«هيلاري» يجتاح اليابسة... وحرائق تلتهم غابات في إسبانيا واليونان وكندا

إجلاء آلاف من السكان وآمال بانحسار الحرائق

رياح وأمطار في شارع هوليوود سببتها العاصفة الاستوائية «هيلاري» (أ.ب)
رياح وأمطار في شارع هوليوود سببتها العاصفة الاستوائية «هيلاري» (أ.ب)
TT

«هيلاري» يجتاح اليابسة... وحرائق تلتهم غابات في إسبانيا واليونان وكندا

رياح وأمطار في شارع هوليوود سببتها العاصفة الاستوائية «هيلاري» (أ.ب)
رياح وأمطار في شارع هوليوود سببتها العاصفة الاستوائية «هيلاري» (أ.ب)

تشهد مناطق عدّة في أنحاء العالم ارتفاعاً متزايداً في درجات حرارة قياسية، ما تسبب في اندلاع حرائق الغابات في كل من إسبانيا واليونان وكندا؛ حيث أودت بمساحات شاسعة منها، وأجبرت السكان على إخلاء منازلهم. وفي الولايات المتحدة ضرب إعصار «هيلاري» القوي ولاية رود آيلاند، في حين تستنفر ولاية كاليفورنيا استعداداً لمواجهة الفيضانات الكارثية التي خلّفها الإعصار.

ويُرجع العلماء هذه الظواهر المناخية القاسية إلى تغيّر المناخ الذي جعل موجات الحر أطول وأكثر حدة وتكراراً.

«هيلاري» تكشف أنيابها في جنوب كاليفورنيا

المسؤولون في جنوب كاليفورنيا مستعدون لتلقي تقارير الاثنين، عن أضرار جسيمة ربما وقعت الليلة الماضية بسبب العاصفة المدارية «هيلاري»، بعد أن تسببت في فيضانات عارمة شرق وغرب لوس أنجليس، عندما اجتاحت اليابسة قبل يوم، وفق «رويترز».

فيضانات تجتاح كاليفورنيا بسبب الإعصار «هيلاري» (أ.ف.ب)

وخفضت هيئة الأرصاد الوطنية الأميركية تصنيف «هيلاري» من إعصار إلى منخفض مداري، إلا أن جافين نيوسم حاكم الولاية أعلن حالة الطوارئ في معظم مناطق الولاية، وصدرت تحذيرات من حدوث فيضانات حتى الساعة الثالثة صباحاً على الأقل (10:00 بتوقيت غرينتش) الاثنين، في منطقة معتادة بشكل أكبر على الجفاف.

وقال خبراء الأرصاد إن المناطق الجبلية والصحراوية يمكن أن تشهد هطول 12 إلى 25 سنتيمتراً من الأمطار، وهي كميات تسقط على الصحاري عادة في غضون عام.

الإعصار «هيلاري» في لوس أنجليس بجنوب كاليفورنيا (أ.ب)

واجتاحت العاصفة شبه جزيرة باخا كاليفورنيا في المكسيك شمالاً، ولقي شخص حتفه، ووردت أنباء عن حدوث سيول في شبه الجزيرة؛ حيث غمرت المياه بعض الطرق.

وأظهرت صور على وسائل التواصل الاجتماعي سيولاً عارمة تتدفق في الشوارع التي تحولت إلى أنهار.

وكانت الرياح قد عبرت الحدود بعد ظهر الأحد، ضاربة مقاطعة سان دييغو، لتكون أول عاصفة مدارية تشهدها على الإطلاق.

وأمرت السلطات في مقاطعة سان برناردينو الواقعة شرق لوس أنجليس بإخلاء بلدات في الجبال والوديان؛ حيث أظهرت صور على وسائل التواصل الاجتماعي سيولاً من المياه والطين والصخور.

وأمر الرئيس الأميركي جو بايدن الوكالات الاتحادية بنقل الأفراد والإمدادات إلى المنطقة المتضررة، بعد استعدادات قام بها المسؤولون المحليون على مدى أيام.

حرائق كندا

قال مسؤولو الطوارئ في كندا إن حرائق الغابات التي تجتاح إقليم كولومبيا البريطانية تُظهر بعض العلامات التي تدل على الهدوء مع تحسن الأحوال الجوية الاثنين والثلاثاء، رغم أن رجال الإطفاء لا يزالون يحاولون السيطرة على الحرائق «المستعرة».

وترك أكثر من 35 ألف شخص منازلهم خلال الأيام الأربعة المنصرمة، مع انتشار الحرائق في الإقليم الواقع بغرب البلاد، ما أجبر الحكومة الاتحادية على نشر قوات من الجيش.

واستعرت الحرائق شمالاً أيضاً وسط معاناة كندا من أسوأ موسم لحرائق الغابات على الإطلاق، التي ألقى عدد من الخبراء بالمسؤولية فيها على تغير المناخ.

ويقول خبراء الأرصاد إن إقليم كولومبيا البريطانية الكندي الذي يقع على ساحل المحيط الهادي، قد يشهد هبوط بعض الأمطار الأسبوع الحالي، بسبب العاصفة الاستوائية «هيلاري» التي ضربت كاليفورنيا الأحد.

وقالت حكومة إقليم كولومبيا البريطانية إن مؤشر جودة الهواء في عدد من المناطق المتضررة من الحرائق، تخطى 10 درجات، الاثنين، ما يشير إلى وجود مخاطر عالية.

وأتت الحرائق على نحو 140 ألف كيلومتر مربع من الأراضي، أي ما يقرب من مساحة ولاية نيويورك، في جميع أنحاء البلاد، مع انتشار الضباب الدخاني بعيداً حتى الساحل الشرقي للولايات المتحدة. ويتوقع مسؤولون حكوميون أن يمتد موسم الحرائق إلى الخريف بسبب الظروف الشبيهة بالجفاف.

وعلى بعد نحو ألفي كيلومتر إلى الشمال، خرج حريق غابات عن نطاق السيطرة في يلونايف عاصمة الأقاليم الشمالية الغربية، ما أدى إلى إجلاء جميع سكانها تقريباً، البالغ عددهم 20 ألفاً، قبل أيام.

وقالت وزارة الدفاع الوطني الكندية، الأحد، إن نحو 400 من عناصر القوات المسلحة يتعاونون مع حكومة الأقاليم الشمالية الغربية للسيطرة على الحريق.

حرائق إسبانيا

أعرب رئيس الوزراء الإسباني المنتهية ولايته بيدرو سانشيز، الاثنين، عن أمله في أن «يستقرّ» الحريق خلال «الساعات القليلة المقبلة» أو «الأيام المقبلة». وكانت النيران قد اندلعت الثلاثاء الماضي في جزيرة تينيريفي بأرخبيل الكناري، ودمّرت حتى اليوم 14 ألف هكتار، وفق وكالة «الصحافة الفرنسية».

اندلاع حرائق الغابات خرج عن نطاق السيطرة في جزيرة تينيريفي الإسبانية (رويترز)

وخلال زيارته القصيرة للمنطقة، قال سانشيز: «أعتقد أنّ الساعات القليلة المقبلة ستكون مهمة للغاية».

وأضاف في تصريح مقتضب أمام الصحافيين: «نأمل في أن يساعدنا الطقس حتى نتمكّن نهائياً من اعتبار الحريق مستقراً في الساعات القليلة المقبلة، أو الأيام المقبلة». كما كشف أنّه سيُعلن حال الكارثة الطبيعية في أعقاب هذا الحريق لمساعدة السكّان، مؤكّداً أنّ مدريد «ستلتزم أعمال إعادة إعمار» الجزيرة؛ لكن من دون أن يحدّد قيمة الأموال التي ستنفقها على هذا الصعيد.

من جانبه، قال فيديريكو غريلو، رئيس خدمات الطوارئ في جزيرة غران كناريا: «في وقت قريب سنكون قادرين على القول ببعض الحذر إنّ (الحريق) قد استقر»، محذّراً في الوقت نفسه من أنّ كلّ شيء رهن بتطوّرات الاثنين التي «لا تُعدّ سيئة» في الوقت الحالي.

حريق يقترب من منازل في قرى أخليت من سكانها بجزيرة تينيريفي الإسبانية (رويترز)

واحترقت مساحة 13383 هكتاراً في هذه المنطقة الجبلية شمال شرقي تينيريفي، أكبر الجزر السبع التي تشكّل أرخبيل الكناري، وتقع قبالة الساحل الشمالي الغربي للقارة الأفريقية.

ومع مساحة إجمالية لتينيريفي تبلغ 203400 هكتار، تمثل المنطقة التي دمّرتها النيران 6.6 في المائة من مساحة الجزيرة، وهو رقم يعطي فكرة عن خطورة هذه الكارثة غير العادية.

وتأثرت 12 بلدية بالحريق، وأرغم 12 ألف شخص على مغادرة منازلهم أمام اتساع رقعة النيران التي لم تُسفر عن وقوع إصابات.

وأوصت السلطات السكان بوضع كمّامات بسبب رداءة نوعية الهواء، والدخان المنبعث من الأرض.

وعند سؤال فرناندو كلافيغو رئيس الحكومة الإقليمية لجزر الكناري، صباح الاثنين، عن سبب الحريق، قال إنه «متعمد»، متسائلاً: «كيف يمكن لشخص أن يكون حقيراً وغبيّاً لدرجة تعريض حياة كثير من الناس للخطر؟»، من دون إعطاء مزيد من التفاصيل.

ولم يؤكّد الحرس المدني في جزر الكناري -في اتصال أجرته معه وكالة «الصحافة الفرنسية»- الفرضية القائلة إنّ الحريق كان متعمداً؛ وقالت متحدثة باسمه، إنّ «التحقيق مستمرّ، ومن السابق لأوانه معرفة ذلك. هناك احتمال كبير بأنّه كان مفتعلاً؛ لكن لا يمكننا استبعاد أي فرضية حالياً».

حرائق اليونان

أما في اليونان التي تشهد هي أيضاً موجة حرائق، فقد أعلنت سلطاتها أنّها عثرت، الاثنين، على عجوز فارق الحياة في منطقة بويتا (وسط)، بينما تواصل فرق الإطفاء مكافحة بؤر نيران جديدة.

وقال متحدث باسم إدارة الإطفاء لوكالة «الصحافة الفرنسية»: إن «راعياً عجوزاً ركض إلى حظيرته لإنقاذ ماشيته، وعُثر عليه ميتاً. ربما اختنق بسبب الدخان».

ألسنة اللهب تلتهم غابات بالقرب من برودروموس في أثينا (أ.ف.ب)

وأمرت السلطات بإجلاء السائحين الموجودين على شاطئ قريب. وتدخّل في الموقع نحو 56 من عناصر الإطفاء، تؤازرهم 4 طائرات.

واندلع حريق آخر في جزيرة إيفيا؛ حيث يعمل 42 من رجال الإطفاء و4 طائرات على إخماد النيران؛ كما سُجّل اندلاع حريقين في شمال شرقي اليونان في منطقتي رودوبي وكافالا، في حين اندلع حريق ثالث في مدينة أسبروبيرغوس الواقعة غرب أثينا.

وتواصلت الحرائق لليوم الثالث على التوالي في شمال شرقي اليونان، بالقرب من مدينة أليكساندروبوليس الساحلية.

ونُقل 7 من عناصر الإطفاء ومتطوّع مصاب إلى المستشفى لتلقي العلاج.

وأعلن الاتحاد الأوروبي أنه أرسل طائرتين من قبرص لمكافحة الحرائق، إضافة إلى فريق من عناصر الإطفاء الرومانيين عبر آلية الحماية المدنية الأوروبية.

وقال المفوض الأوروبي لإدارة الأزمات يانيز لينارتشيتش، إنّ «اليونان سبق أن شهدت أسوأ شهر يوليو (تموز) منذ عام 2008 على صعيد حرائق الغابات»، مضيفاً أن «الحرائق باتت أكثر حدّة وعنفاً وتدمّر مساحات أكبر من السابق».

وحذّرت سلطات الحماية المدنية، الاثنين، من خطر نشوب حريق «ضخم» في منطقة العاصمة أثينا، ومناطق أخرى في جنوب اليونان.

هليكوبتر تحاول إخماد حريق هائل بالقرب من قرية أسكليبيو في جزيرة رودوس اليونانية (رويترز)

وقال المتحدث باسم إدارة الإطفاء، يانيس أرتوبيوس، في تصريحات للتلفزيون: «نواجه ظواهر قصوى، وعلينا جميعاً أن نتأقلم مع هذا الوضع الصعب».

ومن المتوقع أن تستمرّ في اليونان حتى الجمعة الأحوال الجوية شديدة الحرارة والجافّة التي تزيد من مخاطر اندلاع الحرائق.

وأُخلي نحو 12 بلدة خلال نهاية الأسبوع، وحضّت سلطات الحماية المدنية السكّان على البقاء في منازلهم بسبب الدخان.

واندلع حريق في 18 يوليو أجّجته رياح عاتية، وأتى خلال 10 أيام على نحو 17770 هكتاراً في جنوب جزيرة رودوس الواقعة في بحر إيجه (جنوب شرق). وقد أجلي نحو 20 ألف شخص، معظمهم من السائحين.

وفي أواخر يوليو، شهدت البلاد أكبر موجة حرّ بالنسبة لهذا الشهر من كل عام، تجاوزت الحرارة خلالها 40 درجة مئوية في كثير من الأماكن، وفقاً لمرصد أثينا الوطني.


مقالات ذات صلة

عاصفة ترابية تُربك تنقلات المصريين وتُعكّر الأجواء

يوميات الشرق العواصف الترابية تؤثر على القيادة (الشرق الأوسط)

عاصفة ترابية تُربك تنقلات المصريين وتُعكّر الأجواء

شهدت مدن مصرية، الجمعة، بينها القاهرة والإسكندرية، عاصفة ترابية أدَّت إلى حجب الرؤية لمسافات بعيدة.

محمد الكفراوي (القاهرة )
الولايات المتحدة​ منازل متضررة جراء الطقس السيئ في ولاية كارولاينا الشمالية (الوكالة الفيدرالية لإدارة الطوارئ)

إدارة ترمب توافق على إعلان كوارث كبرى في 7 ولايات بسبب الطقس السيئ

وافقت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب هذا الأسبوع على طلبات إعلان كوارث كبرى لسبع ولايات على الأقل.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
يوميات الشرق درجات الحرارة ستكون أقل من المعدل الطبيعي لمدة أسبوعين اعتباراً من نهاية أبريل (واس)

مركز الأرصاد السعودي: لا دلائل على صيف مبكر

أكّد المركز السعودي للأرصاد عدم وجود مؤشرات مناخية تدل على صيف مبكر في البلاد، لافتاً إلى تماشي الأنماط الجوية الحالية مع المعدلات الموسمية المعتادة.

«الشرق الأوسط» (جدة)
آسيا رجل يسير على طول طريق غمرتها المياه بينما تتسبب الأمطار الغزيرة بفيضانات في بيشاور بباكستان (أ.ف.ب)

عواصف تحصد 188 قتيلاً في باكستان وأفغانستان

أفادت وكالات إدارة الكوارث في أفغانستان وباكستان، الثلاثاء، بمقتل نحو 188 شخصاً جراء أمطار غزيرة وفيضانات وثلوج تضرب البلدين منذ أكثر من أسبوعين.

«الشرق الأوسط» (كابل - إسلام آباد)
يوميات الشرق شارع جامعة الدول العربية الخميس (تصوير: عبد الفتاح فرج)

«فصول السنة» في يوم واحد... اضطرابات جوية تضرب مصر

ضربت مصر الخميس موجة قوية من الاضطرابات الجوية وعدم الاستقرار تمثلت في تصاعد كثيف للأتربة وتدهور ملحوظ بالرؤية الأفقية.

محمد السيد علي (القاهرة)

المخرج الفلسطيني أحمد الدنف: نوثّق حياة غزة بعيداً عن صورة الحرب

أحمد الدنف خلال التصوير (فيسبوك)
أحمد الدنف خلال التصوير (فيسبوك)
TT

المخرج الفلسطيني أحمد الدنف: نوثّق حياة غزة بعيداً عن صورة الحرب

أحمد الدنف خلال التصوير (فيسبوك)
أحمد الدنف خلال التصوير (فيسبوك)

قال المصوّر والمخرج الفلسطيني أحمد الدنف إنّ فكرة فيلم «ضايل عنا عرض» بدأت مع مخرجته مي سعد، التي كانت تسعى في البداية إلى توثيق ما يحدث داخل غزة عبر تسجيلات صوتية تعكس تفاصيل الحياة اليومية، قبل أن تتطوّر الفكرة لاحقاً إلى مشروع بصري، لافتاً إلى أنّ التعارف بينهما حصل عن طريق المصوّر محمد سالم، وكان نقطة تحوّل مع اقتراح تحويل المشروع إلى تصوير فيديو، ومن خلاله جرى التواصل مع عدد من المصوّرين داخل القطاع.

وأضاف الدنف، الذي لا يزال موجوداً داخل غزة، لـ«الشرق الأوسط»، أنه تلقّى الفكرة بشكل مباشر من مي سعد، التي كانت تتابع عمل فريق السيرك في القطاع، مشيراً إلى أنه شَعَر منذ اللحظة الأولى بأنّ المشروع مختلف وقريب من روحه؛ لأنه لا يركّز على الحرب بقدر ما يسلّط الضوء على الحياة داخل غزة.

وأكد أن ما جذبه للمشاركة هو صدق الفكرة وبساطتها؛ إذ يسعى الفيلم إلى الاقتراب من الناس وتفاصيلهم ومحاولاتهم المستمرة للتمسّك بالحياة، لينطلقوا في العمل على المشروع خطوة خطوة حتى خرج بالشكل الذي يُعبّر عنهم، ويحكي قصتهم.

المخرج والمصوّر الفلسطيني أحمد الدنف صوَّر غزة من زاوية أخرى (فيسبوك)

الفيلم، الذي حصد عدداً من الجوائز، وعُرض للمرة الأولى في النسخة الماضية من مهرجان «القاهرة السينمائي»، صُوِّر في غزة عام 2024 خلال الحرب، ويتتبّع «سيرك غزة الحرّ» الذي أسّسته مجموعة من الشباب الفلسطينيين الذين رفضوا الاستسلام لليأس رغم الإبادة الجماعية التي يشهدها القطاع، وبين الملاجئ والشوارع المهدّمة وركام المباني المنهارة يواصلون تقديم عروضهم للأطفال، ويذهبون إليهم في كلّ مكان ليمنحوهم لحظات من الفرح والأمل في ظلّ قسوة الواقع الذي يعيشونه.

ووصف الدنف تجربته في العمل مع المخرجة مي سعد بأنها «مميّزة»، لكونها اعتمدت على الثقة والتفاهُم منذ البداية، مع تمتّعها بحسّ إنساني عالٍ، وحرصها على تقديم القصة بصدق من دون مبالغة أو استغلال، وهو ما عدَّه عنصراً مهماً، إلى جانب مساحة واسعة للنقاش وتبادل الأفكار، التي منحته حرّية كبيرة بكونه مصوّراً للعمل انطلاقاً من إحساسه وقربه من الواقع الذي يعيشه في غزة، في مقابل وضوح الرؤية الإخراجية لديها، الأمر الذي خلق توازناً بين الرؤية والتنفيذ.

وأكد أنّ التصوير داخل غزة يُمثّل تحدّياً مستمراً، ليس فقط على المستوى التقني، بل على المستويين الإنساني والنفسي أيضاًح لأنهم عملوا في ظروف غير مستقرّة، من بينها انقطاع الكهرباء، وصعوبة التنقل، ووجود مخاطر أمنية في أيّ لحظة، إلى جانب محدودية الإمكانات التي شكّلت تحدّياً إضافياً، سواء على مستوى المعدات أو الموارد، ممّا فرض عليهم البحث الدائم عن حلول سريعة ومرنة لمواصلة العمل دون فقدان اللحظة.

المخرجة مي سعد خلال مناقشة الفيلم في مهرجان «مالمو» (حساب الدنف في «فيسبوك»)

ولفت إلى أنّ التحدّي الأكبر تمثّل في الحفاظ على التوازن بين توثيق الحقيقة واحترام مشاعر الناس، في ظلّ التعامل مع قصص حسّاسة، وهي تحدّيات يرى أنها منحت الفيلم قوته وصدقه، مع أمنيته بأن يرى الجمهور غزة من زاوية مختلفة، ليس فقط على هيئة أرقام أو أخبار، بل حياة حقيقية مليئة بالمشاعر والأحلام.

وأوضح أنّ الفيلم يُمثّل محاولة للتأكيد على أنّ هناك دائماً مساحة للحياة والفنّ والأمل حتى في أقسى الظروف، مشيراً إلى أنّ عنوان «ضايل عنا عرض» يعكس فكرة الاستمرار والتمسك بالحياة.

وعن تكريمه في مهرجان «الإسكندرية السينمائي للفيلم القصير»، قال الدنف إنه استقبل الخبر بمشاعر مختلطة بين الفرح والمسؤولية؛ لأنّ التقدير في ظلّ هذه الظروف الصعبة يحمل قيمة كبيرة، لكنه في الوقت عينه ليس إنجازاً فردياً، بل يعود إلى كلّ مَن شارك في هذه الرحلة، ولكلّ الأشخاص الذين وثَّق قصصهم؛ لأنّ المهرجان يتمتّع بمكانة مهمّة، وحضوره فيه يُمثّل رسالة بأنّ الصوت والصورة القادمين من غزة قادران على الوصول إلى منصات مؤثرة.

وأشار إلى أنّ التكريم، على المستوى الشخصي، يُمثّل تقديراً لمسيرة مليئة بالتحدّيات، بينما يمنحه مهنياً دفعة للاستمرار والتطور، مع شعور متزايد بالمسؤولية لتقديم أعمال على قدر الثقة.

وعن فيلم «الرجل الذي يطعم أطفال غزة»، أوضح الدنف أنه يأتي في إطار تسليط الضوء على قصص إنسانية حقيقية من داخل غزة، ويركّز على شخصية حمادة شقورة، الذي اختار، رغم الظروف الصعبة، تكريس جهده لتوفير الطعام للأطفال، مشيراً إلى أنه نموذج إنساني بسيط لكنه عميق، وأن قطاع غزة مليء بالقصص الإنسانية الملهمة والمؤثرّة عالمياً.

وأكد أنّ ما جذبه لهذه القصة هو ابتعادها عن الصورة النمطية للحرب، وتركيزها على قيم التضامن والعطاء، خصوصاً تجاه الأطفال، لافتاً إلى أنّ الفيلم توثيقي بحت، قائم بالكامل على الواقع من دون إعادة تمثيل أو تدخُّل درامي، حيث اعتمد على الملاحظة والتوثيق المباشر، مع حضور الجانب السينمائي فقط في الاختيارات البصرية من دون المساس بحقيقة الحدث.

فيلم «ضايل عنا عرض» شارك في «مالمو للسينما العربية» (إدارة المهرجان)

وعن أكثر المشاهد تأثيراً، أشار إلى لحظات انتظار الأطفال للطعام، وما تحمله من مزيج بين الحاجة والأمل، مؤكداً أنّ هذه التفاصيل الصغيرة تحمل ثقلاً إنسانياً كبيراً.

وأكد أنّ تجربة التصوير في غزة تعني العيش داخل الواقع نفسه، وليس مجرد توثيقه، وهو ما يفرض مسؤولية مضاعفة، في ظلّ صعوبة التوازن بين كونه جزءاً من القصة ومصوراً يسعى إلى نقلها بصدق، لافتاً إلى تعرّضه لخسائر كبيرة في معدّاته نتيجة القصف، حيث فقد جزءاً منها مع تدمير منزله، ثم خسر معدات أخرى وسيارته خلال النزوح؛ ما شكّل تحدّياً إضافياً على المستوى المهني.

وأشار إلى أنه لم يكن أمامه خيار سوى الاستمرار؛ لأنّ القصة كانت دائماً أهم من الأدوات، واضطر إلى العمل بالإمكانات المتاحة رغم صعوبتها؛ لأن محدودية الإمكانات قد تؤثر تقنياً في جودة الصورة، لكنها أحياناً تمنحها قوة أكبر لجهة الإحساس والصدق، وهو ما تحقّق عبر اعتماده على حلول بديلة مثل الإضاءة الطبيعية، وتبسيط أسلوب التصوير، والتركيز على اللحظة.

وختم حديثه بالتأكيد على أنّ الاستمرار في ظلّ هذه الظروف ليس سهلاً، لكنه مدفوع بإحساس عميق بالمسؤولية قبل الشغف، مع رؤيته لنفسه جزءاً من الواقع في ظلّ وجود قصص لا بد أن تُروى؛ ما يدفعه إلى مواصلة العمل رغم كلّ التحدّيات.


لماذا يشعر مصريون بزلازل جزيرة كريت اليونانية؟

منطقة شمال مصر لا تقع ضمن نطاق نشاط زلزالي مباشر (تصوير: عبد الفتاح فرج)
منطقة شمال مصر لا تقع ضمن نطاق نشاط زلزالي مباشر (تصوير: عبد الفتاح فرج)
TT

لماذا يشعر مصريون بزلازل جزيرة كريت اليونانية؟

منطقة شمال مصر لا تقع ضمن نطاق نشاط زلزالي مباشر (تصوير: عبد الفتاح فرج)
منطقة شمال مصر لا تقع ضمن نطاق نشاط زلزالي مباشر (تصوير: عبد الفتاح فرج)

ضرب زلزال بقوة 5.77 درجة على مقياس ريختر، صباح الجمعة، منطقة شمال مدينة مرسى مطروح المصرية (شمال غربي مصر) المطلة على البحر المتوسط، بالتزامن مع هزة أرضية شهدتها جزيرة كريت اليونانية، دون تسجيل خسائر في الأرواح أو الممتلكات.

وأعلن المعهد القومي للبحوث الفلكية والجيوفيزيقية في مصر، أن محطات الشبكة القومية لرصد الزلازل سجلت الهزة على بُعد نحو 412 كيلومتراً شمال مرسى مطروح، في تمام الساعة 5:18 صباحاً بالتوقيت المحلي، وعلى عمق 26.85 كيلومتر.

وأوضح المعهد، في بيان، أن بعض المواطنين شعروا بالهزة بشكل خفيف، دون وقوع أي أضرار.

وفي التوقيت ذاته تقريباً ضرب زلزال بقوة 5.7 درجة الساحل الجنوبي لجزيرة كريت في اليونان. وذكر معهد الجيوديناميكا التابع للمرصد اليوناني في أثينا، أن مركز الزلزال وقع على بُعد نحو 23 كيلومتراً جنوب غربي مدينة لاسيثي، وعلى عمق 9.7 كيلومتر، دون ورود تقارير فورية عن إصابات أو أضرار.

وكانت مدينة مرسى مطروح قد شهدت قبل أسبوعين هزة أرضية أخرى، وقعت على بُعد 659 كيلومتراً شمال غربي المدينة، يوم 8 أبريل (نيسان) الحالي عند الساعة 1:35 مساءً بالتوقيت المحلي، وبلغت قوتها 4.8 درجة على مقياس ريختر. وأكد المعهد القومي للبحوث الفلكية آنذاك عدم تلقيه أي بلاغات بشأن الشعور بالهزة داخل مصر، وعدم تسجيل أي خسائر.

«مسافة آمنة»

من جانبه، قال الدكتور شريف الهادي، رئيس قسم الزلازل بالمعهد القومي للبحوث الفلكية، إن جزيرة كريت اليونانية تُعد من أكثر المناطق نشاطاً في الهزات الأرضية في حوض البحر المتوسط وعلى مستوى العالم؛ نظراً لموقعها الجيولوجي الفريد الذي يضعها في قلب حزام «شرق المتوسط» الزلزالي النشط، ما يؤدي إلى تكرار حدوث الهزات الأرضية فيها.

وأضاف في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن منطقة شمال مصر لا تقع ضمن نطاق نشاط زلزالي مباشر، وأن الهزة التي شعر بها سكان مرسى مطروح بشكل خفيف تعود إلى تأثر المنطقة بنشاط زلزالي من مكان آخر، مصدره جزيرة كريت، الواقعة ضمن هذا الحزام الزلزالي النشط.

شدة الشعور بالزلازل تتراجع كلما زادت المسافة بين مركز الزلزال والحدود المصرية (تصوير: عبد الفتاح فرج)

وأوضح أن شدة الشعور بالزلازل تتراجع كلما زادت المسافة بين مركز الزلزال والحدود المصرية، مشيراً إلى أن زلزال كريت الأخير وقع على «مسافة آمنة» تتجاوز 400 كيلومتر من أقرب نقطة للحدود المصرية.

وأكد رئيس قسم الزلازل بالمعهد القومي للبحوث الفلكية، أن مصر تقع على «مسافة آمنة» جغرافياً من حزام «شرق المتوسط» الزلزالي، وهو ما يفسر عدم شعور سكان مصر في أغلب الأحيان بالهزات الخفيفة المتكررة التي تضرب جزيرة كريت، خصوصاً مع وقوع معظمها على أعماق ضحلة داخل البحر، حيث تُمتص نسبة كبيرة من طاقتها؛ لذلك يقتصر التأثير غالباً على الإحساس بالهزات المتوسطة أو القوية التي تضرب كريت، لكن دون تسجيل أضرار في البنية التحتية بمصر، نتيجة تشتت الطاقة الزلزالية قبل وصولها إلى اليابسة.

وأشار الهادي إلى أن درجة الإحساس بهذه الهزات الأرضية داخل مصر تختلف باختلاف طبيعة التربة والتركيب الجيولوجي؛ فالموجات الزلزالية تمر بسرعة أكبر عبر الصخور الصلبة في المناطق الجبلية، ما يقلل الإحساس بها، في حين تتباطأ وتزداد شدتها عند انتقالها إلى التربة الرسوبية الرخوة في وادي النيل والدلتا، وهو ما يطيل مدة الاهتزاز ويزيد من الإحساس به، خصوصاً لدى سكان المباني المرتفعة، وتزداد احتمالات الشعور بالهزات في المدن الساحلية مثل الإسكندرية ومرسى مطروح؛ نظراً لقربهما الجغرافي من سواحل البحر المتوسط.


حركات بطيئة... نتائج أقوى: تمارين خفيفة تُعزّز العضلات بلا إرهاق

الجهد الذكي طريقٌ أقصر للقوة (جامعة إديث كوان)
الجهد الذكي طريقٌ أقصر للقوة (جامعة إديث كوان)
TT

حركات بطيئة... نتائج أقوى: تمارين خفيفة تُعزّز العضلات بلا إرهاق

الجهد الذكي طريقٌ أقصر للقوة (جامعة إديث كوان)
الجهد الذكي طريقٌ أقصر للقوة (جامعة إديث كوان)

أظهرت دراسة أجرتها جامعة إديث كوان الأسترالية أنّ تقوية العضلات وزيادة القوة البدنية لا تتطلَّب بالضرورة مجهوداً مُرهِقاً أو تمارين عالية الشدّة، بل يمكن تحقيق نتائج فعّالة من خلال أداء حركات بطيئة ومتحكم بها.

وأوضح الباحثون أنّ فاعلية التمارين لا ترتبط بالجهد الشديد بقدر ما ترتبط بطريقة أداء الحركة نفسها، وهو ما قد يُغيّر المفهوم الشائع عن اللياقة البدنية مستقبلاً. ونُشرت النتائج، الخميس، في دورية علمية متخصّصة في علوم الرياضة والصحة.

ويقوم الاعتقاد السائد لدى كثيرين على أنّ بناء العضلات وتحسين اللياقة يرتبطان بالتمارين الشاقة ورفع الأوزان الثقيلة أو ممارسة النشاط البدني لمدّة طويلة، وصولاً إلى الإرهاق أو الشعور بالألم العضلي بعد التمرين، على أساس أن «لا فائدة من دون معاناة»، وإنما الدراسة الجديدة تشير إلى أن هذا التصور ليس دقيقاً في جميع الحالات.

وأظهرت النتائج أن بعض أنواع التمارين، مثل التمارين اللامركزية، يمكن أن تُحقّق فوائد ملحوظة للعضلات والقوة البدنية من دون الحاجة إلى مجهود بدني شديد أو تدريب مرهق كما هو شائع في التمارين التقليدية.

وتعتمد التمارين اللامركزية على عمل العضلات خلال إطالتها تحت تأثير مقاومة أو وزن، بدلاً من انقباضها لرفع الحمل. ويحدث ذلك خلال مرحلة «خفض الحركة»، مثل إنزال الأثقال تدريجياً، أو النزول على الدرج، أو الجلوس على الكرسي ببطء.

وتتميّز هذه التمارين بقدرتها على زيادة قوة العضلات وتحسين أدائها مع استهلاك طاقة أقل مقارنة بالتمارين التقليدية. كما أنها تُقلل الضغط الواقع على الجسم، ممّا يجعلها خياراً مناسباً لفئة واسعة من الأشخاص، بمن فيهم كبار السنّ ومرضى الأمراض المزمنة، نظراً إلى كونها أقل إجهاداً للقلب والرئتين.

وتشمل الأمثلة البسيطة لهذه التمارين التي يمكن ممارستها في المنزل: القرفصاء باستخدام الكرسي عبر الجلوس ببطء ثم الوقوف تدريجياً لتقوية عضلات الفخذين والأرداف، وخفض الكعبين من خلال الوقوف على أطراف الأصابع ثم إنزال الكعبين ببطء لتقوية عضلات الساقين، وتمارين الضغط على الحائط عبر دفع الجسم نحو الحائط ثم العودة ببطء لتقوية عضلات الصدر والذراعين بطريقة آمنة وسهلة. ويمكن أن تُحقّق هذه التمارين تحسينات صحية ملموسة في مدة لا تتجاوز 5 دقائق يومياً.

ورغم احتمال الشعور ببعض آلام العضلات في البداية، خصوصاً عند عدم الاعتياد عليها، فإنّ هذه التمارين لا تتطلّب الألم لتحقيق الفائدة الصحية.

وقال الباحث الرئيسي في الدراسة بجامعة إديث كوان، الدكتور كين نوساكا، إنّ الاعتقاد بأنّ التمرين يجب أن يصل إلى حد الإرهاق الكامل يُثني كثيرين عن ممارسة النشاط البدني بانتظام.

وأضاف نوساكا، عبر موقع الجامعة: «بدلاً من ذلك، ينبغي التركيز على التمارين اللامركزية التي تُحقّق نتائج أقوى بجهد أقل بكثير من التمارين التقليدية، ومن دون الحاجة حتى إلى صالة رياضية، ممّا يجعلها عملية وسهلة الاستمرار».