في روما... الفخامة في مواجهة البؤس

خطة لتغيير وضع المدينة ليس فقط متحفاً مفتوحاً للماضي بل مدينة للمستقبل

غرفة الطعام في فندق «بالاتزو فيلون» بروما (ماسيمو بيروتي - نيويورك تايمز)
غرفة الطعام في فندق «بالاتزو فيلون» بروما (ماسيمو بيروتي - نيويورك تايمز)
TT

في روما... الفخامة في مواجهة البؤس

غرفة الطعام في فندق «بالاتزو فيلون» بروما (ماسيمو بيروتي - نيويورك تايمز)
غرفة الطعام في فندق «بالاتزو فيلون» بروما (ماسيمو بيروتي - نيويورك تايمز)

في مساء أحد أيام شهر يونيو (حزيران) تناول نزلاء في قاعة الطعام المهيبة في فندق «بالاتزو فيلون» عشاءً يحمل طابع عصر الباروك وسط مرايا تعود إلى قرون طويلة مضت مزينة بصور أطفال بأجنحة ملائكية، وأرضيات رخامية مطعّمة، وسقف مغرق في البذخ، وكانت الطاولات ذات أسطح عاكسة من أجل الاستمتاع بالرسوم الجصّية. ورفع المصمم الداخلي نخب الفندق الجديد، واصفاً إياه بـ«معبد الخصوصية والخبرة».

يقع «بالاتزو فيلون»، وهو بالأساس ملحق فاخر لفندق فخم موجود بالفعل في حديقة خاصة هو فندق «فيلون»، على حافة قصر «بالاتسو بورغيزي» الذي يتخذ شكل البيانو القيثاري، ويمتد بشكل منحنٍ بين نهر التيبر وشارع فيا ديل كورسو. ويوجد في الفندق حوض سباحة، وملهى ليلي خاص، وغرف معيشة فاخرة تحمل أسماء آلهة رومانية. وتم تصور غرف النوم الثلاثة الباهرة، التي توجد إحداها في موقع كنيسة صغيرة سابقة أسفل سطح مقبب، كملجأ روماني للمليونيرات المشاهير مثل هاري وميغان ونجوم هوليوود.

غرفة بفندق بالاتزو فيلون في روما (ماسيمو بيروتي- نيويورك تايمز)

مع ذلك عندما حاول الممثل البريطاني دانيال كريغ، وزوجته الممثلة ريتشل وايز، الإقامة هنا خلال زيارة ممتدة مؤخراً، قال الرئيس التنفيذي لمجموعة فنادق «شيدير»، التي تدير «بالاتسو فيلون»، إن السعر المطلوب مرتفع للغاية، وليس في متناول يد النجم الذي أدى دور العميل «007». وأوضح قائلاً: «لم يعرض ما يكفي من المال».

وتبلغ تكلفة المكان بأكمله في المتوسط 25 ألف يورو، أي ما يعادل نحو 27 ألف دولار، لليلة الواحدة. ورفضت لورا سايمونز، مسؤولة الدعاية لدى كريغ، التعليق على الأمر.

وليس ذلك السعر هو الأعلى على القائمة، ففي شارع فيا دي ريبيتا، في قلب روما، يوجد داخل فندق «بولغري هوتيل روما»، الذي تم افتتاحه مؤخراً، والذي يتضمن مداخل وأروقة تزخر بالجواهر، جناح مكون من غرفة نوم رئيسية تطل على ضريح أغسطس، وتبلغ تكلفة الإقامة به 38 ألف يورو، أي ما يعادل نحو 41 ألف دولار، لليلة الواحدة.

لطالما كانت روما، المدينة الزاخرة بالعصور المختلفة والتناقضات، مزيجاً من الطبقات العليا والدنيا، والأباطرة والعبيد، والنبلاء واللصوص المسلحين، والكسالى الفاسدين المنحلّين والأشخاص العاديين المجدّين في العمل. مع ذلك هناك شيء ما ذو طابع سوريالي يتعلق باللحظة الحالية عندما تصبح المدينة مغمورة بشكل متزايد بخيارات متعددة من الفنادق حتى وإن شعرت بقبضة ما يطلق عليه الرومان الانحلال، أي انحدار يمتد لأكثر من 15 عاماً نحو حالة قديمة ولاذعة من التخلي والهجران.

مدينة «مهجورة قليلاً»

يتساءل الكثير من أهل روما عما إذا كان المستثمرون في تلك المشروعات الجديدة شديدة الفخامة، مثل «ذا سيكس سينسيز» و«ذا فور سيزونس» و«روزوود» و«نوبو» و«إيديشين» و«هوتيل فيلون» وغيرها من الفنادق، يرتدون نظارات وردية، أم أن الجميع قد فقدوا حاسة الشم والعقل؟ يقول روبرتو غوالتيري، عمدة روما، إن أصحاب الفنادق يتمتعون بعقل سليم وحكمة، ويعلمون الأمر المستقبلي الناجح حين يرونه. ويشير إلى وجود مطاعم أفضل، ومتاحف تم ترميمها حديثاً، ومتاحف قيد الإنشاء. ولقد عدَّ السائحون بعد الوباء روما وجهة أساسية. كذلك يتخيل غوالتيري مدينة نظيفة حديثة عصرية تمتع بالكفاءة يتم دعمها بالمليارات من الاتحاد الأوروبي، ومئات الملايين من الاحتفال المقبل بيوبيل الكنيسة في 2025، وسياسات التجديد الحضري التي يتبناها، بما في ذلك بناء محرقة قمامة، وإصلاح طرق روما، وإبرام عقود إعادة تشغيل من أجل قطع العشب في المدينة بشكل فعلي، ومدّ خط قطار أنفاق. وأشار إلى أن الفنادق الفاخرة تستطيع أن تشهد فيما حولها عصراً جديداً للنهضة الرومانية.

في أحد الشوارع المجاورة لفندق بولغري بروما (ماسيمو بيروتي - نيويورك تايمز)

قال جان كريستوف بابين، الرئيس التنفيذي لـ«بولغري»، في حانة «بولغري»، التي تقع أعلى مدخل مزدان بتمثال قديم أصلي للإمبراطور أغسطس: «لقد كانت روما تفتقد بشكل كبير مستوى الضيافة الموجود في مدينة مثل باريس». وأوضح أن تدفق الفخامة سوف يساعد على «إعادة وضع المدينة، ليس فقط متحفاً مفتوحاً للماضي، بل مدينة للمستقبل». ويشير اندفاع المشروعات الفخمة إلى أن أصحاب الفنادق يرون روما مدينة يمكن الحصول على أرباح بها، وأن ظروفها وأحوالها، باستثناء القمامة والازدحام المروري وشخصية سكانها الضجرة من الحياة، قد أصبحت فجأة لصالحهم.

وقال سيكيريللي، من مجموعة «شيدير»، إن أهم الفنادق تتوق إلى الوجود في البلاد منذ عصور، لكن المصالح المحلية ساعدت في منع وجود الفنادق الجديدة، التي تحتوي على أكثر من 30 غرفة، مما أبعد وأقصى سلاسل الفنادق الفخمة الضخمة. وذكر مكتب العمدة أن قانوناً صدر عام 2008 قد منع تحويل أي قصر يعود إلى العصور الوسطى أو عصر النهضة إلى فنادق تستضيف أكثر من 60 شخصاً، وهو ما يعني نحو 30 غرفة تقريباً، لكن منحت المدينة إعفاءات لجذب فنادق ذات مستوى أرقى يمكن للأثرياء إنفاق مبالغ أكبر من المال بها. وقد رسّخت العديد من الفنادق الجديدة أقدامها بالقرب من شارع فيا فينيتو في مبانٍ أحدث غير خاضعة لقيود القانون. ويقع «بولغري»، رغم كونه في المركز القديم، داخل مبنى حكومي محوّل يعود إلى الحقبة الفاشية.

حمام السباحة الداخلي بفندق بولغري في روما حيث تبلغ تكلفة الإقامة نحو 41 ألف دولار، لليلة الواحدة (ماسيمو بيروتي- نيويورك تايمز)

وقال بابين، الذي لاحظ أن سوق العقارات الضيقة المحدودة في روما قد بدأت أخيراً في الانفتاح، إن «العائلات الثرية الأرستقراطية الرومانية تمتلك الجزء الأكبر من المدينة». وتسفر الضرائب العقارية المنخفضة بشكل كبير، التي تعبّر عن قيم تسجيل الأراضي تعدّ منخفضة كثيراً بقيم ومعايير السوق، عن وجود «الكثير من القصور التي لن يتخلى عنها الناس أبداً حتى وإن كانت فارغة».

مع ذلك ساعدت الأوقات العصيبة، التي مرت على أصحاب الأراضي والملاك من النبلاء، في تحرير بعض تلك العقارات. ويعني تحول روما إلى مدينة «مهجورة قليلاً»، «خفض قيمة الأصول»، على حد قول العمدة غوالتيري، مما يجذب مستثمرين ينقضّون على المدينة لأنها رخيصة كثيراً مقارنة بغيرها من العواصم الأوروبية الثقافية. مع ذلك يشك بعض مصممي الفنادق الفاخرة في قدرة الفنادق الجديدة على تحويل مدينة قديمة، يتحدث سكانها كثيراً عن التغيير وكأنه حلم ساذج قيد التنفيذ والانتظار، ويتعاملون مع البدع والصرعات والتوجهات الجديدة باعتبارها جيوشاً غازية عليها الانتظار.

تمثال محاط بسياج أثناء عمليات ترميم في حديقة بالاتزو بورغيزي بروما (ماسيمو بيروتي - نيويورك تايمز)

وقال جيامبيرو بانيبينتو، المعماري الذي رفع نخب فندق «بالاتسو فيلون»: «تكمن المشكلة في أهل روما». وتباهى مارياني، في عشية الافتتاح الرسمي للفندق، باللمسات التي تم إضفاؤها على الجناح الذي يبلغ سعر الإقامة فيه لليلة واحدة 38 ألف يورو، وقال إنه «تم تصميمه ليمنح النزيل الشعور بأنه إمبراطور لليلة واحدة».

* خدمة «نيويورك تايمز»


مقالات ذات صلة

الجنيه المصري يواصل رحلة الهبوط لمستويات قياسية

الاقتصاد تراجع العملة المصرية يلقي بظلاله على عودة شبح ارتفاع التضخم من جديد (رويترز)

الجنيه المصري يواصل رحلة الهبوط لمستويات قياسية

واصل الجنيه المصري تراجعه خلال تعاملات اليوم الاثنين ليسجل مستوى متدنياً جديداً عند 52.55 أمام الدولار وهو الأقل على الإطلاق جراء تداعيات حرب إيران

صبري ناجح (القاهرة)
يوميات الشرق السياحة الثقافية من أكثر الأنماط جذباً للسائحين في مصر (المتحف المصري)

مصر: مخاوف من تأثيرات «حرب إيران» على «الانتعاشة السياحية»

بينما كانت مصر تتوقع تحقيق انتعاشة سياحية لافتة في عام 2026 على غرار ما حققته في العام الماضي؛ فإن «حرب إيران» فجرت مخاوف من حدوث تأثيرات سلبية.

محمد الكفراوي (القاهرة )
الاقتصاد السياحة الثقافية تجذب السائحين إلى مصر (الهيئة العامة للاستعلامات)

خطط استباقية مصرية لتجنيب السياحة تأثيرات الصراعات الإقليمية

أعلن وزير السياحة المصري، شريف فتحي، عن خطط استباقية لتجنيب السياحة المصرية التأثيرات السلبية للصراعات الإقليمية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
يوميات الشرق سياح يجرون أمتعتهم عند وصولهم إلى ساحة كاتالونيا في برشلونة (رويترز)

برشلونة للزوّار: أهلاً بكم… لكن بدفع ضريبة عن كل ليلة

تستعد مدينة برشلونة، إحدى أبرز الوجهات السياحية في أوروبا، لتطبيق زيادات كبيرة على الضريبة السياحية، في خطوة قد تجعلها من بين الأعلى على مستوى القارة.

«الشرق الأوسط» (برشلونة (إسبانيا))
يوميات الشرق مسجد الطابية يطل على نيل أسوان (محافظة أسوان)

مسجد الطابية بأسوان بحلة جديدة في رمضان

يكتسي مسجد الطابية بمحافظة أسوان (جنوب مصر) بحلة جديدة، بعد سلسلة من أعمال التطوير التي تنفذها شبكة الأغاخان للخدمات الثقافية.

محمد الكفراوي (القاهرة )

هاني شاكر لاستكمال علاجه في فرنسا بعد تجاوزه «المرحلة الصعبة»

الفنان هاني شاكر (حسابه على موقع فيسبوك)
الفنان هاني شاكر (حسابه على موقع فيسبوك)
TT

هاني شاكر لاستكمال علاجه في فرنسا بعد تجاوزه «المرحلة الصعبة»

الفنان هاني شاكر (حسابه على موقع فيسبوك)
الفنان هاني شاكر (حسابه على موقع فيسبوك)

أعلنت نقابة «الموسيقيين» المصرية في بيان صحافي، الخميس، تحسن الحالة الصحية للفنان هاني شاكر خلال الأيام الماضية بعد تلقيه رعاية طبية دقيقة على يد أطباء مختصين، فيما يستعد لاستكمال علاجه في فرنسا.

وقالت النقابة إن «شاكر سيتوجه خلال الساعات المقبلة إلى فرنسا لاستكمال بعض الفحوصات الطبية، والاطمئنان بشكل كامل على حالته الصحية، وذلك وفقاً لتوصيات الفريق الطبي المعالج».

وخلال الساعات القليلة الماضية انتشرت شائعات تفيد بوفاة هاني شاكر، وجاء اسمه ضمن قائمة الأكثر بحثاً على موقع «غوغل»، الخميس في مصر، بعدما كتب عدد من المشاهير في الوسط الفني بمصر خبر الوفاة على حساباتهم بالسوشيال ميديا، ومعاودة حذفه ونفيه فيما بعد.

ونفى حساب يحمل اسم «أعضاء نقابه المهن الموسيقية المصرية»، على موقع «فيسبوك»، خبر وفاة هاني شاكر، وكتب: «لا صحة على الإطلاق لما يتم تداوله عبر مواقع التواصل الاجتماعي بشأن وفاة الفنان هاني شاكر، وأنه ما زال على قيد الحياة ويتلقى العلاج حالياً»، مضيفاً: «نرجو من الجميع تحري الدقة قبل نشر أو تداول أي أخبار غير مؤكدة، وعدم الانسياق وراء الشائعات».

وبدوره، أكد الشاعر الغنائي والناقد الموسيقى المصري فوزي إبراهيم أن «هاني شاكر بخير وحالته الصحية في تحسن مستمر»، موضحاً أن «مسألة سفره للاستشفاء والنقاهة وليس للعلاج»، حسب تأكيد الفنانة نادية مصطفى.

تحسن حالة هاني شاكر (حسابه على موقع فيسبوك)

واستنكر فوزي إبراهيم، خلال حديثه لـ«الشرق الأوسط»، «الأخبار المغلوطة والشائعات السيئة التي انتشرت عنه»، معرباً عن أسفه لما يتم تداوله، وعدم احترام رغبة أسرته في عدم الكلام وسط انشغالهم بحالته.

وتساءل فوزي إبراهيم: «هل من الطبيعي أن تصدر الأسرة بيانات صحافية تخصه وسط انشغالهم بحالته الصحية؟، لذلك لا بد أن يحترم الناس رغبتهم، وعدم الانسياق وراء ما يتردد، طالما لم يتم نشر أي بيانات رسمية من قبلهم».

مصدر مقرب من الفنان هاني شاكر أوضح أن «حالته في تحسن مستمر، بعد تعرضه لإجهاد شديد نتيجة إجراء عملية وقف نزيف القولون»، مؤكداً لـ«الشرق الأوسط» أن «سفره لفرنسا سيكون خلال يومين».

وفي السياق، ردت الفنانة نادية مصطفى عبر حسابها على موقع «فيسبوك»، على ما يتم تداوله من شائعات تفيد بأن سفر هاني شاكر للخارج كان بسبب فشل الأطباء في علاجه داخل مصر، مؤكدة أنها «تواصلت مع زوجته السيدة نهلة، التي نفت هذه الأخبار».

وحسب منشور نادية مصطفى، فقد وصفت زوجة هاني شاكر، «ما قام به الأطباء المصريون بأنه (معجزة طبية)؛ نظراً لخطورة الحالة، كما وجهت الشكر لوزير الصحة المصري الدكتور خالد عبد الغفار، ولكل الأطباء القائمين على علاجه، وللعاملين بالمستشفى على ما بذلوه من جهد ورعاية فائقة».

وأوضحت زوجة هاني شاكر أن «قرار السفر للخارج جاء لاستكمال مرحلة الاستشفاء والعلاج والنقاهة، بعد تحسن حالته الصحية».

شاكر يستعد للسفر إلى فرنسا لاستكمال رحلة العلاج (حسابه على موقع فيسبوك)

وكان هاني شاكر قد أجرى قبل أيام جراحة لاستئصال جزء من القولون بعد إصابته بنزيف حاد، وقام بزيارته بالمستشفى وزير الصحة المصري الدكتور خالد عبد الغفار، كما طمأنت الدكتورة جيهان زكي، وزيرة الثقافة المصرية، في بيان رسمي قبل أيام، الجمهور على صحته، مؤكدة أنه «قيمة فنية كبيرة تمثل جزءاً من تاريخ الغناء المصري الأصيل، وأن حضوره وإبداعه أثريا المشهد الفني المصري وألهما أجيالاً من الفنانين والموسيقيين».

بدأ هاني شاكر، والملقب بـ«أمير الغناء العربي»، مسيرته الفنية مطلع سبعينات القرن الماضي، وقدم بعض التجارب التمثيلية السينمائية في بداية مشواره من بينها فيلما «عايشين للحب»، و«هذا أحبه وهذا أريده»، كما أصدر هاني شاكر خلال مشواره الذي تعدى الـ50 عاماً أغنيات وألبومات غنائية عدة، وشارك في حفلات غنائية بالداخل والخارج، كما شغل منصب «نقيب الموسيقيين»، في مصر.


فوق دويّ الحرب يرتفع صوت المسحراتي موقظاً الصائمين في لبنان

المسحراتي في أسواق صيدا القديمة (محمد الغزاوي)
المسحراتي في أسواق صيدا القديمة (محمد الغزاوي)
TT

فوق دويّ الحرب يرتفع صوت المسحراتي موقظاً الصائمين في لبنان

المسحراتي في أسواق صيدا القديمة (محمد الغزاوي)
المسحراتي في أسواق صيدا القديمة (محمد الغزاوي)

لم تستطع الحرب المشتعلة على أرض لبنان وجواره إسكات المسحراتي في مناطق لبنانية عدّة. فهو لا يزال يتنقل بين الأحياء موقظاً الصائمين لتناول وجبة السحور قبل أذان الفجر، ويحافظ بذلك على موروث ثقافي يضفي البهجة، إذ يجوب الشوارع منادياً سكانها بأسمائهم. كما ينشد المسحراتي أهازيج دينية؛ «يا أهل الله قوموا تسحروا»، أو «يا عباد الله تسحروا، فإن في السحور بركة». أما عبارته المشهورة «يا نايم وحِّد الدايم» فينتظر سماعها الكبار كما الصغار. ينهضون من أسرّتهم عائلات وأفراداً للتجمّع حول مائدة السحور وتأدية صلاة الفجر.

عادة ما يواكب المسحراتي فريق من الشبان يدلّونه على الطريق ويردّدون معه الأناشيد الدينية.

وكما في مدينتَي طرابلس وبيروت، فإن صيدا وجوارها تتمسّك بهذه الرمزية للشهر الكريم. صحيح أنّ قلة لا يزالون يمارسون هذه المهنة، وإنما بعضهم يحافظ على تأديتها منذ عشرات السنوات. بعضهم ورثها أباً عن جدّ، وبعضهم الآخر رأى فيها أسلوب عبادة من نوع آخر. فمن خلالها يخدم القوم ويحضّهم على ممارسة تقاليد ثقافية ودينية كي لا تؤول إلى زوال.

يرافقه فريق من العازفين والمنشدين في جولاته (محمد الغزاوي)

ويشير المسحراتي محمد الغزاوي في حديث لـ«الشرق الأوسط» إلى أنّ رمضان هذه السنة حمل تحدّيات كثيرة. ويوضح: «بدأتُ في ممارسة عملي كما في كلّ موسم بهدوء وسكينة. ولكن اندلاع الحرب بدَّل في وجهاتنا زملائي وأنا. لم تعد جولاتنا تقتصر على زيارة أحياء معيّنة، بل توسَّعت لتشمل مراكز إيواء في صيدا وجوارها».

ويخبر بأنّ هذه المراكز تطلبه بالاسم لكونه من أقدم المسحراتية في المنطقة، إذ يحبّ الجميع صوته ويُعجَبون بأسلوبه في إنشاد الأهازيج.

ويتابع: «ثمة نحو 10 مراكز إيواء نعمل على تلبية طلبات النازحين إليها، نزورهم ونبلسم جراحهم كي لا يشعروا بالغربة. وفي مناطق أخرى اضطررنا إلى إضافة أحياء جديدة نتجوّل فيها نظراً إلى اتساع رقعة السكان في أرجاء المدينة».

يمارس محمد مهنته على الأصول، يرافقه بعض العازفين على الطبل والرق لاستقطاب أكبر عدد ممكن من الصائمين. وفي ظلّ ارتفاع سعر الوقود، آثر القيام بجولاته سيراً: «أضطر أحياناً للمشي كيلومترات. في الماضي القريب كنتُ أقود سيارتي وأركنها في أقرب مكان من الحيّ الذي أنوي زيارته. كبرت أعداد البيوت والسكان وما عدتُ قادراً على زيارة 5 أحياء مشياً مرّة واحدة. حالياً عدتُ إلى التجوّل بين هذه الأحياء سيراً، وأستخدم زواريب وطرقاً نسمّيها (قادومية) لاختصار المسافات بينها. كما أنّ سنّي لم تعد تسمح بقطع مسافات طويلة. لذلك أستخدم اليوم دراجتي النارية للقيام بجولاتي الطويلة».

يسير في الشوارع والأزقة منادياً «يا نايم وحّد الدايم» (محمد الغزاوي)

ويؤكد أنه لا يزال ينادي سكان الأحياء التي يزورها بأسمائهم: «أتوقف عند كلّ عمارة ومنزل منادياً السكان، فأنا أعرفهم جميعاً. وفي حال مصادفتي بيوتاً يسكنها أناس جدد آخذ على عاتقي التعرُّف إليهم لأضيفهم إلى لائحتي. والجميل أنّ السكان يستيقظون ويلوّحون لي من شرفات منازلهم تفاعلاً معي».

وعن سبب ممارسته هذه المهنة، يجيب: «في أحد الأيام، سمعتُ أحد المسحراتية يطرق على التنك لإيقاظ المؤمنين. استفزني الموضوع لأن التنك لا يليق بقيمة الشهر الكريم. تقدّمت إلى دار الأوقاف في صيدا وطلبت ترخيصاً يسمح لي بممارسة المهنة. وعندما سألوني مستفسرين عن الأسباب التي تدفعني للقيام بهذه المهمّة شرحت لهم وجهة نظري، مؤكداً أنني أرغب في ممارستها على الأصول وبما يرضي رب العالمين».


المخرج الفرنسي آلين غوميز: فكرة «داو» بدأت من جنازة والدي

صنّاع الفيلم خلال العرض الأول في مهرجان برلين (الشركة المنتجة)
صنّاع الفيلم خلال العرض الأول في مهرجان برلين (الشركة المنتجة)
TT

المخرج الفرنسي آلين غوميز: فكرة «داو» بدأت من جنازة والدي

صنّاع الفيلم خلال العرض الأول في مهرجان برلين (الشركة المنتجة)
صنّاع الفيلم خلال العرض الأول في مهرجان برلين (الشركة المنتجة)

قال المخرج الفرنسي - السنغالي آلين غوميز إن فكرة فيلم «داو» الذي عُرض للمرة الأولى في النسخة الماضية من مهرجان «برلين السينمائي» ضمن المسابقة الرسمية لم تأتِ من لحظة إلهام واحدة، أو من مشروع مخطط له مسبقاً، بل تشكلت تدريجياً عبر سنوات من التفكير والتجارب الشخصية، فالبداية الحقيقية كانت بعد مشاركته في جنازة والده في غينيا بيساو، وهي تجربة وصفها بأنها كانت مؤثرة وعميقة إلى درجة أنه شعر بأن فيها مادة إنسانية تستحق أن تتحول إلى فيلم، حتى لو لم يكن يعرف آنذاك الشكل الذي يمكن أن يأخذه هذا المشروع.

وأضاف غوميز لـ«الشرق الأوسط» أن تلك الفكرة ظلت لفترة طويلة مجرد إحساس أو رغبة مبهمة في تحويل تجربة شخصية إلى عمل سينمائي، قبل أن تتضح معالمها لاحقاً، فبعد فترة من الزمن حضر حفل زفاف داخل محيطه العائلي، وهناك بدأ يرى العلاقة الخفية بين طقوس الفرح وطقوس الفقدان؛ لأن الجمع بين هذين الحدثين منحه الإطار الدرامي الذي كان يبحث عنه، لكونهما يمثلان لحظتين حاسمتين في حياة أي عائلة.

جنازة في غينيا بيساو

وأشار إلى أن الفيلم يتنقل بين زفاف يقام في فرنسا ومراسم جنازة تقام في قرية بغينيا بيساو، وهذا الانتقال بين مكانين مختلفين يعكس حركة دائرية للحياة؛ لأن الفكرة بالنسبة له كانت أن يرى المشاهد كيف تتجاور النهاية والبداية في اللحظة نفسها، وكيف يمكن للموت أن يفتح باباً للتفكير في المستقبل بقدر ما يستدعي الماضي بكل ما يحمله من ذكريات.

المخرج السنغالي - الفرنسي آلين غوميز (الشركة المنتجة)

وأوضح أن العمل يتناول أيضاً تجربة أبناء المهاجرين الذين نشأوا بعيداً عن أوطان آبائهم، فكثيراً من هؤلاء يصلون إلى مرحلة من العمر يصبحون فيها مسؤولين عن نقل تاريخ العائلة إلى الجيل التالي، رغم أنهم في الواقع لا يعرفون الكثير عن ذلك التاريخ، وهذا الانقطاع في المعرفة يخلق شعوراً غامضاً بالنقص؛ لأن هناك دائماً قصصاً ناقصة أو مفقودة داخل الذاكرة العائلية.

ولفت غوميز إلى أن «كثيراً من تلك القصص بقي غير مروي؛ لأن الأحداث المرتبطة بها كانت مؤلمة أو صادمة، خصوصاً تلك التي تعود إلى فترات الاستعمار أو الحروب أو الهجرة القسرية، فبعض الآباء يختارون الصمت بدافع حماية أبنائهم من الألم، لكن هذا الصمت قد يترك فراغاً في فهم الأجيال الجديدة لهويتها، وهو ما حاول الفيلم الاقتراب منه بطريقة إنسانية هادئة».

ويؤكد المخرج أن فكرة «الانتقال» أو «التوريث» كانت حاضرة بقوة أثناء العمل على الفيلم، لكنه لم يكن يقصد بها فقط نقل التقاليد أو العادات، بل نقل التجارب والذاكرة أيضاً، موضحاً أن العائلات غالباً ما تعيد اكتشاف نفسها في اللحظات التي تجتمع فيها، مثل حفلات الزفاف أو الجنازات، حيث يظهر بوضوح كيف يرتبط الماضي بالحاضر، وكيف تتشكل القرارات التي ستؤثر في المستقبل.

وأوضح أن تلك المناسبات العائلية تكشف أيضاً مرور الزمن بطريقة لا يمكن تجاهلها؛ لأن الأطفال الذين كانوا صغاراً يصبحون شباباً، في حين يختفي الكبار الذين كانوا يمثلون ذاكرة العائلة، مؤكداً أن رحيل هؤلاء يعني في كثير من الأحيان ضياع جزء من القصص التي لم تُحكَ بعد، وهو ما يجعل الجيل التالي مسؤولاً عن محاولة استعادة ما يمكن استعادته من تلك الذاكرة.

الفيلم عُرض للمرة الأولى في مهرجان برلين السينمائي (إدارة المهرجان)

ووفق غوميز، فإن الفيلم يحمل أيضاً تحية إلى جيل كامل من المهاجرين الذين اضطروا إلى بدء حياتهم من الصفر في بلدان جديدة، فهؤلاء الأشخاص لم يكن لديهم نموذج واضح يحتذون به، بل كانوا مضطرين إلى ابتكار طرقهم الخاصة للعيش والتعبير عن أنفسهم داخل مجتمعات مختلفة، وهو ما جعل تجربتهم مليئة بالصعوبات، لكنها أيضاً مليئة بالإبداع.

الحياة في المهجر

وأضاف أن هذا الجيل تمكن رغم كل التحديات من بناء حياة جديدة لأبنائه، وهو ما يستحق التقدير والاعتراف، فهناك شعور عميق بالفخر تجاه هؤلاء الأشخاص الذين استطاعوا تحويل تجربة الهجرة الصعبة إلى فرصة لبناء مستقبل أفضل، وهو ما حاول الفيلم أن يعكسه من خلال قصص شخصياته.

وأشار غوميز إلى أن أحد أهدافه الأساسية كان تقديم صورة مختلفة عن المجتمعات الأفريقية وأبناء الشتات الأفريقي؛ لأن السينما كثيراً ما قدمت هذه المجتمعات من منظور خارجي، وهو ما أدى إلى ظهور صور نمطية لا تعكس الواقع الحقيقي لحياة الناس؛ لذا أراد من خلال الفيلم أن يمنح الشخصيات فرصة لتقديم نفسها كما تريد أن تُرى.

الفيلم نال إشادات نقدية مع عرضه الأول في مهرجان برلين (إدارة المهرجان)

وأوضح أن هذا الهدف كان حاضراً منذ المراحل الأولى للعمل؛ لأن الفيلم بالنسبة له ليس مجرد قصة تُروى، بل مساحة يمكن للناس من خلالها التعبير عن أنفسهم، معتبراً أن «داو» صُمم ليكون تجربة جماعية؛ إذ يشارك الأشخاص الذين يظهرون فيه في صياغة جزء من المعنى الذي يقدمه الفيلم.

وتحدث غوميز عن عملية اختيار الممثلين، مؤكداً أنها كانت جزءاً أساسياً من بناء الفيلم نفسه، فاللقاءات الأولى مع المشاركين لم تكن اختبارات أداء تقليدية، بل كانت محادثات طويلة ومحاولات للتعرف على الأشخاص بشكل حقيقي؛ لأن الهدف كان بناء علاقة إنسانية بينهم قبل بدء التصوير.