نضال الأشقر لـ«الشرق الأوسط»: قلبنا المشهدية لتصبح «لعب كبار»

«مشكال» في نسخته الـ11 واحة فنون متعددة الأوجه

تتمسك نضال الأشقر بإبقاء مسرح المدينة نبض بيروت الثقافي (مسرح المدينة)
تتمسك نضال الأشقر بإبقاء مسرح المدينة نبض بيروت الثقافي (مسرح المدينة)
TT

نضال الأشقر لـ«الشرق الأوسط»: قلبنا المشهدية لتصبح «لعب كبار»

تتمسك نضال الأشقر بإبقاء مسرح المدينة نبض بيروت الثقافي (مسرح المدينة)
تتمسك نضال الأشقر بإبقاء مسرح المدينة نبض بيروت الثقافي (مسرح المدينة)

تدأب مؤسسة مسرح المدينة نضال الأشقر على إبقاء الفن ينبض بالعلم والأمل في كل نشاط تشهده خشبة مسرحها. فهي لا توفر جهداً لإحياء مهرجان «مشكال» الفني في موعده من كل عام، وتطبعه في كل مرة بنكهات وخيارات فنية تغرفها من خلفية مسرحية رائدة تتميز بها.

هذه السنة أعلنت الأشقر عن برنامج «مشكال» الملتقى الشبابي الغني بمواهب إبداعية محلية. ينطلق المهرجان في 11 سبتمبر (أيلول) الحالي ويستمر لغاية 14 منه. وتقرر أن يأخذ السنة الحالية منحى مغايراً، فيتفرغ فيه رواد فنون مختلفة لإحيائه. وتوضح لـ«الشرق الأوسط»: «عادة ما يقوم طلاب وتلامذة ومواهب صاعدة بتنظيم هذا المهرجان، فيحيونه بمبادرات يحضرونها ويختارونها فيرافقون جيلاً جديداً يعلّمونه أصول لعبة الفن. هذه السنة رغبت في قلب قواعد اللعبة بحيث يأخذ الكبار مهمة تعليم الصغار، فيحيون مع الطلاب برنامجاً شيقاً متنوع الأوجه يفيدهم في شتى المجالات. والعنوان الكبير لـ(مشكال) في نسخته الـ11 هو (لعب الكبار)، وقد اخترت شخصياً عناصره الفنية التي يغلب عليها الحرفية التي نتوق إليها في عالم الفن».

السوبرانو غادة غانم وورشة عمل خاصة بالصوت (مسرح المدينة)

الحرفية هذه التي تتحدث عنها نضال الأشقر تكمن بأسماء فنانين لامعين لم يمروا على الساحة مرور الكرام، فتركوا إما بأصواتهم وتمثيلهم وإما بريشتهم وقدراتهم على خشبة المسرح بصمتهم المميزة. ومن بين هؤلاء غادة غانم وكريم دكروب وفايز قزق وغيرهم.

كل واحد من هؤلاء الفنانين سيمدّ الشباب الصاعد من طلاب وتلامذة وأصحاب مواهب منوعة بخبراتهم، وذلك من خلال ورش عمل أو محترفات تعليمية وعروض فنية مباشرة، وجميعها تقام على خشبة «مسرح المدينة» الواقع في شارع الحمراء.

ومؤخراً شهد هذا المسرح ورشة إعادة تأهيل كي يبقى في أبهى حلة، وكي يكون قادراً على مواكبة الفن المسرحي في لبنان وعلى المستوى المطلوب. وتخبرنا الأشقر: «بالفعل لقد أعدنا تأهيل مسرح المدينة واستغرقت هذه العملية نحو شهرين من الوقت. وهنا لا بد من الإشارة إلى أنّ تمويل هذه العملية وكغيرها من الأمور التي يشهدها مسرحنا يعود إلى المجتمع المدني اللبناني. فلا تأتينا أي تبرعات من الخارج. كل التمويل محلي بفضل محبي المسرح. وهو أمر يزودني شخصياً بالثقة، فلا يزال هناك لبنانيون يهتمون بمسارحهم وببقائها على قيد الحياة».

عملية الترميم طاولت التقنيات في المسرح وأدوات الإضاءة والموكيت والصوتيات بمجملها. أما أبرز عمليات الترميم هذه فهي تلك الخاصة بخشبة المسرح. «لقد استبدلناها بخشبة جديدة وهي تعد من أكبر خشبات المسرح في بيروت. وأذكر يوم قررنا فرز مساحة لها عند إنشاء مسرح المدينة، اضطررت إلى إلغاء 6 صفوف من المقاعد، كي يبدو على ما هو عليه اليوم حجماً وسعة».

وبالعودة إلى برنامج «مشكال» في نسخته الـ11 لهذه السنة فهو ينطلق في 11 الحالي بعملين فنيين. يفتتح مع حفلة «بيكار بيروت» مع الفنانة هالة رمضان في الثامنة مساء. وهي فرقة شبابية لبنانية أسستها رمضان في عام 2018.

ويسبق هذا الحفل من الليلة نفسها عرض لفنان الكاريكاتور وليد شهاب ضمن ورشة تعليمية لهذا الفن، فتفتح لها أبواب صالة نهى الراضي في «مسرح المدينة» في السابعة مساء.

وفي اليوم الثاني من فعاليات «مشكال» أي في 12 الحالي، تنظم غادة غانم المتخصصة بالغناء الأوبرالي ورشة غناء شرقي جماعي مدتها 3 ساعات، يتخلّلها 45 دقيقة من تعليمها كيفية تحمية الصوت والتركيز على استخدام آلياته. وفي الساعتين والربع الباقيتين سيكون غناءً جماعياً، يتضمن أغنيات لفيروز وللراحلتين وردة الجزائرية وأم كلثوم وغيرهما. وتُنظّم هذه الورشة تحت عنوان «غني عليها تنجلي». وتعلق الأشقر لـ«الشرق الأوسط»: «غادة غانم هي سيدة في الغناء ومكافحة من أجل الفن الأصيل. وتنوي تأسيس نادي غناء نسائي لكل الأعمار قريباً».

وفي الثامنة من مساء 12 سبتمبر يقيم كريم دكروب ورشة عمل خاصة بفن مسرح الدمى اللبناني، يشارك فيه فنانون يعملون في هذا المجال منذ نحو 30 عاماً. وفي هذا المحترف المجاني سيتعلم هواته ورواده كيفية تحريك الدمى، وقواعد التمثيل التي يغيب فيها الممثل عن الخشبة وراء الدمية.

الممثل السوري فايز قزق يشارك في «مشكال» للعام الحالي (مسرح المدينة)

وتعد مشاركة الممثل السوري فايز قزق واحدة من الخيارات الرفيعة المستوى التي يقدمها المهرجان. ففي 13 الحالي وبالتحديد في الثالثة بعد الظهر منه، يقدم قزق «ماستر كلاس» عن أهمية مفهوم الارتجال، ويتناوله منهاجاً علمياً لدى الممثل المتدرب. والمعروف أن قزق هو ممثل ومخرج ومؤلف سوري. درّس إعداد وتدريب الممثل المسرحي في كلية «روز برودفورد» البريطانية. وتوضح نضال الأشقر: «لقد قصدته شخصياً في المعهد الفني العالي في سوريا حيث يعلّم، وطلبت منه مشاركتنا في نسخة السنة الحالية ووافق على أمل المشاركة مرة ثانية في العام المقبل». وفي الليلة نفسها يقام حفل تكريمي للمسرحي اللبناني الراحل مجدي بو مطر في السابعة مساء. وتحت عنوان «مجدي بو مطر شعلة نار» تقدم ندى حمصي عرضاً مسرحياً من كتابتها وإخراج لينا أبيض.

ويختتم «مشكال» فعالياته بعرض مسرحي «ستاند أب كوميدي» مع علاء أبو دياب بعنوان «مش أبيض».

وتشير الأشقر في سياق حديثها إلى أن «مسرح المدينة» سيبقى منارة بيروت الثقافية. وتتابع: «قد نكون الوحيدين الموجودين في شارع الحمراء البيروتي اليوم، فبعدما كان هناك نحو 14 مسرحاً وصالة سينما تلّون هذا الشارع العريق، صرنا المحترف الوحيد النابض اليوم، ونتمسك به فمن دونه ستفقد المدينة وهجها الفني».


مقالات ذات صلة

«ضاع شادي»... حين تصبح الخشبة ملاذاً لمحو ندوب الحرب

يوميات الشرق يتناول الهبر في «ضاع شادي» مدى تأثير الحرب على شخصيته (شادي الهبر)

«ضاع شادي»... حين تصبح الخشبة ملاذاً لمحو ندوب الحرب

في عمل مسرحي، ينهل شادي الهبر من ذاكرته المثقلة بالحرب الأهلية اللبنانية، فيقدّم «ضاع شادي» في حكاية تتجاوز فردية العنوان، وتلامس وجعاً جماعياً لم يندمل بعد.

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق ضحكٌ يمرّ مثل هواء بين جدارين (مسرح المونو)

«حنّة»: مسرحية كوميدية تُوازن بين الخفّة والمعنى

«حنّة» مسرحية تُدرك حدودها وتُحسن توظيفها، فتُقدّم تجربة متوازنة تلامس الواقع من دون إثقال...

فاطمة عبد الله (بيروت)
يوميات الشرق جانب من عرض «متولي وشفيقة» (وزارة الثقافة)

المسرح المصري لاستعادة بريقه بعروض شبابية ومغامرات «تراثية»

يسعى المسرح المصري إلى استعادة بريقه عبر عروض مسرحية تراهن على الشباب وعلى المغامرات التراثية.

محمد الكفراوي (القاهرة )
يوميات الشرق «كافيه مونو» يستضيف نجوم المسرح (مونو)

«كافيه مونو» فسحة ثقافية بيروتية تتحدَّى واقع الحرب

هذه المبادرة «خرقت العتمة» التي فرضتها الحرب، ووفَّرت متنفَّساً كان الناس في أمسّ الحاجة إليه...

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق الكاتب والممثل المسرحي زياد نجار (زياد نجار)

 «إلكُنْ»... مشروع مسرحي لزياد نجار في مواجهة الحرب

مشروع «إلكُنْ» فضاء مسرحي تفاعلي يوفِّر للناس متنفساً بعيداً عن الأجواء القاتمة... بل مساحة حرَّة للتعبير.

فيفيان حداد (بيروت)

«SRMG» تفوز بتشغيل قناة «الثقافية»

 ستشمل خطة التطوير إطلاق برامج جديدة وتعزيز جودة الإنتاج وتبني أساليب سرد عصرية مدعومة بالتقنيات الحديثة (الشرق الأوسط)
ستشمل خطة التطوير إطلاق برامج جديدة وتعزيز جودة الإنتاج وتبني أساليب سرد عصرية مدعومة بالتقنيات الحديثة (الشرق الأوسط)
TT

«SRMG» تفوز بتشغيل قناة «الثقافية»

 ستشمل خطة التطوير إطلاق برامج جديدة وتعزيز جودة الإنتاج وتبني أساليب سرد عصرية مدعومة بالتقنيات الحديثة (الشرق الأوسط)
ستشمل خطة التطوير إطلاق برامج جديدة وتعزيز جودة الإنتاج وتبني أساليب سرد عصرية مدعومة بالتقنيات الحديثة (الشرق الأوسط)

فازت المجموعة السعودية للأبحاث والإعلام (SRMG) بعقد تشغيل وإدارة قناة «الثقافية» التابعة لوزارة الثقافة؛ في خطوة تواكب النهضة الثقافية التي تشهدها المملكة بدعم وقيادة وزارة الثقافة للقطاع وتعكس مكانة «المجموعة» وثقة عملائها بخبراتها الإعلامية والتحريرية.

وتمثل هذه الشراكة امتداداً للجهود السابقة في تطوير قناة «الثقافية»، وستشهد المرحلة المقبلة تطويراً في المعالجات التحريرية وتوسيع نطاق المحتوى بما يلبي اهتمامات مختلف شرائح الجمهور، إلى جانب تعزيز الحضور الرقمي للقناة.

وقالت جمانا راشد الراشد، الرئيسة التنفيذية «للمجموعة»: «نعتز بثقة وزارة الثقافة، ونعتبر هذه الترسية لقناة بأهمية القناة (الثقافية) مسؤولية لإكمال المسيرة والجهود الضخمة التي قامت بها الوزارة منذ إطلاق القناة، كما تأتي تتويجاً لجهود المجموعة في التطوير والتوسع».


«ضاع شادي»... حين تصبح الخشبة ملاذاً لمحو ندوب الحرب

يتناول الهبر في «ضاع شادي» مدى تأثير الحرب على شخصيته (شادي الهبر)
يتناول الهبر في «ضاع شادي» مدى تأثير الحرب على شخصيته (شادي الهبر)
TT

«ضاع شادي»... حين تصبح الخشبة ملاذاً لمحو ندوب الحرب

يتناول الهبر في «ضاع شادي» مدى تأثير الحرب على شخصيته (شادي الهبر)
يتناول الهبر في «ضاع شادي» مدى تأثير الحرب على شخصيته (شادي الهبر)

في عمل مسرحي مونودرامي، ينهل شادي الهبر من ذاكرته المثقلة بالحرب الأهلية اللبنانية، فيقدّم «ضاع شادي» في حكاية تتجاوز فردية العنوان، وتلامس وجعاً جماعياً لم يندمل بعد. يقف وحده على الخشبة بوصفه كاتباً للنص وممثلاً ومخرجاً، يستعيد الأحداث في سردية مليئة بالجروح، ويتناول تأثيرها عليه مع عائلته التي تحضر فرضياً على شاشة عملاقة كخلفية بصرية. ومع أفراد من أهله وأعمامه يقيم حوارات جريئة، فتتحول إلى ما يشبه العلاج الشافي من ندوب الحرب.

يروي شادي الهبر حكايته الحقيقية منذ ولادته إلى حين بلوغه سن المراهقة، ويعدّها مرحلة أدت إلى تكوين شخصيته التي تطبعه اليوم. ويمر على حقبات الحرب منذ أيام التهجير من الجبل إلى حين إقامته في العاصمة. ويوضح لـ«الشرق الأوسط»: «إنه بمثابة عمل مسرحي أوثِّق فيه مرحلة مهمة من حياتي، وأتطرّق خلاله إلى موضوعات مختلفة. منها الذكورية، والعنف الأسري، والعلاقات العائلية».

يتحوَّل المسرح في «ضاع شادي» إلى مساحة مواجهة صادقة مع الذاكرة، في تجربة شخصية وجريئة يخوضها شادي الهبر على أكثر من مستوى. فهو يقف للمرة الأولى على الخشبة جامعاً بين أدوار الممثل، والكاتب، والمخرج، ليقدِّم في مسرح «شغل بيت» الذي أسَّسه عام 2015 حكايته الخاصة بكل ما تحمله من صدق ووجع.

يقول: «إنها سيرتي الذاتية، محمَّلة بمشاعر، وأحاسيس عشتها وواجهتها وحيداً. هذه المرحلة شكَّلت تكويني الحقيقي وبداياتي مع المسرح». ويوضح أن العمل يتكئ على عناصر بصرية وسمعية، تاركاً للصمت حيّزاً تعبيرياً أساسياً، مبتعداً عن النمط الوثائقي التقليدي، يتنقَّل بين محطات زمنية مختلفة من طفولته إلى المراهقة. ويضيف: «كانت الخشبة ملاذي، ومنها تعلَّمت كيف أعبِّر عن مكنوناتي بعدما كنت أخشى مواجهتها علناً».

يستعيد فترة زمنية تمتد من 1976 إلى 1990 (شادي الهبر)

على مدى 3 سنوات، عمل الهبر على بلورة هذا المشروع، ليقدِّمه في عرض لا يتجاوز 55 دقيقة، يختصر فيه رحلة طويلة من التجربة والنضج. ويشير: «أرى هذا العمل تتويجاً لمسيرتي بعد 26 عاماً في المهنة. وتقديمه في (شغل بيت) بحد ذاته إنجاز». ويؤكد أن تفاعل الجمهور فاجأه، إذ لمس أن كثيرين يشبهونه في صمتهم ومعاناتهم، مضيفاً: «خاطبتهم بلسان حالهم، وهذا ما انعكس عليهم إيجاباً».

ومنذ تأسيسه مسرح «شغل بيت» ساهم الهبر في تدريب مئات الهواة على التمثيل، من خلال ورش عمل أثمرت عن أكثر من 60 عرضاً مسرحياً. ويقول: «أعددت نحو 400 شخص اعتلوا الخشبة، وراكمت خبرة كبيرة، لتأتي (ضاع شادي) محطة مفصلية في مسيرتي».

ويؤكد أن الحرب كانت تحضر دائماً في الأعمال التي قدّمها: «بسبب تأثيرها الكبير عليَّ تناولتها في معظم مسرحياتي. وكما في (نرسيس)، و(قفير النحل)، كذلك في (رحيل الفراشات)، و(دفاتر لميا)، جميعها حضر فيها جزء من الحرب وأحياناً سادت أحداث العمل برمّته. ولكن في (ضاع شادي) أخرجت كل ما سبق وكتمته في قلبي من تداعيات ومصير مجهول، تسببت به الحرب».

ولا يخفي الهبر البعد العلاجي الذي يحمله العمل، موضحاً: «خضعت لجلسات علاج نفسي طويلة حتى تصالحت مع نفسي وأهلي. دخلت الفن متأخراً لأنني كنت أبحث عن وسيلة للتخلّص من ندوب كثيرة. ربما كانت (ضاع شادي) مساحة (فشّة خلق) منحتني سلاماً داخلياً».

ويقرّ بأن مصارحة الذات ليست أمراً سهلاً، لكنه اختار المواجهة بلا أقنعة. ويتابع: «في هذا العمل اكتشفت أحاسيس لم أختبرها من قبل، وشعرت بأنني اكتملت فنياً وإنسانياً، إذ اجتمع داخلي المخرج والكاتب والممثل للمرة الأولى».

تعرض مسرحية «ضاع شادي» على مسرح «شغل بيت» في فرن الشباك. ومن المقرر أن يمدد عرضها في مايو (أيار) المقبل.

أما على مستوى السينوغرافيا، فقد اختار عناصر بصرية مستوحاة من الحرب، من متاريس رملية، وأقمشة ممزقة، طغى عليها اللونان الأحمر والأبيض، في إشارة إلى شظايا الانفجارات. وتتكامل هذه العناصر مع إضاءة صمَّمها توفيق صفدي، لتخلق جواً متقلباً بين الضوء والعتمة، والحرّ والبرد، في محاكاة حسّية لذاكرة الحرب.


«حنّة»: مسرحية كوميدية تُوازن بين الخفّة والمعنى

ضحكٌ يمرّ مثل هواء بين جدارين (مسرح المونو)
ضحكٌ يمرّ مثل هواء بين جدارين (مسرح المونو)
TT

«حنّة»: مسرحية كوميدية تُوازن بين الخفّة والمعنى

ضحكٌ يمرّ مثل هواء بين جدارين (مسرح المونو)
ضحكٌ يمرّ مثل هواء بين جدارين (مسرح المونو)

يفتح الكاتب والمخرج إيلي كمال في مسرحيته «حنّة» باباً للضحك من حيث لا يبدو هذا الضحك ممكناً أصلاً، على خشبة «مسرح المونو»، في لحظة لبنانية خارجة للتوّ من اشتعال الحرب وثقل الجنائز. يريد مسرحيته مساحةً لالتقاط النَفَس، بعيداً عن الهروب الساذج من الواقع، فيسعى إلى تخفيف حدّته، لربما تمنح الخشبة المُتفرّج فرصة أن يضحك على ما يؤلمه.

النصّ خفيف، لكنه لا يقع في الخفّة السطحية. يذهب إلى الكوميديا عبر اللعب على الكلمات وسوء الفهم والمواقف المُتلاحقة، من دون أن يتخلَّى عن طبقة أعمق تتّصل بالدولة والاستشفاء وشركات التأمين، ومصير الإنسان حين يكبر أو يمرض أو يتركه أبناؤه للهجرة البعيدة.

ما يبدو بسيطاً... ليس كذلك تماماً (مسرح المونو)

تبدأ الحكاية مع «حنّة» التي تؤدّيها ندى أبو فرحات. امرأة تدخل المستشفى بعد حادث بهوية مجهولة، ويظنّ الجميع أنها فقدت عقلها أو ذاكرتها. إنما اللعبة تتكشَّف تدريجياً فيتراجع الفارق بين مَن يُفترض أنهم واعون ومَن يُنظَر إليهم على أنهم في غفلة. تبدو «حنّة» أحياناً خارج ما يجري، ثم تظهر واعية تماماً بما تريده، مُمسِكةً بالخيوط من سريرها، بينما يظنّ الآخرون أنهم يديرون المشهد.

ندى أبو فرحات تبني هذا الازدواج بحضور متوازن بين جسد مستسلم للغفلة، وعين تراقب، وصوت يحمل معرفة غير مُصرَّح بها. شخصيتها لا تُضحِك لأنها مُضحكة فقط، إنما لأنها تكشف اختلالات مَن حولها. ومع الوقت، تصبح «حنّة» نموذجاً يتقاطع فيه الجميع. فكلّ شخصية مثلها، تحمل هروباً ما، من يومياتها، ومن خيبتها، ومن الخريطة القاسية التي وُلدت داخلها.

ما يُخفى أكثر مما يُقال (مسرح المونو)

سلمى الشلبي، بدور «الأخت إيزابيل»، أكثر الشخصيات حضوراً في العمل. الراهبة عنصر كوميدي فاعل داخل البنية، يتحوّل إلى محرّك أساسي للمشهد. جسدها هو الحامل الأول للمعنى، قبل أن يتدخَّل الكلام لتفسيره. فانحناءة الظهر امتداد لثقل داخلي، وخطوتها المُتباطئة تفرض إيقاعاً خاصاً على الخشبة، فيما يمنح تقوُّس القدمين حضورها بُعداً شبه طَقْسي، كأنّ الشخصية تسير داخل نظام منضبط لا تسمح لنفسها بالخروج عنه. الوجه الخالي من الليونة، والنبرة المقفلة على ذاتها، يوحيان بتاريخ طويل من كبح الانفعال، ومن إقصاء كلّ ما يمكن أن يفتح مجالاً للانفلات أو المرح.

كلّ شيء في مكانه... إلا ما في الداخل (مسرح المونو)

من هذه الصرامة تولد الكوميديا. فكلّ خروج صغير عن القاعدة، وكلّ انزلاق في الرصانة، يصنع مُفارقة مسرحية. هنا يعرف التمثيل كيف يمنح الشخصيات حقّها في التجسُّد عبر دقّة التفاصيل، ضمن رؤية إخراجية لإيلي كمال تُمهّد الطريق لهذه الانكسارات الدقيقة كي تتشكَّل، وتحوّلها إلى جزء أساسي من حركة العرض وبنائه.

ويضيف كريم شبلي في دور المحقّق «خالد»، إلى المشهد، نبرة مرحة مُقنعة تُخفّف من ثقل خطّ التحقيق وتفتحه على تفاعل أكثر سلاسة. يدخل في مسار التقرُّب من الممرضة «سمر»، التي تؤدّيها جويس أبو جودة بقدرة على اختيار اللحظة المناسبة لإلقاء الجملة والاستجابة لما يدور حولها. وإنما تفصيل بصري بقي خارج انسجام هذا الخطّ، تمثَّل في محبس بإصبع يده، رغم أنّ مساره الدرامي يتّجه نحو استمالة الممرضة. قد يكون الأمر سهواً، لكنه يبقى تفصيلاً أمكن تداركه على خشبة تُقرأ فيها أدقّ العلامات.

خيطٌ رفيع بين ما نرى وما نفهم (مسرح المونو)

أما جويس أبو جودة فتمنح «سمر» حضوراً لافتاً لا يقوم فقط على الإلقاء، إنما على حركة الجسد وسرعة التقاط الموقف. شخصيتها تُسهم في تثبيت الكوميديا داخل المستشفى، وتجعل المكان أقل برودة وأكثر قابلية لانفجار المفارقات الصغيرة.

المسرحية تجربة متماسكة تنطلق من إمكانات محدودة وتعرف كيف توظّفها من دون افتعال. الديكور يكتفي بإشارات مضحكة إلى فضاء المستشفى، تاركاً للممثلين حرّية الحركة، وللإخراج مَهمّة تنظيم الفراغ وتحويله إلى مساحة دينامية. هنا يظهر دور إيلي كمال في ضبط حركة الشخصيات داخل المشهد وتوزيعها بحيث لا يطغى حضور على آخر، ممّا يمنح المواقف الكوميدية قوّتها من ذاتها.

خيطٌ رفيع بين ما نرى وما نفهم (مسرح المونو)

تتجلّى اللمسة الإخراجية أيضاً في انتقال «حنّة» من حالة إلى أخرى من دون قَطْع حاد، كأنّ التحوّل يحدث أمام العين تدريجياً، وفي وقوف «الأخت إيزابيل» لحظةً خارج مسار الحركة، ثابتة وسط اندفاع الآخرين، ممّا يُضاعف أثر حضورها، وفي المشهد الجماعي داخل المستشفى، حيث تتقاطع المسارات وتبدو الفوضى مُنظَّمة، فيبقى المشهد مقروءاً رغم تقاطُع خطوطه.

لا يفصل العرض الضحك عن سياقه، ولا يُحمِّل مضمونه ما يفوق احتماله، ويعمل على إيجاد مساحة متوازنة بينهما. «حنّة» مسرحية تُدرك حدودها وتُحسن توظيفها، فتُقدّم تجربة متوازنة تلامس الواقع من دون إثقال.