في روما... الفخامة في مواجهة البؤس

خطة لتغيير وضع المدينة ليس فقط متحفاً مفتوحاً للماضي بل مدينة للمستقبل

غرفة الطعام في فندق «بالاتزو فيلون» بروما (ماسيمو بيروتي - نيويورك تايمز)
غرفة الطعام في فندق «بالاتزو فيلون» بروما (ماسيمو بيروتي - نيويورك تايمز)
TT

في روما... الفخامة في مواجهة البؤس

غرفة الطعام في فندق «بالاتزو فيلون» بروما (ماسيمو بيروتي - نيويورك تايمز)
غرفة الطعام في فندق «بالاتزو فيلون» بروما (ماسيمو بيروتي - نيويورك تايمز)

في مساء أحد أيام شهر يونيو (حزيران) تناول نزلاء في قاعة الطعام المهيبة في فندق «بالاتزو فيلون» عشاءً يحمل طابع عصر الباروك وسط مرايا تعود إلى قرون طويلة مضت مزينة بصور أطفال بأجنحة ملائكية، وأرضيات رخامية مطعّمة، وسقف مغرق في البذخ، وكانت الطاولات ذات أسطح عاكسة من أجل الاستمتاع بالرسوم الجصّية. ورفع المصمم الداخلي نخب الفندق الجديد، واصفاً إياه بـ«معبد الخصوصية والخبرة».

يقع «بالاتزو فيلون»، وهو بالأساس ملحق فاخر لفندق فخم موجود بالفعل في حديقة خاصة هو فندق «فيلون»، على حافة قصر «بالاتسو بورغيزي» الذي يتخذ شكل البيانو القيثاري، ويمتد بشكل منحنٍ بين نهر التيبر وشارع فيا ديل كورسو. ويوجد في الفندق حوض سباحة، وملهى ليلي خاص، وغرف معيشة فاخرة تحمل أسماء آلهة رومانية. وتم تصور غرف النوم الثلاثة الباهرة، التي توجد إحداها في موقع كنيسة صغيرة سابقة أسفل سطح مقبب، كملجأ روماني للمليونيرات المشاهير مثل هاري وميغان ونجوم هوليوود.

غرفة بفندق بالاتزو فيلون في روما (ماسيمو بيروتي- نيويورك تايمز)

مع ذلك عندما حاول الممثل البريطاني دانيال كريغ، وزوجته الممثلة ريتشل وايز، الإقامة هنا خلال زيارة ممتدة مؤخراً، قال الرئيس التنفيذي لمجموعة فنادق «شيدير»، التي تدير «بالاتسو فيلون»، إن السعر المطلوب مرتفع للغاية، وليس في متناول يد النجم الذي أدى دور العميل «007». وأوضح قائلاً: «لم يعرض ما يكفي من المال».

وتبلغ تكلفة المكان بأكمله في المتوسط 25 ألف يورو، أي ما يعادل نحو 27 ألف دولار، لليلة الواحدة. ورفضت لورا سايمونز، مسؤولة الدعاية لدى كريغ، التعليق على الأمر.

وليس ذلك السعر هو الأعلى على القائمة، ففي شارع فيا دي ريبيتا، في قلب روما، يوجد داخل فندق «بولغري هوتيل روما»، الذي تم افتتاحه مؤخراً، والذي يتضمن مداخل وأروقة تزخر بالجواهر، جناح مكون من غرفة نوم رئيسية تطل على ضريح أغسطس، وتبلغ تكلفة الإقامة به 38 ألف يورو، أي ما يعادل نحو 41 ألف دولار، لليلة الواحدة.

لطالما كانت روما، المدينة الزاخرة بالعصور المختلفة والتناقضات، مزيجاً من الطبقات العليا والدنيا، والأباطرة والعبيد، والنبلاء واللصوص المسلحين، والكسالى الفاسدين المنحلّين والأشخاص العاديين المجدّين في العمل. مع ذلك هناك شيء ما ذو طابع سوريالي يتعلق باللحظة الحالية عندما تصبح المدينة مغمورة بشكل متزايد بخيارات متعددة من الفنادق حتى وإن شعرت بقبضة ما يطلق عليه الرومان الانحلال، أي انحدار يمتد لأكثر من 15 عاماً نحو حالة قديمة ولاذعة من التخلي والهجران.

مدينة «مهجورة قليلاً»

يتساءل الكثير من أهل روما عما إذا كان المستثمرون في تلك المشروعات الجديدة شديدة الفخامة، مثل «ذا سيكس سينسيز» و«ذا فور سيزونس» و«روزوود» و«نوبو» و«إيديشين» و«هوتيل فيلون» وغيرها من الفنادق، يرتدون نظارات وردية، أم أن الجميع قد فقدوا حاسة الشم والعقل؟ يقول روبرتو غوالتيري، عمدة روما، إن أصحاب الفنادق يتمتعون بعقل سليم وحكمة، ويعلمون الأمر المستقبلي الناجح حين يرونه. ويشير إلى وجود مطاعم أفضل، ومتاحف تم ترميمها حديثاً، ومتاحف قيد الإنشاء. ولقد عدَّ السائحون بعد الوباء روما وجهة أساسية. كذلك يتخيل غوالتيري مدينة نظيفة حديثة عصرية تمتع بالكفاءة يتم دعمها بالمليارات من الاتحاد الأوروبي، ومئات الملايين من الاحتفال المقبل بيوبيل الكنيسة في 2025، وسياسات التجديد الحضري التي يتبناها، بما في ذلك بناء محرقة قمامة، وإصلاح طرق روما، وإبرام عقود إعادة تشغيل من أجل قطع العشب في المدينة بشكل فعلي، ومدّ خط قطار أنفاق. وأشار إلى أن الفنادق الفاخرة تستطيع أن تشهد فيما حولها عصراً جديداً للنهضة الرومانية.

في أحد الشوارع المجاورة لفندق بولغري بروما (ماسيمو بيروتي - نيويورك تايمز)

قال جان كريستوف بابين، الرئيس التنفيذي لـ«بولغري»، في حانة «بولغري»، التي تقع أعلى مدخل مزدان بتمثال قديم أصلي للإمبراطور أغسطس: «لقد كانت روما تفتقد بشكل كبير مستوى الضيافة الموجود في مدينة مثل باريس». وأوضح أن تدفق الفخامة سوف يساعد على «إعادة وضع المدينة، ليس فقط متحفاً مفتوحاً للماضي، بل مدينة للمستقبل». ويشير اندفاع المشروعات الفخمة إلى أن أصحاب الفنادق يرون روما مدينة يمكن الحصول على أرباح بها، وأن ظروفها وأحوالها، باستثناء القمامة والازدحام المروري وشخصية سكانها الضجرة من الحياة، قد أصبحت فجأة لصالحهم.

وقال سيكيريللي، من مجموعة «شيدير»، إن أهم الفنادق تتوق إلى الوجود في البلاد منذ عصور، لكن المصالح المحلية ساعدت في منع وجود الفنادق الجديدة، التي تحتوي على أكثر من 30 غرفة، مما أبعد وأقصى سلاسل الفنادق الفخمة الضخمة. وذكر مكتب العمدة أن قانوناً صدر عام 2008 قد منع تحويل أي قصر يعود إلى العصور الوسطى أو عصر النهضة إلى فنادق تستضيف أكثر من 60 شخصاً، وهو ما يعني نحو 30 غرفة تقريباً، لكن منحت المدينة إعفاءات لجذب فنادق ذات مستوى أرقى يمكن للأثرياء إنفاق مبالغ أكبر من المال بها. وقد رسّخت العديد من الفنادق الجديدة أقدامها بالقرب من شارع فيا فينيتو في مبانٍ أحدث غير خاضعة لقيود القانون. ويقع «بولغري»، رغم كونه في المركز القديم، داخل مبنى حكومي محوّل يعود إلى الحقبة الفاشية.

حمام السباحة الداخلي بفندق بولغري في روما حيث تبلغ تكلفة الإقامة نحو 41 ألف دولار، لليلة الواحدة (ماسيمو بيروتي- نيويورك تايمز)

وقال بابين، الذي لاحظ أن سوق العقارات الضيقة المحدودة في روما قد بدأت أخيراً في الانفتاح، إن «العائلات الثرية الأرستقراطية الرومانية تمتلك الجزء الأكبر من المدينة». وتسفر الضرائب العقارية المنخفضة بشكل كبير، التي تعبّر عن قيم تسجيل الأراضي تعدّ منخفضة كثيراً بقيم ومعايير السوق، عن وجود «الكثير من القصور التي لن يتخلى عنها الناس أبداً حتى وإن كانت فارغة».

مع ذلك ساعدت الأوقات العصيبة، التي مرت على أصحاب الأراضي والملاك من النبلاء، في تحرير بعض تلك العقارات. ويعني تحول روما إلى مدينة «مهجورة قليلاً»، «خفض قيمة الأصول»، على حد قول العمدة غوالتيري، مما يجذب مستثمرين ينقضّون على المدينة لأنها رخيصة كثيراً مقارنة بغيرها من العواصم الأوروبية الثقافية. مع ذلك يشك بعض مصممي الفنادق الفاخرة في قدرة الفنادق الجديدة على تحويل مدينة قديمة، يتحدث سكانها كثيراً عن التغيير وكأنه حلم ساذج قيد التنفيذ والانتظار، ويتعاملون مع البدع والصرعات والتوجهات الجديدة باعتبارها جيوشاً غازية عليها الانتظار.

تمثال محاط بسياج أثناء عمليات ترميم في حديقة بالاتزو بورغيزي بروما (ماسيمو بيروتي - نيويورك تايمز)

وقال جيامبيرو بانيبينتو، المعماري الذي رفع نخب فندق «بالاتسو فيلون»: «تكمن المشكلة في أهل روما». وتباهى مارياني، في عشية الافتتاح الرسمي للفندق، باللمسات التي تم إضفاؤها على الجناح الذي يبلغ سعر الإقامة فيه لليلة واحدة 38 ألف يورو، وقال إنه «تم تصميمه ليمنح النزيل الشعور بأنه إمبراطور لليلة واحدة».

* خدمة «نيويورك تايمز»


مقالات ذات صلة

مصر تطمح إلى اجتذاب مزيد من السياح الفرنسيين عبر برامج رحلات مكثفة

يوميات الشرق زيادة الطلب على الرحلات النيلية (وزارة السياحة والآثار)

مصر تطمح إلى اجتذاب مزيد من السياح الفرنسيين عبر برامج رحلات مكثفة

يشهد الطلب الفرنسي على مصر انتعاشاً حقيقياً، مدفوعاً بفضول جارف لرؤية قاعات المتحف المصري الكبير الجديدة.

محمد الكفراوي (القاهرة )
يوميات الشرق جانب من معرض «رمسيس وذهب الفراعنة» في جولاته حول العالم (وزارة السياحة والآثار)

مصر تعوّل على المعارض الأثرية بالخارج في جذب السائحين

تمثل المعارض الأثرية المصرية التي تجوب عواصم العالم ومدنه إحدى أهم أدوات الترويج الحضاري والسياحي لمصر، لما تحققه من أرقام قياسية في أعداد الزائرين

محمد الكفراوي (القاهرة)
الاقتصاد وزراء السياحة في دول مجلس التعاون الخليجي خلال اجتماعهم في البحرين (مجلس التعاون)

السياحة الخليجية تتجاوز 75 مليون سائح في 2025

بلغ عدد السياح الوافدين إلى دول مجلس التعاون الخليجي أكثر من 75 مليون سائح خلال عام 2025، محققاً نمواً نسبته 4.8 في المائة.

«الشرق الأوسط» (المنامة)
يوميات الشرق تتعامل أدوات الطاروح مع الصقر المهاجر وفق أساليب وخبرات توارثها أهل المقناص (واس)

محبو المقناص يتأهبون لموسم الصيد شمال السعودية بتجهيز أدوات الطاروح

تستعد صحراء منطقة الحدود الشمالية السعودية لاستقبال موسم جديد لصيد الصقور في شهر أكتوبر (تشرين الأول) المقبل، وسط حضور متزايد للهواة، ومحبي المقناص.

«الشرق الأوسط» (عرعر)
يوميات الشرق منتجع «قمرة» الجبلي في الباحة طُوِّر على مساحة تتجاوز 21 ألف متر مربع (أسفار)

منتجع قمرة الجبلي... تجربة ضيافة تعزز جاذبية الباحة للزوار

افتتحت الشركة السعودية للاستثمار السياحي (أسفار)، التابعة لـ«صندوق الاستثمارات العامة»، منتجع قمرة الجبلي في الباحة (جنوب غربي السعودية).

«الشرق الأوسط» (الباحة)

خمسة أجيال من عائلة واحدة... وعيد ميلاد واحد

خمسة أجيال من عائلة واحدة (إنستغرام)
خمسة أجيال من عائلة واحدة (إنستغرام)
TT

خمسة أجيال من عائلة واحدة... وعيد ميلاد واحد

خمسة أجيال من عائلة واحدة (إنستغرام)
خمسة أجيال من عائلة واحدة (إنستغرام)

في عائلة هارلو لا يقتصر الاحتفال بعيد الميلاد على مناسبة شخصية لكل فرد، بل يجتمع خمسة أجيال في اليوم نفسه من كل عام. فقد وُلد أفراد خمسة أجيال متتالية من العائلة في 14 سبتمبر (أيلول)، في مصادفة نادرة تحولت إلى رقم قياسي عالمي موثّق في موسوعة «غينيس».

وتضم السلسلة ويلبر، ثم ابنته آدي، وحفيدها فريد هارلو، وابنته إيما بيل، وصولاً إلى حفيده آرثر، الذي جاء إلى الدنيا في التاريخ نفسه، ليكمل سلسلة من خمسة أجيال تشترك في يوم الميلاد ذاته، وفقاً لشبكة «سي تي في» الكندية.

ويقول فريد إن العائلة لطالما عدّت هذا التزامن أمراً مميزاً، لكنها لم تتخيل أنه قد يتحول يوماً إلى رقم قياسي عالمي. ويضيف: «عندما تُرزق بأطفال، فإنهم هدية، وهذه هدية فريدة جداً. كنا دائماً نرى الأمر شيئاً رائعاً، لكنني لم أفكر يوماً في أنه قد يجعلنا أصحاب رقم قياسي. كنت أعتقد ببساطة أن كل شيء يحدث لسبب».

ولم تبدأ العائلة التفكير جدياً في توثيق الرقم إلا في الآونة الأخيرة. وتقول إيما إن أفراد الأسرة كانوا يمزحون دائماً بشأن الأمر، خصوصاً بعد أن أصبح لديهم أربعة أجيال يتشاركون اليوم نفسه.

وتوضح: «كنا نقول دائماً: لدينا أربعة أجيال، ولا بد أن يكون ذلك رقماً قياسياً عالمياً».

واكتشفت إيما لاحقاً أن أربع عائلات أخرى كانت تتقاسم رقماً قياسياً مماثلاً، مع أربعة أجيال مولودة في اليوم نفسه. لكن الفكرة لم تتحول إلى إجراءات رسمية إلا بعد وفاة جدتها آدي، حين اكتشفت إيما أنها حامل بطفلها الثاني، وأن موعد ولادته المتوقع يصادف 14 سبتمبر.

وتقول إيما إن جدتها كانت تكرر عليها منذ طفولتها أمنية طريفة: «يجب أن يكون لديك ولد في 14 سبتمبر»، مضيفة أنها كانت تسمع هذه العبارة منها كل عام.

وكانت إيما قد أنجبت طفلها الأول قبل موعده، لذلك، عندما حملت بطفلها الثاني، كانت تأمل أن يصل هذه المرة في الموعد المنتظر. وبالفعل، وُلد آرثر في 14 سبتمبر، ليصبح بذلك الحلقة الخامسة في السلسلة العائلية، ويمنح أسرته رقماً قياسياً جديداً.

ويقول فريد، في تعليق على وصول أصغر أفراد العائلة: «وها هو ذا، لقد أصبح صاحب رقم قياسي».

ورغم أن آدي تُوفيت قبل ولادة آرثر، فإن أفراد العائلة يتخيلون مدى سعادتها بهذا الإنجاز. وتقول إيما: «أعتقد أنها كانت ستشعر بالفخر والإعجاب، لأننا نجحنا بالفعل في تحقيق ذلك، وأن المولود كان ولداً في يوم 14».

ولا تتوقف المصادفة عند التاريخ، إذ يلفت أفراد العائلة إلى نمط آخر رافق الأجيال الخمسة؛ فالتسلسل جاء بالتناوب بين الذكور والإناث: ولد، ثم بنت، ثم ولد، ثم بنت، ثم ولد.

وتقول إيما: «بدأ الأمر مع ويلبر، ولذلك يأتي التسلسل: ولد ثم بنت ثم ولد ثم بنت ثم ولد».

ومع ذلك، لا تنوي العائلة تحويل هذا الرقم القياسي إلى تقليد يتعين على الأجيال المقبلة الحفاظ عليه. وفي الوقت الحالي، يكفي أفراد هارلو أن يجتمعوا كل عام للاحتفال بأعياد ميلادهم معاً، بعدما منحتهم مصادفة عائلية نادرة مناسبة إضافية للاحتفال.

ويختصر فريد الحكاية قائلاً: «إنه أمر مذهل حقاً».

أما إيما فتكتفي بوصف التجربة بكلمتين: «لقد كان الأمر ممتعاً».


نيويورك في قبو المنزل

يظهر حي مانهاتن السفلي بما يضمه من مبنى «وان وورلد تريد» وبرجي مركز التجارة العالمي (البرجين التوأمين) - في نموذج كبير لمدينة نيويورك صنعه جو ماكين وذلك في متحف مدينة نيويورك (أ.ب)
يظهر حي مانهاتن السفلي بما يضمه من مبنى «وان وورلد تريد» وبرجي مركز التجارة العالمي (البرجين التوأمين) - في نموذج كبير لمدينة نيويورك صنعه جو ماكين وذلك في متحف مدينة نيويورك (أ.ب)
TT

نيويورك في قبو المنزل

يظهر حي مانهاتن السفلي بما يضمه من مبنى «وان وورلد تريد» وبرجي مركز التجارة العالمي (البرجين التوأمين) - في نموذج كبير لمدينة نيويورك صنعه جو ماكين وذلك في متحف مدينة نيويورك (أ.ب)
يظهر حي مانهاتن السفلي بما يضمه من مبنى «وان وورلد تريد» وبرجي مركز التجارة العالمي (البرجين التوأمين) - في نموذج كبير لمدينة نيويورك صنعه جو ماكين وذلك في متحف مدينة نيويورك (أ.ب)

لم يكن جو ماكين يخطط لبناء مدينة، ولم يكن يتوقع أن تتحول هوايته التي بدأها في قبو منزله إلى عمل فني يستقطب زوار المتحف. كل ما أراده، على ما يبدو، كان أن يستعيد شيئاً من نيويورك التي تركها خلفه.

على مدى أكثر من 20 عاماً، أمضى سائق الشاحنة المولود في كوينز أوقات فراغه في بناء نيويورك مصغّرة من أخشاب البلسا وألواح الفوم. مبنى تلو آخر، وشارعاً بعد آخر، كبرت المدينة على طاولة العمل، حتى أصبحت تضم أكثر من 800 ألف مبنى ومنشأة، وتمتد على أكثر من 300 لوح كبير.

مجسم كبير لمدينة نيويورك صنعه جو ماكين في متحف مدينة نيويورك (أ.ب)

وحين انتهى ماكين من مشروعه، أقنعته ابنته بتصويره ونشره على تطبيق «تيك توك». لم يتوقع الأب أن تحظى المقاطع بهذا الاهتمام، لكن أكثر من 10 ملايين شخص شاهدوها خلال أسبوع واحد، قبل أن يصل صدى المدينة الصغيرة إلى متحف مدينة نيويورك. وفقاً لوكالة «أسوشييتد برس» للأنباء.

وهكذا خرجت نيويورك من قبو منزل ماكين إلى قاعة متحف، ضمن معرض «He Built This City»، الذي يستمر حتى 12 أكتوبر (تشرين الأول).

يبلغ طول المجسّم نحو 15 متراً وعرضه نحو 9 أمتار، ويضم تفاصيل من الأحياء الخمسة للمدينة، إضافة إلى أجزاء من نيوجيرسي ولونغ آيلاند. ويمكن للزائر أن يجد فيه كل شيء تقريباً؛ من ناطحات السحاب في مانهاتن إلى المنازل المتواضعة في كوينز، ومن جسر بروكلين إلى تمثال الحرية واستاد يانكي.

زائر لمتحف مدينة نيويورك يتأمل مجسماً لمدينة نيويورك صنعه جو ماكين في نيويورك (أ.ب)

لكن ماكين لم يبنِ مدينة مثالية، بل بنى المدينة كما يتذكرها.

تعود الفكرة إلى طفولته، عندما شاهد خلال رحلة مدرسية «بانوراما مدينة نيويورك» في متحف كوينز، وهو مجسّم ضخم للمدينة أثار إعجابه. وبعد سنوات، وعندما انتقل مع زوجته وأطفاله من لونغ آيلاند إلى ألباني، بدأ هو ببناء نسخته الخاصة.

ويقول ماكين إنه ربما كان «يفتقد نيويورك، من دون أن يدرك ذلك تماماً».

بدأ من مركز روكفلر وبرج «30 روك»، ثم احتاج إلى نحو عشر سنوات لبناء وسط مانهاتن. وكان مبنى إمباير ستيت من أصعب الأجزاء، خصوصاً أنه لم يكن يملك أي خبرة في صناعة المجسّمات أو الهندسة. لكنه تعلّم مع الوقت، وأصبح بناء أحد المباني بالنسبة إليه أسرع بكثير مما كان عليه في البداية.

يظهر تمثال الحرية على مجسم كبير لمدينة نيويورك — صنعه جو ماكين — في متحف مدينة نيويورك (أ.ب)

حتى إن المشروع بدأ يزاحم بقية تفاصيل حياته. كان يحمل مواد البناء معه في رحلات العائلة، ويستغل فترات التوقف أثناء العمل لمواصلة البناء. وفي بعض الليالي، كان يجلس أمام المجسّم وهو يشعر بالتعب، ثم يبقى هناك ساعات إضافية، وأحياناً يغفو فوق طاولة العمل.

ولأنها نيويورك الخاصة به، لم يهتم ماكين دائماً بأن تكون مطابقة للمدينة الحالية. أبقى على مطعمه المفضل من طفولته رغم تغير المكان، واحتفظ بجسر كوشيوشكو القديم، كما أبقى برجي مركز التجارة العالمي قائمين إلى جانب المباني التي ظهرت بعد هجمات 11 سبتمبر (أيلول).

ويقول: «احتفظت بالكثير من الأجزاء التي تمثل نيويورك بالنسبة إليّ... من أجلي أنا فقط».

وربما لهذا السبب يبحث زوار المعرض عن شيء أكثر من مجرد مبانٍ صغيرة. فكل واحد منهم يحاول العثور على نيويوركه الخاصة؛ منزل قديم، شارع يعرفه، مدرسة، جسر أو مكان ارتبط بذكرى.

أما ماكين فلا يبدو مستعداً للتوقف. بعد انتهاء المعرض، يأمل في أن تنتقل مدينته إلى أماكن أخرى، بينما يخطط هو لإضافة أكثر من 50 مبنى جديداً.

فالمدينة التي بناها بيديه لم تنتهِ بعد، وربما لا يريد لها أن تنتهي.


ملفات عالقة في الثقافة المصرية تنتظر تعيين وزير جديد

القائم بأعمال وزير الثقافة خلال اجتماع  باللجنة العليا لمعرض القاهرة الدولي للكتاب (وزارة الثقافة)
القائم بأعمال وزير الثقافة خلال اجتماع باللجنة العليا لمعرض القاهرة الدولي للكتاب (وزارة الثقافة)
TT

ملفات عالقة في الثقافة المصرية تنتظر تعيين وزير جديد

القائم بأعمال وزير الثقافة خلال اجتماع  باللجنة العليا لمعرض القاهرة الدولي للكتاب (وزارة الثقافة)
القائم بأعمال وزير الثقافة خلال اجتماع باللجنة العليا لمعرض القاهرة الدولي للكتاب (وزارة الثقافة)

انتقد كتّاب ونقاد مصريون تأخر تعيين وزير جديد للثقافة بعد مرور نحو شهرين ونصف منذ استقالة وزيرة الثقافة الدكتورة جيهان زكي من منصبها في 7 يوليو (تموز) الماضي، إثر إدانتها بحكم قضائي لتعديها على حقوق الملكية الفكرية، كما انتقدوا الاكتفاء باختيار وزير التعليم العالي والبحث العلمي الدكتور عبد العزيز قنصوة ليقوم بتسيير العمل بشكل مؤقت، في ظل وجود ملفات عالقة بالثقافة تتطلب قرارات وزير متخصص.

وكتب الصحافي سليمان جودة عبر مقال له بجريدة «المصري اليوم» بعنوان «الوزير الغائب»: «تبدو الدولة وكأنها نسيت أن الحكومة ينقصها وزير ثقافة، وتبدو الحكومة وكأنها ارتاحت إلى أنها ينقصها وزير»، قائلا إنه «يخشى أن تفكر الحكومة في استمرار قيام وزير فيها بمهام أعمال وزير الثقافة دون سقف زمني محدد»، متسائلاً: «هل تخلو المحروسة من شخص يصلح وزيراً للثقافة؟».

وتساءلت الكاتبة فاطمة المعدول عن «سبب عدم تعيين وزير ثقافة حتى الآن... هل لعدم وجود من يصلح؟». وأضافت في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» أن «كل الملفات المهمة عالقة، وقرار تعيين وزير جديد تأخر أكثر من اللازم، وكأنه لا يوجد بمصر كفاءات لتولي هذا المنصب».

وقالت المعدول، التي عملت في قطاعات كثيرة بالوزارة على مدى سنوات، إن «لدى الحكومة 4 شخصيات على خبرة وكفاءة كبيرة بالعمل الثقافي ومن داخل الوزارة تصلح تماماً لتولي هذا المنصب، وأولهم الدكتور هشام عزمي رئيس الجهاز القومي للملكية الفكرية وهو بدرجة وزير دولة، وتولى عدداً من المناصب بالوزارة»، وترى المعدول أنه «كان من الأولى ضم جهاز الملكية الفكرية إلى الثقافة لأنها تتبعها أساساً لتكون وزارة واحدة». وتضيف: «كما أن هناك الدكتور أشرف زكي نقيب الممثلين الذي ترأس أكاديمية الفنون قبل ذلك، والدكتور أحمد مجاهد الذي ترأس معرض الكتاب وهيئة الكتاب قبل سنوات، والدكتور سعيد المصري وهو عالم اجتماع وتولى من قبل أمانة المجلس الأعلى للثقافة».

وأشارت فاطمة إلى أن «وزير التعليم العالي والبحث العلمي ليس له علاقة بالثقافة وأزماتها، وهو لا يقوم بتسيير أمور الوزارة، بل يمارس دور وزير الثقافة، حيث قام بتغيير لجان مهمة مثل اللجنة الاستشارية العليا لمعرض الكتاب، ولجنة جائزة المبدع الصغير»، على حد قولها.

فيما أكدت الناقدة الدكتورة سامية حبيب تفهمها لتأخر الدولة في اختيار وزير للثقافة، على أساس أن الوسط الثقافي يحتاج إلى وسيط محدد لعرض مطالبهم وأفكارهم، لكنها تبدي وجهة نظر مختلفة قائلة: «أتفهم أن الدولة ترى أن منصب وزير ثقافة مصر منصب خطير ومهم، وفي حاجة إلى دقة في الاختيار».

وترى أن الدكتور عبد العزيز قنصوة القائم بأعمال وزير الثقافة يؤدي مهامه في الحدود المطلوبة بنجاح وهو أستاذ جامعي قدير ولم يقصر في أعمال الثقافة، وتضيف: «أرى أن اختيار وزير الثقافة ليس اختياراً لشخص بل لتوجه وفكر وخطط وطبيعة عمل لا بد أن يعمل بها الوزير الجديد؛ لأن ثقافة مصر متعددة ومتنوعة ومتفردة، وتواجه أزمات كثيرة مؤجلة، مثل أزمة السينما المصرية التي غاب عنها الموضوعات الجيدة وغابت عن المنافسة القوية بالمهرجانات العالمية، وأن على الوزير المقبل تطوير البعد الثقافي المصري على الساحة العالمية، وهي مهمة ليست سهلة».

وعَد الناقد الفني المصري طارق الشناوي «استمرار مقعد وزير الثقافة شاغراً حتى الآن أنه يعكس أن اهتمام الدولة بالثقافة يأتي في ذيل القائمة»، مؤكداً في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» أنه «لو كان ذلك المقعد يخص وزارات مثل الصناعة أو التموين أو الاقتصاد لم يكن سينتظر القرار لأكثر من شهرين»، وأضاف أنه «على الرغم من تولي وزير التعليم العالي والبحث العلمي تسيير الأمور، لكن الأمر يحتاج إلى نظرة أكثر عمقاً للثقافة وأكثر تخصصاً، وتلك النظرة لا يمتلكها القائم بالأعمال، كما أن سلطاته ليست مطلقة؛ لذا يجب المسارعة بالقرار دون انتظار؛ لأن خلو مقعد وزير الثقافة أدى إلى عرقلة كثير من الملفات المهمة».

ولفت الشناوي إلى «وجود ملفات سينمائية عالقة، مثل إعادة الدعم للأفلام الذي توقف منذ 10 سنوات، ومصير مهرجاني الإسماعيلية للأفلام التسجيلية والقومي للسينما، وهذه الأمور لا يقوم بها سوى وزير ثقافة لديه رؤية للعمل وخيال وخطط بعيدة المدى»، على حد تعبيره. مشيراً إلى أن «اجتماعات لجان وزارة الثقافة متوقفة منذ شهرين، وهو شيء أقرب للركود في وزارة لها حيويتها وأهميتها مثل الثقافة».

وتضم وزارة الثقافة كثيراً من الهيئات المتعلقة بالنشر والفنون والسينما والمسرح، التي تلعب دوراً حيوياً في تقديم الثقافة للجمهور، من بينها أكاديمية الفنون، والمجلس الأعلى للثقافة، والهيئة العامة للكتاب، والهيئة العامة لقصور الثقافة، والبيت الفني للمسرح، وقطاع الإنتاج الثقافي، والمركز الثقافي المصري (دار الأوبرا المصرية)، وقطاع الفنون التشكيلية، وقطاع العلاقات الخارجية، وصندوق التنمية الثقافية.