«خلّي العالم يسمع»... صوت فلسطين

حملة من النغمات الموسيقية والتبرّعات الإنسانية بمبادرة من «أنغامي»

صفحة منصة «أنغامي» المخصصة لدعم فلسطين
صفحة منصة «أنغامي» المخصصة لدعم فلسطين
TT

«خلّي العالم يسمع»... صوت فلسطين

صفحة منصة «أنغامي» المخصصة لدعم فلسطين
صفحة منصة «أنغامي» المخصصة لدعم فلسطين

خلال الشهرين الماضيين، حلّ دوي الحرب مكان نغمات الموسيقى، وغابت الإصدارات الغنائية الجديدة. انطلاقاً من هذا الواقع الذي فرضته التطوّرات الدامية في غزة، وانطلاقاً كذلك من كونها منصة بثّ موسيقي ذات هويّة عربيّة، ارتأت «أنغامي» أن ترفع الصوت الفلسطيني على طريقتها، أي بالموسيقى.

«في حُبّ فلسطين» هو العنوان الذي تصدّر المنصة الموسيقية الرائدة عربياً، وارتفع على صفحات التواصل الاجتماعي الخاصة بها. فبعد أقلّ من أسبوع على اندلاع الحرب الإسرائيلية ضد غزة، اصطبغ التطبيق بألوان العلم الفلسطيني وغرّدت حمامة السلام فولكلورَ البلاد، وشِعرَ محمود درويش، إلى جانب أغانٍ كلاسيكيّة وحديثة خاصة بفلسطين وبأصواتٍ من فلسطين وسائر البلاد العربيّة.

قرار صعب... لا بدّ منه

داخل أروقة الشركة، تَجنّد الموظفون بشغفٍ للبحث في الأرشيف الموسيقي الفلسطيني. نسّقوا قوائم غنائية تحاكي الحدثَ ووقعَه على النفوس، جمعوا كل «بودكاست» يتطرّق إلى القضية الفلسطينية ماضياً وحاضراً، كما تفرّغ الفريق الإبداعي لرسم الصورة زيتوناً وبطيخاً و«غرافيتي».

«هذه كانت طريقتنا في شفاء غليلنا والشعور بأننا نصنع فرقاً وإن صغيراً»، تخبر سلام كميد «الشرق الأوسط». كميد، وهي مديرة تسويق المحتوى في «أنغامي»، تلفت إلى أنّ المبادرة جاءت انطلاقاً من الرغبة في «الإضاءة على وجه فلسطين الجميل وثقافتها الثريّة، بعيداً عن الصورة المتداولة في الإعلام الغربي».

لم يكن القرار سهلاً على «أنغامي»، التي تربطها علاقات عمل مع فنانين من الغرب ومع شركات إنتاج ونشر موسيقي عالمية، ذات مواقف معروفة من حرب غزة. لكن، «في نهاية المطاف، أنغامي شركة عربيّة، وقررنا أنه من البدهي عدم البقاء صامتين، خصوصاً وسط المجازر المروّعة»، توضح كميد.

في موقفها هذا مما يحصل في غزة، تكتفي «أنغامي» بالفنّ سلاحاً ولا تغوص في السياسة. وفق شرح كميد: «نحن نقول إننا ضد العنف وضد ما يتعرّض له الأبرياء».

سوشال ميديا بلون الزيتون

«خلّي العالم يسمع»، بهذه العبارة حدّدت «أنغامي» موقفها على وسائل التواصل الاجتماعي، فكرّست صفحاتها لوطن الزيتون وصرخات شعبه وأصوات فنانيه. وتحت هذا الشعار، بدأ نشر مقاطع غنائية خاصة بفلسطين ترافقها لقطات معبّرة ومشاهد لمدن البلد الذبيح وقُراه. هنا فيروز تصدح شِعرَ جبران خليل جبران ولحن زياد الرحباني «الأرض لكُم».

في منشور آخر، يرتفع نشيد «موطني» وفي الخلفيّة راية ترفرف فوق بيوت القرميد والحجر. تتعاقب الأيام ومعها المجازر، فتواكبها «أنغامي» بمزيد من المقاومة الموسيقية، كما في هذا «الميدلي» من الأعمال التراثيّة بأصوات فلسطينية شابّة مثل «يمّا مويل الهوى»، و«يا طالعين الجبل»، و«علّي الكوفية» وغيرها.

لاقى المنشور الأول تفاعلاً كبيراً من المتابعين، الذين انتقلوا عبره إلى داخل التطبيق من أجل الاستماع إلى القائمة الخاصة بالأغاني الفلسطينية. جرّت القائمة قوائم أخرى، إلى أن اتّضحت الرؤية وتبلورت فكرة صفحة «في حب فلسطين».

تستعرض سلام كميد محتوى الصفحة من قوائم موسيقية بعناوين معبّرة مثل «أنا هنا، أتسمعني؟»، و«نبض فلسطين»، و«وطنيّات محمود درويش»... ثم يفتح «ستوديو فلسطين» بابَه على مجموعة كبيرة من البودكاست باللغتَين العربية والإنجليزيّة الحديثة منها والقديمة. ضمن الصفحة كذلك ألبوماتٌ مختارة حيّت فلسطين، ووجوهُ فنانين اجتمعوا تحت عنوان «أصوات من فلسطين».

اللافت في قوائم صفحة «في حب فلسطين» على «أنغامي»، أنها لا تقتصر على أصواتٍ ارتبطت بغناء القضية الفلسطينية. قد تطالع المستمع أغنية «القدس دي أرضنا» بصوت عمرو دياب، و«الهوية عربي» لهاني شاكر، و«القضية مكمّلة» لرامي صبري، وسواهم من فنانين. وتلفت كميد في السياق، إلى أنّ «أرقام استماعات الأغاني الخاصة بفلسطين شهدت ارتفاعاً حول العالم العربي خلال الشهرَين المنصرمين».

أبعد من الموسيقى...

ذهبت «أنغامي» أبعد من التضامن الموسيقي، فخصصت رابطاً على صفحة فلسطين، يستطيع المستخدمون أن يتبرّعوا من خلاله لأهل غزة. تلفت كميد إلى أنّ الإقبال على الرابط كان جيّداً، أما التبرّعات فكانت تصبّ مباشرة في حساب وكالة الأمم المتحدة لإغاثة اللاجئين الفلسطينيين (أونروا).

مع صدور أغنية «راجعين» التي جمعت 25 صوتاً شاباً من مختلف أنحاء العالم العربي، ازدادت التبرّعات وتحوّلت إلى «صندوق إغاثة أطفال فلسطين» (PCRF).

كانت «أنغامي» منصة البث الموسيقي الوحيدة التي سوّقت بكثافة لأغنية «راجعين»، وهي تخطّت حتى الساعة المليون استماع على التطبيق.

زين تعيد الأهزوجة الأولى

من بين الفنانين الذين شاركوا في «راجعين»، المغنية الفلسطينية الشابة زين. وفق ما تخبر «الشرق الأوسط»، فهي تنظر بأهمية قصوى إلى مشاركتها هذه. تقول إنها لم تتردّد لحظة في الانضمام إلى «المشروع الذي جرى تسجيل وتصوير جزء كبير منه في الأردن وبسرعة فائقة، لأن هدفنا كان واحداً وعاجلاً، وهو إيصال صوت غزة إلى العالم ومساعدة الناس هناك»، بما أن كل عوائد الأغنية تعود إلى «صندوق إغاثة أطفال فلسطين».

شاركت المغنية الفلسطينية زين في أغنية «راجعين» من أجل غزة (إنستغرام)

أوّل أغنية تعلّمتها زين طفلة من جدّتها ووالدتها، كانت «يمّا مويل الهوى». أعادت تقديمها على ضوء الأحداث، إلى جانب مجموعة أخرى من الأغاني التراثية الفلسطينية. «صوتي هو وسيلتي الوحيدة للمقاومة والفنّ هو سلاحي»، لا تنكر أنها غالباً ما تشعر بالعجز حيال ما يحصل في وطنها. لكنها سرعان ما تذكّر نفسها وعشرات الآلاف من متابعيها، بأنه «يمكن فعل الكثير، لا سيما أن الحرب ليست عسكريّة فحسب، بل إعلاميّة وفكريّة، وبالإمكان مجابهتها بالفن والتوعية عبر السوشيال ميديا».

من خلال إطلالتها ضمن «راجعين» أو على صفحات «أنغامي»، حققت زين هدفها الأوّل، وهو «إبقاء الأضواء مسلطة على غزة والمساهمة في توعية الرأي العام من خلال الفن».


مقالات ذات صلة

مَشاهد امتزج فيها الفرح بالغرابة... كيف أعادت باريس سيلين ديون إلى الحياة؟

يوميات الشرق الفنانة الكندية سيلين ديون أمام مقر إقامتها في باريس حيث تجمّعات يومية للمعجبين (غيتي) p-circle 01:48

مَشاهد امتزج فيها الفرح بالغرابة... كيف أعادت باريس سيلين ديون إلى الحياة؟

اختتمت سيلين ديون، مساء أمس، الشهر الأول من حفلاتها الباريسية بعد سنوات المرض والغياب. شكرت ديون الجمهور للدعم والحب، قائلة إنها وقفت على المسرح من جديد بفضلهم.

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق باسم سعيد يتعاون مع جاد وهبي لإحياء أغنية «تمارا» بتوزيع جديد (فيسبوك)

باسم سعيد: أحاول تعريف الجيل الجديد على أصالة الغناء

من خلال مشروعه، يحاول سعيد محاربة بعض الفوضى السائدة في الساحة الفنّية...

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق تُعزف الألحان على أوتار الراحة فيتراجع الوجع (إ.ب.أ)

هل تخشى وخز الإبر؟ موسيقاك المفضّلة قد تخفّف الألم

أظهرت اختبارات أنّ الاستماع إلى الموسيقى المفضّلة قد يساعد على تخفيف الألم خلال إجراءات طبية، مثل التطعيم...

«الشرق الأوسط» (زيوريخ)
يوميات الشرق هبة القواس وهاروت فازليان جمعهما الوفاء لوليد غلمية (الشرق الأوسط)

وليد غلمية بعد 15 عاماً... النوتة نفسها والقراءة تختلف

مع قراءة هاروت فازليان، استعادت مؤلَّفات غلمية ألقها على المسرح، مؤكّدةً أنّ مكان الموسيقى يبقى حيث يستمرّ عزفها...

فاطمة عبد الله (بيروت)
الوتر السادس لين الحايك لـ«الشرق الأوسط»: أعيش اليوم مرحلة اكتشاف الذات

لين الحايك لـ«الشرق الأوسط»: أعيش اليوم مرحلة اكتشاف الذات

كانت لين الحايك لا تزال في الحادية عشرة من عمرها عندما أطلّت للمرة الأولى على خشبة «ذا فويس كيدز» عام 2016، واليوم، وبعد مرور عشر سنوات على مشوارها الفني...

فيفيان حداد (بيروت)

«موسم الرياض» يعود بفعاليات استثنائية وتجارب متنوعة

تركي آل الشيخ تحدَّث في فيديو حول «موسم الرياض» عن دعم وتمكين القيادة السعودية للقطاع (هيئة الترفيه)
تركي آل الشيخ تحدَّث في فيديو حول «موسم الرياض» عن دعم وتمكين القيادة السعودية للقطاع (هيئة الترفيه)
TT

«موسم الرياض» يعود بفعاليات استثنائية وتجارب متنوعة

تركي آل الشيخ تحدَّث في فيديو حول «موسم الرياض» عن دعم وتمكين القيادة السعودية للقطاع (هيئة الترفيه)
تركي آل الشيخ تحدَّث في فيديو حول «موسم الرياض» عن دعم وتمكين القيادة السعودية للقطاع (هيئة الترفيه)

أطلق «موسم الرياض» نسخته السابعة بفعاليات وتجارب ترفيهية وبطولات رياضية عالمية، وحفلات غنائية وعروض مسرحية متنوعة، استعرضها المستشار تركي آل الشيخ، رئيس مجلس إدارة هيئة الترفيه السعودية (GEA)، في مقطع فيديو نشره على منصة «إكس» للتواصل الاجتماعي.

وأعلن آل الشيخ عودة «موسم الرياض» بفعاليات وتجارب ترفيهية متنوعة، وبطولات رياضية استثنائية، وحفلات غنائية وعروض مسرحية مختلفة فيها، مثمناً دعم وتمكين خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، وولي العهد الأمير محمد بن سلمان، لقطاع الترفيه.

وتضمن الفيديو لقطات لأبرز البطولات والأحداث الرياضية التي يشهدها الموسم، وفي مقدمتها بطولة «Six Kings Slam» للتنس، التي تجمع نخبة من أبرز نجوم اللعبة عالمياً، ونزالات «Mexico vs. The World»، حيث يتصدرها النزال المرتقب بين الملاكم المكسيكي كانيلو ألفاريز والفرنسي كريستيان مبيلي.

ويشهد الموسم بطولات «Zuffa Boxing» التي تقدم مواجهات احترافية في الملاكمة، و«UFC» للفنون القتالية المختلطة، وعرض «WWE Crown Jewel» الذي يجمع أبرز نجوم المصارعة العالمية.

كما يضم فعالية «Power Slap» التي تجمع نخبة من المتنافسين في هذه الرياضة، ومهرجان الإثنوسبورت الثقافي الذي يسلط الضوء على الرياضات والألعاب التقليدية، ويقدم منافسات وأنشطة ثقافية مصاحبة.

واستعرض الفيديو مجموعة من مناطق الموسم ووجهاته الترفيهية، بينها «بوليفارد وورلد» التي تجمع ثقافات وتجارب مستوحاة من دول العالم، وتشهد هذا العام إضافة 4 دول جديدة هي أوزبكستان واليمن وهولندا والبرتغال، في حين تقدم «وندر جاردن» ألعاباً وتجارب ترفيهية متنوعة في أجواء مستوحاة من عالم الخيال والطبيعة.

وتجمع منطقة «بوليفارد سيتي» العروض المسرحية والتجارب التفاعلية والمطاعم والمقاهي، بينما يقدم «سوق المزارعين» المنتجات الزراعية والمحلية، وتقام تجربة «متاهة الحصن» تقام لأول مرة بتحديات تفاعلية ومغامرات داخلها، كذلك تحتوي وجهة «سفن الحمراء» الترفيهية على تجارب وأنشطة متنوعة.

وشملت اللقطات منطقة «شتاء الديرة» التي تقدم تجارب ثقافية وتراثية تستحضر تاريخ الرياض وأسواقها القديمة، فيما تجمع «فيا رياض» المطاعم الراقية والتسوق والتجارب الفاخرة، وتتيح «ذا جروفز» تجربة حديقة مفتوحة تضم المطاعم والمقاهي والعروض الحية والأنشطة الترفيهية.

ويُمكن لزوار «حديقة الحيوان» في الرياض مشاهدة أنواع متعددة من الحيوانات والاستمتاع بالتجارب العائلية، بينما تحتضن «حديقة السويدي» سبع ثقافات من حول العالم، تشمل اليمن وباكستان والسودان والفلبين وإندونيسيا وبنغلاديش والهند، عبر العروض الفنية والمأكولات الشعبية والمنتجات التقليدية والتجارب الثقافية المتنوعة.

وتطرق الفيديو إلى حفلات غنائية يحييها أشهر الفنانين على مسارح الرياض، وعروض مسرحية متنوعة يقدمها نخبة من أبرز نجوم المسرح العربي، ضمن برنامج ترفيهي يجمع مختلف الفنون والتجارب التي تلبي اهتمامات شرائح واسعة من الجمهور.

ورحّب آل الشيخ بالجمهور، قائلاً: «أهلاً وسهلاً بكم في موسم الرياض»، الذي تشهد نسخته السابعة برنامجاً متنوعاً من الفعاليات والتجارب المحلية والعالمية، بما يعزز مكانة العاصمة السعودية كوجهة عالمية رائدة للترفيه.


وفاة الممثل توم سكيريت الحائز جائزة إيمي عن سن 93 عاماً

 توم سكيريت (رويترز)
توم سكيريت (رويترز)
TT

وفاة الممثل توم سكيريت الحائز جائزة إيمي عن سن 93 عاماً

 توم سكيريت (رويترز)
توم سكيريت (رويترز)

توفي الممثل توم سكيريت، الحائز جائزة إيمي، الذي اشتهر بأداء أدوار شخصيات تتسم بالرصانة والسلطة الممزوجة بالسخرية، سواء في دور مدرب الطيران في فيلم «توب جن»، أو قائد الشرطة الحازم والمنصف في المسلسل التلفزيوني «بيكيت فنسز» أو قائد المركبة الفضائية الذي يلقى حتفه في فيلم «إليان» عن عمر 93 عاماً.

وقالت عائلة سكيريت في بيان إنه توفي أمس الأربعاء لأسباب طبيعية. وجاء في البيان: «بينما عرفه العالم من خلال مسيرته التمثيلية الاستثنائية، عرفناه نحن بروح دعابته وفضوله وحكمته وكرمه والحب الذي غمرنا به في حياتنا».

وتم ترشيح سكيريت مرتين لجائزة إيمي، في المرتين عن دوره في مسلسل «بيكيت فنسز» وفاز عام 1993 بجائزة أفضل ممثل رئيسي في مسلسل درامي.

ومن أبرز محطات مسيرته الفنية أيضاً تجسيده دور الزوج المتفهم للممثلة شيرلي ماكلين في فيلم » تيرنينج بوينت» أو (نقطة تحول).


لغز لوحة «ليلة النجوم»... كيف رسم فان غوخ كوكبة الثور من داخل مصحته العقلية؟

لوحة الفنان الهولندي فينسنت فان غوخ «ليلة مرصعة بالنجوم» (The Starry Night) (ويكيبيديا)
لوحة الفنان الهولندي فينسنت فان غوخ «ليلة مرصعة بالنجوم» (The Starry Night) (ويكيبيديا)
TT

لغز لوحة «ليلة النجوم»... كيف رسم فان غوخ كوكبة الثور من داخل مصحته العقلية؟

لوحة الفنان الهولندي فينسنت فان غوخ «ليلة مرصعة بالنجوم» (The Starry Night) (ويكيبيديا)
لوحة الفنان الهولندي فينسنت فان غوخ «ليلة مرصعة بالنجوم» (The Starry Night) (ويكيبيديا)

في خضم النوبات الذهنية العنيفة التي كادت تعصف بعقله، اتخذ الفنان الهولندي فينسنت فان غوخ قراراً مصيرياً في مايو (أيار) من عام 1889 بالدخول طواعية إلى مصحة «سان بول دو موزول» للأمراض العقلية في منطقة «سان ريمي دو بروفانس» بجنوب فرنسا. هناك، بين الجدران الصامتة وفي غمرة العزلة الخانقة، عاش الفنان الفترة الأكثر إنتاجاً وزخماً في حياته، حيث كانت إدارة المصحة قد خصصت له غرفتين، إحداهما للنوم، والأخرى استعملها كمرسم مؤقت ليصارع من خلالها خطوط المرض اللامرئية.

الفنان الهولندي فينسنت فان غوخ (ويكيبيديا)

نافذة المصحة تفتح أبواب الكون

ومن وراء قضبان نافذته الضيقة التي كانت تطل على حقل من القمح وسماء الجنوب الفسيحة، لم يكن فان غوخ يستسلم لهلاوسه، بل كان يطوّع الطبيعة بالريشة، ليتضح اليوم أن تلك النافذة لم تكن تطل على الفراغ، بل كانت بوابته الشخصية لتوثيق الكون بدقة علمية مذهلة.

وقد تحوّلت لوحته الشهيرة «ليلة النجوم» (The Starry Night) إلى محور نقاش علمي وفني مثير، بعد أن كشف باحثون ومختصون في علم الفلك عن مفاجأة غير متوقعة تقلب المفاهيم التاريخية السائدة حول عبقرية هذا الفنان المثير للجدل.

فلطالما اعتقد نقاد الفن لقرابة قرن ونصف قرن من الزمان أن تلك الدوامات اللامعة والنجوم المتفجرة في سماء اللوحة كانت مجرد نتاج هلوسات بصرية أو تدفقات من الخيال المحض الذي تغذى على العزلة والاضطراب النفسي.

غير أن العلم المعاصر جاء ليثبت العكس تماماً، مؤكداً أن ما خطّته ريشة الفنان المضطرب لم يكن سوى وثيقة فلكية شديدة الدقة ترصد حركة الأجرام الكونية كما بدت في ليلة صيّاد حقيقية، وليس بناءً على الخيال المحض.

وتكتسب هذه الدقة الفلكية بعداً درامياً هائلاً، إذ أشارت كتب التاريخ أن إدارة المصحة كانت تمنع الفنان من الخروج إلى الحديقة ليلاً خشية انتكاسه الصحي وسقوطه في نوبات الصرع، ما يعني أن فان غوخ كان يقف لساعات طوال يتأمل المشهد ويحفظه عبر القضبان الحديدية لزنزانته، ثم يقوم برسمه نهاراً من الذاكرة البصرية بدقة هندسية تفوقت على أعتى تليسكوبات عصره.

غرفة الفنان الهولندي فينسنت فان غوخ داخل مصحة «سان بول دو موزول» للأمراض العقلية في منطقة «سان ريمي دو بروفانس» بجنوب فرنسا (ويكيبيديا)

العزلة التي رصدت حركة المجرات

لطالما نظر نقاد الفن إلى الأشكال الحلزونية والدوامات المضيئة في لوحة «ليلة النجوم» على أنها انعكاس مباشر للاضطراب النفسي وتجسيد بصري للشيزوفرينيا أو الصرع الذي عانى منه. لكن الكشف الفلكي الحديث الذي نشرته مجلة «Nature» بالتعاون مع متحف الفن الحديث في نيويورك (MoMA) جاء ليعيد الاعتبار لعقل الفنان الأسير، حيث أثبتت المحاكاة الفلكية أن فان غوخ كان يرسم بوعي فائق، ويقظة بصرية صارمة عاكساً تفاصيل سماء حقيقية ظهرت في أفق فرنسا قبل فجر يوم 22 يوليو (تموز) 1889.

رسالة تاريخية نادرة يحمل جزؤها العلوي الرقم 593 كتبها فان غوخ لشقيقه ثيو عام 1889 ليرصد فيها سماء الفجر قبل أن يخلدها علمياً وفنياً في لوحة «ليلة النجوم» (متحف فان غوخ - أمستردام)

هذا التناغم الكوني المذهل لم يكن وليد الصدفة، بل وثّقه الفنان بنفسه في رسائله التاريخية المؤثرة إلى شقيقه «ثيو»، إذ كتب له في إحداها قبل رسم اللوحة بأسابيع واصفاً المشهد الفجري: «رأيت هذا الصباح الريف من نافذتي لفترة طويلة قبل شروق الشمس، ولم يكن هناك سوى نجمة الصباح التي بدت كبيرة جداً»، ونجمة الصباح هذه التي بهرته لم تكن في الحقيقة سوى كوكب الزهرة الذي أثبتت المحاكاة الفلكية المعاصرة وجوده في المكان ذاته.

وفي ذلك التوقيت المقدر، بدت سماء ما قبل الفجر فوق منطقة سان ريمي دو بروفانس في فرنسا متطابقة تماماً مع التشكيل الملحمي للوحته، حيث يظهر هلال متضائل واضح، وإلى جواره كوكب الزهرة المتوهج، وعنقود «القلائص» (Hyades) النجمي، وهي الأجرام الثلاثة التي بدت في تلك اللحظة التاريخية متقاربة معاً في الفضاء.

كوكبة الثور ولغز الهالات الصفراء

لم يتوقف التطابق عند حدود المظهر العام، بل امتد ليشمل تفاصيل هندسية بالغة الدقة أثبتها تحليل الأشكال والمواقع داخل اللوحة. فقد أكد التحليل البصري وجود تطابق علمي قاطع بين 5 نجوم مركزية، رسمها الفنان وتتوسط المشهد، وعنقود «القلائص» النجمي الذي يمثل جزءاً أصيلاً ورئيسياً من كوكبة الثور.

وتُظهر المقارنات العلمية المستندة إلى الدراسة المشتركة، أن ريشة فان غوخ وضعت في مواضعها الصحيحة هندسياً كلاً من القمر وكوكب الزهرة، بالإضافة إلى نجم الدبران اللامع ومجموعة هياديس النجمية التي تتضمن النجوم الفردية الدقيقة لكوكبة الثور وهي: غاما تاوري، ثيتا تاوري، دلتا تاوري، إبسيلون توري.

ويظل اللغز الأكبر كامناً في تلك الدوامات الحلزونية والهالات الضخمة التي تحيط بالنجوم والقمر، إذ يرجح بعض الأطباء والمؤرخين أن العقاقير الطبية التي كان يتناولها الفنان داخل المصحة، ولا سيما مستخلصات نبات «الديجيتالس» ويُعرف علمياً في العصر الحالي باسم «نبات القمعية» أو «قفاز الثعلب» (Foxglove) لعلاج الصرع، كانت تسبب عارضاً بصرياً جانبياً يجعل المريض يرى الأجرام محاطة بهالات مشعة، ما يعني أن اللوحة مزجت بعبقرية بين حقيقة السماء الفلكية وحقيقة الرؤية البصرية الواقعية للفنان تحت تأثير العلاج.

لوحة الفنان الهولندي فينسنت فان غوخ «ليلة مرصعة بالنجوم» (The Starry Night) (ويكيبيديا)

مسح السماء الرقمي يوثق العبقرية

تأتي القيمة العلمية المضافة لهذا الاكتشاف الفلكي من خلال الاعتماد الفني المتبادل على مسح السماء الرقمي الثاني، وهي البيانات المرجعية المتقدمة الموثقة من قِبل المختبر الوطني لأبحاث الفلك البصري والأشعة تحت الحمراء التابع لمؤسسة العلوم الوطنية الأميركية ورابطة الجامعات لأبحاث الفلك (NOIRLab/NSF/AURA/Digitized Sky Survey 2).

لقد قدم هذا المسح الرقمي المتقدم الدليل الملموس والقاطع على أن التوزيع النجمي في لوحة فان غوخ لم يكن مجرد عشوائية تشكيلية أو شطحة لونية، بل كان تجسيداً عبقرياً لحركة ومواقع الكون الحقيقي الذي رآه الفنان وعاش تفاصيله بعقله وروحه من وراء قضبان المصحة العقلية.

قبر فينسنت فان غوخ وإلى جواره شقيقه ثيو في فرنسا، اللذان خلّد التاريخ رسائلهما المتبادلة كواحدة من أعظم قصص الدعم الإنساني والفني في التاريخ. (ويكيبيديا)

فبعد أن دخل فان غوخ المصحة عام 1889 غادرها في مايو (أيار) 1890 متوجهاً إلى بلدة «أوفير سور أواز»، حيث توفي هناك سريعاً في يوليو (تموز) 1890، تاركاً خلفه هذه التحفة الفنية الخالدة لتظل شاهداً حياً على أن العبقرية الصارمة يمكنها أن تولد وتشرق من عتمة المعاناة والمصحات.