مع عازف البيانو ألف أبي سعد وعازفيه المتعدّدي الجنسية، قضى جمهور «مهرجانات بيبلوس» ليلته المُنتظرة، مساء أمس (الثلاثاء)، مع موسيقى الـ«فيوجن» المُتداخلة بالريبرتوار اللبناني والأغنيات العربية، والمُمتزجة بالرآي والجاز والفلامنكو.
هي ليلة استثنائية لأبي سعد الذي بدأ جولته «من لبنان إلى العالم»، في الأشهر الماضية، في مدن كندية، ويُكملها بدءاً من أكتوبر (تشرين الأول) المقبل في مدن أوروبية، تليها أميركية. مرفأ بيبلوس، محطة خاصة وعزيزة على قلب الفنان، ابن المنطقة الذي قال إنها ليلة مختلفة؛ لكونه يعزف بين أهله وأقربائه وعائلته ومحبّيه من مواطنيه.
كما وعد جمهوره، جاء الحفل حيوياً ونابضاً بالنسبة إلى حضور بات يطلب الاستمتاع والفرح قبل أي شيء آخر.

معزوفة «لا فيفا إسبانيا» كانت الفاتحة، ومن بعدها «يا رايح وين مسافر»؛ تلك الأغنية التي أحبّها الناس وإنْ لم يفهموا من لهجتها المغاربية سوى مطلعها؛ تلتها «فطوم، فطوم، فطومة» التي نادراً ما يحظى موسيقيون بشجاعة عزفها على مسرح، لطبيعتها الشعبية الخالصة منذ انطلقت وارتبطت باسم دريد لحام.
عزف ألف من ألبوماته بعض المقطوعات الشهيرة، إحداها حملت تحية لضحايا انفجار المرفأ عام 2020، الذي صدفت ذكراه الأليمة الثالثة قبل أيام. «أردتُ من هذا اللحن الذي وضعته في وقت محزن أن أقول (خلص). نحن بهذه الموسيقى نصلّي لمَن فقدناهم ونعطي أملاً لأهلهم وعائلاتهم»، توجّه ألف لجمهوره.

رافقت الراقصة المكسيكية كارين لوغو بعض المعزوفات بجسدها المُدرّب على إيقاعات الفلامنكو؛ وتمكّن الموسيقيون، كلٌّ بدوره، أن يقدّموا المعزوفات التي تبرز مهاراتهم على آلاتهم. تجلّى العازف المميز جهاد أسعد، أحد أشهر عازفي القانون في العالم العربي، فأمتع الحضور بإطلالته ومعزوفاته التي شارك بها ألف، وفي قدرته على التحرّك الأخّاذ على المسرح وهو يحمل آلته ويجول بها، على عكس عازفي القانون الذين نعرفهم. فقد ابتكر هذا الفنان «ستاند» أو محملاً يستطيع بواسطته أن يحمل القانون ويجول به وهو يعزف تماماً كما عازف الغيتار أو الكمان. تحرّر من الكرسي، فحرّر موسيقاه من عوائق كثيرة.
وجدت كل آلة دورها في الإمتاع، وأُتيح لكل عازف إبراز قدارته العزفية، ليقدّم ألف موسيقييه للحضور بمواهبهم الاستثنائية؛ منهم عازف الهارمونيكا أنطونيو سيرانو الحائز جائزة «غرامي» اللاتينية، كذلك يلسي هيريديا على الباص، وعازف الإيقاع باندوليرو. فالعازفون آتون من كوبا، والمكسيك، وكندا، ورومانيا، ونيجيريا ودول أخرى، وهم يجوبون العالم مع ألف، وبعضهم كان برفقته عام 2001 في حضوره الأول على مسرح بيبلوس.
بطبيعة الحال، الرآي عشق الحضور ومثار حماستهم، لكن معزوفة «ميس الريم» لفيروز بدت من بين الأكثر تحريكاً للحاضرين؛ كذلك أغنيات زكي ناصيف الذي قال ألف إنه عزف أغنياته في طفولته، خصوصاً «نقيلي أحلى زهرة» التي وزّعها على طريقته، و«طلّوا حبابنا طلّوا».

لم يدّخر الفنان جهداً ليقدّم كل المقطوعات المُختارة موزّعةً وفق نهجه ورؤيته، وهو ربما ما يشكل فرادة أي موسيقي وعازف لا يشاء تكرار موسيقات الآخرين ببغائية.
المغنية جنى سلامة رافقت بعض المعزوفات بمزج بين أغنيات مغاربية وعربية شرقية، بدأتها بأغنية «غير أنت ساكن قلبي» وهي تعزف على الغيتار، قبل أن تنتقل إلى «وحشاني الدنيا في بلدي»، وأغنيات أخرى.
أمتع الحفل الحضور بما بات يُعرف بـ«موسيقات العالم»، وهو نوع يحبّه بعض الجمهور ولا يفهمه بعض آخر، لكن لا يمكن للموسيقى، أياً كان نوعها، حين تحرّكها أنامل محترفة، إلا أن تجلب السعادة والمتعة.







