في سجن «بابا»... قطع الأنفاس والقشعريرة على الموعد

مسلسل ألماني قصير على «نتفليكس» يتصدّر الترند والمشاهدات

المشهد الأول من مسلسل «Dear Child» الذي انطلق عرضه مؤخراً (نتفليكس)
المشهد الأول من مسلسل «Dear Child» الذي انطلق عرضه مؤخراً (نتفليكس)
TT

في سجن «بابا»... قطع الأنفاس والقشعريرة على الموعد

المشهد الأول من مسلسل «Dear Child» الذي انطلق عرضه مؤخراً (نتفليكس)
المشهد الأول من مسلسل «Dear Child» الذي انطلق عرضه مؤخراً (نتفليكس)

تكفي دقيقة واحدة من مطلع مسلسل «Dear Child» (عزيزي الطفل)، حتى يتسمّر المشاهد أمام الشاشة وتنتابه قشعريرة صغيرة. أمٌّ وطفلاها يلهون بتهجئة كلماتٍ صعبة، ويعدّون خطواتهم بين الجدار والجدار المقابل، في غرفةٍ لا نوافذ فيها. تصمت أصوات اللهو ما إن يفتح «بابا» الباب عليهم، فيصطفّون قرب بعضهم البعض مذعورين وفاتحين أيديهم كي يعاينها. للولدِين يعطي «بابا» الحلوى مكافأةً، أما «ماما» فلا تنال سوى التوبيخ: «لينا، تذكّري أن البكاء ممنوع أمام الطفلين. تذكّري القوانين».

في سلسلة «Dear Child» الألمانية القصيرة والمؤلّفة من 6 حلقات، مدّة كل واحدة منها 45 دقيقة، الحكاية مقتبسة من رواية الكاتبة رومي هاوسمان الصادرة عام 2019، والتي حققت مبيعاتٍ مرتفعة في ألمانيا والعالم. كذلك فعل العمل التلفزيونيّ المتوفّر على منصة «نتفليكس»؛ إذ إنه دخل قائمة المسلسلات الأكثر مشاهدةً، حتى إنه تصدّر تلك القائمة في عددٍ من دول العالم.

بين ماضٍ عمره 13 عاماً، وحاضرٍ أبطاله «لينا» وولداها، يتنقّل المسلسل ليستكشف العلاقة بين اختفاء الشابّة «لينا بيك» قبل سنوات، ولغز المرأة والولدَين الأسرى في بيتٍ تحت الأرض لا يدخله النور، وغالباً ما ينقطع الهواء عنه.

تنطلق الأحداث بهروب «لينا» من المنزل عبر الغابة، بعد توجيهها ضربة على الرأس لسجّانها «بابا»، الذي لا نرى له وجهاً. خلال عملية الهروب، تتعرّض المرأة لحادث صدم يُفقدها وعيها. الطفلة «هانا» التي كانت قد لحقت بها، ترافقها إلى المستشفى في سيارة الإسعاف. أما الطفل «جوناثان» فيبقى في المنزل، وخلفه جثّة داخل كيس أسوَد.

يلفت حادث الدهس انتباه المحقق «غيرد»، الذي أمضى 13 عاماً وهو يتابع قضيّة «لينا بيك» المختفية. تدّعي ضحية الحادث أن اسمها «لينا»، لكنّ والدَي «لينا» الأصليّة يؤكّدان أنها ليست ابنتهما. إلى أن تعترف المرأة بهويّتها الحقيقيّة؛ هي «جاسمين»، وقد تعرضت للاختطاف قبل شهور.

الممثلة الألمانية كيم ريدلي بدور «جاسمين» (نتفليكس)

تتداخل خيوط القضيّتَين وسط محاولات حثيثة من قبل فريق المحققين لحلّ الألغاز المتشابكة. أين «لينا» الحقيقيّة؟ هل ما زالت حيّة بعد 13 عاماً على اختفائها؟ هل «هانا» و«جوناثان» ولداها؟ لماذا كذبت «هانا» حول فئة دم والدتها المصابة؟ لماذا تلتفّ «جاسمين» على الحقائق؟

تقود فريق المحققين الضابطة «آيدا» بشغفٍ وتفانٍ كبيرَين. تؤدّي دورها الممثلة هايلي لويز جونز في إضافةٍ تُثري مجموعة الممثلين المبدعين، لا سيّما النساء من بينهنّ. أما كيم ريدلي بدور «جاسمين» فتقدّم أداءً آسراً، سواء أكان في انكسارها أمام سجّانها، أم في صراعاتها النفسيّة بعد أن انقلبت حياتها رأساً على عقب، أم في تصميمها على استرجاع هويتها الحقيقية، وعدم البقاء ضحيّة قاتل متسلسل خطفها وغسل دماغها واعتدى عليها جنسياً.

يبقى الأداء الصادم إقناعاً وإبهاراً، للطفلة نايلا شوبيرث بدور «هانا». في شخصيّتها الجليديّة والمسيطرة، توحي شوبيرث بأنها أمضت 50 عاماً في مجال التمثيل، وهي بعدُ في الـ12 من عمرها. رغم أنها محاطة بعددٍ من الممثلين المحترفين، ومع أنه لا بطولة حصريّة في المسلسل، فإنّ شوبيرث تبرز كنجمة العمل الأولى.

الممثلة الألمانية نايلا شوبيرث بدور «هانا» (نتفليكس)

حتى الحلقة السادسة والأخيرة، لا يطلّ «بابا» إلّا صوتاً. أوامره وقوانينه الصارمة تعود إلى آذان «جاسمين» و«هانا»، كما لو أنه يتحكّم بهما عن بُعد. أما ماضيهما معه فيعود عبر رجعات زمنيّة إلى البيت - السجن الذي شهد على يوميّات غريبة، ليس أكثرها غرابةً تحديد «بابا» مواعيد الطعام والنوم، وحتى دخول الحمّام.

يخدم سرد القصة المتقطّع بين ماضٍ غامض وحاضر أكثر غموضاً، الحبكة التشويقيّة. فهو يُشعر المشاهد بأنه جزء من الحكاية ومن فريق المحققين الذين يحاولون اكتشاف ما حصل. بحنكةٍ يجري بناء الأحجية الإجراميّة، ما يخدم التشويق النفسي. في كل حلقة أكثر من مفاجأة تُحوّل المسار الدراميّ، من دون أن تخمد فضول المشاهد.

المحققة «آيدا» مع فريقها (نتفليكس)

هي قصة قاتلٍ متسلسل مع كثير من الدراما. لا تشبه بشيءٍ ما سبقها من إنتاجات دراميّة ووثائقيات تسرد حكايات القتلة المتسلسلين. الصدارة هنا هي للضحايا وعائلاتهم ولاستكشاف معاناتهم النفسيّة، ومن هنا فرادة المسلسل وسط الكمّ الهائل من مسلسلات الجريمة التي تركّز على شخص القاتل فحسب، محوّلةً إيّاه إلى بطل الحكاية.

في مقابلة مع «نتفليكس»، تقول المخرجة ورئيسة فريق الكتّاب إيزابيل كليفلد، إن الحكاية تُروى من وجهة نظر الضحايا وليس مرتكب الجريمة. توضح أن نتائج أعماله وأثرها أهمّ من أسبابها. يشاركها الكاتب والمخرج المساعد جوليان بوركسن الرأي قائلاً: «في هكذا مسلسلات، غالباً ما يكون التركيز على المجرم، ويجري تمجيده والتعاطي معه على أنه قوة خارقة وغامضة. ليس الحال هكذا معنا».

الأولويّة هي للآلام الداخليّة التي تنتاب الضحايا، جرّاء الخطف والأسر وغسل الأدمغة الذي تعرّضوا له. يعلّق المنتج فريدريك أوتكر لـ«نتفليكس» على هذا الأمر قائلاً: «ثنائيّة السجن الفعليّ والداخليّ مثيرة للاهتمام؛ حتى وإن نجح المرء في الهروب من السجن الفعليّ، فإنه يأخذ سجنه الداخلي معه». وهذا ما حصل مع «جاسمين» والطفلَين خلال رحلتهم خارج حبس «بابا».

في سجن «بابا» القوانين صارمة وعلى الجميع الالتزام بها (نتفليكس)

لا يستثمر «Dear Child» في العنف والمشاهد المروّعة، ومع ذلك فهو لا يخسر عنصر التشويق. المعالجة النفسيّة للحكاية والاحتراف الإخراجيّ والتصويري، إلى جانب الأداء المميّز للممثلين، يحافظ على الإثارة من الدقيقة الأولى وحتى المشهد الأخير.

ثمّة مواقف في المسلسل توحي وكأنّ الحكاية واقعيّة ومقتبسة من أحداث حصلت فعلاً. ليس الأمر كذلك في حالة «Dear Child»، لكنّ قصصاً كثيرة من الحياة اليومية قد تتقاطع مع ما حصل لـ«لينا» وسائر ضحايا «لارس رودجر» أو «بابا».


مقالات ذات صلة

نهاية سينمائية لأسطورة آل «شيلبي»... هل يسلّم «تومي» الشعلة لابنه؟

يوميات الشرق مسلسل «Peaky Blinders» يختتم المغامرة بفيلم من بطولة كيليان مورفي (نتفليكس)

نهاية سينمائية لأسطورة آل «شيلبي»... هل يسلّم «تومي» الشعلة لابنه؟

مغامرة «Peaky Blinders» في العرض الأخير: فيلم من بطولة كيليان مورفي على «نتفليكس».

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق آل كينيدي يحتفلون بعيد ميلاد جوزيف كينيدي الأب في سبتمبر 1963 (مكتبة جون كينيدي)

لعنة آل كينيدي وأسرارهم من الأجداد إلى الأحفاد... قريباً على «نتفليكس»

تصوّر «نتفليكس» حالياً الموسم الأول من مسلسل «كينيدي» الذي يروي سيرة إحدى أكثر العائلات إثارةً للفضول والجدل. وعلى غرار «ذا كراون» يمتدّ المسلسل على مواسم عدة.

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق اختتم مسلسل بريدجرتون موسمه الرابع بنهاية ينتصر فيها الحب على المنطق (نتفليكس)

للحالمين فقط... عدالة الحب لا تتحقق إلا في عالم «بريدجرتون» الساحر

وكأنّ سيناريو «بريدجرتون 4» كُتبَ للحالمين حصراً، لأولئك الذين ما زالوا يؤمنون بأنّ الحب الحقيقي قادرٌ على تحطيم القيود التي كبّله بها المنطق والمجتمع.

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق الممثل إريك داين (يسار) وبراد فالتشوك في إحدى حلقات سلسلة «الكلمات الأخيرة الشهيرة» (أ.ب)

«نتفليكس» تبث مقابلة للممثل الأميركي إريك داين يخاطب فيها ابنتيه قبل وفاته

خاطب الممثل الأميركي إريك داين ابنتيه بكلمات مؤثرة في مقابلة ضمن سلسلة وثائقية على منصة «نتفليكس» للترفيه، والبث المباشر، وذلك قبل وفاته بأشهر قليلة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
يوميات الشرق قصة حب كمال وفوسون المأثورة إلى الشاشة بإشراف الكاتب أورهان باموق (نتفليكس)

«متحف البراءة» نسخة «نتفليكس»... أَنصفَت رواية باموق ولم تتفوّق على سِحرها

تحفة أورهان باموق الأدبية «متحف البراءة» إلى الشاشة، والكاتب التركي أشرفَ على المسلسل، ومثّل فيه.

كريستين حبيب (بيروت)

طارق الدسوقي: تخوَّفت من الدراما الشعبية بعد غياب طويل

طارق الدسوقي شارك في مسلسل «علي كلاي» بموسم رمضان الماضي (حسابه على فيسبوك)
طارق الدسوقي شارك في مسلسل «علي كلاي» بموسم رمضان الماضي (حسابه على فيسبوك)
TT

طارق الدسوقي: تخوَّفت من الدراما الشعبية بعد غياب طويل

طارق الدسوقي شارك في مسلسل «علي كلاي» بموسم رمضان الماضي (حسابه على فيسبوك)
طارق الدسوقي شارك في مسلسل «علي كلاي» بموسم رمضان الماضي (حسابه على فيسبوك)

قال الفنان المصري طارق الدسوقي إنه شعر بالرهبة في أول يوم تصوير بمسلسل «علي كلاي»، الذي عُرض في موسم رمضان الماضي، بعد غيابه عن الساحة الفنية 14 عاماً.

وأكد، في حواره مع «الشرق الأوسط»، أنه شعر بالخوف من المشاركة في عمل ينتمي إلى الدراما الشعبية، التي باتت تتعرض للهجوم في المواسم الماضية، لافتاً إلى افتقاده كبار الكُتّاب والنجوم الذين عمل معهم.

في البداية، قال الدسوقي إن شخصية «منصور الجوهري»، التي جسدها في مسلسل «علي كلاي» بموسم دراما رمضان الماضي، تُعد من أصعب أدوار المسلسل؛ لأن بقية الشخصيات واضحة، أما شخصيته فمركبة بصراعاتها النفسية؛ فبعد أن كان صاحب سطوة ونفوذ في سوق «التوفيقية»، من خلال عمله في تجارة قطع غيار السيارات، تعرض لمواقف كثيرة كسرته، وجعلته يقدم تنازلات إنسانية، أهمها عدم الاعتراف بابنته.

موضحاً أنه «عبَّر عن هذا الصراع من خلال ملامح وجهه، وحركة جسده، ونبرة صوته». وعن الشكل الخارجي للشخصية، أكد أن المخرج كان صاحب الرؤية فيها، من حيث الشعر الأبيض، واللحية، والنظارة.

ورغم تأكيد الدسوقي تراجع سمعة المسلسلات الشعبية في السنوات الأخيرة، بسبب حصرها في أعمال العنف و«البلطجة»، فإنه قرر عدم إصدار حكم مسبق على العمل إلا بعد قراءة نصف عدد الحلقات، ليتيقن أن العمل خالٍ تماماً من تلك المفردات السلبية، وأنه يحمل قيماً إنسانية واجتماعية مهمة.

الدسوقي وجد اختلافاً كبيراً في الأسلوب الفني بعد عودته من الغياب (حسابه على فيسبوك)

وبسبب غيابه عن أجواء تصوير الدراما التلفزيونية لنحو 14 عاماً، شعر الدسوقي بالرهبة في أول يوم تصوير «علي كلاي»، حتى إنه أحس كأنه كائن فضائي قادم من كوكب آخر، بعدما وجد كل شيء مختلفاً تماماً، سواء في أسلوب التصوير أو نظام العمل.

وأشار طارق إلى أنه تم بناء ديكور «سوق التوفيقية» في «مدينة الإنتاج الإعلامي»، وهو ما منح العمل مصداقية، وأسهم في معايشة جميع الفنانين لأدوارهم.

وبسؤاله عن التحول في ذوق الجمهور، الذي استبدل بالبطل المثقف أو المثالي البطل الشعبي، أجاب قائلاً: «هذه النوعية من الأعمال لها قطاع عريض من الجمهور، وقد سألت نفسي: هل لو كانت عودتي من خلال مسلسل آخر يحقق رغباتي والشكل الذي أطمح إليه، كان سيجد الصدى نفسه؟ ووجدت أن الإجابة لا، خصوصاً بعد النجاح الكبير الذي حققه المسلسل، والمردود الإيجابي لشخصيتي في العمل».

وعن أبرز مشاهد «الماستر سين» له، قال: «هناك مشاهد كثيرة، منها مشهد الصفعة على وجه أحمد العوضي، وهو المشهد الذي فكرت فيه كثيراً قبل تنفيذه، خوفاً من ردة فعل جمهور العوضي».

وأشار الدسوقي إلى أن العوضي هو من اتصل به هاتفياً للعمل معه، حيث أبلغه أنه كان يتمنى التعاون مع اثنين: أولهما الفنان أحمد عبد العزيز، الذي عمل معه في مسلسل «فهد البطل» بموسم رمضان الماضي، والثاني هو الفنان طارق الدسوقي.

وكشف طارق أنه ليس ضد الأعمال الدرامية الطويلة، ما دام العمل يحتمل، في بنائه الدرامي، أحداثاً يمكن عرضها في 30 أو 40 حلقة، وفي الوقت نفسه يتميز بالإيقاع السريع والتشويق، من دون أن يشعر المشاهد بالملل.

الدسوقي خلال مشاركته في مسرحية «الملك لير» (حسابه على فيسبوك)

ويفتقد طارق أسلوب العمل مع كبار المخرجين، أمثال نور الدمرداش، ومحمد فاضل، وإنعام محمد علي، وإسماعيل عبد الحافظ، حيث كان الهدوء والإتقان السمة الرئيسية في العمل، وهو ما يختلف تماماً عما يحدث الآن. كان المؤلف يطرح فكرته أولاً، ثم يُختار لها المخرج الأنسب، لتبدأ بعدها كتابة الحلقات كاملة. يلي ذلك ترشيح الأدوار، ثم تنطلق بروفات «الترابيزة» لمناقشة أدق تفاصيل العمل، قبل الانتقال إلى بروفات التنفيذ.

ويؤكد أن هذا النظام لم يعد موجوداً للأسف في الوقت الحالي، في ظل انتشار ورش الكتابة التي تتعدد فيها وجهات النظر، وعدم اكتمال عدد الحلقات قبل بدء التصوير، فضلاً عن كتابة بعض المشاهد في أثناء التصوير.

«الملك لير»

وكشف الدسوقي عن سعادته بالوقوف على خشبة «المسرح القومي» المصري، أحد أقدم وأعرق مسارح مصر، لتجسيد شخصية «غلوستر» في مسرحية «الملك لير» مع النجم يحيى الفخراني. وتُعد هذه هي المرة الثالثة التي تُقدم فيها المسرحية؛ إذ كانت المرة الأولى عام 2001، والثانية عام 2019.

وأضاف أن «الدور صعب ومركب، وتزداد صعوبته على المسرح مع المواجهة المباشرة مع الجمهور»، موضحاً أنه «قدم حتى الآن أكثر من 130 ليلة عرض، إضافة إلى تقديم المسرحية في افتتاح مهرجان قرطاج الدولي، على خشبة أوبرا تونس التي تتَّسع لألفي مقعد».

وأعرب عن سعادته بالعمل مع الفخراني للمرة الأولى، لا سيما بعد تعاونه مع عدد كبير من النجوم، مثل نور الشريف، وحسين فهمي، ومحمود عبد العزيز، وأحمد زكي، وكمال الشناوي.

وفي ختام حديثه، أشار إلى أن الشخصية التي يتمنى تجسيدها هي «عمر بن عبد العزيز»، والتي سبق أن قدمها نور الشريف، ومحمود ياسين، مؤكداً أنها شخصية ثرية تحمل كل مقومات البطل التراجيدي.


مايا واكد والموسيقى التي تُمسك بالجرح كي لا ينزف

يضيق العالم فتصبح الموسيقى اتّساعاً داخلياً (صور الفنانة)
يضيق العالم فتصبح الموسيقى اتّساعاً داخلياً (صور الفنانة)
TT

مايا واكد والموسيقى التي تُمسك بالجرح كي لا ينزف

يضيق العالم فتصبح الموسيقى اتّساعاً داخلياً (صور الفنانة)
يضيق العالم فتصبح الموسيقى اتّساعاً داخلياً (صور الفنانة)

تبدو الموسيقى في حديث الفنانة اللبنانية مايا واكد أقرب إلى فعل إنساني مُركّب يتجاوز فكرة الشفاء السريعة ويذهب نحو المنطقة التي يلتقي الألم مع الفهم، والفنّ مع حاجة الإنسان إلى أن يشعر بأنه ليس وحيداً.

وفي لقاء مع «الشرق الأوسط»، تتأمَّل واكد علاقتها بالموسيقى في الأزمات، وتعيد تعريف دور الفنان بعيداً عن الصور النمطية، كاشفةً عن مسار داخلي يجعل من الغناء محاولة لفَهْم الجرح وتضميده.

ترى أنّ الموسيقى لا تُعنَى بالشفاء وحده، وتقول: «مثل جميع الفنون، هي للتعبير ومحاولة فَهْم الألم. أحياناً يمرُّ الفَهْم عبر القبول قبل أن يصل إلى الراحة». وفق هذا الفَهْم، يصبح التناقض جزءاً من التجربة. فالفنّ كما تصفه يقترب من الجرح، يلمسه ويفتحه أحياناً كي ينظّفه من الداخل. وتضيف: «غالباً نحتاج إلى فَتْحه قبل المعالجة، والموسيقى هي الأصبع أو اليد التي نضعها عليه بهدف تنظيفه ورفض تسليمه للنزيف».

في أداء مايا واكد يتحوّل الحزن إلى مادة قابلة للحياة (صور الفنانة)

هذا الاقتراب الحميم من الألم ينعكس على أدائها، فلا تسعى إلى محو الحزن إنما إلى ترويضه. «حين أغنّي وأنا حزينة، أو خلال ظروف صعبة يمرّ فيها وطني، لا أعالج الألم بقدر ما أجعله أليفاً وأقلّ حدّة»، تقول، قبل أن تختصر تجربتها بهذه المعادلة: «الغناء هو 20 في المائة أداء و80 في المائة إحساس». بذلك، يتحوّل الصوت إلى مساحة مشتركة بين الفنان والجمهور الذي ينتظر هذا الإحساس كي يجد طريقه الخاص إلى التعافي.

تتّسع المساحة حين يدخل المستمع في عمق التجربة، خصوصاً في ظلّ الحرب والنزوح. تدرك واكد أنّ الأغنية تتحوَّل إلى شيء أكثر قرباً من الحياة اليومية للناس، فتقول: «الأغنية لم تعد لحناً فقط. تصبح حضناً لشخص خائف أو ذاكرة لبيت لم يعد موجوداً، أو لحظة هدوء وسط القلق». وهنا تتولّد مسؤولية تنبع من إدراك داخلي لطبيعة العلاقة بين الفنّ والمتلقي.

الموسيقى تُرمّم الداخل كأنها تعمل بعيداً عن أعيننا (صور الفنانة)

مع ذلك، تحرص على وضع حدّ لا يلتبس بين التعبير واستغلال الألم، مؤكدةً أنّ دور الفنان لا يقوم على تحويل معاناة الناس إلى مادة جاذبة، وإنما على خلق مساحة آمنة تُعيد وصلهم بالحياة. تستعيد في هذا السياق تجربتها مع أغنية «بي بيروت»، التي وُلدت في الأصل على هيئة عمل مبهج، قبل أن تعود إليها لاحقاً بنسخة أكثر هدوءاً تحمل شجناً أقرب إلى وجدان الناس في أوقات يُثقلها القلق. هذا التحوّل كان تغييراً في الشكل، ولكن أيضاً محاولة لصياغة إحساس مختلف ينقل الحزن إلى دفء يمنح الذاكرة حيّزاً للاطمئنان.

وسط هذا كلّه، تقف الموسيقى الكلاسيكية بما تحمله من نظام وانضباط في مواجهة فوضى الحرب. بالنسبة إلى واكد، لا يتناقض العالمان، إنما يتكاملان على المستوى الداخلي. الانضباط يصبح درعاً داخليةً، والتدريب اليومي يتحوّل إلى طريقة لحماية الذات من الانهيار. تقول إنها تُكثّف عملها في مراحل الشِّدة وتلجأ إلى الإبداع لمواجهة الجمود، محاولةً إبقاء المسافة بينها وبين تدفُّق الأخبار كي لا تفقد قدرتها على الغناء والكتابة.

هذا الخيار لا يعني الانفصال عن الواقع، لكنه طريقتها في إعادة صياغته عبر الفنّ. من خلال حضورها في وسائل التواصل، تسعى إلى تقديم محتوى يُخفّف من وطأة اللحظة. تدرك محدودية هذا الدور، وتتمسّك به على شكل فعل تضامن إنساني يُراكم أثراً هادئاً في مواجهة القلق الجماعي.

النغمة طريق لتخفيف ثقل الواقع (صور الفنانة)

غير أنه دورٌ يحمل وجهاً آخر أكثر ثقلاً. مايا واكد لا تنظر إلى الفنان على أنه كائن خارج الألم. هو جزء منه، وتتابع: «التحدّي مزدوج، فالفنّ يجب أن ينقل رسالة أمل أو عزاء، بينما يُعاني»، ومع ذلك، يتحوَّل التعب إلى مادة للتعبير وملامسة الآخرين بإحساس أعمق.

تستعيد تجربة اغترابها في كندا، حيث التقت بجمهور يعيش الشوق إلى الوطن وتعلّمت كيف يمكن للموسيقى أن تصبح جسراً افتراضياً للعودة. هذا الشعور لم يُغادرها حتى بعد اقترابها الجغرافي من لبنان؛ إذ تقول: «اليوم، رغم أنني أقرب جغرافياً إلى لبنان، أشعر أيضاً بأنّ عليَّ أن أحمل قلق الشتات، بالإضافة إلى دمار كلّ شخص يعيش هناك».

في التداخل بين القُرب والبُعد، يتشكّل صوت مايا واكد على هيئة مساحة تلقّي أكثر منه مساحة بثّ. صوت يعترف بتعبه، ويحمله ويشاركه. وفي كلّ لحن محاولة لاحتواء ليل طويل، على أمل أن ينقشع قليلاً حين يُسمع.


كيليان فريدريش: «أتفهم استياءكم» ينبع من تجربة شخصية طويلة ومعقدة

عُرض الفيلم للمرة الأولى في النسخة الماضية من «مهرجان برلين» (الشركة المنتجة)
عُرض الفيلم للمرة الأولى في النسخة الماضية من «مهرجان برلين» (الشركة المنتجة)
TT

كيليان فريدريش: «أتفهم استياءكم» ينبع من تجربة شخصية طويلة ومعقدة

عُرض الفيلم للمرة الأولى في النسخة الماضية من «مهرجان برلين» (الشركة المنتجة)
عُرض الفيلم للمرة الأولى في النسخة الماضية من «مهرجان برلين» (الشركة المنتجة)

في فيلمه الروائي الطويل الأول «أتفهم استياءكم»، الذي عُرض ضمن قسم «البانوراما» في «مهرجان برلين السينمائي»، يذهب المخرج الألماني كيليان أرماندو فريدريش إلى منطقة شديدة الحساسية، عبر عالم شركات التنظيف بكل ما يحمله من تناقضات أخلاقية وضغوط نفسية وعلاقات قوة خفية. غير أن الفيلم، كما يؤكد مخرجه لـ«الشرق الأوسط»، ينبع من تجربة شخصية طويلة ومعقدة ظلّت ترافقه لأكثر من عقد.

يقول فريدريش إن البذرة الأولى تعود إلى سنوات ما بعد المدرسة، حين عمل لفترة في قطاع التنظيف قبل دخوله الجامعة. ولم يكن قد نشأ في هذا الوسط، لكنه اصطدم سريعاً بتعقيداته. ويتذكر كيف كانوا ينظفون مسابح ومكاتب، وحتى مصنع شوكولاته، وكيف لفتت انتباهه شخصية «مديرة الموقع» التي كان يعمل تحت إدارتها.

ويضيف أنها كانت شخصية تتحرك بين عوالم متعددة: العمال، والإدارة، والزبائن، والجداول الزمنية الصارمة. وخلال هذه التجربة القصيرة، تحوّلت بمرور السنوات إلى سؤال ملحّ: ما طبيعة هذا النظام الذي يقوم أساساً على خفض الأسعار إلى أقصى حد، حتى لو كان الثمن هو الإنسان نفسه؟ موضحاً أن نشأته في منطقة حدودية بين فرنسا وألمانيا، عُرفت تاريخياً بصناعات الفحم والصلب، أثّرت أيضاً في نظرته.

كما أوضح أنه عاش طفولته في ظل خطاب «الأيام الخوالي الجميلة»، بعد أن أغلقت تلك الصناعات أبوابها. ومن هنا بدأ اهتمامه بكيفية تحوّل الاقتصادات الصناعية إلى اقتصادات خدمية، وبالثمن الاجتماعي لهذا التحول.

وأكد المخرج الألماني أن الفيلم لا يسعى إلى تحويل هذا السياق إلى محاضرة سياسية، بل إلى جعله محسوساً عبر تجربة شخصية محددة، لافتاً إلى أن بطلة العمل امرأة في الـ59، تعمل مديرة موقع في شركة تنظيف، وتجد نفسها عالقة بين مطالب متناقضة: إرضاء الزبائن، وتنفيذ أوامر الإدارة، وحماية فريقها.

المخرج الألماني كيليان فريدريش (الشركة المنتجة)

وأضاف أنه حين يهدد متعهد قوي بسحب دعمه ما لم تمنحه مزيداً من ساعات العمل، تضطر إلى مواجهة خيار قاسٍ: التضحية بأحد موظفيها. وهذه اللحظة الدرامية، كما يقول فريدريش، ليست سوى ذروة سلسلة من «ردود الفعل» اليومية التي يولدها نظام عمل ضاغط لا يترك مساحة حقيقية للتعاطف.

ويشير إلى أن السيناريو بدأ يتشكل قبل أكثر من 10 سنوات، بالتعاون مع مديرة موقع كان يعرفها عن قرب. وكانا يخططان لكتابة الفيلم معاً، قبل أن تُقدم على الانتحار بشكل مفاجئ. ويؤكد أن هذه الحادثة تركته في صدمة عميقة، ودفعته إلى التساؤل عن الدور الذي لعبته الصراعات الأخلاقية اليومية في تدهور حالتها النفسية.

ويقول المخرج الألماني إن «هذه الخسارة جعلت المشروع أكثر إلحاحاً، ليس بوصفه تكريماً شخصياً فحسب، بل بوصفه محاولة لفهم بنية عمل تفرض على الإنسان أن (يفهم الجميع) من دون أن يُسمح له بأن يُفهَم». ويضيف أن كثيرين في هذا القطاع يجدون أنفسهم في مشكلات نفسية نتيجة العزلة وضغط الوقت.

وكان اختيار العمل مع ممثلين غير محترفين امتداداً طبيعياً لهذه الرؤية. إذ تؤدي الدور الرئيسي سابين تالاو، التي عملت في القطاع لمدة 15 عاماً. وقد تعرّف إليها عبر منتديات إلكترونية خاصة بالعاملين في التنظيف، بعد بحث ميداني طويل شمل مرافقة مديري مواقع في أيام عملهم وتوثيق أحاديثهم.

ويقول كيليان أرماندو فريدريش إن سابين أُعجبت فوراً بفكرة الفيلم، لأن الشخصية عكست كثيراً من تجربتها الخاصة. لكنها، في الوقت نفسه، لم تكن نسخة منها، مشيراً إلى أنه عمل على دفعها لمواجهة جراح شخصية، مع التخلّي عن ابتسامتها، وهو ما استدعى تدريباً تمثيلياً مكثفاً، لأن المطلوب كان نقل إحساس بالاختناق والركض اللاهث، لا تقديم صورة امرأة متفائلة.

عمل المخرج في مجال التنظيف شجعه على خوض التجربة (الشركة المنتجة)

على المستوى البصري، اختار فريدريش الاقتراب الجسدي الشديد من البطلة؛ فالكاميرا المحمولة باليد تلازمها، وتكاد تلتقط أنفاسها. ويشرح أن هذا القرب ليس بحثاً عن إثارة بصرية، بل محاولة لرفض المسافة التلصصية. فهو يريد للمشاهد أن يُلقى داخل التجربة، لا أن يراقبها. لذلك تقرر منذ البداية تصوير كل مشهد في لقطة واحدة، مع تقليل التلاعب بالزمن داخل المشهد، حتى يُعاش الضغط كما هو.

ويشير المخرج الألماني إلى أن اسم الفيلم «أتفهم استياءكم» عبارة مهنية باردة، تُعد شكلاً من أشكال «التعاطف الدفاعي» الذي يسمح بالحفاظ على مسافة آمنة، لافتاً إلى أن «البطلة مطالبة بأن تفهم الجميع، لكنها لا تستطيع أن تنخرط عاطفياً بالكامل، لأن التعاطف الحقيقي قد يعني ضرورة تغيير الشروط القائمة، وهو أمر يتجاوز قدرتها الفردية». ومن هنا ينشأ سلوكها المتناقض؛ فهي ليست بطلة مثالية ولا شريرة صريحة، بل امرأة تحاول النجاة داخل نظام قبلت به، وتبحث عن هامش صغير للفعل.

ويرفض فريدريش وضع شخصيته في موقع أخلاقي ثابت، مؤكداً أنه تعمد إدراج مواقف تكشف وجوهاً متعددة لها، بحيث تتحرك بين المسؤولية والضغط والتواطؤ. ويضيف: «ألسنا جميعاً نحاول، بطريقتنا، أن نتدبر أمورنا داخل ظروف مفروضة علينا؟»، عاداً أن قوة الشخصية تكمن في هشاشتها وقدرتها على الاحتمال، لا في بطولة صاخبة.