في روما... الفخامة في مواجهة البؤس

خطة لتغيير وضع المدينة ليس فقط متحفاً مفتوحاً للماضي بل مدينة للمستقبل

غرفة الطعام في فندق «بالاتزو فيلون» بروما (ماسيمو بيروتي - نيويورك تايمز)
غرفة الطعام في فندق «بالاتزو فيلون» بروما (ماسيمو بيروتي - نيويورك تايمز)
TT

في روما... الفخامة في مواجهة البؤس

غرفة الطعام في فندق «بالاتزو فيلون» بروما (ماسيمو بيروتي - نيويورك تايمز)
غرفة الطعام في فندق «بالاتزو فيلون» بروما (ماسيمو بيروتي - نيويورك تايمز)

في مساء أحد أيام شهر يونيو (حزيران) تناول نزلاء في قاعة الطعام المهيبة في فندق «بالاتزو فيلون» عشاءً يحمل طابع عصر الباروك وسط مرايا تعود إلى قرون طويلة مضت مزينة بصور أطفال بأجنحة ملائكية، وأرضيات رخامية مطعّمة، وسقف مغرق في البذخ، وكانت الطاولات ذات أسطح عاكسة من أجل الاستمتاع بالرسوم الجصّية. ورفع المصمم الداخلي نخب الفندق الجديد، واصفاً إياه بـ«معبد الخصوصية والخبرة».

يقع «بالاتزو فيلون»، وهو بالأساس ملحق فاخر لفندق فخم موجود بالفعل في حديقة خاصة هو فندق «فيلون»، على حافة قصر «بالاتسو بورغيزي» الذي يتخذ شكل البيانو القيثاري، ويمتد بشكل منحنٍ بين نهر التيبر وشارع فيا ديل كورسو. ويوجد في الفندق حوض سباحة، وملهى ليلي خاص، وغرف معيشة فاخرة تحمل أسماء آلهة رومانية. وتم تصور غرف النوم الثلاثة الباهرة، التي توجد إحداها في موقع كنيسة صغيرة سابقة أسفل سطح مقبب، كملجأ روماني للمليونيرات المشاهير مثل هاري وميغان ونجوم هوليوود.

غرفة بفندق بالاتزو فيلون في روما (ماسيمو بيروتي- نيويورك تايمز)

مع ذلك عندما حاول الممثل البريطاني دانيال كريغ، وزوجته الممثلة ريتشل وايز، الإقامة هنا خلال زيارة ممتدة مؤخراً، قال الرئيس التنفيذي لمجموعة فنادق «شيدير»، التي تدير «بالاتسو فيلون»، إن السعر المطلوب مرتفع للغاية، وليس في متناول يد النجم الذي أدى دور العميل «007». وأوضح قائلاً: «لم يعرض ما يكفي من المال».

وتبلغ تكلفة المكان بأكمله في المتوسط 25 ألف يورو، أي ما يعادل نحو 27 ألف دولار، لليلة الواحدة. ورفضت لورا سايمونز، مسؤولة الدعاية لدى كريغ، التعليق على الأمر.

وليس ذلك السعر هو الأعلى على القائمة، ففي شارع فيا دي ريبيتا، في قلب روما، يوجد داخل فندق «بولغري هوتيل روما»، الذي تم افتتاحه مؤخراً، والذي يتضمن مداخل وأروقة تزخر بالجواهر، جناح مكون من غرفة نوم رئيسية تطل على ضريح أغسطس، وتبلغ تكلفة الإقامة به 38 ألف يورو، أي ما يعادل نحو 41 ألف دولار، لليلة الواحدة.

لطالما كانت روما، المدينة الزاخرة بالعصور المختلفة والتناقضات، مزيجاً من الطبقات العليا والدنيا، والأباطرة والعبيد، والنبلاء واللصوص المسلحين، والكسالى الفاسدين المنحلّين والأشخاص العاديين المجدّين في العمل. مع ذلك هناك شيء ما ذو طابع سوريالي يتعلق باللحظة الحالية عندما تصبح المدينة مغمورة بشكل متزايد بخيارات متعددة من الفنادق حتى وإن شعرت بقبضة ما يطلق عليه الرومان الانحلال، أي انحدار يمتد لأكثر من 15 عاماً نحو حالة قديمة ولاذعة من التخلي والهجران.

مدينة «مهجورة قليلاً»

يتساءل الكثير من أهل روما عما إذا كان المستثمرون في تلك المشروعات الجديدة شديدة الفخامة، مثل «ذا سيكس سينسيز» و«ذا فور سيزونس» و«روزوود» و«نوبو» و«إيديشين» و«هوتيل فيلون» وغيرها من الفنادق، يرتدون نظارات وردية، أم أن الجميع قد فقدوا حاسة الشم والعقل؟ يقول روبرتو غوالتيري، عمدة روما، إن أصحاب الفنادق يتمتعون بعقل سليم وحكمة، ويعلمون الأمر المستقبلي الناجح حين يرونه. ويشير إلى وجود مطاعم أفضل، ومتاحف تم ترميمها حديثاً، ومتاحف قيد الإنشاء. ولقد عدَّ السائحون بعد الوباء روما وجهة أساسية. كذلك يتخيل غوالتيري مدينة نظيفة حديثة عصرية تمتع بالكفاءة يتم دعمها بالمليارات من الاتحاد الأوروبي، ومئات الملايين من الاحتفال المقبل بيوبيل الكنيسة في 2025، وسياسات التجديد الحضري التي يتبناها، بما في ذلك بناء محرقة قمامة، وإصلاح طرق روما، وإبرام عقود إعادة تشغيل من أجل قطع العشب في المدينة بشكل فعلي، ومدّ خط قطار أنفاق. وأشار إلى أن الفنادق الفاخرة تستطيع أن تشهد فيما حولها عصراً جديداً للنهضة الرومانية.

في أحد الشوارع المجاورة لفندق بولغري بروما (ماسيمو بيروتي - نيويورك تايمز)

قال جان كريستوف بابين، الرئيس التنفيذي لـ«بولغري»، في حانة «بولغري»، التي تقع أعلى مدخل مزدان بتمثال قديم أصلي للإمبراطور أغسطس: «لقد كانت روما تفتقد بشكل كبير مستوى الضيافة الموجود في مدينة مثل باريس». وأوضح أن تدفق الفخامة سوف يساعد على «إعادة وضع المدينة، ليس فقط متحفاً مفتوحاً للماضي، بل مدينة للمستقبل». ويشير اندفاع المشروعات الفخمة إلى أن أصحاب الفنادق يرون روما مدينة يمكن الحصول على أرباح بها، وأن ظروفها وأحوالها، باستثناء القمامة والازدحام المروري وشخصية سكانها الضجرة من الحياة، قد أصبحت فجأة لصالحهم.

وقال سيكيريللي، من مجموعة «شيدير»، إن أهم الفنادق تتوق إلى الوجود في البلاد منذ عصور، لكن المصالح المحلية ساعدت في منع وجود الفنادق الجديدة، التي تحتوي على أكثر من 30 غرفة، مما أبعد وأقصى سلاسل الفنادق الفخمة الضخمة. وذكر مكتب العمدة أن قانوناً صدر عام 2008 قد منع تحويل أي قصر يعود إلى العصور الوسطى أو عصر النهضة إلى فنادق تستضيف أكثر من 60 شخصاً، وهو ما يعني نحو 30 غرفة تقريباً، لكن منحت المدينة إعفاءات لجذب فنادق ذات مستوى أرقى يمكن للأثرياء إنفاق مبالغ أكبر من المال بها. وقد رسّخت العديد من الفنادق الجديدة أقدامها بالقرب من شارع فيا فينيتو في مبانٍ أحدث غير خاضعة لقيود القانون. ويقع «بولغري»، رغم كونه في المركز القديم، داخل مبنى حكومي محوّل يعود إلى الحقبة الفاشية.

حمام السباحة الداخلي بفندق بولغري في روما حيث تبلغ تكلفة الإقامة نحو 41 ألف دولار، لليلة الواحدة (ماسيمو بيروتي- نيويورك تايمز)

وقال بابين، الذي لاحظ أن سوق العقارات الضيقة المحدودة في روما قد بدأت أخيراً في الانفتاح، إن «العائلات الثرية الأرستقراطية الرومانية تمتلك الجزء الأكبر من المدينة». وتسفر الضرائب العقارية المنخفضة بشكل كبير، التي تعبّر عن قيم تسجيل الأراضي تعدّ منخفضة كثيراً بقيم ومعايير السوق، عن وجود «الكثير من القصور التي لن يتخلى عنها الناس أبداً حتى وإن كانت فارغة».

مع ذلك ساعدت الأوقات العصيبة، التي مرت على أصحاب الأراضي والملاك من النبلاء، في تحرير بعض تلك العقارات. ويعني تحول روما إلى مدينة «مهجورة قليلاً»، «خفض قيمة الأصول»، على حد قول العمدة غوالتيري، مما يجذب مستثمرين ينقضّون على المدينة لأنها رخيصة كثيراً مقارنة بغيرها من العواصم الأوروبية الثقافية. مع ذلك يشك بعض مصممي الفنادق الفاخرة في قدرة الفنادق الجديدة على تحويل مدينة قديمة، يتحدث سكانها كثيراً عن التغيير وكأنه حلم ساذج قيد التنفيذ والانتظار، ويتعاملون مع البدع والصرعات والتوجهات الجديدة باعتبارها جيوشاً غازية عليها الانتظار.

تمثال محاط بسياج أثناء عمليات ترميم في حديقة بالاتزو بورغيزي بروما (ماسيمو بيروتي - نيويورك تايمز)

وقال جيامبيرو بانيبينتو، المعماري الذي رفع نخب فندق «بالاتسو فيلون»: «تكمن المشكلة في أهل روما». وتباهى مارياني، في عشية الافتتاح الرسمي للفندق، باللمسات التي تم إضفاؤها على الجناح الذي يبلغ سعر الإقامة فيه لليلة واحدة 38 ألف يورو، وقال إنه «تم تصميمه ليمنح النزيل الشعور بأنه إمبراطور لليلة واحدة».

* خدمة «نيويورك تايمز»


مقالات ذات صلة

مسجد الطابية بأسوان بحلة جديدة في رمضان

يوميات الشرق مسجد الطابية يطل على نيل أسوان (محافظة أسوان)

مسجد الطابية بأسوان بحلة جديدة في رمضان

يكتسي مسجد الطابية بمحافظة أسوان (جنوب مصر) بحلة جديدة، بعد سلسلة من أعمال التطوير التي تنفذها شبكة الأغاخان للخدمات الثقافية.

محمد الكفراوي (القاهرة )
الاقتصاد بنايات على نيل القاهرة التي جذبت عدداً كبيراً من السائحين (تصوير: عبد الفتاح فرج)

اقتصاد مصر ينمو بمعدل 5.3 % خلال الربع الثاني من العام المالي الحالي

أعلنت الحكومة المصرية، الثلاثاء، أن اقتصاد البلاد سجّل نمواً بنسبة 5.3 في المائة، خلال الربع الثاني من العام المالي الحالي (من أكتوبر حتى ديسمبر 2025).

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
الاقتصاد سياح روس يستعدون للصعود على متن رحلة في مطار خوسيه مارتي الدولي بهافانا 16 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

واشنطن تُحكم قبضتها على مصادر كوبا من العملات الصعبة

يزداد الضغط الأميركي لخفض تدفقات العملات الأجنبية إلى كوبا إذ تعيد دول عدة النظر في اتفاقيات استقبال الأطباء الكوبيين تحت ضغط واشنطن

«الشرق الأوسط» (هافانا)
يوميات الشرق يتميّز تصميم المركز بطابع معماري معاصر يستند إلى مفهوم «الكتل الضخمة» (واس)

بدء الأعمال الإنشائية لمركز الفنون الأدائية في القدية

بدأت الأعمال الإنشائية لمركز الفنون الأدائية بمدينة القدية (جنوب غرب الرياض)، في خطوة مهمة ضمن مسيرة تطوير المدينة بوصفها وجهة للترفيه والرياضة والثقافة.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
أوروبا صورة من أمام مبنى وزارة الخارجية والشؤون الأوروبية الفرنسية في باريس (رويترز- أرشيفية)

باريس تتواصل مع تشاد بعد اختفاء مواطن فرنسي

قالت وزارة الخارجية الفرنسية، الخميس، إن باريس على اتصال وثيق مع السلطات التشادية بعد اختفاء مواطن فرنسي في تشاد.

«الشرق الأوسط» (باريس)

مسجد الطابية بأسوان بحلة جديدة في رمضان

مسجد الطابية يطل على نيل أسوان (محافظة أسوان)
مسجد الطابية يطل على نيل أسوان (محافظة أسوان)
TT

مسجد الطابية بأسوان بحلة جديدة في رمضان

مسجد الطابية يطل على نيل أسوان (محافظة أسوان)
مسجد الطابية يطل على نيل أسوان (محافظة أسوان)

يكتسي مسجد الطابية بمحافظة أسوان (جنوب مصر) بحلة جديدة، بعد سلسلة من أعمال التطوير التي تنفذها شبكة الأغاخان للخدمات الثقافية، وأعلن محافظ أسوان، عمرو لاشين، عن تطوير شامل للمسجد وإعادة المشهد البصرى للمحيط العمراني بالإضاءة المبهرة ليلاً، بفكر احترافي يجمع بين الدقة الهندسية والحس الجمالي.

ويعدّ المسجد الذي يتوسط حديقة خضراء في منطقة الطابية، مصدر جذب سياحي لطبيعته التاريخية المميزة، وهو ما تسعى الشركة المنفذة لمشروع التطوير للحفاظ عليه، لتجعله في صدارة المشهد الحضاري للمدينة السياحية، في إطار رؤية متكاملة تقدر القيمة التاريخية للموقع، وتعيد تقديمه بروح معاصرة تليق بمكانته المتميزة التي تتعانق فيها الطبيعة الخلابة مع التاريخ العريق.

وأكد محافظ أسوان أن «أعمال التطوير تشمل تنفيذ منظومة إضاءة خارجية متكاملة تستهدف إبراز العناصر المعمارية الفريدة للمسجد، بالإضافة إلى إعادة صياغة المشهد البصري للمحيط العمراني من خلال الإضاءة المبهرة للمسجد ليلاً، بما يجعله علامة حضرية مضيئة يمكن رؤيتها من مسافات بعيدة، ويعزز حضوره في الذاكرة البصرية لمدينة أسوان التاريخية»، وفق بيان للمحافظة، الثلاثاء.

ويعود موقع الطابية في قلب أسوان إلى عهد محمد علي باشا، تحديداً عام 1811، حين قرر بناء حصن وتأسيس مدرسة حربية بأسوان، لتأمين الحدود الجنوبية، وتهدم الحصن والمدرسة، وأنشئ المسجد على أطلال الحصن في عهد الرئيس جمال عبد الناصر، وتم افتتاحه في عصر السادات، وهو مبني على الطراز المملوكي ومزين بالزخارف الكوفية، ويلعب المسجد دوراً في استطلاع هلال رمضان بفضل موقعه المرتفع، كما يستقطب الزوار من داخل مصر وخارجها بعروض الصوت والضوء. وفق موقع وزارة الأوقاف المصرية.

مسجد الطابية في أسوان (وزارة الأوقاف)

وأشار محافظ أسوان إلى أن جهود تطوير المسجد امتدت لتشمل محيطه وحديقته، حيث يجرى تنفيذ شبكة ري حديثة تعتمد على زراعة مدروسة للزهور والنباتات، وتحقق توازناً بصرياً وبيئياً، وتعيد للحديقة دورها بوصفها مساحة جمالية مفتوحة تخدم المصلين والزائرين على حد سواء، مع مراعاة اختيار عناصر نباتية تتوافق مع طبيعة أسوان ومناخها، مؤكداً أن أعمال الصيانة والترميم بالمسجد مستمرة ضمن رؤية متكاملة تستهدف الارتقاء بالموقع العام للحديقة والمسجد إلى مستوى احترافي، وبفكر يجمع بين الدقة الهندسية والحس الجمالي والاحترام الكامل للتراث، ليكون نموذجاً لإعادة إحياء المواقع التاريخية بلمسات حضرية وجمالية جديدة، تحافظ على هويتها الأصيلة، وتعكس التزام الدولة بالحفاظ على التراث.

مسجد الطابية يجتذب السائحين في أسوان (محافظة أسوان)

ووفق الخبير الآثاري، الدكتور عبد الرحيم ريحان، عضو لجنة التاريخ والآثار بالمجلس الأعلى للثقافة، فإن مسجد الطابية استمد اسمه من موقعه المشيد عليه، ويرجع تاريخ الطابية إلى بداية القرن الـ19، حيث كان مقاماً عليها طابية حربية لتكون مقراً لأول كلية حربية في مصر، وهي واحدة من طابيتين حربيتين في أسوان تم إنشاؤهما في عهد محمد علي باشا.

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «المسجد ارتبط وجدانياً بشعب أسوان، حيث يقبل عليه الكثير من المواطنين في المناسبات الدينية والاحتفالات والأعياد؛ علاوة على أنه أصبح مزاراً سياحياً لأهميته التاريخية وارتفاعه، حيث يمكن رؤية المدينة بأكملها من فوق سطح المسجد، كما يتم استخدامه لاستطلاع هلال شهر رمضان، وفي المساء يقام به عرض الصوت والضوء».

ويؤكد ريحان أن «تطوير بانوراما المسجد يسهم في تحسين الرؤية البصرية لمدينة أسوان عامة، وزيادة المسطحات الخضراء لتتناغم مع تراثها العظيم وجمال كورنيش النيل، وحدائقها المتعددة لتصبح واحة للجمال قديماً وحديثاً».


ياسر جلال يسامح أحمد ماهر في واقعة «التصريح المسيء»

الفنان أحمد ماهر (يوتيوب)
الفنان أحمد ماهر (يوتيوب)
TT

ياسر جلال يسامح أحمد ماهر في واقعة «التصريح المسيء»

الفنان أحمد ماهر (يوتيوب)
الفنان أحمد ماهر (يوتيوب)

أعلن الفنان ياسر جلال قبوله اعتذار الفنان أحمد ماهر بعد انتشار فيديو يحمل لفظاً مسيئاً للمخرج الراحل جلال توفيق، مما أثار جدلاً طويلاً على مواقع التواصل الاجتماعي، وتدخلت نقابة المهن التمثيلية بمصر في الأزمة وقررت إحالة الفنان أحمد ماهر للتحقيق، عقب انتشار فيديو مسيء منسوب له على عدد من المواقع «السوشيالية»، تضمن لفظاً مسيئاً، وجهه الفنان المصري لأسرة المخرج الراحل جلال توفيق، والد ياسر ورامز جلال.

وتقدمت نقابة الممثلين في بيان أصدرته، الثلاثاء، باعتذار رسمي لأسرة المخرج الراحل، بينما أعلن المكتب القانوني للفنانين ياسر ورامز جلال في بيان صحافي متابعة إجراءات التحقيق التي تجريها النقابة بشأن ما صدر عن الفنان أحمد ماهر من إساءة للمخرج الراحل جلال توفيق، وانتظار النتائج.

وأوضح الوكيل القانوني لياسر ورامز جلال، أن المكتب يتابع ما تسفر عنه تحقيقات النقابة، برئاسة الدكتور أشرف زكي، تمهيداً لاتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة حيال ما بدر من إساءة وسب بحق أسرة المخرج الراحل، وكذلك ضد كل من قام بتصوير مقطع الفيديو المتداول، أو نشره أو إعادة نشره عبر مواقع التواصل الاجتماعي.

وتصدر اسم الفنان أحمد ماهر «الترند»، على موقع «غوغل»، الثلاثاء، عقب إصدار نقابة المهن التمثيلية بيانها وإحالته للتحقيق، وعن رأيه القانوني في الواقعة، أكد المستشار صبرة القاسمي، أن أحمد ماهر وقع ضحية «فخ الخصوصية»، وأن الناشر هو الجاني الحقيقي.

وأضاف القاسمي لـ«الشرق الأوسط» أن «واقعة الفيديو المتداول للفنان أحمد ماهر، الذي ظهر فيه وهو يوجه عبارات حادة للفنان رامز جلال خلال مكالمة هاتفية، بدت عبارات عفوية وأبوية وليست إهانة مقصودة».

الفنان ياسر جلال (حسابه على موقع فيسبوك)

وأشار المحامي المصري إلى أن «الفيديو المسرب يفتقر إلى أهم أركان جريمة (السب والقذف)، وهو القصد الجنائي العلني»، موضحاً أن «من يشاهد المقطع بتمعن يدرك أن الفنان أحمد ماهر كان يتحدث في مكالمة هاتفية خاصة، وبنبرة يغلب عليها (العشم والأبوة)، ولم يكن يعلم مطلقاً أن هناك من يتربص به ويسجل له خلسة، بدليل استنكار إحدى المرافقات له وتسجيلها اعتراضاً بقولها للمصور، (إنت بتصور إيه؟)».

وشدد صبرة القاسمي على أن «الجرم الأكبر يقع على عاتق (الناشر والمصور)، فهما الأجدر بالملاحقة القضائية»، استناداً إلى القواعد القانونية التي تحمي حرمة الحياة الخاصة، وانتهاك الخصوصية وفقاً للمادة 309 مكرر من قانون العقوبات، فإن تسجيل مكالمة أو حديث خاص دون إذن صاحبه هو جريمة «استراق سمع» واعتداء على حرمة الحياة الخاصة.

ونوه القاسمي، بأنه «وفق قانون تقنية المعلومات، فإن الناشر ارتكب جريمة مركبة بنشره محتوى خاصاً بهدف الإساءة والتشهير، وهي من الجرائم التي يعاقب عليها القانون بالحبس مدة لا تقل عن 6 أشهر وغرامة مالية تصل إلى 100 ألف جنيه».

واختتم صبرة القاسمي حديثه قائلاً: «القانون لم يوضع لمعاقبة الناس على أحاديثهم العفوية في هواتفهم، بل وضع لردع من يستغلون التقنية لاختراق خصوصيات البشر»، مشيراً إلى «أن أحمد ماهر في هذه الواقعة هو (مجني عليه)، والعبء القانوني يقع على من خطط وسجل، ونشر هذا المحتوى المسيء».

الفنان رامز جلال (حسابه على موقع فيسبوك)

فيما قال الناقد الفني المصري طارق الشناوي إن «أحمد ماهر من حقه الانتقاد، ولكن دون تجاوز بكلمات لا تليق، بعكس ما جرى في الفيديو، حيث سب الأب بكلمة تتجاوز أي قدرة على الاحتمال».

وأضاف طارق الشناوي لـ«الشرق الأوسط»: «من حق أسرة المخرج الراحل التحرك والغضب، ومن واجب النقابة اتخاذ ما يلزم»، موضحاً أن «الكلام الذي قاله أحمد ماهر يسيء إليه أيضاً، وأن هذه الواقعة لم تكن الأولى التي لم يستطع فيها ضبط رد فعله، فهناك بوصلة لإدراك الخط الفاصل بين الخاص والعام، وما يجوز وما لا يجوز».

ويطمح الشناوي، أن ينتهي الأمر باعتذار أحمد ماهر.

وفي تصريح خاص لـ«الشرق الأوسط» أكد الفنان أحمد ماهر تقديره لموقف النقابة وموقف نجلي المخرج الراحل جلال توفيق، ياسر ورامز جلال تجاهه، لافتاً إلى أن «ما أثير حول الواقعة أمر طبيعي وسلوك قانوني متبع ومحترم».

وأضاف أحمد ماهر: «تصوير الواقعة تم وأنا في حالة نفسية سيئة، وتحديداً وقت خروجي من تقديم واجب عزاء، وحينها تكالبت علي الكاميرات وتم توقيف سيارتي قسراً للحصول على تصريحات، بينما اندس مصور الفيديو وسألني عن برنامج رامز، حيث جاء ردي بشكل عفوي للخروج من الموقف، ولم أقصد الإساءة مطلقاً لهذه الأسرة الكريمة».

وأوضح أحمد ماهر أنه سيذكر جميع ملابسات الواقعة خلال تحقيق النقابة، مشيراً إلى أنه كانت تربطه علاقة قوية وصلة وطيدة بالمخرج الراحل جلال توفيق وعملاً معاً في أعمال فنية عدة، ومن المستحيل أن يذكره بسوء.

إلى ذلك، أعلن الفنان المصري ياسر جلال، قبوله اعتذار الفنان أحمد ماهر ومسامحته، بعد تصريح «مثير» من الأخير، وصف بأنه مسيء وغير مقبول؛ وفق بيان لنقابة المهن التمثيلية بمصر.

ونشر الفنان ياسر جلال مقطع فيديو على صفحته في «فيسبوك»، قال إنه موجه للفنان الكبير أحمد ماهر، وإنه علم باعتذار عن اللفظ المسيء، ويعلم تماماً أنه لم يقصد، مؤكداً أنه قَبِل اعتذاره، ويعرف قدر محبة أحمد ماهر لأبيهما المخرج الراحل. وبصوت مؤثر قال ياسر جلال: «هل تتذكر حين هاتفتك وأخبرتك بأنني أشعر بالحنين لأبي، وأنني أحدثك لأنك تذكرني به، أنت بالفعل أب لنا وأخ كبير، وحصل خير، كلنا بنحبك وبنحترمك».


«حديقة آدم السرية»... الهروب من الحروب على أجنحة الورود

التجهيز الفني الذي يمثّل «حديقة آدم السرية» (الشرق الأوسط)
التجهيز الفني الذي يمثّل «حديقة آدم السرية» (الشرق الأوسط)
TT

«حديقة آدم السرية»... الهروب من الحروب على أجنحة الورود

التجهيز الفني الذي يمثّل «حديقة آدم السرية» (الشرق الأوسط)
التجهيز الفني الذي يمثّل «حديقة آدم السرية» (الشرق الأوسط)

دفع الشعور بعدم الانتماء إلى هذا العالم الفنان التشكيلي السوري سبهان آدم إلى ابتكار الكائنات الممسوخة التي اشتهر بها، وترتبط ارتباطاً مباشراً بشخصه وأوجاعه وآلامه المولودة من أفعال البشر. صحيح أنه يحب الناس والطبيعة، لكنه وجد في هذه المخلوقات ملاذاً له، وهو يردد: «عندما يكون ذلك الكمّ الكبير من الألم داخلك وحولك، يصبح من المستحيل رسم عصافير وأزهار».

ولكن في معرضه «حديقة آدم السرية» يقلب سبهان الصفحة تماماً، متجهاً نحو تجربة تشكيلية جديدة ترسو على أسس مختلفة. فاختار الورود لتشكّل نماذج بشرية تسقط ثم تنتصب، تتألم وتضحك ثم تذبل.

يصوّر سبهان آدم الورود كأشخاص يحزنون ويفرحون (الشرق الأوسط)

في غاليري «ميشن آرت» في شارع مار مخايل، تصطف لوحات سبهان المنفذة بالأكريليك و«الميكسد ميديا». وقد شيّد لكل مجموعة منها عالمها الخاص، مستخدماً ألواناً فاقعة يهرب عبرها من واقع الحروب. وفي رحلة يحلّق فيها على بتلات الزهور، يعبّر عن مشاعر الناس وأحاسيسهم. وعلى خلفيات بيضاء وخضراء وحمراء، يرشد زائر المعرض إلى عالم جديد يخلقه بعيداً عن كائناته البشرية الممسوخة التي طبعت مسيرته.

ويرى مدير أعماله غيث المشنوق أن هذا المعرض يشكّل نقلة نوعية في تجربة سبهان آدم. فمن خلاله يرسم بخياله عالماً آخر يهرب معه من قسوة الحروب. وقد اختار الورود ليحلِّق على أجنحتها في فضاء البشر، ويقول لـ«الشرق الأوسط»: «الأزهار التي يرسمها تشبهنا، فهي تنكسر ثم تعيش، تتحاور في جدالات طويلة ثم تلوذ بالصمت. إنها نماذج إنسانية لا ترضى بحدود اللوحة، فتبحث عن وطن خارجها».

لا يضع سبهان آدم أسماء أو عناوين للوحات، فيترك لأشكالها وألوانها حرية التأويل. ولئلا تغيب كائناته البشرية التي وسمت مسيرته، يقدّمها هذه المرة في منحوتات تتوزع ضمن تجهيز فني صاغه كحديقة غنّاء، يستحضر فيه جمال الحديقة التي خلق فيها الإنسان الأول.

بألوان جريئة وفاقعة تتميّز لوحات سبهان آدم (الشرق الأوسط)

في لوحاته، تشعر بأن لا وردة راضية بواقعها. يضعها في إناء أحمر فتتدلّى بأعناقها الطويلة، زهرية تارةً، وحمراء وزرقاء، خانعة ومنتصبة، على خلفية خضراء، تارة أخرى. وفي مجموعة غيرها بخلفية بيضاء، تخاطبك الزهور برؤوسها البرتقالية والبنفسجية والصفراء الخارجة من إناء أخضر. بعضها يزهو مبتسماً بأكسجين الحياة، وأخرى تختنق مطأطئة الرأس.

يشرح المشنوق: «أن سبهان من الفنانين غزيري الإنتاج. لذلك نرى عشرات اللوحات تتجاور ضمن مجموعات متلاحقة. جرأته في استخدام الألوان الزاهية والمنعشة تعبير عن تمرّد، وكأنها ترفض الواقع الأسود، فتسبح في فضاء الأمل، لأن الألم لا يدوم».

وعن سبب هذه الغزارة، يقول: «تنطلق من شغفه بالرسم، وتعكس في الوقت نفسه أحاسيس جياشة تجتاحه أينما كان. ما إن يمسك الفرشاة حتى تتوالد الأفكار بلا نهاية»، ويضيف: «حين أسأله عن ذلك، يجيب بأن هناك ملايين لم يشاهدوا لوحاته بعد. وهو يتوق إلى إيصالها للعالم كي تجول على كوكب الأرض بأسره».

يهرب الفنان السوري من الحروب عبر أجنحة الورود (الشرق الأوسط)

بدأ سهبان آدم رحلته الفنية بالعمل الدؤوب والتعلّم الذاتي. أحلامه الطفولية كانت تتمحور حول مهن كثيرة إلا الرسم. راحت موهبته الفنية تتبلور منذ بلوغه الخامسة عشرة، حتى وصلت أعماله إلى أعرق دور العرض والمتاحف الحديثة. فجابت باريس، وديجون، وأفينيون، وستراسبورغ، وجنيف، وبيروت، ومدريد. صدر كتاب عنه بتقديم الشاعر أدونيس. وتندرج طريقته ضمن المدرسة التعبيرية التي عُرفت بتشويه الجسد البشري.

ويشير المشنوق، ممثلاً سبهان المقيم حالياً في سوريا، إلى أن «حديقة آدم السرية» يعد أول معرض ملوّن له: «غالباً ما يعبّر في أعماله عن عالم سوداوي، لكنه ينتقل هنا إلى فضاء يحمل رسائل حب، وعنف، وحنين وهجرة. خرج من ذاته ليقدّم المختلف. فهو لا يخزّن المشاهد كما تراها العين، بل يرتكز على اللحظة ومشاعرها ليخلق لوحاته بخياله».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended