«سرّ لبنان بعيون كويتية»... 70 عاماً من الوفاء

أحمد الصراف لـ«الشرق الأوسط»: وحدها فيروز تُعيد ذاكرتي إنْ فقدتُها

رسم لدير مار سركيس وباخوس بعدسة يوسف شهيد الدويهي (لقطة لغلاف الكتاب)
رسم لدير مار سركيس وباخوس بعدسة يوسف شهيد الدويهي (لقطة لغلاف الكتاب)
TT

«سرّ لبنان بعيون كويتية»... 70 عاماً من الوفاء

رسم لدير مار سركيس وباخوس بعدسة يوسف شهيد الدويهي (لقطة لغلاف الكتاب)
رسم لدير مار سركيس وباخوس بعدسة يوسف شهيد الدويهي (لقطة لغلاف الكتاب)

يجمع الكاتب الكويتي أحمد الصراف 70 عاماً من عشق لبنان، في كتاب «سرّ لبنان بعيون كويتية» الصادر عن دار «سائر المشرق». المولود الجديد سبقه إلى القراء كتاب «70 نصاً في 11 عاماً عن 70 عاماً من الولع»، نُشر في الكويت، وتعذّر وقوعه بين يدي القارئ اللبناني. غيَّر مقدّمته، أضاف، واختار عنواناً آخر؛ فكانت هذه المحبّة الخالصة. يُزيَّن الغلاف برسم لدير مار سركيس وباخوس بعدسة يوسف شهيد الدويهي، ويضمّنه مقالات كتبها عن لبنان بعبق شخصي ورؤية عامة، نشرتها جريدة «القبس» التي يقيم بين أعمدة كتّابها منذ 30 عاماً.

«يُبرّئ» الكتاب من الانضواء في جنس، ليُحمّله أجناساً مجتمعة، فهو «ليس سيرة ذاتية، ولا خواطر شخصية، ولا سرد لأحداث عائلية، ولا وصف لعلاقة لبنانية أبدية، بل شيء من ذلك كله». يُشرِّع الصراف «المُتعمِّد» بمصاهرة عاطفية، بزواجه من لبنانية، لبنانَ «اللغز ومصدر الإلهام والفضول»، على أسئلة الهوية والتحوّلات وتخبّط المكوّنات. يقرأه بالقلب، وأيضاً بالعقل. يجادل في إشكالياته ويُشهر الافتتان بمزاياه.

يدرك جوهر التركيبة اللبنانية، ورغم إطلاقه نداءات التعدُّد، يُقدِّم المسيحيين، وتحديداً الموارنة، على الآخرين في حَمْل الإرث وريادة الإبداع. يتحدّث عن «جمال لبنان الأبدي»، وأمام مآلاته المؤلمة في السنوات الأخيرة، يعدل عن المجاهرة بالحب المطلق. يلفحه تغيُّر أحواله، وما هجَّر كثيرين وحطَّم الآمال بوطن.

يُخبر «الشرق الأوسط» أنّ علاقته بلبنان كانت دائماً «كعلاقة عاشقين من طبعين حادين، تخلّلت حياتهما خلافات صغيرة وكبيرة، وفراق ولقاء. فلا هما قادران على التعايش، ولا على الطلاق. يفرّقهما الدمع والألم، ويجمعهما الشوق للقُبل».

غلاف كتاب «سرّ لبنان بعيون كويتية» الصادر عن دار «سائر المشرق»

وإذ تتقلّب المشاعر المؤجَّجة في الكتاب، فذلك لأنه «ليس وحدة، بل كُتبت مقالاته على مدى 15 عاماً تقريباً، مرَّ خلالها لبنان بظروف قاسية، فاعترته الفوضى، وأنواء العزلة والغربة. قُتل كثيرون وتشرّد أكثر، وتفرّق الأحبّة». تستوقفه «ذروة المأساة» بوقوع انفجار المرفأ، عصر الرابع من أغسطس (آب) 2020، «وما سبق ذلك ولحقه من انهيار للقوة الاقتصادية. المقالات صدى بعض أحداث تلك الفترة».هل كان الحب ليتّقد بهذه الغزارة، ويلامس النُّبل، لو أنّ الصراف لبناني؟ «ربما لو كنتُ لبنانياً، وسُحقتُ تحت الأهوال، لما أحببتُه كما فعلت. إنني أتمتّع برفاهية البُعد عنه، وممارسة حرّيتي، وفي اختيار عواطفي ومواقفي من تعدّداته العرقية، والدينية، واللغوية، والثقافية على أرضه».

الكاتب ونتاجه طافحان بالحب تجاه وطن يلومه بعض أبنائه، ويغادره آخرون مُحمَّلين بالزعل. يقول: «يكفيني ثراء كسبته، نفسياً ومعنوياً وعاطفياً، على مدى 70 عاماً. لا يزال لبنان يثريني، ولم يتغيّر شيء. لستُ أعاني آلام اللبناني العادي، ولم أتأثر بالمواجع. كان بمقدوري تحمُّل فقدان أموالي في مصارفه بصفتي رجل أعمال، فخسارتي نتاج إصغائي لصوت الربح العالي، وليس لمخاطر قد تُتبع. خسرتُ لأنني لم أضع جميع الاحتمالات في الحسبان. لكن ذلك لم يمسَّ حبي للبنان وتعلّقي بناسه وأرضه. لم أره يوماً حساباً مصرفياً ولا فنادق فخمة، ولا حتى مقاهي ومطاعم وكتب و(حرية وحشية)، كما تغنّي فيروز. لبنان عندي جبل شامخ، وابتسامة رائعة، ومعاملة، وشوق، وصنوبرة... وكلها بقيت كما هي».

النجاة بالمعرفة الأقلّ

يلفت القارئ إعلان أحمد الصراف «الندم» لمعرفته بلبنان أكثر مما ينبغي، ورغبته المتأخرة في البقاء على مسافة. الحب والحسرات، قدرا الصادقين؛ أي أصداء لعراكهما الداخلي، وأي تداعيات غير مُعلنة، تنضمّ إلى الندم؟ يجيب: «الأهم هم ناس لبنان. ولكن في الفترات العصبية، علمتُ أنّ لبنانياً يقتل غيره بذريعة الدفاع عن وجوده ووطنه، وربما يقصد طائفته. حزنت أكثر يوم عرفت أنّ آخر على الجهة المقابِلة من خط النار، ينتظر مَن يلقّمه رصاصة تودي بحياته، بالذريعة عينها! هذه المعرفة أتعبتني. هي من صنف المعارف غير المجدية. فما يفيدني لو عرفتُ الجانب المظلم من سيرة فنان كبير، إن كنتُ مستمتعاً بمشاهدته يعزف عذوبة الأنغام، أو يرسم بديع اللوحات، أو يؤدّي على المسرح أروع دور؟ كلما عرفنا الأقل عمَّن نحب، قلَّ الشكّ والقلق».

يكتب عن فيروز، وقد تعلّم حبها من أبيه؛ فهي السكينة خارج الخراب. ثم يقول في مقال «أنا ولبنان وطوائفه» إنها «أصبحت لا تعني الكثير». يبدو أنّ صراع الواقع والخيبات اندلع فيه فجعله يُغلِّب العتب. يردُّ أنّ للمقال سياقاً لم يعد يذكره. ويُنزّه فيروز عن الصغائر: «هي الأيقونة وحب الطفولة، وأول لقمة حقيقية تناولتها في محراب الفن بعد فطامي من حليب أمي. طعم صوتها وكلمات أغنياتها في داخلي ما حييت. وإن فقدتُ ذاكرتي يوماً، فلن يعيدني إلى الحياة إلا هذا الصوت. إنه أيام صباي وروائع أيامي اللبنانية. سيدة شامخة تقف على قمة جبل، تفتح ذراعيها، وتغنّي للسحاب تحت قدميها وللسماء فوق هامتها المرفوعة».

الكاتب الكويتي أحمد الصراف يوقّع كتابه في معرض بيروت للكتاب (فيسبوك)

وجود «لا مثيل له»

لِنَعُدْ إلى السياسة. تبلغ اللذاعة أقصاها بأسلوب الكوميديا السوداء في مقال «اخرجوا أيها المسيحيون من أوطاننا». إنه بمثابة نعي لبنان إن فُرِّغ من مسيحييه، وإعلان زواله عن الخريطة. مواقف أحمد الصراف ليبرالية، وإيمانه عميق بقيم التسامح وحقوق الإنسان. يرى هجرة المسيحيين أو تضاؤل تأثير ما يتبقّى منهم، انتهاكاً للجوهر؛ «حينها سيصبح لبنان بنظري شيئاً آخر، غيره الذي عشقته طوال حياتي. فالوجود المسيحي فيه لم يكن زخرفاً، بل وجود لا مثيل له. أقول ذلك مع كامل محبتي واعتزازي بصداقة بقية اللبنانيين. لكنّ البلد ارتبط في ذاكرتي ووجداني بأتباع كنائسه، فقد كانوا طوال نحو 7 عقود الأكثر تسامحاً معي والأسهل معشراً، والأكثر إقبالاً على الحياة من دون عقد، مع كمٍّ أقل من الرياء والازدواجية في حياتهم اليومية وعلاقتهم مع الآخرين».

اليوم، وأمام تربُّص المصير الجحيمي، بأي صورة تراه عيناه؟ يجيب: «مصير لبنان مظلم في عين كل مَن يعرف حقيقة ما تخبئه الأيام. لبنان فقد كل شيء تقريباً، ولا يزال يمتلك كل شيء حتماً! بشره لا يزالون على سابق عنفوانهم، والملايين الذين هجروه بانتظار إشارة العودة. قيمه وأصوله لا تزال كما هي، والمسألة تتطلّب خروج مارد من تحت الركام، فيمسك بالدفة ويقود القاطرة الكهلة التي اهترأت من آثار الدخان الأسود، ليدفعها نحو غابة الصنوبر ويزيل بهوائها العليل سموماً أصابتها، ثم يصل بها إلى ثلوج جزين لغسل أحزان الماضي، ورفع الأمل في غدٍ أفضل نحو قمم صنين. أوقن أنني سأرى ذلك اليوم قبل وداع الحياة».


مقالات ذات صلة

دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

كتب دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

اتّسعت خريطة دور النشر الفرنسية المهتمة بالأدب العربي اتّساعاً ملحوظاً في السنوات الأخيرة، حتى باتت تضمّ، إلى جانب الدور التاريخية الكبرى، مبادراتٍ تحريريةً ...

أنيسة مخالدي (باريس)
كتب ثورة مبكرة في صناعة النشر

ثورة مبكرة في صناعة النشر

في القرن التاسع عشر، تدفقت صوب مصر موجات من الهجرة السورية ضمت رواداً أوائل في مجالات المسرح والفنون والطباعة والنشر

رشا أحمد (القاهرة)
كتب تحديات الأدب الصيني المترجَم للعربية

تحديات الأدب الصيني المترجَم للعربية

يستعرض كتاب «الأدب الصيني بالعربية - الترجمة والتلقي والانتشار» للشاعر والكاتب علي عطا، الصادر عن دار «بيت الحكمة» بالقاهرة، أبرز خصائص الأدب الصيني الحديث

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

الخيال العلمي، من بين أمور أخرى، هو أدب الحديث عن أمور لا أحد يتحدث عنها صراحةً.

جيمس إس إيه كوري
ثقافة وفنون بهجة الحظ على الطريقة الصينية

بهجة الحظ على الطريقة الصينية

تحمس النقاد لرواية «نادي بهجة الحظ»، الصادرة عن «دار الكرمة» بالقاهرة، للكاتبة الأميركية من أصل صيني إمي تان بشكل لافت حتى أنهم وصفوها بـ«القوية كالأسطورة»

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

43 % من المصريين يمتلكون «حسابات سوشيالية»

المصريون يستخدمون منصات «السوشيال ميديا» بشكل واسع (الشرق الأوسط)
المصريون يستخدمون منصات «السوشيال ميديا» بشكل واسع (الشرق الأوسط)
TT

43 % من المصريين يمتلكون «حسابات سوشيالية»

المصريون يستخدمون منصات «السوشيال ميديا» بشكل واسع (الشرق الأوسط)
المصريون يستخدمون منصات «السوشيال ميديا» بشكل واسع (الشرق الأوسط)

أفاد تقرير حكومي مصري بأن 43.4 في المائة من المصريين لديهم حسابات على مواقع التواصل الاجتماعي المختلفة، وجاء موقع «فيسبوك» في صدارة المنصات الأكثر استخداماً بإجمالي 51.6 مليون مستخدم، وذلك في إطار إحصاءات عدة عن «أبرز مؤشرات التحول من الإعلام التقليدي إلى الرقمي».

وحسب «مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار» الصادر عنه التقرير (الاثنين)، فإن الأرقام التي رصدتها شركة «كيبوس» (Kepios) حتى أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، تشير إلى وجود 49.3 مليون مستخدم على «يوتيوب»، و48.8 مليون مستخدم على «تيك توك» ضمن الفئة العمرية من 18 سنة فأكثر، مشيراً إلى أن الإعلام الرقمي في مصر يشهد تطوراً متسارعاً في ظل التحول الرقمي، مدفوعاً بالتقدم في تقنيات الذكاء الاصطناعي التي أسهمت في تحسين إنتاج المحتوى وتطوير آليات التفاعل مع الجمهور.

استخدام الإنترنت في مصر شهد نمواً ملحوظاً (الشرق الأوسط)

وأشار التقرير إلى أن استخدام الإنترنت في مصر شهد نمواً ملحوظاً، حيث بلغ عدد مستخدمي الإنترنت عبر الجوال نحو 92.6 مليون مستخدم بنهاية ديسمبر (كانون الأول) 2025، بنسبة 75.3 في المائة من إجمالي مشتركي المحمول، في حين وصلت اشتراكات الإنترنت الثابت إلى نحو 12.7 مليون مشترك، وهو ما يعكس اتساع قاعدة المستخدمين واعتمادهم الكبير على الخدمات الرقمية.

وبدأ مجلس النواب (البرلمان) مناقشة قانون لحماية الأطفال رقمياً، من خلال إعداد مشروع قانون لتنظيم استخدام التكنولوجيا للأطفال، ومن المفترض إعداد النسخة النهائية منه خلال الفترة المقبلة للتصويت، بمشاركة جهات حكومية عدة، منها وزارتا «الثقافة»، و«التربية والتعليم»، مع العمل على إلزام المنصات الرقمية بالتحقق من أعمار المستخدمين.

ورأى الخبير في «السوشيال ميديا» والإعلام الرقمي، محمد فتحي، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، أن هذه الأرقام تعكس بوضوح تنامي حضور مواقع التواصل الاجتماعي، وفي مقدمتها «فيسبوك»، الذي بات أحد أبرز مصادر تشكيل الرأي العام في الوقت الراهن، لشعور المستخدمين عبره بقدر أكبر من الحرية في التعبير عن آرائهم مقارنة بوسائل الإعلام التقليدية.

نحو نصف عدد سكان مصر يستخدمون «فيسبوك» (أ.ف.ب)

وأضاف أن «غالبية البرامج التلفزيونية في الإعلام المصري لم تعد تعتمد على المداخلات الهاتفية من الجمهور كما كان يحدث في السابق، ما جعل الإعلام في صورته الحالية أقرب إلى وسيلة تلقٍّ أحادية الاتجاه، في حين انتقلت مساحة التفاعل الحقيقي وإبداء الرأي إلى منصات التواصل الاجتماعي التي توفر هامشاً أوسع للمشاركة».

وأوضح فتحي أن «هذه المنصات تُعد بالنسبة لكثير من المستخدمين وسيلة تواصل آمنة نسبياً، خصوصاً في ظل تنامي سطوة الإنترنت في مصر وارتفاع معدلات المشاهدة عبره مقارنة بوسائل المشاهدة التقليدية»، لافتاً إلى أن استخدام الإنترنت لم يعد مجرد وسيلة ترفيه، بل أصبح مجالاً أساسياً للمتابعة والرقابة والمشاركة في النقاشات العامة، وهو أمر يمكن رصده عبر تفاعل الصفحة الرسمية لوزارة الداخلية والجهات الحكومية مع الشكاوى التي يُبلَّغ عنها.

ملايين المصريين يعتمدون على الإنترنت يومياً (الشرق الأوسط)

ويؤكد ذلك تقرير «مركز المعلومات»، إذ يفيد بأن «التحول نحو المنصات الرقمية قد أفضى إلى فتح آفاق غير مسبوقة لإنتاج المحتوى وتداوله، ما أسهم في بروز أشكال إعلامية جديدة، من شبكات التواصل الاجتماعي والمدونات إلى البودكاست وخدمات البث المباشر والمنصات الإخبارية الرقمية. ومع تعمق حضور الإعلام الرقمي في تفاصيل الحياة اليومية، لم يقتصر تأثيره على إعادة تشكيل علاقة المواطنين بالمعلومات، بل امتد ليُحدث تحولات جوهرية في أنماط عمل الشركات وآليات تفاعل الحكومات مع المواطنين».

وبسبب هذا التفاعل الواسع، دعا أستاذ الطب النفسي جمال فرويز إلى أهمية توفير محتوى هادف للأجيال الجديدة، لأن المحتوى العنيف المتاح عبر بعض المنصات بات يجذب شرائح أكبر من المستخدمين، وينعكس على سلوكياتهم في الحياة اليومية، مؤكداً لـ«الشرق الأوسط» أن «التركيز المفرط على مواقع التواصل ترك آثاراً سلبية على سلوكيات المصريين وحالتهم النفسية».


مصر: عرض «جلال الدين السيوطي» في رمضان المقبل

ترحيب في مصر بعودة «ماسبيرو» للإنتاج الدرامي (الشرق الأوسط)
ترحيب في مصر بعودة «ماسبيرو» للإنتاج الدرامي (الشرق الأوسط)
TT

مصر: عرض «جلال الدين السيوطي» في رمضان المقبل

ترحيب في مصر بعودة «ماسبيرو» للإنتاج الدرامي (الشرق الأوسط)
ترحيب في مصر بعودة «ماسبيرو» للإنتاج الدرامي (الشرق الأوسط)

أعلنت «الهيئة الوطنية للإعلام» عودة «ماسبيرو» إلى الإنتاج «الدرامي التاريخي» مجدداً. وفي بيان صحافي، الاثنين، أفاد الكاتب أحمد المسلماني، رئيس الهيئة، بأن «قطاع الإنتاج» يستعد لتقديم مسلسل تلفزيوني تاريخي عن سيرة حياة وفكر الإمام المصري جلال الدين السيوطي، على أن يُعرض خلال موسم رمضان المقبل.

وأوضح المسلماني في بيانه أن «ماسبيرو» يعود تدريجياً إلى سوق الدراما في ظل تحديات اقتصادية وإنتاجية كبيرة، لافتاً إلى أن «التركيز سيكون على الملفات ذات القيمة الفكرية والثقافية والتاريخية، إلى جانب تضمين الدراما الاجتماعية منظومة القيم والمبادئ الوطنية».

ورحّب نقاد فنيون مصريون بهذه العودة، من بينهم حنان شومان، التي أوضحت أن الحكم على المضمون سيكون بعد مشاهدته فعلياً.

أحمد المسلماني رئيس الهيئة الوطنية للإعلام (حساب الهيئة على فيسبوك)

وأضافت حنان شومان لـ«الشرق الأوسط» موضحة أن «فكرة العودة إلى الإنتاج لا تتمحور حول الإعلان بقدر ما ترتبط بمستوى العمل وكيفية تقديمه»، لافتة إلى أن «الإنتاج السخي هو العامل الأول والأساس في خروج أي عمل بشكل جاذب للجمهور، على عكس الميزانيات الضعيفة».

ونوّهت حنان إلى أن امتلاك «قطاع الإنتاج» سابقاً، خلال مسيرته الحافلة بالروائع الفنية، لأدوات قوة، أبرزها الميزانيات الضخمة، والقدرة على استقطاب النجوم والكتّاب والمخرجين وسائر صُنّاع العمل، إضافة إلى العرض على التلفزيون الرسمي؛ يجعل المنافسة في ظل المتغيرات الجديدة أمراً صعباً، خصوصاً مع تنوع جهات الإنتاج، واختيار الفنان للجهة التي تحقق له طموحه الفني والمادي.

وعن جاذبية الأعمال التاريخية ومدى إقبال الجمهور عليها راهناً، أكدت شومان أن «محتوى العمل ومعالجته الدرامية، لا اسم الشخصية، هما الفيصل؛ سواء كانت الشخصية تاريخية أم لا، لأن جودة المضمون هي التي تحدد حجم الإقبال الجماهيري، ومدى تحقيق أهداف الصناعة، واستمرار حركة الإنتاج الفني».

وعاش الإمام السيوطي في القرن الـ15، قبل نحو 500 عام، حيث وُلد في القاهرة لعائلة من أسيوط، وله مئات المؤلفات والرسائل ذات المكانة الرفيعة في العلوم الإسلامية. وقد حفظ «القرآن الكريم» في سن مبكرة، ومن ثَمّ اتجه إلى حفظ المتون وطلب مختلف العلوم، منها الفقه، والأصول، والتفسير، والحديث، واللغة، مما جعله موسوعة في العلوم الشرعية والعربية.

وحسب بيان «الوطنية للإعلام»، فإن مسلسل «دعاة الحق»، الذي عُرض قبل أكثر من 20 عاماً، تناول عدداً من الشخصيات الإسلامية، من بينها شخصية «السيوطي» عبر حلقتين فقط، ولم يُنتج مسلسل مستقل عنه.

«ماسبيرو» يُقرر إنتاج مسلسل عن الإمام المصري جلال الدين السيوطي (الهيئة الوطنية للإعلام)

ولفتت الهيئة إلى أن الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أشاد، في شهر أبريل (نيسان) من العام الماضي، بسيرة الإمام السيوطي العلمية التي جعلت أعماله باقية وحاضرة بعد 500 عام، مؤكداً «أهمية الاقتداء به بوصفه نموذجاً يُحتذى».

وقبل المسلسل الرمضاني الذي سيتناول سيرة الإمام السيوطي، أعلن «ماسبيرو»، قبل أشهر عدَّة، عودته إلى الإنتاج الدرامي بعد توقف دام أكثر من 10 سنوات، عبر مسلسل «حق ضايع» المكوّن من 15 حلقة، بإنتاج مشترك مع شركة «إكسيليفون فيلم» للمنتج عوض ماهر، وبطولة أحمد صلاح حسني، ونسرين أمين، ولوسي، ونضال الشافعي، ورنا سماحة، ومن تأليف حسين مصطفى محرم، وإخراج محمد عبد الخالق. لكن التصوير توقف، وتقرر تأجيل عرض المسلسل في موسم رمضان الماضي.

وقدّمت الدراما المصرية خلال السنوات الماضية عدداً محدوداً جداً من المسلسلات التاريخية، من بينها «الحشاشين» لكريم عبد العزيز، الذي حقق نسب مشاهدة كبيرة وأثار جدلاً واسعاً وقت عرضه، وكذلك «رسالة الإمام» عن حياة الإمام محمد الشافعي، وهو من بطولة الفنان خالد النبوي.


«يوم سعيد» يمثل السعودية في مهرجان «الإسكندرية للفيلم القصير»

لقطة من الفيلم السعودي «يوم سعيد» (مهرجان البحر الأحمر)
لقطة من الفيلم السعودي «يوم سعيد» (مهرجان البحر الأحمر)
TT

«يوم سعيد» يمثل السعودية في مهرجان «الإسكندرية للفيلم القصير»

لقطة من الفيلم السعودي «يوم سعيد» (مهرجان البحر الأحمر)
لقطة من الفيلم السعودي «يوم سعيد» (مهرجان البحر الأحمر)

يشارك فيلم «يوم سعيد» للمخرج محمد الزوعري ممثّلاً السعودية في مسابقة الأفلام العربية ضمن الدورة الـ12 من مهرجان «الإسكندرية للفيلم القصير»، التي تنطلق في 27 أبريل (نيسان) الحالي. وكان الفيلم قد شهد عرضه الافتتاحي في «مهرجان البحر الأحمر» خلال دورته الخامسة العام الماضي، ويُعد عرضه في الإسكندرية أول عرض له في القارة الأفريقية.

صُوِّر الفيلم في مدينة الرياض، وتدور أحداثه في إطار كوميدي حول الشاب سعيد، الذي يبدأ يومه المليء بالفوضى؛ إذ يستيقظ متأخراً ويتغيب عن اجتماعاته، ثم يتناول إفطاره ويغادر متجهاً إلى عمله. وبعد أن يذكّره نادلٌ متجهم بالصلاة، يعود ليجد حذاءه قد سُرق، ليبدأ رحلة بحث عنه تتخللها مطاردات مضحكة وغير متوقعة. الفيلم من بطولة الممثل السعودي عبد الحميد العمير، ومن تأليف وإخراج محمد الزوعري، الذي بدأ مسيرته في مجال الإعلانات، ثم اتجه إلى الدراما حيث كتب وأخرج مسلسل «كروموسوم». ويُعد «يوم سعيد» أول أفلامه الروائية القصيرة.

وتشهد مسابقة الأفلام العربية في المهرجان مشاركة 7 أفلام أخرى إلى جانب الفيلم السعودي، من بينها الفيلم التونسي «المسمار» للمخرج رائد بوسريح، والقطري «ارحل لتبقى الذكرى» للمخرج علي الهاجري، والمصري «ديك البلد» للمخرجة ناتالي ممدوح، والأردني «ثورة غضب» للمخرجة عائشة شحالتوغ، والفلسطيني «سينما حبي» لإبراهيم حنضل ووسام الجعفري، إلى جانب الفيلم المصري - الإماراتي «أغداً ألقاك» للمخرج مؤمن ياسر، والفيلم اللبناني «كبّ القهوة خير» للمخرج إليو طرابيه.

ملصق فيلم «يوم سعيد» (إدارة مهرجان الإسكندرية للفيلم القصير)

في حين تشهد مسابقة الفيلم الروائي مشاركة 15 فيلماً، من بينها فيلم «قبل الظهر»، وهو إنتاج مشترك بين مصر والسعودية للمخرج مروان الشافعي، ويُعرض عالمياً للمرة الأولى، إلى جانب أفلام من الجزائر، وليبيا، وفرنسا، والبرازيل، وإسبانيا، وبلجيكا، وبولندا، والمكسيك. كما تتضمن مسابقة «أفلام الذكاء الاصطناعي» مشاركة 17 فيلماً من دول عدَّة، من بينها الولايات المتحدة، ومصر، والصين، وألمانيا، وفرنسا، واليابان، وبولندا، وإسبانيا، والجزائر، فيما تضم مسابقة أفلام الطلبة 8 أعمال.

واستحدث المهرجان في هذه الدورة مسابقة تحمل اسم المخرج خيري بشارة، يتنافس على جوائزها 20 فيلماً مصرياً. وأكد محمد محمود، رئيس مهرجان «الإسكندرية للفيلم القصير»، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، أن هذه الجائزة تأتي احتفاءً بمسيرة المخرج الكبير خيري بشارة، كما تُعد تكريماً لصنّاع الأفلام، حيث سيحصل الفائزون على جائزة تحمل اسمه، وسيُسلِّمها بنفسه في حفل الختام.

وعن مسابقة «أفلام الذكاء الاصطناعي»، التي يقيمها المهرجان للعام الثاني على التوالي، قال محمود إن «الإقبال عليها كان لافتاً في الدورة الماضية، وشهدت مناقشات ثرية. وهذا العام تلقينا أفلاماً من عدد أكبر من المخرجين، ما يؤكد أن ثمة شيئاً يتغيَّر، وربما لا يتقبله البعض، لكنه أصبح واقعاً بالفعل؛ فالذكاء الاصطناعي مقبل بقوة إلى عالم السينما».

ترام الإسكندرية يتصدر ملصق مهرجان «الإسكندرية للفيلم القصير» (إدارة المهرجان)

ولفت محمود إلى اهتمام المهرجان بالسينما العربية عبر تخصيص مسابقة لها، موضحاً أنه بدأ عربياً ونجح في تكوين قاعدة واسعة من صنّاع الأفلام العرب، قبل أن يتحول في دورته الـ8 إلى مهرجان دولي.

وأشار إلى أن المهرجان حصل منذ دورته الـ11 على حق ترشيح الفيلم الفائز بجائزة «هيباتيا الذهبية» لمنافسات الأوسكار، مؤكداً أن ذلك يُعد اعترافاً عالمياً بمكانته بوصفه أحد أهم مهرجانات الأفلام القصيرة في الشرق الأوسط، فضلاً عن شراكته مع مهرجان «كليرمون فيران» في فرنسا، وهو الأكبر عالمياً في مجال الأفلام القصيرة.

واختتم بأن هذه الدورة تشهد حضور عدد من الضيوف يفوق التوقعات، رغم الظروف الراهنة والحرب الدائرة في الشرق الأوسط، حيث يشارك ضيوف من خارج مصر، إضافة إلى مخرجين شباب حضروا على نفقتهم الخاصة، ما يعكس حالة الأمان في مصر وأهمية المهرجان وقيمته.

واستُلهم ملصق الدورة الـ12 من مهرجان الإسكندرية للفيلم القصير من «ترام الإسكندرية»، أحد أبرز رموز المدينة، الذي رغم غيابه عن المشهد حالياً، سيظل جزءاً من ذاكرتها وشاهداً على تاريخها.