فرناندو بوتيرو... رحل تاركاً أشكالاً ضخمة غريبة تعبر عن جرح الإنسانية

فنان الاستدارة الكولومبي جسّدت أعماله ذوي النفوذ والأقوياء

النحات الكولومبي فرناندو بوتيرو أمام أحد أعماله في الشانزليزيه بباريس (أ.ف.ب)
النحات الكولومبي فرناندو بوتيرو أمام أحد أعماله في الشانزليزيه بباريس (أ.ف.ب)
TT

فرناندو بوتيرو... رحل تاركاً أشكالاً ضخمة غريبة تعبر عن جرح الإنسانية

النحات الكولومبي فرناندو بوتيرو أمام أحد أعماله في الشانزليزيه بباريس (أ.ف.ب)
النحات الكولومبي فرناندو بوتيرو أمام أحد أعماله في الشانزليزيه بباريس (أ.ف.ب)

بفضل لوحاته ومنحوتاته المثيرة بات الفنان الكولومبي فرناندو بوتيرو أحد أشهر الفنانين في العالم، وانفرد بأسلوب فني خاص صوّره في خياله بأشكال ضخمة غريبة الأطوار، مجسداً الجنرالات، والأساقفة، والبغايا، وربات البيوت، وغيرها من الشخصيات.

زوار ينظرون إلى لوحة «عائلة» للفنان بوتيرو في متحف بوتيرو في بوغوتا (أ.ف.ب)

منذ أيام رحل هذا الفنان الذي طالما أثارت أعماله الجدل عن الحياة، عن عمر ناهز 91 عاماً، في أحد مستشفيات موناكو بعد تعرضه لمضاعفات الالتهاب الرئوي، وكان الرئيس الكولومبي غوستافو بترو قد أعلن خبر وفاته في وقت سابق عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

في شبابه، طوّر بوتيرو نهجاً خاصاً به يمكن من خلاله التعرف عليه على الفور، وحقق نجاحاً تجارياً كبيراً وسريعاً. ونُقل عنه ذات مرة قوله: «صحيح أنني أعمل في مهنة عادةً ما يقوم بها الناس إذا كانوا يرغبون في الموت جوعاً، ولكني وجدت نفسي مجبراً بشدة على امتهانها لدرجة أنني لم أفكر مطلقاً في العواقب».

شخصيات ضخمة مستديرة

ولطالما كان بوتيرو معروفاً بتجسيده للشخصيات في صور ضخمة مستديرة الشكل، وهو الأمر الذي صوَّر من خلاله حياة الطبقة الوسطى وبيوت الدعارة ورجال الدين والفلاحين وصور سلال الفاكهة المنتفخة والآثار المروعة للعنف.

بوتيرو مع لوحاته في عام 2003 (غيتي)

وُلِد فرناندو بوتيرو أنغولو في 19 أبريل (نيسان) 1932 في مدينة ميديلين الكولومبية. توفي والده عندما كان طفلاً، فسجّله عمه في مدرسة ثانوية يسوعية، وشجع اهتماماته الفنية، ودعمه طيلة عامين أثناء دراسته، ليصبح مصارعاً للثيران، وهذا هو السبب في ظهور مشاهد مصارعة الثيران في بعض أعماله المبكرة، وقد اهتم بالأمر طيلة حياته. وبعد نشره مقالاً عنوانه «بابلو بيكاسو وعدم المطابقة في الفن»، طُرد بوتيرو من مدرسته اليسوعية لأنه عبّر عن أفكار وُصفت حينها بأنها «غير دينية».

في بداياته، تأثر بوتيرو بالفن التكعيبي، والجداريات المكسيكية، وأعمال ألبيرتو فارغاس، الذي كان يشاهد رسوماته بعنوان «فتاة فارغاس» منشورة في مجلة «إسكواير» الرجالية الأميركية.

أول معارضه

وعندما كان مراهقاً، بدأ ينشر رسوماته في إحدى الصحف المحلية، ليعمل بعدها في تصميم الديكور. وفي عام 1951 انتقل إلى العاصمة بوغوتا، وبعد معرضه الفردي الأول هناك، انتقل إلى باريس حيث أمضى سنوات عدّة، وكذلك في فلورنسا بإيطاليا.

«الموناليزا في الثانية عشرة من عمرها» عُرضت في متحف الفن الحديث عام 1961 (نيويورك تايمز)

وفي عام 1961، اشترت دوروثي ميلر، أمينة متاحف نيويورك، لوحة من أعمال بوتيرو بعنوان «الموناليزا في الثانية عشرة من عمرها» لصالح «متحف الفن الحديث»، وكان هذا الاختيار مفاجئاً في ذلك الوقت إذ كانت المدرسة التعبيرية التجريدية سائدة، لذا بدت لوحة بوتيرو التي صورت طفلة ممتلئة الخدود غير مألوفة في المكان، وعُرضت أثناء عرض لوحة الموناليزا الأصلية في «متحف متروبوليتان للفنون».

شهرة وانتقادات

وقد ساعد اهتمام «متحف الفن الحديث» بأعمال بوتيرو، في وضعه على طريق الشهرة، وفي عام 1979، بات في بؤرة الاهتمام في أحد المعارض الاستعادية بمتحف «هيرشورن» و«حديقة النحت في واشنطن»، إذ تأرجحت العديد من رسوماته للشخصيات البدينة بين الكاريكاتير والتعبير عن الشفقة.

ونُقِل عن بوتيرو قوله ذات مرة: «قد يجسد الفن المرأة بشكل مثالي، لكنها تكون مبتذلة في الواقع، مثلما نرى في الصور الفوتوغرافية بمجلة بلاي بوي»، مضيفاً: أن «أجمل النساء في الفن، مثل الموناليزا نفسها، كنّ قبيحات في الواقع، وهناك من يرى قُبحاً في أعمالي، لكنها تعكس الواقع كما هو».

لوحة «إكس فوتو» لبوتيرو معروضة في متحف أنتيوكيا في ميديلين بكولومبيا (إ.ب.أ)

وحمل مقال نقدي نُشر على هامش معرض «هيرشورن» عنوان «بوتيرو، مائة ألف دولار مقابل لوحة رسمها في واشنطن»، وهو ما عَكَس وجهات نظر بعض النقاد بأن أعمال الفنان الكولومبي كانت مبتذلة وبعيدة عن تيارات الفن المعاصر النابضة بالحياة، ليرد حينها غاضباً: «لطالما كان النقاد يكتبون عني بغضب طيلة حياتي».

وفي مقال آخر نُشر في صحيفة «لندن إيفيننغ ستاندارد» في عام 2009، تعجب الكاتب الفني غودفري باركر، قائلاً «يا للهول! هل يكرهونه؟»، موضحاً: «لا يطيقه كبار كهنة الفن المعاصر في لندن ونيويورك لأنهم لا يستطيعون تحمل ما يقدمه بسبب تحديه لكل ما يؤمنون به، كما أنهم يكرهونه بشكل أكبر لأنه ثري، وحقق نجاحاً تجارياً هائلاً، ومن السهل للعين فهم ما يرسمه، ولأنه يحظى بشعبية كبيرة بين الناس العاديين».

حياته الشخصية

انفصل بوتيرو في عام 1960 عن زوجته الأولى غلوريا زيا، التي أصبحت فيما بعد وزيرة للثقافة في كولومبيا، وذلك بعد أن أنجبا ثلاثة أطفال هم فرناندو ولينا وخوان كارلوس، وقضى غالبية فترات العقد ونصف العقد التاليين في نيويورك، وتوفيت السيدة زيا في عام 2019، وتزوج مرتين بعدها أولهما من سيسيليا زامبرانو، ومن ثَمّ في عام 1978 من الرسامة والنحاتة اليونانية صوفيا فاري، التي توفيت في مايو (أيار) الماضي.

لوحة «كابيتان» للفنان والنحات بوتيرو في متحف بوتيرو في بوغوتا بكولومبيا (إ.ب.أ)

وظل بوتيرو حتى وفاته يعيش مع أبنائه الثلاثة من زواجه الأول، وكذلك شقيقه رودريغو، وأحفاده، وقد مَر الفنان الكولومبي خلال حياته العائلية بمحنتين: الأولى كانت عام 1970 عندما لقي ابنه من زواجه الثاني، بيدرو، البالغ من العمر خمس سنوات، مصرعه في حادث سيارة أصيب فيه هو أيضاً، والثانية عندما حُكم على ابنه فرناندو بوتيرو زيا، الذي أصبح سياسياً في كولومبيا وترقى إلى منصب وزير الدفاع، بالسجن لمدة 30 شهراً بعد إدانته في فضيحة فساد.

فرناندو بوتيرو بجوار أحد منحوتاته في كنيسة سانتو أوغستينو في بيتراسانتا توسكانا (أ.ف.ب)

اتجاهه إلى النحت

وخلال السبعينات من القرن العشرين، أدى اهتمام بوتيرو بالشكل والمظهر الخارجيين إلى اتجاهه لفن النحت؛ فكانت منحوتاته، التي تصور العديد منها أشخاصاً بدينين كبيري الحجم وغريبي الأطوار، سبباً لدفعه إلى مستوى جديد من الإقبال الجماهيري على أعماله، إذ طالبت المدن الكبرى بوضع منحوتاته على طول الطرقات الرئيسية، بما في ذلك مدينة نيويورك، وفي وسط طريق «بارك أفينيو» في عام 1993. كما تُعرض العديد من أعماله بشكل دائم في مساحات غير تقليدية مثل ردهة مركز دويتشه المالي (مركز تايم وارنر سابقاً) في نيويورك وصالة في منتجع «غراند وايليا» في هاواي تُسمّى بـ«ذا بوتيرو بار».

تمثال «حواء» في بهو ما كان يعرف آنذاك بمركز تايم وارنر في مانهاتن (أ.ب)

وكان بوتيرو جامعاً متحمساً للأعمال الفنية، وقد تبرع في عام 2000 بجزء من مجموعته لمتحف في مسقط رأسه ميديلين، كما تُقدم بعض أعماله تفسيرات لروائع فنانين مثل كارافاغيو وتيتيان وفان غوخ.

وعادةً ما كان يرسم بوتيرو رجال ذوي السلطة بلمسة من السخرية أو النقد في أقل الأحوال، وعلى الرغم من أنها لم تكن تخلو من البهرجة وتبدو بأحجام مُبالغ فيها، فقد حرص الفنان الكولومبي على أن يغرس فيها قدراً من الكرامة.

وكان يسوع موضوع بوتيرو في العديد من أعماله المثيرة للعواطف، كما رسم أيضاً صوراً لديلاكروا، وإنغريه، وغياكوميتي، ورسم لوحات عن السلطة مثل تلك التي حملت عنوان «الكاردينال» و«السفير الإنجليزي» و«السيدة الأولى»، وكذلك رسم لوحتين حملتا عنوان «الرئيس»، واللتين رسمهما في عامي 1987 و1989 وعكستا قدراً من التعاطف مع شخوصهما.

بوتيرو داخل «قطار الثقافة» خلال مؤتمر صحافي لمعرض «فرناندو بوتيرو: السيرك» في ميديلين (رويترز)

ومع ذلك، كان العديد من الأشخاص الذين ظهروا في لوحاته بالغي البدانة يكاد اللحم ينفجر من ثيابهم الرسمية وفساتينهن كما لم تكن المناشف قادرة على تغطية المساحات المُبالغ فيها من أجسادهم، ولكنه كثيراً ما أصر على أنه لم يكن يقصد أبداً الأشخاص البدينين في حذ ذاتهم، لكنه أراد ببساطة تمجيد شهوانية الحياة، حين قال بيترو ذات مرة: «لقد درست أعمال الفنان جيوتو وجميع الأساتذة الإيطاليين الآخرين، وانبهرت بإحساسهم بالحجم، وبالنظر إلى أن كل شيء يبدو مُبالغاً فيه في الفن الحديث، فإن شخصياتي الضخمة أصبح مبالغاً فيها أيضاً».

سجن أبو غريب

وكان لبوتيرو وزوجته فاري منزلان أحدهما في باريس والآخر في بيتراسانتا بإيطاليا، نظم فيه معرضاً بمناسبة عيد ميلاده الثمانين في عام 2012.

وقد فُوجئ بعض ممن كانوا ينظرون إلى فن بوتيرو باعتباره مرحاً وخفيف الظل عندما أنتج في عام 2005 سلسلة من اللوحات تعتمد على صور للسجناء الذين تعرضوا لسوء المعاملة في سجن «أبو غريب» الأميركي في العراق.

من سلسلة لوحاته عن عذابات سجناء سجن أبو غريب (غيتي)

وعن هذه اللوحات قال بوتيرو: «الأعمال هذه، هي نتاج السخط الذي أحدثته داخلي هذه الانتهاكات التي حدثت في العراق وفي بقية العالم».

وكتبت الناقدة الفنية في صحيفة «نيويورك تايمز» الأميركية روبرتا سميث في ذلك الوقت، أن لوحات أبو غريب «تعيد كرامة السجناء وإنسانيتهم من دون التقليل من معاناتهم أو ظلمهم»، كما وصفت الروائية والناقدة إيريكا جونغ الرسومات بأنها «مذهلة»، وأنها أثارت الجدل وكانت سبباً «لإجراء مراجعة كاملة لكل ما فكرنا به سابقاً في أعمال بوتيرو».

وكتبت جونغ: «عندما نفكر في الفنان الكولومبي فرناندو بوتيرو، فإن غالبيتنا يتذكر الأشخاص ممتلئي الجسم الذين يظهرون في أعماله والذين يتباهون ببدانتهم وأغطية رأسهم العصرية، وسجائرهم، وبهرجتهم، فلم أفكر أبداً بهذه الصور بمنظور سياسي حتى رأيت سلسلة لوحاته عن سجن أبو غريب»، وأضافت: «الآن، أرى كل أعمال بوتيرو كسجل لوحشية مَن يملكون ضد من لا يملكون».

وكان بوتيرو قد تعامل مع الموضوعات السياسية من قبل، لا سيما تجارة المخدرات الكولومبية، لكنه عاد إلى أعمال أكثر هدوءاً بعد ذلك، وبعد سلسلة أبو غريب، أنتج بوتيرو سلسلة من صور السيرك وأعاد اكتشاف عشقه الطويل للوحات الحياة الساكنة؛ وفي عام 2010 قال: «بعد كل هذا الوقت، أعود دائماً إلى أبسط الأشياء».


مقالات ذات صلة

قرية في ألاسكا تُعيد إحياء سياحة الدببة القطبية... بشروط صارمة

يوميات الشرق في أرض قاسية... كائنٌ يعرف كيف يبقى (أ.ف.ب)

قرية في ألاسكا تُعيد إحياء سياحة الدببة القطبية... بشروط صارمة

تطمح قرية نائية للسكان الأصليين في ألاسكا إلى استعادة مكانتها وجهةً أولى لمُشاهدة الدببة القطبية، بعد تراجع هذا النشاط خلال السنوات الماضية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق في الصمت الأزلي... كان هناك مَن يصطاد كلّ شيء (جامعة هوكايدو)

أخطبوط عملاق بطول 19 متراً حكم محيطات ما قبل التاريخ

أفاد بحث جديد بأنّ الأخطبوطات العملاقة ربما كانت المهيمنة على المحيطات القديمة قبل 100 مليون عام، إبان العصر الذي كانت تجوب فيه الديناصورات الأرض...

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق بركان يُخبّئ ناره بصبر (أ.ب)

الهدوء المُخادِع... بركان يوناني يُخزّن الصهارة منذ 100 ألف عام

اكتشف علماء أن بركان «ميثانا» في اليونان، الذي لطالما ساد الاعتقاد بأنه خامد منذ مئات الآلاف من السنوات، تتراكم أسفله كميات هائلة من الصهارة...

«الشرق الأوسط» (أثينا)
يوميات الشرق رسالة عابرة للمحيط فتحت للإنسان صوتاً يصل بعيداً (متحف ماركوني)

رسالة عبر الأطلسي غيَّرت العالم... بثّ 1926 أطلق عصر الاتصالات

قبل قرن، غيَّرت رسالةٌ أُرسلت عبر المحيط الأطلسي إلى مقاطعة سومرست، طريقة التواصل في العالم...

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق أحلامها بعيدة عن الإعلام والفن (أديل جمال الدين)

أديل جمال الدين: لا ألهث وراء الشهرة... وأحلامي أبعد من الإعلام

اشتهرت أديل بلكنتها الشمالية التي أضفت نكهة خاصة على أدائها الكوميدي، مؤكدة أنها جزء من شخصيتها وتفخر بانتمائها إلى منطقة الكورة.

فيفيان حداد (بيروت)

لوجاندر تبحث عن توجه جديد لـ«العالم العربي» في باريس

Anne-Claire Legendre
Anne-Claire Legendre
TT

لوجاندر تبحث عن توجه جديد لـ«العالم العربي» في باريس

Anne-Claire Legendre
Anne-Claire Legendre

بحلول عام 2027، يكون قد مرَّ 40 عاماً على تأسيس «معهد العالم العربي» في باريس، ولأنّ المعهد شهد تغييراً في رئاسته عقب استقالة رئيسه السابق جاك لانغ وتسمية آن كلير لوجاندر، السفيرة السابقة ومستشارة الرئيس إيمانويل ماكرون الدبلوماسية لشؤون الشرق الأوسط والعالم العربي، مكانه، لتصبح أول امرأة تتولى هذا المنصب.

تقول لوجاندر، التي تجيد العربية، لـ«الشرق الأوسط»: «نأمل بمناسبة الاحتفال بالذكرى الـ40 لتأسيسه، أن نتمكن من تحديد توجُّه جديد للـ40 عاماً المقبلة». وتستطرد: «ثمة تطوّر مهم يتمثّل في بروز المشهد الثقافي في المنطقة الخليجية، الذي نما بقوة وبشكل لافت خلال الـ20 عاماً الأخيرة (...) ونحن نرغب بشدّة في تعزيز روابطنا مع الفاعلين الفنّيين والثقافيين هناك».

الهدف الآخر الذي تريد الرئيسة الجديدة التركيز عليه، يتناول اللغة العربية وكيفية الدفع باتجاه تعليمها والترويج لها، في فرنسا وفي أوروبا أيضاً. وبنظرها، فإن «المعهد» قادر على المساعدة والإسهام في هذه المهمّة.


المخرج الفلسطيني أحمد الدنف: نوثّق حياة غزة بعيداً عن صورة الحرب

أحمد الدنف خلال التصوير (فيسبوك)
أحمد الدنف خلال التصوير (فيسبوك)
TT

المخرج الفلسطيني أحمد الدنف: نوثّق حياة غزة بعيداً عن صورة الحرب

أحمد الدنف خلال التصوير (فيسبوك)
أحمد الدنف خلال التصوير (فيسبوك)

قال المصوّر والمخرج الفلسطيني أحمد الدنف إنّ فكرة فيلم «ضايل عنا عرض» بدأت مع مخرجته مي سعد، التي كانت تسعى في البداية إلى توثيق ما يحدث داخل غزة عبر تسجيلات صوتية تعكس تفاصيل الحياة اليومية، قبل أن تتطوّر الفكرة لاحقاً إلى مشروع بصري، لافتاً إلى أنّ التعارف بينهما حصل عن طريق المصوّر محمد سالم، وكان نقطة تحوّل مع اقتراح تحويل المشروع إلى تصوير فيديو، ومن خلاله جرى التواصل مع عدد من المصوّرين داخل القطاع.

وأضاف الدنف، الذي لا يزال موجوداً داخل غزة، لـ«الشرق الأوسط»، أنه تلقّى الفكرة بشكل مباشر من مي سعد، التي كانت تتابع عمل فريق السيرك في القطاع، مشيراً إلى أنه شَعَر منذ اللحظة الأولى بأنّ المشروع مختلف وقريب من روحه؛ لأنه لا يركّز على الحرب بقدر ما يسلّط الضوء على الحياة داخل غزة.

وأكد أن ما جذبه للمشاركة هو صدق الفكرة وبساطتها؛ إذ يسعى الفيلم إلى الاقتراب من الناس وتفاصيلهم ومحاولاتهم المستمرة للتمسّك بالحياة، لينطلقوا في العمل على المشروع خطوة خطوة حتى خرج بالشكل الذي يُعبّر عنهم، ويحكي قصتهم.

المخرج والمصوّر الفلسطيني أحمد الدنف صوَّر غزة من زاوية أخرى (فيسبوك)

الفيلم، الذي حصد عدداً من الجوائز، وعُرض للمرة الأولى في النسخة الماضية من مهرجان «القاهرة السينمائي»، صُوِّر في غزة عام 2024 خلال الحرب، ويتتبّع «سيرك غزة الحرّ» الذي أسّسته مجموعة من الشباب الفلسطينيين الذين رفضوا الاستسلام لليأس رغم الإبادة الجماعية التي يشهدها القطاع، وبين الملاجئ والشوارع المهدّمة وركام المباني المنهارة يواصلون تقديم عروضهم للأطفال، ويذهبون إليهم في كلّ مكان ليمنحوهم لحظات من الفرح والأمل في ظلّ قسوة الواقع الذي يعيشونه.

ووصف الدنف تجربته في العمل مع المخرجة مي سعد بأنها «مميّزة»، لكونها اعتمدت على الثقة والتفاهُم منذ البداية، مع تمتّعها بحسّ إنساني عالٍ، وحرصها على تقديم القصة بصدق من دون مبالغة أو استغلال، وهو ما عدَّه عنصراً مهماً، إلى جانب مساحة واسعة للنقاش وتبادل الأفكار، التي منحته حرّية كبيرة بكونه مصوّراً للعمل انطلاقاً من إحساسه وقربه من الواقع الذي يعيشه في غزة، في مقابل وضوح الرؤية الإخراجية لديها، الأمر الذي خلق توازناً بين الرؤية والتنفيذ.

وأكد أنّ التصوير داخل غزة يُمثّل تحدّياً مستمراً، ليس فقط على المستوى التقني، بل على المستويين الإنساني والنفسي أيضاًح لأنهم عملوا في ظروف غير مستقرّة، من بينها انقطاع الكهرباء، وصعوبة التنقل، ووجود مخاطر أمنية في أيّ لحظة، إلى جانب محدودية الإمكانات التي شكّلت تحدّياً إضافياً، سواء على مستوى المعدات أو الموارد، ممّا فرض عليهم البحث الدائم عن حلول سريعة ومرنة لمواصلة العمل دون فقدان اللحظة.

المخرجة مي سعد خلال مناقشة الفيلم في مهرجان «مالمو» (حساب الدنف في «فيسبوك»)

ولفت إلى أنّ التحدّي الأكبر تمثّل في الحفاظ على التوازن بين توثيق الحقيقة واحترام مشاعر الناس، في ظلّ التعامل مع قصص حسّاسة، وهي تحدّيات يرى أنها منحت الفيلم قوته وصدقه، مع أمنيته بأن يرى الجمهور غزة من زاوية مختلفة، ليس فقط على هيئة أرقام أو أخبار، بل حياة حقيقية مليئة بالمشاعر والأحلام.

وأوضح أنّ الفيلم يُمثّل محاولة للتأكيد على أنّ هناك دائماً مساحة للحياة والفنّ والأمل حتى في أقسى الظروف، مشيراً إلى أنّ عنوان «ضايل عنا عرض» يعكس فكرة الاستمرار والتمسك بالحياة.

وعن تكريمه في مهرجان «الإسكندرية السينمائي للفيلم القصير»، قال الدنف إنه استقبل الخبر بمشاعر مختلطة بين الفرح والمسؤولية؛ لأنّ التقدير في ظلّ هذه الظروف الصعبة يحمل قيمة كبيرة، لكنه في الوقت عينه ليس إنجازاً فردياً، بل يعود إلى كلّ مَن شارك في هذه الرحلة، ولكلّ الأشخاص الذين وثَّق قصصهم؛ لأنّ المهرجان يتمتّع بمكانة مهمّة، وحضوره فيه يُمثّل رسالة بأنّ الصوت والصورة القادمين من غزة قادران على الوصول إلى منصات مؤثرة.

وأشار إلى أنّ التكريم، على المستوى الشخصي، يُمثّل تقديراً لمسيرة مليئة بالتحدّيات، بينما يمنحه مهنياً دفعة للاستمرار والتطور، مع شعور متزايد بالمسؤولية لتقديم أعمال على قدر الثقة.

وعن فيلم «الرجل الذي يطعم أطفال غزة»، أوضح الدنف أنه يأتي في إطار تسليط الضوء على قصص إنسانية حقيقية من داخل غزة، ويركّز على شخصية حمادة شقورة، الذي اختار، رغم الظروف الصعبة، تكريس جهده لتوفير الطعام للأطفال، مشيراً إلى أنه نموذج إنساني بسيط لكنه عميق، وأن قطاع غزة مليء بالقصص الإنسانية الملهمة والمؤثرّة عالمياً.

وأكد أنّ ما جذبه لهذه القصة هو ابتعادها عن الصورة النمطية للحرب، وتركيزها على قيم التضامن والعطاء، خصوصاً تجاه الأطفال، لافتاً إلى أنّ الفيلم توثيقي بحت، قائم بالكامل على الواقع من دون إعادة تمثيل أو تدخُّل درامي، حيث اعتمد على الملاحظة والتوثيق المباشر، مع حضور الجانب السينمائي فقط في الاختيارات البصرية من دون المساس بحقيقة الحدث.

فيلم «ضايل عنا عرض» شارك في «مالمو للسينما العربية» (إدارة المهرجان)

وعن أكثر المشاهد تأثيراً، أشار إلى لحظات انتظار الأطفال للطعام، وما تحمله من مزيج بين الحاجة والأمل، مؤكداً أنّ هذه التفاصيل الصغيرة تحمل ثقلاً إنسانياً كبيراً.

وأكد أنّ تجربة التصوير في غزة تعني العيش داخل الواقع نفسه، وليس مجرد توثيقه، وهو ما يفرض مسؤولية مضاعفة، في ظلّ صعوبة التوازن بين كونه جزءاً من القصة ومصوراً يسعى إلى نقلها بصدق، لافتاً إلى تعرّضه لخسائر كبيرة في معدّاته نتيجة القصف، حيث فقد جزءاً منها مع تدمير منزله، ثم خسر معدات أخرى وسيارته خلال النزوح؛ ما شكّل تحدّياً إضافياً على المستوى المهني.

وأشار إلى أنه لم يكن أمامه خيار سوى الاستمرار؛ لأنّ القصة كانت دائماً أهم من الأدوات، واضطر إلى العمل بالإمكانات المتاحة رغم صعوبتها؛ لأن محدودية الإمكانات قد تؤثر تقنياً في جودة الصورة، لكنها أحياناً تمنحها قوة أكبر لجهة الإحساس والصدق، وهو ما تحقّق عبر اعتماده على حلول بديلة مثل الإضاءة الطبيعية، وتبسيط أسلوب التصوير، والتركيز على اللحظة.

وختم حديثه بالتأكيد على أنّ الاستمرار في ظلّ هذه الظروف ليس سهلاً، لكنه مدفوع بإحساس عميق بالمسؤولية قبل الشغف، مع رؤيته لنفسه جزءاً من الواقع في ظلّ وجود قصص لا بد أن تُروى؛ ما يدفعه إلى مواصلة العمل رغم كلّ التحدّيات.


لماذا يشعر مصريون بزلازل جزيرة كريت اليونانية؟

منطقة شمال مصر لا تقع ضمن نطاق نشاط زلزالي مباشر (تصوير: عبد الفتاح فرج)
منطقة شمال مصر لا تقع ضمن نطاق نشاط زلزالي مباشر (تصوير: عبد الفتاح فرج)
TT

لماذا يشعر مصريون بزلازل جزيرة كريت اليونانية؟

منطقة شمال مصر لا تقع ضمن نطاق نشاط زلزالي مباشر (تصوير: عبد الفتاح فرج)
منطقة شمال مصر لا تقع ضمن نطاق نشاط زلزالي مباشر (تصوير: عبد الفتاح فرج)

ضرب زلزال بقوة 5.77 درجة على مقياس ريختر، صباح الجمعة، منطقة شمال مدينة مرسى مطروح المصرية (شمال غربي مصر) المطلة على البحر المتوسط، بالتزامن مع هزة أرضية شهدتها جزيرة كريت اليونانية، دون تسجيل خسائر في الأرواح أو الممتلكات.

وأعلن المعهد القومي للبحوث الفلكية والجيوفيزيقية في مصر، أن محطات الشبكة القومية لرصد الزلازل سجلت الهزة على بُعد نحو 412 كيلومتراً شمال مرسى مطروح، في تمام الساعة 5:18 صباحاً بالتوقيت المحلي، وعلى عمق 26.85 كيلومتر.

وأوضح المعهد، في بيان، أن بعض المواطنين شعروا بالهزة بشكل خفيف، دون وقوع أي أضرار.

وفي التوقيت ذاته تقريباً ضرب زلزال بقوة 5.7 درجة الساحل الجنوبي لجزيرة كريت في اليونان. وذكر معهد الجيوديناميكا التابع للمرصد اليوناني في أثينا، أن مركز الزلزال وقع على بُعد نحو 23 كيلومتراً جنوب غربي مدينة لاسيثي، وعلى عمق 9.7 كيلومتر، دون ورود تقارير فورية عن إصابات أو أضرار.

وكانت مدينة مرسى مطروح قد شهدت قبل أسبوعين هزة أرضية أخرى، وقعت على بُعد 659 كيلومتراً شمال غربي المدينة، يوم 8 أبريل (نيسان) الحالي عند الساعة 1:35 مساءً بالتوقيت المحلي، وبلغت قوتها 4.8 درجة على مقياس ريختر. وأكد المعهد القومي للبحوث الفلكية آنذاك عدم تلقيه أي بلاغات بشأن الشعور بالهزة داخل مصر، وعدم تسجيل أي خسائر.

«مسافة آمنة»

من جانبه، قال الدكتور شريف الهادي، رئيس قسم الزلازل بالمعهد القومي للبحوث الفلكية، إن جزيرة كريت اليونانية تُعد من أكثر المناطق نشاطاً في الهزات الأرضية في حوض البحر المتوسط وعلى مستوى العالم؛ نظراً لموقعها الجيولوجي الفريد الذي يضعها في قلب حزام «شرق المتوسط» الزلزالي النشط، ما يؤدي إلى تكرار حدوث الهزات الأرضية فيها.

وأضاف في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن منطقة شمال مصر لا تقع ضمن نطاق نشاط زلزالي مباشر، وأن الهزة التي شعر بها سكان مرسى مطروح بشكل خفيف تعود إلى تأثر المنطقة بنشاط زلزالي من مكان آخر، مصدره جزيرة كريت، الواقعة ضمن هذا الحزام الزلزالي النشط.

شدة الشعور بالزلازل تتراجع كلما زادت المسافة بين مركز الزلزال والحدود المصرية (تصوير: عبد الفتاح فرج)

وأوضح أن شدة الشعور بالزلازل تتراجع كلما زادت المسافة بين مركز الزلزال والحدود المصرية، مشيراً إلى أن زلزال كريت الأخير وقع على «مسافة آمنة» تتجاوز 400 كيلومتر من أقرب نقطة للحدود المصرية.

وأكد رئيس قسم الزلازل بالمعهد القومي للبحوث الفلكية، أن مصر تقع على «مسافة آمنة» جغرافياً من حزام «شرق المتوسط» الزلزالي، وهو ما يفسر عدم شعور سكان مصر في أغلب الأحيان بالهزات الخفيفة المتكررة التي تضرب جزيرة كريت، خصوصاً مع وقوع معظمها على أعماق ضحلة داخل البحر، حيث تُمتص نسبة كبيرة من طاقتها؛ لذلك يقتصر التأثير غالباً على الإحساس بالهزات المتوسطة أو القوية التي تضرب كريت، لكن دون تسجيل أضرار في البنية التحتية بمصر، نتيجة تشتت الطاقة الزلزالية قبل وصولها إلى اليابسة.

وأشار الهادي إلى أن درجة الإحساس بهذه الهزات الأرضية داخل مصر تختلف باختلاف طبيعة التربة والتركيب الجيولوجي؛ فالموجات الزلزالية تمر بسرعة أكبر عبر الصخور الصلبة في المناطق الجبلية، ما يقلل الإحساس بها، في حين تتباطأ وتزداد شدتها عند انتقالها إلى التربة الرسوبية الرخوة في وادي النيل والدلتا، وهو ما يطيل مدة الاهتزاز ويزيد من الإحساس به، خصوصاً لدى سكان المباني المرتفعة، وتزداد احتمالات الشعور بالهزات في المدن الساحلية مثل الإسكندرية ومرسى مطروح؛ نظراً لقربهما الجغرافي من سواحل البحر المتوسط.