حوار مع ويليام دافو... و«عصابات» المغربي يدخل سباق الجوائز في ثالث أيام «مراكش»

تقديم «أنا القبطان» للإيطالي كاروني ضمن فقرة «العروض الاحتفالية»

جانب من جمهور مهرجان مراكش في يومه الثالث (الجهة المنظمة)
جانب من جمهور مهرجان مراكش في يومه الثالث (الجهة المنظمة)
TT

حوار مع ويليام دافو... و«عصابات» المغربي يدخل سباق الجوائز في ثالث أيام «مراكش»

جانب من جمهور مهرجان مراكش في يومه الثالث (الجهة المنظمة)
جانب من جمهور مهرجان مراكش في يومه الثالث (الجهة المنظمة)

دخلت السينما المغربية في ثالث أيام المهرجان الدّولي للفيلم بمراكش، في دورته العشرين، غمار المنافسة على جوائز المسابقة الرسمية، من خلال فيلم «عصابات» (2023) لمخرجه كمال الأزرق، الذي سبق أن حظي قبل ثلاث سنوات بدعم برنامج «ورشات الأطلس» لتطوير المواهب التابع للمهرجان.

وتدور أحداث هذا الفيلم، الذي يلعب أدوار بطولته كل من أيوب العبد، وعبد اللطيف المستوري، في الأحياء الشعبية لمدينة الدار البيضاء، حيث يعيش حسن وابنه عصام حياة صعبة، ويُنفّذان عمليات إجرامية صغيرة لمصلحة الزعيم المحلي.

من عرض فيلم «عصابات» في المسابقة الرسمية (الجهة المنظمة)

وفي إحدى الليالي، يُكلّفان باختطاف رجل، لتبدأ رحلة ليلية طويلة تغوص بهما في العالم السفلي للمدينة. ويسعى الفيلم إلى تمرير رسائل تنتصر للبعد الإنساني في العلاقة بين أبناء المجتمع الواحد حتى في الأوقات الصعبة التي يسود فيها العنف، مع نقل جانب من الواقع الذي ترزح تحت وطأته شرائح من المجتمع، في سعيها إلى ما يضمن لها سبل العيش الكريم، علاوة على احتفائه بالعلاقة التي من المفترض أن تجمع بين أب وابنه، حتى في أصعب المواقف التي يمران بها. وسبق لهذا الفيلم أن نال استحسان المهتمين، كما فاز، خلال السنة الحالية، بجائزة لجنة التحكيم ضمن فئة (نظرة ما) في مهرجان «كان» السينمائي، وبالجائزة الكبرى للدورة الثامنة من المهرجان الدّولي للفيلم ببروكسل.

السينما المغربية حاضرة

فضلاً عن «عصابات»، يمثل المغرب في المسابقة الرسمية لمهرجان «مراكش» بفيلم «كذب أبيض» (2023) لمخرجته أسماء المدير، الذي سبق أن حظي هو الآخر بدعم برنامج «ورشات الأطلس». وتتمحور أحداثه، وهو من بطولة عبد العزيز كلاسين وميكايل فوزي، حول سلسلة من الأكاذيب العائلية، وبحث امرأة شابة عن الحقيقة.

صوفيا العلوي في فقرة العروض الخاصة (الجهة المنظمة)

وفي سياق تأرجحها بين تاريخ البلد وحياتها الشخصية، تروي أسماء المدير، الابنة والمخرجة، واقعة انتفاضة الخبز التي تعود لسنة 1981، وتستعرض كيف بقي هذا الحادث مرتبطاً بالمجتمع المغربي المعاصر. وعلى مستوى فقرة «عروض خاصة»، كان الموعد مع فيلم «أنيماليا» (2023) لمخرجته صوفيا العلوي، وبطولة أميمة بارد.

ويحكي الفيلم قصة إيطو، الشابة المغربية التي تنتمي لوسط اجتماعي متواضع، والتي ستتأقلم مع ثراء عائلة زوجها حين تعيش معهم. وبينما كانت تتطلع لقضاء يوم هادئ وحيدة في المنزل، تقع أحداث خارقة أدخلت البلاد في حالة طوارئ، ظواهر غريبة ومفزعة تنبئ بأن حادثاً غامضاً على وشك الوقوع، لتجد إيطو صعوبة في الحصول على مساعدة.

وجاء الفيلم، الذي يقدم تأملات في العلاقات المجتمعية، والاختلال المسجل على مستوى القيم، ومكانة المرأة داخل المجتمع، وكذا العلاقة بالمعتقد، بمثابة رحلة تأملية واستبطانية في حياة الناس، بشكل يسائل العلاقات المجتمعية، في سياق عالم متحول بسرعة. ويخصص مهرجان مراكش، مساحة معتبرة للسينما المغربية، كما يخصص لها فقرة خاصة، تحت عنوان «بانوراما السينما المغربية»، تشهد، في الدورة الحالية، برمجة 6 أفلام، هي: «شيوع» لليلى كيلاني، و«موغا يوشكاد» لخالد زايري، و«مروكية حارة» لهشام العسري، و«أبي لم يمت» لعادل الفاضلي، و«سوق الخميس د الكارة» لإيزة إيديري – جينيني، و«على الهامش» لجيهان البحار.

نبيلة كيلاني (الجهة المنظمة)

عرض احتفالي

ضمن فقرة «عروض احتفالية»، من تقديم الإعلامية نبيلة كيلاني، كان الموعد، في قاعة الوزراء التابعة لقصر المؤتمرات، مع فيلم «أنا القبطان» (2023)، لمخرجه الإيطالي ماتيو كاروني. ويعالج هذا الفيلم، الذي يلعب دور البطولة فيه كلٌ من سيدو سار ومصطفى فال، قضية الهجرة السرية، من خلال مغامرة شابين يسردها الفيلم، بعد قرارهما بمغادرة داكار، على أمل الوصول إلى أوروبا، حيث ستتخلل مطاردتهما لحلمهما في الوصول إلى «نعيم الشمال»، أخطار الصحراء القاحلة، وأهوال مراكز الاعتقال والسجون الليبية، قبل أن يتلقفهما البحر الذي يفصل الضفتين والقارتين، بمخاطره.

حوار مع دافو

خلال مروره في فقرة «حوار مع...»، لم يخيب الممثل الأميركي ويليام دافو، ظن المهتمين والمعجبين وعشاق السينما، فكان عند حسن ظنهم به فناناً كبيراً ونجماً متميزاً، بعد أن وضعهم في صلب تجربته الغنية التي جعلت منه واحداً من أبرز وجوه السينما العالمية.

واستعاد دافو، خلال هذه الفقرة الحوارية، تجاربه الإبداعية في عدد من الأفلام التي لعب فيها دور البطولة، موظفاً في سبيل ذلك مشاهد من محطات بارزة في مسيرته المهنية، بشكل جمع بين عرض أفكاره ومشاهد تغني النقاش وتوضح رؤيته أكثر للممارسة الفنية.

ووقف الجمهور الحاضر، خلال هذا اللقاء، على جوانب من مسيرة مهنية امتدت لعقود، لامست اختيارات سينمائية متنوعة، من خلال حكايات وتجارب عاشها، وذلك بما يقدم نظرة مقربة عن تطوره الفني، متوقفاً، على الخصوص، عند تعقيدات المهنة، ومتطلباتها وتحدياتها، ومشاعر السعادة التي ظلّت تغمره ممثلاً، حين يمنح حياة للشخصيات التي يلعب أدوارها على الشاشة. ومن خلال استعراض مقتطفات من أفلامه، أتاح دافو للجمهور استكشاف ما وراء الكواليس، وطريقة تعاونه مع مخرجين مشهورين وممثلين يقاسمونه أعماله الفنية، مما أضفى لمسة دافئة على الفقرة الحوارية.

من الفقرة الحوارية مع ويليام دافو (الجهة المنظمة)

واكتسب دافو، من خلال مسيرة فنية أسطورية، نتج عنها أزيد من 100 فيلم، شهرة عالمية، وذلك بفضل تنوع وجرأة الأدوار التي لعبها في عدد من الأفلام التي تُعدّ من أبرز الأعمال الفنية في السنوات الأخيرة. وهو الذي دفعه فضوله الفني لاستكشاف الوضع الإنساني إلى المشاركة في مجموعة كبيرة من المشاريع حول العالم، من هوليوود إلى الأفلام المستقلة، توجت موهبته بأربعة ترشيحات لجوائز «الأوسكار»، ثلاثة منها بصفته أفضل ممثل في دور ثانٍ عن فيلم «الفصيلة» (1986) لأوليفر ستون، و«شبح مصاص الدماء» (2000) لإدموند إلايس مهيج، و«مشروع فلوريدا» (2017) لشين بيكر، وواحد بصفته أفضل ممثل عن دوره في فيلم «عند بوابة الخلود» (2018)، لمخرجه جوليان شنابيل.

ويتحاشى الفيلم الأخير، الذي يحكي سيرة الرسام الهولندي فانسون فان غوخ، والذي سبق أن عُرض في افتتاح الدورة الـ17 من مهرجان مراكش، سنة 2018، الشكل التقليدي للأفلام التي تحكي سير الأشخاص ليخلق عملاً ذا حساسية فنية صرفة في محاولة لسبر أغوار فكر هذا الفنان الشهير.

وسبق لدافو أن حصل على جائزتين من جمعية نقاد السينما في لوس أنجليس، وجائزة من دائرة نقاد السينما في نيويورك، وأخرى من المجلس الوطني لمراجعة الأفلام، وجائزة الروح المستقلة، و«كاس فولبي» في مهرجان «البندقية» السينمائي الدّولي، وجائزة «الدب الذهبي» الشرفية عن مجمل مسيرته المهنية من مهرجان «برلين». كما أن دافو هو مؤسس مجموعة ووستر، وهي فرقة مسرحية تجريبية يوجد مقرها في نيويورك، كتب ولعب أدواراً أولى في جميع مسرحيات الفرقة من 1977 إلى 2005. ومنذ ذلك الحين، عمل مع ريتشارد فورمان، وروبرت ويلسون، وروميو كاستيلوتشي. وسيظهر له قريباً فيلم «ماكينات مسكينة» (2023)، لمخرجه يورغوس لانثيموس، وفي «نوسفيراتو» (2024) لروبرت إيجرز، في ثالث تجربة له مع هذا المخرج.


مقالات ذات صلة

سينما الذكاء الاصطناعي تفرض حضورها في الإسكندرية

يوميات الشرق عدد من صناع الأفلام بالذكاء الاصطناعي (مهرجان الإسكندرية للفيلم القصير)

سينما الذكاء الاصطناعي تفرض حضورها في الإسكندرية

فرضت «سينما الذكاء الاصطناعي» حضورها بالدورة الـ12 لمهرجان «الإسكندرية للفيلم القصير»، حيث تم تخصيص مسابقة لها للعام الثاني على التوالي بمشاركة 16 فيلماً.

انتصار دردير (الإسكندرية (مصر))
يوميات الشرق خيري بشارة متحدثاً في «ماستر كلاس» بإدارة المخرج عمر الزهيري (مهرجان الإسكندرية للفيلم القصير)

خيري بشارة: ابتعدت عن «الواقعية» حتى لا أصنع أفلاماً تقتل الناس

أكد المخرج المصري خيري بشارة أن أفلامه تدور حول محور واحد يتمثل في العلاقة بين الفقراء والأغنياء، عبر تيمات مختلفة.

انتصار دردير (القاهرة )
يوميات الشرق محمد ممدوح يوكد أن موضوع الفيلم شائك (إدارة المهرجان)

محمد ممدوح يقتحم قضايا حرجة في «مشاكل داخلية 32B»

حظي الفيلم الروائي القصير «مشاكل داخلية 32B» باهتمام خلال عرضه في افتتاح الدورة الـ12 لـ«مهرجان الإسكندرية للفيلم القصير».

انتصار دردير (الإسكندرية)
يوميات الشرق المكرمون في لقطة مع رئيس المهرجان (إدارة المهرجان)

«سينما الشباب» تستحوذ على جوائز «جمعية الفيلم» في مصر

استحوذت 4 أفلام مصرية من صناعة جيل الشباب على أكبر عدد من جوائز مهرجان جمعية الفيلم في دورته الـ52 .

انتصار دردير (القاهرة )
يوميات الشرق الفنانة إلهام شاهين تتسلم تكريمها في افتتاح مهرجان عنابة (إدارة المهرجان)

«عنابة للفيلم المتوسطي» يحتفي بالسينما المصرية

يحتفي مهرجان «عنابة للفيلم المتوسطي» الجزائري بالسينما المصرية التي اختارها ضيفة شرف دورته الـ6.

انتصار دردير (القاهرة)

أحمد وفيق لـ«الشرق الأوسط»: ندمتُ على المشاركة في «الحلانجي»

وفيق يرى أن طول قامته أدى إلى تأخره فنياً (الشرق الأوسط)
وفيق يرى أن طول قامته أدى إلى تأخره فنياً (الشرق الأوسط)
TT

أحمد وفيق لـ«الشرق الأوسط»: ندمتُ على المشاركة في «الحلانجي»

وفيق يرى أن طول قامته أدى إلى تأخره فنياً (الشرق الأوسط)
وفيق يرى أن طول قامته أدى إلى تأخره فنياً (الشرق الأوسط)

أعرب الفنان المصري أحمد وفيق عن سعادته بتجربته السينمائية الجديدة «الغربان» مع النجم عمرو سعد. وقال إن مسلسله الجديد «قلب شمس» مع المخرج محمد سامي يحمل العديد من المفاجآت الدرامية، مُبدياً ندمه على مشاركته في مسلسل «الحلانجي».

وأشار وفيق إلى أن شخصيته في العمل محورية وتعتبر العنصر الأساسي في الصراع.

ويشارك في بطولة المسلسل: يسرا، ودُرة، وإنجي المقدم، وسوسن بدر، وانتصار، ومحمود قابيل، والمسلسل يسلط الضوء على مشاكل العلاقات الإنسانية والصراعات الاجتماعية المختلفة، ومن المقرر عرضه قريباً على إحدى المنصات الرقمية.

ووصف وفيق شخصية «المحامي راشد» التي قدمها في مسلسل «البخت» بأنها من الشخصيات المهمة في مشواره، خصوصاً أنه سبق أن قدم شخصية «المحامي الشرير» الذي يمارس كل الألعاب الذهنية والإجرامية، بينما «راشد» يتمتع بـ«الشر الهادئ» الذي يعتمد على الأداء النفسي. ويرجع الفضل في أدائه للمخرج معتز حسام، على حد قوله، الذي عدّه من أكبر الداعمين له.

«بيت الشدة»

وعن مسلسله «بيت الشدة»، قال إنه عمل يمزج بين التشويق والرعب والواقعية الاجتماعية، وجسد فيه شخصية «المعلم مختار» الرجل الشعبي الشهم المتعلم الذي يمتلك مقهى، ويعتبر نفسه القائد الطبيعي للسكان، ويتصدى لمحاولات السيطرة على الحارة.

الفنان المصري أحمد وفيق (الشرق الأوسط)

ولفت إلى أن حبه للعمل جاء بسبب الفكرة المهمة التي يطرحها وهي أن القائد هو من يتمتع بالأخلاق وليس السطوة أو النفوذ.

وأكد أنه ليس بالضرورة أن يتكلم البطل الشعبي بطريقة معينة أو أن يكون أسيراً للمخدرات، كما نشاهد في بعض الأعمال حالياً.

«الحلانجي»

لكن السعادة التي يتحدث بها وفيق عن دوره في «بيت الشدة» تتبدل عندما يتم التطرق إلى مسلسل «الحلانجي» الذي جسد فيه شخصية رجل أعمال ذي نفوذ وسلطة، مؤكداً ندمه على المشاركة في هذا المسلسل، إذ لم يضف له العمل شيئاً على المستوى الفني، ولم يحظِ بالمشاهدة التي كان يتوقعها رغم الجهد الذي بذله فيه.

شارك وفيق في أعمال درامية كثيرة (الشرق الأوسط)

وكان المسلسل قد عرض في موسم رمضان 2025 وهو من تأليف محمود حمدان وإخراج معتز حسام وبطولة محمد رجب وعبير صبري وأيتن عامر ومحمد لطفي.

فيلم «الغربان»

ووصف وفيق تجربته السينمائية في فيلم «الغربان» بأنها مثيرة ومن أكبر الإنتاجات في تاريخ السينما العربية من حيث الميزانية والتنفيذ، إذ تدور أحداث العمل عام 1941 خلال الحرب العالمية الثانية، وتحديداً حول معركة العلمين في الصحراء الغربية، ويتناول صراعات ومعارك تاريخية بأسلوب بصري مدهش يضاهي أفلام هوليوود، على حد قوله.

وفيق أعرب عن ندمه على المشاركة في مسلسل «الحلانجي» (الشرق الأوسط)

ويجسد وفيق في الفيلم شخصية قائد جيوش الغربان وهي شخصية محورية ومؤثرة في مسار الأحداث وقد خضع بسببها لتدريبات شاقة.

الفيلم من بطولة عمرو سعد ودينا الشربيني ومي عمر وأسماء أبو اليزيد ومحمد علاء وماجد المصري، وعائشة بن أحمد، كما يشارك فيه ممثلون من روسيا وألمانيا وبريطانيا وأميركا، ومن المقرر طرحه في دور العرض خلال ديسمبر «كانون الأول» المقبل بعد رحلة تصوير وإنتاج استغرقت نحو خمسة أعوام وسيتم ترجمته إلى 12 لغة.

ورغم ذلك يؤكد وفيق أن شخصية «الطبيب النفسي عاصم» التي قدمها ضمن مسلسل «سراب» الأقرب إلى قلبه.

طول القامة

ويؤكد وفيق أن طول قامته لم يمنحه ميزة في العمل بمجال الفن، بل ساهم في تأخير مشواره في البدايات، حيث تم استبعاده من أعمال كثيرة رُشح لها لأن طوله لا يتناسب مع بقية الممثلين، وأوضح أن المخرج الراحل يوسف شاهين كان أول من حل هذه المشكلة تقنياً، بعد أن طمأنه بأن زوايا التصوير يمكن أن تتحكم في إظهار الممثل طويلاً أو قصيراً.

وفيق في دور المحامي (الشرق الأوسط)

ولفت إلى أن البطولة المُطلقة ظلمت فنانين كباراً وحرمت الجمهور من الاستمتاع بموهبتهم حيث يخشى بعضهم تقديم أدوار معينة خوفاً من رفض الجمهور لها.

وكشف وفيق عن أنه بدأ مسيرته المهنية بالعمل صحافياً في جريدة «الوفد» المصرية، حيث اعتبرها خطوة داعمة ومُكملة لطريقه نحو التمثيل إذ ساهمت في صقل خبراته بالإضافة إلى ممارسته لأعمال فنية أخرى مثل الديكور والنقد الفني والتشكيلي وتمصير النصوص والإخراج المسرحي.


مارسيلو مارتينيسي: ركزت على طرق صناعة الاستبداد في «نارسيسو»

عرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان «برلين السينمائي» (الشركة المنتجة)
عرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان «برلين السينمائي» (الشركة المنتجة)
TT

مارسيلو مارتينيسي: ركزت على طرق صناعة الاستبداد في «نارسيسو»

عرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان «برلين السينمائي» (الشركة المنتجة)
عرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان «برلين السينمائي» (الشركة المنتجة)

قال المخرج الباراغواياني مارسيلو مارتينيسي إن فكرة فيلم «نارسيسو» بدأت عندما قرأ كتاباً يتناول حادثة قتل حقيقية وقعت في باراغواي في أواخر الخمسينات، موضحاً أن ما جذبه في هذا العمل التحليل الاجتماعي الذي يقدمه وليس الجانب البوليسي، إذ ينظر الكتاب إلى تلك الجريمة بوصفها انعكاساً لبنية مجتمع كامل، وليس مجرد حادثة فردية، وهو ما دفعه للتفكير في تحويلها إلى فيلم يطرح أسئلة أكبر من مجرد البحث عن القاتل.

وأضاف مارتينيسي في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أن ما لفت انتباهه أيضاً في تلك القراءة هي الطريقة التي تُتناول بها الديكتاتورية في تاريخ باراغواي، إذ غالباً ما يركِّز الحديث على شخصية الحاكم وحده، في حين يتم تجاهل الدور الذي لعبه المجتمع نفسه في دعم تلك السلطة أو التعايش معها، وهو ما جعله يحاول من خلال الفيلم الاقتراب من هذه المنطقة الرمادية، «حيث تتداخل المسؤوليات الفردية والجماعية في صناعة المناخ الذي يسمح بترسيخ الاستبداد»، على حد تعبيره.

تحمس المخرج للفيلم بعد قراءة قصة البطل (مهرجان برلين)

وأشار إلى أنه لم يكن مهتماً بنقل أحداث الرواية أو الوقائع التاريخية حرفياً، بل استخدمها نقطة انطلاقٍ لبناء عالم سينمائي خاص، لأن السينما تمنح المخرج حرية إعادة تخيل التاريخ، ما جعله يفضّل أن يركز على الأجواء النفسية والاجتماعية لتلك المرحلة أكثر من التزامه بالتفاصيل الدقيقة للحدث الحقيقي.

تدور أحداث «نارسيسو» الذي عُرض للمرة الأولى في مهرجان «برلين السينمائي» بنسخته الماضية، في باراغواي عام 1959، حين يعود شاب غامض يحمل روحاً متمردة وإيقاعات موسيقى «الروك آند رول» التي كانت في ذلك الوقت تمثل رمزاً للتغيير، وسرعان ما يتحول هذا الشاب إلى نجم إذاعي يلفت الأنظار بحضوره الطاغي وشخصيته الآسرة، ليصبح رمزاً غير مباشر لرغبة جيل كامل في التحرر داخل مجتمع محافظ يعيش تحت قبضة سياسية صارمة.

المخرج الباراغواياني مارسيلو مارتينيسي (الشركة المنتجة)

لكن هذا الصعود السريع لا يستمر طويلاً، فبعد أحد عروضه الأخيرة يُعثر على نارسيسو ميتاً في ظروف غامضة، لتتحول وفاته إلى حدث يهز المجتمع بأكمله، ومن خلال هذه الجريمة الغامضة يفتح الفيلم باباً واسعاً للتأمل في طبيعة السلطة والخوف الجماعي، وفي الطريقة التي يمكن أن يتحول بها المجتمع نفسه إلى شريك في إنتاج القمع.

يقول مارسيلو مارتينيسي إن «الإذاعة كانت بالنسبة لي المكان المثالي الذي يمكن أن تتقاطع فيه كل هذه الخيوط، لأنها كانت في ذلك الزمن وسيلة الإعلام الأكثر تأثيراً في المجتمع، فجاء الاستوديو الإذاعي ليس مجرد موقع للأحداث، بل فضاء يجتمع فيه الفن والسياسة والسلطة، ويمكن للكلمة أو للأغنية أن تتحول إلى أداة تأثير حقيقية في الجمهور».

وتحدث المخرج عن التحدي الذي واجهه في إعادة تمثل باراغواي في خمسينات القرن الماضي، مشيراً إلى أن «تلك الفترة لا يوجد لها أرشيف بصري كبير يمكن الاعتماد عليه، فمعظم الصور المتبقية من تلك السنوات جاءت من مؤسسات رسمية، مما يعني أنها تقدم رؤية السلطة أكثر مما تعكس الحياة اليومية للناس».

صناع الفيلم خلال العرض الأول في مهرجان «برلين» (الشركة المنتجة)

وأوضح أن «فريق العمل اضطر إلى البحث في مصادر عدّة، من صور قديمة، وشهادات شخصية، وحتى ذكريات بعض من عاشوا تلك الفترة؛ لأن الهدف لم يكن إعادة بناء الماضي بشكلٍ متحفي، بل خلق إحساسٍ حي بذلك الزمن، يسمح للممثلين والجمهور معاً بأن يشعروا بأنهم يعيشون داخله».

وأضاف مارتينيسي أن «غياب المراجع الكثيرة، رغم مساوئه، منحهم في الوقت نفسه مساحة أكبر للخيال؛ لأن السينما تحتاج إلى خلق عالم مُقنع يشعر المشاهد بأنه حقيقي، حتى لو كان جزءٌ منه متخيّلاً».

وتحدَّث المخرج عن الشخصيات التي تدور حول «نارسيسو»، موضحاً أن العلاقات بينها تقوم على صراعٍ خفي بين الرغبة والسلطة؛ لأن المجتمع في تلك الفترة كان يفرض قيوداً صارمة على التعبير عن الهوية الشخصية، وهو ما يجعل كثيراً من الشخصيات تعيش حالة من التناقض بين حياتها العلنية وما تُخفيه في داخلها.

وأضاف أن «بعض الشخصيات تحاول التمسّك بصورة اجتماعية مثالية، حتى لو كان ذلك يعني قمع مشاعرها الحقيقية، بينما تمتلك شخصيات أخرى هامشاً أكبر من الحرية؛ لأنها أقل ارتباطاً بالقواعد الاجتماعية المحلية»، في تباين خلق توتراً درامياً ازداد تعقيداً مع وجود «نارسيسو».

وأشار إلى أن شخصية «نارسيسو» نفسها صُممت لتبقى غامضة إلى حدٍّ كبير؛ فالفيلم لا يقدّم له سيرة واضحة أو تفسيراً كاملاً لشخصيته، لأن ما يهم ليس ماضيه بقدر ما هو التأثير الذي يتركه حضوره في الآخرين، ما يجعله يمثّل نوعاً من الحرية التي يصعب على المجتمع استيعابها؛ ولذلك يصبح وجوده مصدر جذب وخوف في الوقت نفسه.


«بينالي الدرعية» يختتم نسخته الثالثة بعد رحلة فنية بين الترحال والتبادل الثقافي

بوتقة واحدة تعكس وحدة التجارب الإنسانية (بينالي الدرعية)
بوتقة واحدة تعكس وحدة التجارب الإنسانية (بينالي الدرعية)
TT

«بينالي الدرعية» يختتم نسخته الثالثة بعد رحلة فنية بين الترحال والتبادل الثقافي

بوتقة واحدة تعكس وحدة التجارب الإنسانية (بينالي الدرعية)
بوتقة واحدة تعكس وحدة التجارب الإنسانية (بينالي الدرعية)

داخل صالات العرض وفي مختلف أنحاء حي جاكس، واصل الزوَّار، حتى الساعات الأخيرة من «بينالي الدرعية للفن المعاصر 2026»، استكشاف الأعمال الفنية، والمشاركة في الورش، وتبادل لحظات ينسجها الإبداع والتفاعل.

وعلى مدى أكثر من 92 يوماً، أخذت الدورة الثالثة من بينالي الدرعية، التي جاءت بعنوان «في الحل والترحال»، زوارها في رحلة لاستكشاف مفهوم التنقل، واضعة إياهم في حالة حركة مستمرة عبر مسارات متشابكة بين الثقافات والتعبيرات الفنية

التقت الحكايات وتقاربت الرؤى وتحولت الحركة إلى حوار حيّ عبر الثقافات (بينالي الدرعية)

وقد عكست هذه المسارات موضوعات البينالي، وفي مقدمتها التبادل الثقافي والفني، الذي تبلور في أروقته، حيث التقت تجارب من مختلف أنحاء العالم لتشكِّل مشهداً فنياً متفاعلاً ينصهر في بوتقة واحدة، تعكس وحدة التجارب الإنسانية.

وعبر فضاءات متعددة، ولغات متنوعة، ومسارات متقاطعة، جمع «بينالي الدرعية للفن المعاصر 2026» هذا التنوع في مساحة مشتركة، حيث التقت الحكايات، وتقاربت الرؤى، وتحولت الحركة إلى حوار حي عابر للثقافات والمسافات والزمن.

«الأرشيف» كائن حي يصوغ المستقبل

يتقاطع مفهوم الأرشيف بعمق مع الإطار العام للبينالي «الحل والترحال» (بينالي الدرعية)

وفي ختام الفعاليات الرئيسية التي احتضنها «البينالي»، برز تساؤل يتجاوز حدود اللوحات والمنحوتات: كيف يمكن للذاكرة أن تتحول إلى مادة خام للمستقبل؟ وذلك من خلال مشروع «حراس الزمن: الأرشيف في حالة تحول»، الذي أطلقته مؤسسة «بينالي الدرعية» ضمن مسارها الفكري والفني.

وكشفت سيبيل فاسكيز، مديرة البرامج الثقافية والعامة في «مؤسسة بينالي الدرعية«» بالسعودية، عن الفلسفة الكامنة وراء هذا التوجه، مؤكدة أن الأرشيف لم يعد مجرد رفوف غبارية أو سجلات منسية، بل نظام حي يتنفس في ظل التحولات الكبرى التي تشهدها السعودية.

البينالي جمع بين أطراف العالم لإكمال مشهد فني متفاعل (بينالي الدرعية)

وأوضحت أن اختيار شعار «حراس الزمن» جاء استجابة طبيعية للسيولة الثقافية التي يختبرها البينالي، مضيفة: «بصفتنا مؤسسة، يمر عبرنا كمٌّ هائل من الأفكار والبحوث والحوارات، وسرعان ما ندرك أن القليل منها يبقى ثابتاً؛ من هنا برزت الحاجة إلى تعريف الأرشيف بوصفه كياناً يتشكل بنشاط في الحاضر، لا كوعاء ساكن للماضي».

ويتقاطع مفهوم الأرشيف بعمق مع الإطار العام لـ«البينالي» هذا العام «الحل والترحال»، حيث تشير فاسكيز إلى أن «الأرشيف يعمل بطريقة تشبه الفواصل والتحولات؛ فهو مليء بالثغرات والتعديلات، وننظر إليه بوصفه فضاءً انتقالياً بين الماضي والمستقبل».

عبر أماكن ولغات ومسارات جمع بينالي الدرعية التنوّع في مساحة واحدة (بينالي الدرعية)

وأضافت أن الفنانين المشاركين استكشفوا هذه المساحات عبر موضوعات النزوح، والذاكرة، والسرديات المتطورة، ما حوَّل الأرشفة من مجرد «توثيق» إلى «ممارسة فنية» تجمع بين العمق الشخصي والتقنيات المعاصرة.

ومع تسارع التحولات الرقمية، ترى فاسكيز أن دور الأرشيف تجاوز الحفظ إلى التأثير، موضحة: «لقد جعلت التقنيات الأرشفة أسهل، لكنها في الوقت نفسه زادت من تعقيد فهمنا للمواد؛ ولم يعد السؤال: ماذا نحتفظ؟ بل كيف نتعامل مع ما نحتفظ به؟»، مشيرة إلى أن الأرشيف في السعودية اليوم بات مادة خاماً يُعيد من خلالها الممارسون بناء سرديات جديدة.

التبادل الثقافي والفني تبلورا بين أروقة البينالي وأركانه (بينالي الدرعية)

وبهذه الرؤية، كرَّس «بينالي الدرعية» مكانته، ليس بوصفه منصة لعرض الفنون فقط، بل بوصفه مختبراً وطنياً يعيد تعريف العلاقة بالزمن، ويحوّل «حراس الزمن» إلى شركاء في كتابة تاريخ لم يتشكل بعد.

وخلال الفترة من 30 يناير (كانون الثاني) إلى 2 مايو (أيار) 2026، في حي جاكس الإبداعي بالدرعية، خاض الجمهور تجربة فنية تفاعلية عبر الأعمال والأفكار التي تناولت عالماً يتَّسم بالحركة والتغير المستمر.

وقدمت تصوراً لعالم يتشكل عبر الترحال لا الثبات، ومن خلال مسارات متقاطعة من الطرق والإيقاعات والعلاقات، تجسدت في أعمال ملأت قاعات العرض، وشارك فيها 68 فناناً يمثلون أكثر من 37 دولة، لتتلاشى بينها الحواجز وتتوحد في سرد إنساني مشترك.