اكتشف الشاب اللبناني محمد قريطم حبه للرسم في سنّ الثانية عشرة. يعمل والداه أيضاً في مجال الهندسة الداخلية، فتشرّب منهما قواعد الرسم، ما سهّل صقل الموهبة. أما فرصته الأكبر لإبرازها فتمثلت في تلقّيه عرضاً أثار شهيته.
سألته مسؤولة عن منشورات «دار سمير» القيام بمهمّة لا تشبه سواها. أرادت منه تنفيذ الرسوم المتحركة لقصة تحاكي رحلة هروب رجل الأعمال اللبناني كارلوس غصن من اليابان. يقول لـ«الشرق الأوسط»: «سبق ونفذتُ كتابَيْن مصوّرَيْن، وخضتُ تجارب أخرى، إحداها لطبيب أسنان. أما هذه التجربة فحملت أبعاداً مغايرة. فهي تسرد قصة هروب رجل أعمال ذاع صيته في لبنان والعالم. أما فراره من اليابان فشكّل علامة فارقة في حياته».

لطالما تمنّى قريطم رسم هذه المربّعات المعروفة في القصص المصوّرة، والمخصّصة لكلام الحوارات بين شخصياتها. لكن هذه المهمّة تطلبت منه جهداً آخر: «بداية لم أهتم كثيراً بقصة غصن، حتى إنني لم أسمع عنه. نادتني الفرصة في عام 2020 الذي سبقه اشتعال البلد واندلاع الثورة». في صيف 2021، انتهت ميشيل ستانديوفسكي من كتابة سيناريو القصة. بعد عام، بدأ قريطم بتنفيذ تجاربه حول رسومها. أجرى بحوثاً عن موضوعات تتعلّق بغصن، «من بينها المرتبطة بصناعة السيارات، وأخرى تتعلّق بعالم الاقتصاد، وبشخصية نابليون الذي تأثّر به».
جاءت هذه البحوث نتيجة لقاء قريطم وفريق عمل القصة، بغصن؛ مؤلَّفاً من الكاتبة والمصوّرة ميشيل ستانديوفسكي، وأنطوان سمراني عن المادة الوثائقية. يعلّق: «عندما نرغب في رسم قصة مصوّرة، علينا الاطّلاع بشكل جيد على تفاصيل تخصّ أبطالها. بطل القصة غصن، فدقّقتُ في تصرّفه ولغة جسده. تابعته وهو يمشي ويحرّك رأسه أو يحكّه. كذلك كيف يتفاجأ ويبتسم ويحرّك عينيه. حفظتُ منزله أيضاً، فمحتوى أي قصة ينبغي أن يكون شاملاً. كان من الضروري أن أطّلع على هذه التفاصيل لتكوين فكرة عن إيقاع حياته».

تأثّر قريطم بنظرات غصن، فبرز ذلك في رسومه. لم يفته التركيز عليها وعلى معلومات عن العملية رواها لهم بطل الحكاية: «أرادت ميشيل التركيز على عينيه وهو داخل الصندوق الذي استخدمه لدى هروبه».
الفكرة الشاملة التي كوّنها عن غصن ساعدته في تنفيذ رسومه. أضاف إليها ما خزّنه في ذاكرته من بحوث تتناول عالم رجل الأعمال اللبناني. يقول: «أعمل عادة على مشاريعي بمفردي، فأنقل الأشخاص في خيالي على الورق. أجد صعوبة في ذلك، فترجمة الشبه بين الشخصية الأصلية والرسم لا تنجح بسرعة. مع كارلوس غصن كان الأمر أكثر سهولة». أسابيع استغرقها قريطم في رسم بطله على الورق: «بدأتُ أرسمه بقلم رصاص وعلى مراحل. فالعملية هذه تشبه تنفيذ فيلم سينمائي أو مسرحية».
فكَّر جيداً بكيفية تنفيذ القصة. جذبته غرابتها، فمحورها هروب غير عادي. يتابع: «فكرتُ ملياً بعملية هروبه وبفن السخرية الذي يمكن أن يلوّن القصة. فمع المضمون الجيد، استطعت بناء صورة واضحة عن عملية تنفيذ الرسوم».
سبق وقرأ روايات كثيرة عن هروب مساجين، لكن قصة غصن أكدت له بأنها ليست مجرّد فيلم سينمائي: «ما لفتني في شخصيته هو التفاؤل الكبير الذي يتمتّع به. يؤمن بنفسه وقدراته منذ صغره. كان مثابراً ومتمسكاً بأهدافه، فنجح وبقي يشقّ طريقه. عندما قرّر الهرب، فعل كل ما لا يتصوّره أحد للخروج من سجنه، فكان ذلك في صندوق آلة موسيقية. تعلّمتُ منه الدرس».

قُبض على غصن عام 2018، بعد اتهام شركة صناعة السيارات اليابانية «نيسان» له بسوء استخدام أموالها. كان حينها رئيس مجلس الإدارة، وشغل أيضاً منصب رئيس مجلس إدارة شركة «رينو» الفرنسية، ورئيس تحالف ثلاثي بين شركتَي صناعة السيارات و«ميتسوبيشي». بعد عام من السجن في طوكيو، أُفرِج عنه بكفالة، وبقي رهن الإقامة الجبرية لا يعرف متى يمثُل للمحاكمة. هنا، صمّم على إيجاد مَخرج لأزمته، فاستطاع الهروب من اليابان داخل صندوق كبير يحتوي عادة آلات موسيقية.
استخلص قريطم من تجربته في القصة المصوّرة، «هروب غصن»، عبراً كثيرة؛ يصبّ أهمّها في المجال الذي يعمل به: «لمستُ عن قرب مدى عمق البئر التي نغرف منها التجارب والأفكار. ففي مجال القصص المصوّرة، هناك ما لا يمكن إحصاؤه منها». يختم: «نقلني هذا المشروع إلى مكان آخر، فخرجتُ عن المألوف. دخلت قصر فرساي وتعرّفت إلى نابليون وعالم السيارات. حياة غصن الفخمة ونجاحه دفعاني إلى ذلك».


