور ذاتها تتكرر عبر العصور، وكانت مهتمة بإعادة قراءة هذا الكائن من زاوية مختلفة، لذلك أدخلت شخصية «مصاص الدماء النباتي»، الشاب المتمرد الذي يذهب إلى العلاج النفسي في محاولة لاستعادة طبيعته، في مفارقة ساخرة مع الصورة النمطية للكائن المتعطش للدماء.

وأشارت إلى أن الكونتيسة وخادمتها تمثلان في المقابل ذروة الإغواء والقوة، بينما تحاول «قوى النظام» من أطباء نفسيين وشرطة وباحثين في مصاصي الدماء القبض عليهم، غير أن خوفهم نفسه هو ما يسمح بوجودهم، مؤكدة أن طبيعة الفيلم الباروكية، واعتماده على مواقع تاريخية وديكورات معقدة وأزياء استثنائية، جعلته عملاً مكلفاً بطبيعته، وهو ما أبطأ خروجه للنور.

وأوضحت أولريكه أوتينغر أنها خلال وجودها في فيينا بدأت تبحث عن مواقع تحمل طابعاً غرائبياً وتاريخياً في آن واحد، مثل برج الحمقى الذي كان من أقدم المصحات النفسية في أوروبا وتحول إلى متحف، إضافة إلى الأنفاق السرية والمناجم والمواقع المرتبطة بتاريخ مضطرب، وهو ما عزّز لديها فكرة العبور بين الماضي والحاضر داخل حكاية واحدة، مؤكدة أن السفر والمكان يشكلان دائماً مصدر إلهامها الأساسي، وأعمالها تتحرك غالباً على خطوط التماس بين التحولات السياسية والاقتصادية الكبرى وما تخلقه من مخاوف وأوهام بالخلاص.

صناع الفيلم خلال العرض الأول في مهرجان برلين (إدارة المهرجان)

وأكدت أن اللون الأحمر يسيطر على الفيلم بوصفه محوراً بصرياً، مشيرة إلى أنه «يظهر في المخمل والحرير والشموع والسلالم الرخامية حتى تفاصيل الطعام، فالأحمر ظهر ليس رمزاً مباشراً للدم فقط، بل طاقة جمالية تخلق توتراً دائماً بين الغواية والخطر».

وأكدت أوتينغر أنها منذ البداية كانت ترى في النجمة الفرنسية إيزابيل أوبير تجسيداً مثالياً لشخصية «الكونتيسة»، وأنها ناقشت المشروع معها على مدى ما يقرب من 20 عاماً، وأبدت حماسة واضحة، لكن تعثر التمويل كان يؤجل التنفيذ في كل مرة، إلى أن توفرت الميزانية أخيراً فانضمت فوراً إلى فريق العمل، مؤكدة أن الدور مختلف جذرياً عن الأدوار النفسية المعقدة التي اشتهرت بها أوبير، فـ«الكونتيسة» في الأحداث ليست شخصية تحليلية تُشرح دوافعها، بل تمثل حضوراً أيقونياً طاغياً، متسلطاً، يفرض نفسه بالصمت والهيبة.

وأوضحت أن «الفيلم يتنقل لغوياً بين الألمانية والفرنسية، في انعكاس لحياة تعبر الحدود الثقافية»، مؤكدة أن «أوبير عملت على تحسين لغتها الألمانية، فيما تعلمت الممثلة بيرجيت مينيشماير الفرنسية، ليصبح الحوار انتقالاً طبيعياً بين لغتين لا تفصل بينهما حدود صارمة»، معتبرة أن تمسك فريق العمل وحماسهم للتجربة جعلاها تتجاوز صعوبات عدة، أهمها إكمال التصوير في 30 يوماً فقط.


جيهان الشماشرجي تطالب بـ«عدم تشويه سمعتها» عقب إحالتها لـ«الجنايات»

الفنانة المصرية جيهان الشماشرجي (صفحتها على فيسبوك)
الفنانة المصرية جيهان الشماشرجي (صفحتها على فيسبوك)
TT

جيهان الشماشرجي تطالب بـ«عدم تشويه سمعتها» عقب إحالتها لـ«الجنايات»

الفنانة المصرية جيهان الشماشرجي (صفحتها على فيسبوك)
الفنانة المصرية جيهان الشماشرجي (صفحتها على فيسبوك)

خطف خبر إحالة الفنانة المصرية جيهان الشماشرجي إلى محكمة الجنايات، الاهتمام في مصر، على خلفية قضية تعود لعام 2025 تضمنت اتهامات بـ«السرقة بالإكراه»، وتصدر اسم الفنانة «الترند» على «غوغل» و«إكس» بمصر، الأربعاء، خصوصاً بعد إصدارها بياناً عبر ممثلها القانوني تطالب فيه بـ«عدم التوسع في نشر معلومات تمس السمعة والشرف».

وأحالت جهات التحقيق القضية رقم 6553 لسنة 2025 جنايات قصر النيل، والمقيدة برقم 1434 لسنة 2025 كلي وسط القاهرة إلى محكمة الجنايات لاتهام الفنانة و4 آخرين بارتكاب سرقة بالإكراه والتسبب في إصابة سيدة بإصابات بالغة، وتحددت أولى جلسات المحاكمة في 26 مارس (آذار) الجاري، وفق ما نشرته وسائل إعلام محلية.

ونشر العديد من مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي تعليقاً على الواقعة، وكتب الناقد الفني المصري محمد عبد الرحمن على صفحته بـ«فيسبوك» أن «ما وصلني من معلومات يرجع الواقعة لأكثر من عامين، حيث كانت الفنانة شريكة بالإيجار في استوديو يضم أكثر من فنان في مجالات تصميم الحلي والفنون بشكل عام».

مضيفاً أنه «خلال فض الشراكة وخروج المستأجرين، حدث خلاف بين إحدى المستأجرات وصاحبة المكان تطور إلى مشاجرة أصيبت فيها والدة صاحبة الاستوديو، ما أدى لتحريك بلاغ تطور إلى دعوى قضائية من جانب صاحبة المكان ضد كل المستأجرين الحاضرين للواقعة ومن بينهم جيهان».

الفنانة المصرية جيهان الشماشرجي (صفحتها على فيسبوك)

وقال عبد الرحمن لـ«الشرق الأوسط»: «هذه القضية تعكس عدم تناول بعض المواقع الصحافية لقضايا معينة بما يناسب حجم الموضوع، فقد تم تضخيم الأمر وهذا ثمن الشهرة؛ لأن القضية تعود للفترة التي سبقت شهرة الفنانة، لدرجة أن اسمها في المحاضر غير مطابق لاسمها الفني، والقضية حالياً في يد القضاء ويجب أن تتعامل الصحافة مع هذه القضايا بتوازن وليس على أساس شهرة المتهم».

وأصدرت الفنانة جيهان الشماشرجي بياناً عبر مستشارها القانوني، تطالب فيه وسائل الإعلام بـ«تحري الدقة فيما ينشر عن إحالتها للمحاكمة، مع التأكيد على أن قرار الإحالة الصادر عن النيابة جاء على خلفية نزاع بين أطراف أخرى يتعلق بشركة تجارية وخلافات نشبت بينهم، وأن اسمها جاء في القضية ضمن اتهام شائع مع عدة أطراف أخرى، وأنها ليست طرفاً في النزاع التجاري محل الخلاف».

وأشار البيان إلى أن «نشر قرار الإحالة لا يعني ثبوت الاتهام، والكلمة الأخيرة تبقى للقضاء بعد نظر الدعوى». وطالب بـ«عدم التوسع في نشر معلومات تمس السمعة والشرف، إلى حين صدور حكم القضاء المصري في القضية».

جيهان الشماشرجي في مسلسل «بطل العالم» (صفحتها على فيسبوك)

وقال الناقد الفني المصري، أحمد سعد الدين، إن «القضية التي تواجهها جيهان الشماشرجي ترجع إلى نحو 3 سنوات حين كانت تعمل في تصميم الإكسسوارات، وفي النهاية حدث خلاف، والنيابة وجهت اتهاماً لها وأحيلت مع آخرين للجنايات».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «القضية أخذت بعداً إعلامياً آخر يضخمها بسبب نجومية جيهان الشماشرجي، بعد أن أصبحت فنانة معروفة، ولا نستطيع التحدث في قضية ما زال ينظرها القضاء، خصوصاً أن جيهان الشماشرجي امتثلت لهذا الوضع وذهبت لإجراء مناظرة، وما زالت الدعوى منظورة»، لكن وفق سعد الدين «تظل هذه القضية مرتبطة بشهرة الفنانة، ولو كانت وقعت بين شخصين عاديين لم يكن أحد ليسمع بها».

وشاركت جيهان الشماشرجي في العديد من الأعمال الدرامية والسينمائية في الفترة الأخيرة من بينها مسلسلا «إخواتي» و«بطل العالم»، وفيلما «أحمد وأحمد» و«علشان خاطر جليلة» الذي أعلنت عن الانتهاء من تصويره قبل أيام، وفي الموسم الرمضاني الحالي تشارك في المسلسل الإذاعي «المتر براءة». وشاركت من قبل في مسلسلي «جودر: ألف ليلة وليلة» و«الحشاشين».