أيام قليلة وينطلق «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» بنسخته الثالثة، في مدينة جدة، وهو الحدث السينمائي الأكثر ترقباً في المنطقة، وعلى الرغم من قِصر عمر هذا المهرجان مقارنة بالمهرجانات السينمائية العريقة والقديمة، فإنه تمكّن من منافستها سريعاً والتفوّق على كثير منها من حيث الزخم الإنتاجي والتنوّع الجغرافي لصنّاع الأفلام، وكذلك القوة العالمية لحضور هذا المهرجان، ليغدو وجهة سينمائية لا يفوّتها المهتمون بهذا القطاع.
واليوم، تحاور «الشرق الأوسط» محمد التركي، الرئيس التنفيذي لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدّولي»، في آخر منجزات المهرجان وتحضيراته، الذي ينطلق في 30 نوفمبر (تشرين الثاني) لمدة 10 أيام متواصلة، ليكشف عن أنه عُرض في الدورتين الماضيتين 269 فيلماً من 77 دولة بأكثر من 47 لغة، وأوضح أن عدد مجمل الأفلام التي دعمها «صندوق البحر الأحمر» منذ انطلاقته عام 2021 وحتى الآن بلغ أكثر من 251 فيلماً، كما كشف عن أن 7 أفلام عالمية دعمتها «مؤسسة البحر الأحمر السينمائي»، وتتأهب اليوم لدخول سباق جوائز الأوسكار، بعد اختيارها رسمياً لتمثيل بلدانها.
حدّثنا محمد التركي عن المهرجان بنسخته الثالثة ومدى تأثيره على صناعة الأفلام محلياً ودولياً، قال: إنه «يُعد منصّة فريدة للاحتفاء بالسينما والتقاء الثقافات، مع احتضانه القصص التي تتضمن جميع مناحي الحياة، كما أنه منصّة سينمائية شاملة تعزّز التنوّع في جميع جوانب الصناعة السينمائية، من دون أن يقتصر على مشاهدة الأفلام فحسب، ليقدم تجربة ثرية ومتكاملة تحتفي بكل أبعاد السينما، المتجسدة في أجواء يملأها الاحتفال والتواصل والتبادل الثقافي، بشعار هذه الدورة: (قصّتك، بمهرجانك)».
يقول التركي، رداً على ما يميّز هذه الدورة: إن الهدف منها هو البناء على نجاح الدورتين الماضيتين؛ لتُتاح للزائرين تجربة ثرية وممتعة تفوق سابقتيها، ويوضح أن هذا الهدف يتقاطع مع برامج الأفلام المرتقبة، إلى جانب الفعاليات والحوارات والتكريمات، بحضور كوكبة من ألمع نجوم السينما من جميع أنحاء العالم. ويتابع حديثه لـ«الشرق الأوسط» قائلاً: «يجسد شعار مهرجان العام الحالي (قصتك بمهرجانك)، رؤيتنا في (مؤسسة البحر الأحمر السينمائي)، التي تهدف إلى دعم المواهب لإيصال أصواتهم ورواية قصصهم التي لم تروَ بعد. ونهدف لإثراء الثقافة السينمائية ونشرها للجميع، لنقدم هذا المهرجان لشريحة واسعة من الجماهير، لا تقتصر على خبراء صناعة السينما».

وفق التركي، فإن صناعة السينما السعودية تشهد في الآونة الأخيرة تطوراً ملحوظاً وملهماً. ويعدّ هذا التطور جزءاً من تحولٍ أوسع نجحت في تحقيقه السعودية في مجموعة من المجالات. ويمكنني القول إن أبرز التطورات التي شهدناها تتمثل في: زيادة الإنتاج السينمائي المحلي، وتنوع التوجهات والمضامين السينمائية، وزيادة مشاركات الأفلام السعودية على المستوى الدّولي، مع توجه الحكومة لتوفير البنية التحتية اللازمة لدعم صناعة السينما، بما في ذلك إنشاء دور للسينما ومراكز للتدريب ومؤسسات ثقافية. ويستطرد: «يسعدنا في (مؤسسة البحر الأحمر السينمائي) أن نكون جزءاً من هذا التطور عبر دعمنا للمواهب السعودية الملهمة، التي ترسم مستقبلًا سينمائياً مشرقاً للمملكة. ولأجل ذلك؛ أعددنا في المؤسسة برامج متكاملة تهدف لدعم الكثير من صُنَّاع الأفلام السعوديين الذين حققوا نجاحات عالمية. ومن ضمن هذه البرامج، شراكات مع جهات دولية تهدف إلى تشكيل الجيل الجديد من قادة صناعة السينما كالشراكة مع سوق الأفلام في مهرجان كان، ومعمل تورينو للأفلام، ومعهد جوته الألماني للأفلام، ومع أكاديمية بادن - فورتمبيرغ وغيرها، بالإضافة إلى برامج أخرى مخصصة تهدف إلى تمكين المواهب الصاعدة وتعزيز الفرص لتحقيق المزيد من النجاح عبر توفير منصة لعرض إبداعات صُنَّاع الأفلام».
في لقاء سابق، ذكر التركي، أن السعودية ستحتل موقعاً مميزاً على خريطة السينما العالمية، واليوم، يقول: «حقيقةً، إن التنبؤ بهذا الأمر يعتمد على الكثير من العوامل، ولكن يمكنني القول بأن المملكة تسلك بالفعل الطريق الصحيحة نحو هذا الهدف وبسرعة وإصرار كبيرين. فالاستثمار الكبير في صناعة السينما والدعم اللامحدود للمواهب المحلية الصاعدة التي فوجئنا بحجم وعيها السينمائي، من أهم العوامل التي تساعدنا للوصول بسرعة كبيرة. وأنا واثق بأن السينما السعودية ستتمكن من إحداث تأثير ملحوظ في الساحة العالمية خلال الفترة المقبلة».
وقبل الحديث عن عدد الأفلام التي دعمها المهرجان وشاركت في مهرجانات أخرى وحصلت على جوائز، رغب في الكلام أولاً عن السنوات الثلاث الماضية، ليوضح أن هناك «نقطة تُعدّ من الركائز الأساسية، وهي الالتزام برعاية الجيل الجديد والمواهب الواعدة من صُنَّاع السينما، خصوصاً من السعودية والعالم العربي وأفريقيا وآسيا، وذلك من خلال تعزيز التواصل بمحترفي الصناعة المخضرمين حول العالم على مدار العام. أمّا عن الأفلام التي دعمها المهرجان وتألقت محلياً وإقليمياً ودّولياً، فهي كالتالي: 6 أفلام شاركت في الدورة الـ76 لمهرجان كان السينمائي الدولي، وفيلمان شاركا في الدورة الـ73 لمهرجان برلين السينمائي الدّولي وحصلا على جوائز. كما شارك فيلمان في الدورة الـ13 لمهرجان مالمو السينمائي العربي، إلى جانب ذلك شارك فيلم (عبد) في الدورة الـ9 لمهرجان أفلام السعودية، وحصل على 3 جوائز. كما شارك أيضاً فيلما (كذب أبيض، وبانيل وأداما) في الدورة الـ44 لمهرجان ديربان السينمائي الدّولي، وفيلم (كذب أبيض) شارك في الدورة الـ70 لمهرجان سيدني السينمائي».
عملياً، منذ تأسيسه وحتى الآن، يقول التركي: إن دعم صندوق البحر الأحمر يمتدّ ليغطّي جميع مراحل صناعة الفيلم، عبر جولات عدّة، بدءاً بالمشاريع في مرحلة التطوير، مروراً بمرحلة الإنتاج، وصولاً إلى المشاريع في مرحلة ما بعد الإنتاج. وانطلاقاً من عام 2021، بادر الصندوق بدعم أكثر من 251 فيلماً، وما زال الدعم مستمراً للكثير من المشاريع في جميع مراحل صناعة الأفلام، ونلامس ارتفاعاً ملحوظاً في عدد المشاريع المرشحة للدعم يوما بعد يوم.
عن أبرز إنجازات المؤسسة، يقول التركي: «نفخر بالاهتمام الدّولي الكبير الذي يحظى به المهرجان؛ إذ نجحنا في تحقيق أحد أهدافنا الرئيسية، المتمثلة في وضع المملكة على خريطة صناعة السينما العالمية. ونعتز بدعمنا صُنّاع الأفلام والمؤلفين من أفريقيا وآسيا، الذين لا يحظون بفرص دعم وافرة تلبي تطلعاتهم.
ويتابع: «لقد حصدت المؤسسة ثمار دعمنا 4 من أصل تسع صانعات أفلام، حقَّقن أرقاماً قياسية في مهرجان كان السينمائي، كانت أفلامهن ضمن الاختيارات الرسمية لعرضها في المهرجان. كما نفخر بأفلام دعمتها المؤسسة، وحظيت بشرف عرضها في مهرجانات عريقة أفلاماً افتتاحية؛ مثل فيلم (جان دو باري) في مهرجان كان السينمائي».

يخبرنا التركي بالأرقام عن حصيلة «مهرجان البحر الأحمر السينمائي» خلال العامين الماضيين، يقول: «حقق المهرجان نجاحاً باهراً خلال الدورتين السابقتين، حين عرض 269 فيلماً من الأفلام الطويلة والقصيرة من 77 دولة بأكثر من 47 لغة. وتضمنت الأفلام 74 فيلماً روائياً، و45 فيلماً قصيراً. ودعمنا المواهب المحلية وعرضنا 36 فيلماً سعودياً، و42 فيلماً عربياً، ودعمنا 32 مخرجة للمشاركة في صناعة المشهد السينمائي. بالإضافة إلى ذلك، شهدنا نجاحاً كبيراً في مشروعات السوق مع تنفيذنا 14 مشروعاً ناجحاً. ولتعزيز التفاعل والمشاركة؛ منحنا 330 تصريحاً لحضور السوق. خلال هذه الفترة، شاركت أكثر من 66 شركة إنتاج في صالة العارضين. تُظهر هذه الأرقام، أن المؤسسة تتقدم بخطى ثابتة لتعزيز المشهد السينمائي العالمي».





