«الغريب»: الفكرة المُقدَّرة واحدة

جرأته تصدَّت لها الهشاشة

أظهر العمل العدالة حمّالة أوجه وأحرج بالمنادين بها (بسام كوسا في لقطة من المسلسل)
أظهر العمل العدالة حمّالة أوجه وأحرج بالمنادين بها (بسام كوسا في لقطة من المسلسل)
TT

«الغريب»: الفكرة المُقدَّرة واحدة

أظهر العمل العدالة حمّالة أوجه وأحرج بالمنادين بها (بسام كوسا في لقطة من المسلسل)
أظهر العمل العدالة حمّالة أوجه وأحرج بالمنادين بها (بسام كوسا في لقطة من المسلسل)

منح بسام كوسا الثقل لمسلسل «الغريب» المتكئ على فكرة مُقدَّرة واحدة. لولاه، لاختلّ التوازن وطرأ التضعضع. وقف في مقابله سعيد سرحان للتسبُّب بما يمكن انتظاره. وامتازت فرح بسيسو بحضور قيِّم أمام الكاميرا. أمكن أخذ شخصية «فيفيان» أبعد مما حدث. فسلمى الشلبي تحتمل التعمُّق. صبَّ العمل جهداً على إشكاليته، وكان له ما أراد. أظهر العدالة حمّالة أوجه، وزجَّ بالمنادين بها في موقف محرج.

منح بسام كوسا الثقل للعمل المتكئ على فكرة مُقدَّرة واحدة (لقطة من المسلسل)

أجمل ما في المسلسل (12 حلقة عرضها «شاهد») خلاصته؛ أصحاب المبادئ ملطّخون أيضاً. ذلك تأكيد على استحالة المحاسبة والإفلات المرعب من العقاب. فالابن الذي ارتكب الجريمة الأولى بالخطأ، قَتَل مجدداً عن سابق تصميم. أفراد العائلة النزيهة الأربعة، أصيبوا جميعاً بالمخالفة وطَبَع كلٌ منهم وصمته على سجل أسود. إن كان الأب القاضي قد تستّر على تجاوُز الابن، أو أُرغِم على التستُّر، فذلك مُنطلقه أنّ القانون يخضع لحسابات، بعضها شخصي، والنزاهة مقنَّعة، تتربّص بها أكثر من وجهة نظر.

الارتكاب هنا جماعي، نتيجته واحدة؛ لملمة القضية. يشاء العمل القول إنّ مَن يحكمنا بالفعل هو العدل المقتول. نحن ما عليه، لأنّ الشرفاء قد يتساوون مع الأنذال حين يضغط الظرف. تشبَّث القاضي «يوسف مير علم» (كوسا) بالقانون وفضَّله على الصداقات، طالما أنه بمنأى عن دفع الثمن. وحين طال ابنه، هرَعَ إلى الترقيع. نزاع القيم مع حسّ الأبوة، سرعان ما حُسم لمصلحة الأخير. خلع رداء القضاء، وسلَّم نفسه لكل ما يمكن إنقاذه من المأزق.

سعيد سرحان من الشخصيات التي تسبَّبت بما يمكن انتظاره (لقطة من المسلسل)

عند هذا الحدّ، يعزف النصّ (لبنى حداد ولانا الجندي) على الوتر. آلام البشرية تكثّفها رخاوة المحاكم والقانون الفضفاض. والمسلسل (الصبّاح أخوان) لديه ما يقوله حيال الأمزجة المتحكِّمة بالنظرة إلى الأشياء، وازدواجية المعايير، والتستُّر، والعراك المستعر على حلبة المصالح. كاميرا المخرجة صوفي بطرس قرَّبت الإشكالية من متلقّيها لتصبح أكثر وضوحاً. يؤخذ عليها ضعف تنفيذ مشهد الجريمة الأولى، حتى تراءى ساذجاً. بُني عمل بأسره على إطلاق نار بدا فكاهياً، لتتوالى مشهديات، بعضها هشّ، لسدّ الفراغ.

النهاية المفتوحة ليتها لا تُنبّئ بجزء ثانٍ مُحتَمل. فالمسلسل بالكاد يتّسع لعدد حلقاته. ولَّد الإيقاع المتفاوت رتابة، وقلَّص بعض الشيء حجم التشويق، قبل اشتعال المشهد. فالخطوط الدرامية الموازية ضئيلة التأثير، وقصص الحب بالكاد تلمع. «الكوبل» الوحيد في العمل هما كوسا وبسيسو. لقاؤهما بشخصيتَي الزوجين المُعرَّضين لوحشية الحياة، ورغم ذلك لا يهتزّ الودّ، أضفى جمالية على سياق اخترقته الثقوب.

فرح بسيسو وسلمى الشلبي وناظم عيسى (لقطة من المسلسل)

مرَّ ناظم عيسى بدور عابر، أمكن تفعيله ما دام يتّكئ على ماضٍ جرى التلميح إليه. بدت حكاية الألماس مُقحَمة، إيجادها بهذه البساطة لا يقنع طفلاً. سلمى الشلبي مجتهدة، لكن أين الدور؟ ما الشخصية؟ وما تعقيداتها وأبعادها؟ مرَّت بلا وَقْع يبقى، سوى أنها تجيد التمثيل، حتى أمام اللقطة العادية. يُحسب لها أنها أبقت على شيب الرأس لمنح «فيفيان» اللحم والدم. 12 حلقة كافية لإعطائها وظيفة أبعد من الطبطبة على الآخرين. هي، المرأة والإنسانة، امَّحت.

عودة بسام كوسا مُحبّبة ومُنتظرة، فقد طال غيابه بعد تأجيل إطلالتَيْه الرمضانيتَيْن في «كانون» و«مال القبان». يسبق حضوره الشوق إليه، لامتهانه احتراف الأدوار. وظَّف أدواته لجَعْل «يوسف» بشراً «مثلنا جميعاً»، قابلاً للخطأ، يوقظ الذرائع من مخابئها ويُسقط عنه مثاليته حين تمِسّ مبادئه سلامة العائلة. الأهم أنه جعل «يوسف» أباً، بما تعنيه الأبوّة من التزام وتنازل ومجاراة الأمر الواقع، أسوة بفرح بسيسو التي شكّلت الاختزالَيْن؛ الأم والزوجة، بحلاوة الوفاء ومرارة الأيام.

محمد عقيل مجتهد وله مكانة، لكنّ العمل أوقعه في التناقض. بدا ساذجاً انتقاله من السخط على «يوسف» إلى طلب رضاه والعمل في خدمته! شخصية بهذا النفوذ، زُجَّت بموقف مضحك حين واجهها «يوسف» بنبرة مُهدِّدة، والتزمت الصمت وكادت تهزّ الرأس طوعاً. تمثيله مقنع، لا يترك إحساساً بافتعال مشهد. حاجة المسلسل لفكّ عقدة الحبكة، أودت به إلى ما لا يضيف.

الارتكاب هنا جماعي، نتيجته واحدة؛ لملمة القضية. يشاء العمل القول إنّ مَن يحكمنا بالفعل هو العدل المقتول. نحن ما عليه، لأنّ الشرفاء قد يتساوون مع الأنذال حين يضغط الظرف.

أدخل المسلسل إشكالية قوارب الموت من باب أنها موضة درامية ولا بأس باستعمالها هنا أيضاً ما دام الأبطال سوريين. درجَت في المقاربات، لكنها حُمِّلت في «النار بالنار»، مثلاً، بمغزى. في «الغريب»، بدت حشواً. أما إنْ كان لا بدّ من مُسبِّب للأسباب، فمن الحماقة إفراط «يوسف» في الثقة بقاضٍ آخر يعلم تجاوزاته، هو «فاروق» (جمال قبش). كأنّ على المسلسل الاكتمال، وإنْ على حساب الثغر. حجّة الثأر خلت من كامل فحواها، فلم تشكل «صدمة» مع انكشاف الحقيقة.

أدّى آدم الشامي دور «رامي»، وساندي نحاس دور «علا»، فبرزت أكثر مما برز. الحضور الشبابي لم يأتِ بفارق لمّاع. أمام كوسا، فرضت بسيسو مكانتها، وساند سعيد سرحان بدور حمَّله أثراً. لولا جدلية الشخصية وسرعة اشتعالها، لكان البطل الرئيسي وحيداً في ملعبه.

يُحسب للعمل تناوله إشكالية القضاء من جانبها حمَّال الأوجه. تجرّأ بتعرية المؤتمَنين على المُحاسَبة حين تُحرجهم المواقف. هنا فقط، لم يكن «تمثيلاً» بقدر اختزاله الحقيقة المؤلمة؛ عدالة أوطاننا كذبة والجميع فوق القانون.


مقالات ذات صلة

«لعبة وقلبت بجد»... دراما مصرية تُعالج إدمان الألعاب الإلكترونية

يوميات الشرق «لعبة وقلبت بجد» يناقش قضية الابتزاز الإلكتروني (الشركة المنتجة)

«لعبة وقلبت بجد»... دراما مصرية تُعالج إدمان الألعاب الإلكترونية

مسلسل «لعبة وقلبت بجد» يحذّر من مخاطر الألعاب الإلكترونية المفتوحة على الأطفال وغياب الرقابة الأسرية.

انتصار دردير (القاهرة )
خاص الممثلة أندريا طايع تطلّ قريباً كمقدّمة برنامج «ذا فويس كيدز» (صور طايع)

خاص أندريا طايع من «مدرسة الروابي» إلى «ذا فويس كيدز»... رحلةٌ بأحلامٍ كثيرة

هي (مريم) في «مدرسة الروابي» و(لارا) في «مش مهم الإسم» وأندريا طايع في «ذا فويس كيدز». حوار خاص مع الممثلة التي تخوض التقديم ولا تتنازل عن طموح السينما والدراما

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق ‎نجمات المسلسل السعودي «شارع الأعشى» خلال تصوير الجزء الثاني («إنستغرام» الممثلة إلهام علي)

كشف مبكّر عن خريطة نجوم رمضان... ورهان على نموذج المواسم

على غير المعتاد، وقبل أكثر من شهر على حلول شهر رمضان، اتضحت ملامح الموسم الدرامي مبكراً، مع الإعلان عن أسماء عدد كبير من الأعمال ونجومها من قبل منصة «شاهد».

إيمان الخطاف (الدمام)
يوميات الشرق الفنانة المصرية لقاء سويدان - (حسابها على «فيسبوك»)

فنانون مصريون يدعمون لقاء سويدان بعد إصابتها بـ«العصب السابع»

دعم فنانون مصريون زميلتهم لقاء سويدان بعد أن كشفت عن إصابتها بمرض «التهاب العصب السابع».

انتصار دردير (القاهرة )
يوميات الشرق يشارك حالياً في تصوير المسلسل المعرّب «حب أعمى» (صور الممثل)

إلياس الزايك لـ«الشرق الأوسط»: الدراما تعيش حالة زيف تُفقدها صدقيتها

يُفكّر الزايك في توسيع مشروعاته مستقبلاً لتصبح أكثر شمولية وتأثيراً...

فيفيان حداد (بيروت)

ما أكثر السمات المكروهة في المدير؟

يمكن لتدخل الإدارة أن يفسد بيئة العمل (رويترز)
يمكن لتدخل الإدارة أن يفسد بيئة العمل (رويترز)
TT

ما أكثر السمات المكروهة في المدير؟

يمكن لتدخل الإدارة أن يفسد بيئة العمل (رويترز)
يمكن لتدخل الإدارة أن يفسد بيئة العمل (رويترز)

بينما كان فيكتور ليبمان، المؤلف الحاصل على ماجستير في إدارة الأعمال، يتحدث مع سيدة عملت لسنوات عديدة في عدة مؤسسات مرموقة، وكانت خلال الحديث تسترجع مسيرتها المهنية، ذكّرت ليبمان بحقيقة إدارية جوهرية.

وكانت السيدة تستمتع بعملها في معظمه، وفق حديثها، ولم يمرّ عليها سوى مرة واحدة لم تُعجبها، وهي تتذكرها جيداً. وكانت السيدة تعمل عادةً باستقلالية تامة، لكنّ أحد المديرين قرر، حينها، التدخّل بشكل مفرط في تفاصيل مهامها اليومية، وأصبح متسلطاً بشكل مُفاجئ.

ووفق ما ذكره موقع «سيكولوجي توداي» المعني بالصحة النفسية والعقلية، فقد كان التأثير فورياً. ازداد إحباط السيدة من العمل، وتراجع استمتاعها به. وكان هذا مثالاً نموذجياً على أن تدخّل الإدارة بشكل مفرط في التفاصيل (الإدارة التفصيلية) يجعل الموظفين لا يستجيبون بشكل جيد.

التدخل المفرط

يكمن الفرق الرئيسي بين الإدارة الدقيقة (المعقولة) والإدارة التفصيلية (المفرطة) في الحاجة إليها. ومن الطبيعي أن يمرّ الموظف بأوقات لا يؤدي فيها عمله على النحو المطلوب، لذا يحتاج المدير، وقتها، إلى متابعة دقيقة لكيفية إنجاز المهام اليومية. وهذا من أساسيات الإدارة الجيدة.

ويختلف هذا تماماً عن الإدارة التفصيلية، حيث يتدخل المدير بشكل مفرط في أدق تفاصيل عمل الموظف، حتى وإن كان هذا الموظف كفؤاً في وظيفته.

وتُعدّ الإدارة التفصيلية المفرطة شائعة جداً. فعلى مرّ السنين، أُجريت العديد من الدراسات الاستقصائية حول هذا الموضوع، وتشير نتائجها عادةً إلى أن نسبة الموظفين الذين يشعرون بأنهم تعرّضوا للإدارة التفصيلية المفرطة في مرحلة ما من مسيرتهم تتراوح بين 60 و70 في المائة.

السيطرة في العلاقات

ويكره الناس الإدارة التفصيلية، لأنها تتعلق بمفاهيم الاستقلالية والتحكم. وسواء رغبنا في ذلك أم لا، فإن المديرين والموظفين تربطهم علاقة، فهم يلتقون باستمرار، وحتى في ظل العمل عن بُعد، يتواصلون بانتظام. وقليلون هم من يرضون بالخضوع للسيطرة في العلاقات، أو بالتدخل في تفاصيل حياتهم اليومية؛ فهذا يُؤدي إلى الإحباط والسخط. وليس من المستغرب أن تنطبق هذه الديناميكيات نفسها داخل بيئة العمل وخارجها.

ومن المعروف أن الإدارة التفصيلية تُؤدي إلى نتائج سلبية عديدة في العمل. وتشمل هذه النتائج عادة مشكلات؛ مثل: انخفاض الروح المعنوية، ونقص الابتكار والإبداع، وانخفاض الإنتاجية.


فنانون من مصر والسعودية والكويت يرسمون «صندوق الدنيا»

لوحات مستوحاة من «صندوق الدنيا» والحكايات الشعبية (الشرق الأوسط)
لوحات مستوحاة من «صندوق الدنيا» والحكايات الشعبية (الشرق الأوسط)
TT

فنانون من مصر والسعودية والكويت يرسمون «صندوق الدنيا»

لوحات مستوحاة من «صندوق الدنيا» والحكايات الشعبية (الشرق الأوسط)
لوحات مستوحاة من «صندوق الدنيا» والحكايات الشعبية (الشرق الأوسط)

استعاد فنانون من عدة دول عربية بينها مصر والسعودية والكويت والبحرين، فكرة «صندوق الدنيا» الذي يضم الحكايات الغرائبية والقصص القديمة والتراثية، عبر لوحاتهم التي جسدت مشاهد طبيعية من البيئات العربية التي يتداخل فيها الواقع مع الأسطورة مع التراث بطريقة جمالية وفنية مميزة.

المعرض الذي نظمه ملتقى عيون الدولي للفنون رقم 27 استضافه قصر الإبداع بمدينة السادس من أكتوبر (غرب القاهرة) التابع لوزارة الثقافة المصرية، ليوم واحد فقط، السبت، وضم نحو 60 عملاً لفنانين من أجيال مختلفة، يمثلون تجارب ومدارس فنية متنوعة.

ويشير منسق المعرض، الفنان مصطفى السكري، إلى الزخم الذي شهده المعرض بمشاركة أعمال لفنانين من عدة دول عربية، يعبّرون بأعمالهم عن رؤاهم الفنية وتراثهم والخصائص المميزة لبيئتهم سواء من السعودية أو الكويت أو البحرين أو الإمارات.

لوحة للفنانة السعودية عائدة التركستاني (الشرق الأوسط)

ويقول لـ«الشرق الأوسط» إن «المعرض السابع والعشرين للملتقى انطلق من فكرة التنوع والمفاجأة والسحر الكامن وراء فكرة صندوق الدنيا الذي كان إحدى تقنيات التسلية القديمة، وقد تجسد في أكثر من عمل بالمعرض عبر التصوير والنحت والغرافيك وأشغال فنية بالحرق على الخشب».

وأضاف أن «فكرة صندوق الدنيا تقوم على أن كل صندوق للدنيا به حدوتة، وكل فنان أخذ الحدوتة التي رآها وقرر التعبير عنها بأسلوبه وتقنياته سواء بالرسم أو النحت أو بالخيوط أو غيرها من التقنيات، لمنح كل فنان مساحة كافية ليتخيل الحكاية التي يقدمها للمشاهد من صندوق الدنيا».

ويضم المعرض العديد من العمال التي تحتفي بالمرأة سواء في مشاهد شعبية أو تراثية أو حديثة، كما ارتكزت بعض الأعمال على أفكار مرتبطة بالبيئة الشعبية والحياة في الريف والحقول والحيوانات، بينما عبَّرت بعض الأعمال عن الحضارة المصرية القديمة عبر رموز وتفاصيل مختلفة.

لوحات عن المرأة في المعرض (الشرق الأوسط)

وجاءت الأعمال العربية معبِّرة عن حس فني مميز يستخدم الكتل والألوان بطريقة مميزة للتعبير عن حالة نفسية أو اجتماعية أو تراثية مرتبطة بالتراث والتاريخ الخاص بصاحب العمل.

ويبدو التنوع في المدارس الفنية واضحاً في الأعمال التي يميل بعضها إلى الأسلوب الكلاسيكي أو التعبيري أو التأثيري، فيما تجنح أعمال أخرى إلى التجريد والسريالية، ووفق منسق المعرض، «فقد اهتم الملتقى بالتنوع بين الأجيال والفئات المشاركة بالمعرض من فنانين كبار وطلبة وكذلك مواهب من ذوي الاحتياجات الخاصة، جاءت أعمالهم معبرة عن موضوع المعرض وعن القضايا التي تشغلهم والحكايات التي أرادوا أن يرووها بالريشة والألوان»، على حد تعبيره.


«البوستة»... طابع البريد يغادر الخطابات إلى فاترينة التذكارات

الطوابع سجلت العديد من الأحداث وكرمت شخصيات تاريخية (هيئة البريد المصري)
الطوابع سجلت العديد من الأحداث وكرمت شخصيات تاريخية (هيئة البريد المصري)
TT

«البوستة»... طابع البريد يغادر الخطابات إلى فاترينة التذكارات

الطوابع سجلت العديد من الأحداث وكرمت شخصيات تاريخية (هيئة البريد المصري)
الطوابع سجلت العديد من الأحداث وكرمت شخصيات تاريخية (هيئة البريد المصري)

يظل مشهد الفنانة شويكار وهي تتخلى عن زوجها الطيب الذي قام بدوره فؤاد المهندس، معللة غيابها بأنها «ذاهبة لإحضار طابع بوستة» في فيلم «الراجل ده هيجنني»، دالاً ومعبراً عن قيمة هذا الطابع ورمزيته وحضوره في الحياة اليومية للمصريين، خصوصاً في فترة الستينات من القرن الماضي، ولكن «طابع البريد» هذا لم يعد حاضراً بالقوة نفسها في الحياة اليومية، وربما انحصر حضوره في المخاطبات الرسمية.

حين توجه هاني محمد (48 سنة)، متخصص في البرمجيات، إلى مكتب البريد المجاور لمنزله في القاهرة وطلب طوابع بريد من موظفة المكتب، لاحظ نظرة مندهشة على ملامحها ألحقتها بحماس شديد مقدمة له أنواعاً مختلفة من الطوابع، وفهم منها أنه من النادر أن يطلب أحد طوابع بريد إلا من أجل المصالح الحكومية أو المعاملات الرسمية، وحين أخبرها أن الطوابع التي يريدها سيعطيها لأطفاله (7 سنوات - و10 سنوات) ليضعوها على خطابات يرسلونها لأصدقائهما، قدمت له طوابع تذكارية عن المتحف المصري وحديقة الحيوان ومعالم أخرى شهيرة بمصر.

يقول هاني لـ«الشرق الأوسط»: «كانت تجربة غريبة، فمنذ التسعينات تقريباً لم أحاول شراء طوابع بريد، لكنني وجدت أن الطوابع ما زال يتم تداولها، ولكن بشكل رمزي وتذكاري، فيما عدا المعاملات الرسمية والحكومية والبنكية التي تتطلب إلصاق الطوابع عليها كما فهمت من موظفي البريد».

عدد من طوابع البريد المصرية الحديثة (الشرق الأوسط)

وأكد مطلعون بهيئة البريد أن الطوابع موجود منها الكثير وما زالت تطبع بشكل تذكاري، عليها صور شخصيات أو أماكن أو أحداث أو مناسبات، وما زالت تقوم بدورها كوسيلة للتواصل والتوثيق والمقاصة المالية، وإن كان حضورها في المراسلات الشخصية بين الأفراد تراجع، ولكن دورها في الخطابات الرسمية والطرود والعديد من الأغراض الأخرى ما زال حيوياً.

ويعود إنشاء «البوستة» أو البريد المصري إلى عام 1865 في عهد الخديو إسماعيل، الذي اشترى حق امتياز البوستة الأوروبية، وظلت الطوابع تحمل الطابع التاريخي والتوثيقي في العهد الملكي وحتى الجمهوري وإلى فترة التسعينات والألفينات.

وهو ما رصده معرض استضافه المتحف القومي للحضارة المصرية تحت عنوان «أثر في طابع»، شاركت فيه جهات مختلفة، من بينها هيئة البريد، ونادي الرواد المصري لهواة جمع الطوابع، كما نظمت الجمعية المصرية لهواة طوابع البريد أكثر من معرض عن طوابع البريد وسماتها التاريخية والتوثيقية والنادر منها.

يعاود هاني محمد الحديث عما حصل عليه من طوابع بقيمة زهيدة نسبياً بعضها لا يتجاوز جنيهَين (الدولار يساوي نحو 47 جنيهاً مصرياً)، وبعضها يصل إلى 10 أو 20 جنيهاً، ويقول: «وجدت طوابع تحمل معالم شهيرة مثل المتحف المصري الكبير أو الأهرامات أو توت عنخ آمون، وأيضاً أخذت بعض الطوابع التي تحمل مشاهد وصوراً من حديقة الحيوان وأعطيتها لأبنائي الذين تحمسوا لفكرة إرسال خطابات لزملاء لهم».

أحد مكاتب البريد المصرية (الشرق الأوسط)

في حين يرى الخبير في الإعلام الرقمي و«السوشيال ميديا»، محمد فتحي، أن «توقّف الناس عن استخدام البريد الورقي لم يكن قراراً مفاجئاً، بل نتيجة طبيعية لتغيّرات كبيرة في أسلوب الحياة ووسائل التواصل، وأهم الأسباب السرعة والتكلفة والسهولة والراحة وتعدد البدائل الكثيرة من تطبيقات وبرامج كثيرة ومتاحة طوال الوقت»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «الهاتف الذكي متاح دائماً، لا حاجة للذهاب إلى مكتب بريد أو انتظار مواعيد».

ولفت إلى أنه بخلاف الاستخدام الشخصي اتجه أيضاً عدد من الجهات والمؤسسات للتحول الرقمي واعتمدت على المراسلات الإلكترونية، مشدداً على أن «البريد الورقي لم يتوقف لأنه سيئ؛ بل لأن الزمن تغيّر وتحوّل من وسيلة تواصل أساسية إلى قيمة رمزية وحنين ثقافي».

من فعالية أقامها متحف الحضارة المصرية عن الطوابع (متحف الحضارة المصرية)

وفي أبريل (نيسان) 2025 نظمت الهيئة القومية للبريد احتفالية بمناسبة مرور 100 عام على إصدار أول طابع بريد تذكاري مصري، وهي المناسبة التي عدّها وزير الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، الدكتور عمرو طلعت، «تعكس تفرد تاريخ مصر وعمق حضارتها»، مشيراً إلى أن «طوابع البريد المصري هي مرآة لحضارة مصر وتاريخها السياسي والاجتماعي والثقافي والفني على مدار أكثر من قرن ونصف قرن».

ولفت، في بيان للهيئة، إلى أنه منذ 2021 تم إدخال الرموز التفاعلية (QR Codes) على الطوابع البريدية لتوفير معلومات كاملة عن الطابع، بما يمثل خطوة تعكس توجه البريد نحو الرقمنة والاعتماد على التكنولوجيا الحديثة.

فيما أشارت أستاذة علم الاجتماع بجامعة عين شمس، الدكتورة سامية خضر صالح، إلى أن «التغيرات والتطورات المتسارعة في وسائل التواصل المجتمعي أدت لاختفاء المخاطبات الورقية وغياب طابع البريد بوظيفته التقليدية في حياتنا اليومية»، وقالت لـ«الشرق الأوسط»: «قديماً كان الخطاب له دلالة مهمة على روابط اجتماعية ملؤها الدفء والحميمية، حتى كتبت من أجله الأغاني والأفلام وتغنى به الكثيرون، وكان من له قريب في الخارج يهرع كل يوم صباحاً إلى صندوق البريد ينتظر خطاباً من قريبه، لكن الآن التواصل يتم عبر الأجهزة الذكية وهي طبيعة العصر الذي نعيشه».