كيف يموت إنسان بسبب ارتفاع درجات الحرارة؟

توفي 60 ألف شخص في أوروبا وحدها الصيف الماضي

رجل يلجأ إلى نافورة خلال يوم صيفي حارّ في مدريد (أ.ب)
رجل يلجأ إلى نافورة خلال يوم صيفي حارّ في مدريد (أ.ب)
TT

كيف يموت إنسان بسبب ارتفاع درجات الحرارة؟

رجل يلجأ إلى نافورة خلال يوم صيفي حارّ في مدريد (أ.ب)
رجل يلجأ إلى نافورة خلال يوم صيفي حارّ في مدريد (أ.ب)

بلغت درجات الحرارة العالمية مستويات غير مسبوقة، ما أثار حفيظة سكان كوكب الأرض وقلقهم. ويقول خبراء إنّ «مثل هذه الموجات الحارة أصبحت أكثر شيوعاً بسبب تغيُّر المناخ، ويمكن أن تضع أجسامنا تحت ضغط شديد، ما يؤدّي في بعض الأحيان إلى الإصابة بالجفاف وضربات الشمس والموت».

وتضرب موجات الحرّ التي حطّمت أرقاماً قياسية معظم بلدان العالم، ما يطرح تساؤلات عدّة عن مدى تأثير درجات الحرارة الشديدة في صحة الإنسان البدنية والعقلية، والمقدار الذي يتحمّله الجسم؟ وهل يمكن أن تؤدّي تلك التأثيرات إلى الموت؟

فمع ارتفاع الحرارة، يكافح الجسم للحفاظ على درجة حرارته الطبيعية عند معدّل 37 درجة مئوية. إذ يرفع القلب وتيرته ويرسل العرق لتهدئة سطح الجلد. كما تتمدّد الأوعية الدموية في الجلد أيضاً وتُطلق الحرارة. لكن إذا طغت الحرارة على منظِّمات درجة الحرارة في الجسم، فقد تسبّب أعراضاً مثل «التعب والصداع والحمى واضطراب النوم»، وفق الخبراء. وتُعدّ ضربات الشمس من أخطر الأمراض المرتبطة بالحرارة.

مشهد من طوكيو حيث تُحمل الشماسي للوقاية من حرارة الشمس (أ.ف.ب)

في هذا السياق، حذّرت «المنظمة العالمية للأرصاد الجوية»، في 18 يوليو (تموز) الماضي، من أنّ درجات الحرارة المرتفعة «تشكّل خطورة على صحة الإنسان، لأنّ الجسم لا يحصل على فرصة للتعافي». وقدّرت دراسة نشرت في الشهر عينه، بـ«نيتشر ميديسين»، حصيلة أعداد الوفيات جراء الارتفاع الشديد للحرارة الصيف الماضي بأوروبا وحدها بما يزيد على 60 ألف شخص.

وتشيع الآن ظاهرة موجات حرّ متزامنة تشمل أميركا الشمالية وأجزاء من آسيا وشمال أفريقيا وإقليم البحر الأبيض المتوسط، مع درجات حرارة تتخطى 40 درجة مئوية، لأيام طويلة.

من هنا، يقول أستاذ علوم البحار الفيزيائية في جامعة الإسكندرية المصرية، الدكتور محمد شلتوت السيد، إنّ «ارتفاع درجات الحرارة عالمياً يُعدّ نتيجة لزيادة معدّلات غازات الدفيئة في الغلاف الجوي، حيث تمنع الأشعة المرتدّة من الكرة الأرضية من مغادرة هذا الغلاف»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط»: «المشكلة الأكبر هي ما ينتج عن ذلك من ظواهر مناخية مثل الموجات الحرارية (زيادة درجات الحرارة عن المعدّلات الطبيعة لفترة تصل إلى 5 أيام أو أكثر)، ما سيؤثر بشدّة في صحة سكان الكوكب».

الهروب إلى الشاطئ الملاذ الأخير للنجاة من هستيريا الحرّ (أ.ف.ب)

ويمكن أن يكون للتعرّض لدرجات الحرارة الشديدة «تأثير كبير في نظام القلب والأوعية الدموية»، كما يشير أستاذ مساعد أمراض القلب والأوعية الدموية في كلية الطب بجامعة بنها المصرية، الدكتور أحمد محمود بنداري. ويضيف لـ«الشرق الأوسط»: «استجابة الجسم الطبيعية للحرارة تتمثّل في زيادة معدّل ضربات القلب وضغط الدم لتوزيع الدم بشكل أكثر كفاءة وتبديد الحرارة، ما قد يشكل ضغطاً على نظام القلب والأوعية الدموية. إلى ذلك، فإنّ التعرق هو الطريقة الأساسية لتهدئة الجسم، لكنه قد يؤدّي إلى الجفاف».

ويوضح: «يمكن أن يتسبّب الجفاف بانخفاض ضغط الدم، ما قد يزيد من إجهاد القلب. وقد تزيد الحرارة أيضاً من خطر الإصابة بجلطات الدم التي تمنع تدفّق الدم إلى القلب أو الدماغ أو الأعضاء الأخرى، ما قد يؤدّي إلى نوبة قلبية أو سكتة دماغية أو مضاعفات خطيرة تنتهي بالوفاة».

ويمكن للرطوبة أثناء موجات الحرارة أن تطغى على الجسم. ويساعد التعرّق على تبريده عن طريق تبخّر الجلد، لكن إن كان الجوّ شديد الرطوبة، فلا يمكن للعرق أن يتبخّر.

ويقاس مزيج الحرارة والرطوبة بما يُعرف بدرجة حرارة «البُصَيلة الرطبة». عنها قال الباحث في وكالة «ناسا» كولين ريموند: «إذا كانت الرطوبة منخفضة ودرجة الحرارة مرتفعة، أو العكس، فمن المحتمل ألا تقترب درجة حرارة البصيلة الرطبة من نقطة تحمّل جسم الإنسان. لكن عندما تكون الرطوبة ودرجة الحرارة مرتفعتَيْن، فيمكن أن تقترب درجة حرارتها من مستويات خطيرة على حياته».

وأضاف في تصريح سابق لموقع «الوكالة»: «عندما تكون درجة حرارة الهواء 38.9 درجة مئوية والرطوبة النسبية 77 في المائة مثلاً، تصبح درجة حرارة البصيلة الرطبة نحو 35 درجة مئوية، وهي أعلى درجة حرارة للبصيلة الرطبة يمكن أن يتحمّلها جسم الإنسان»، مشدداً على أنّ «درجات حرارة البصيلة الرطبة تشهد الآن ارتفاعاً في جميع أنحاء العالم».

وعن تأثير ارتفاع درجات الحرارة على الصحة النفسية والعقلية والسلوك الإنساني، يعلّق استشاري الطب النفسي وعلاج الإدمان الدكتور إيهاب الخراط: «تشير دراسات كثيرة إلى ارتباط ارتفاع درجة الحرارة بالسلوك العدواني والعنف الصريح، بسبب الشعور بالانزعاج من الحرّ والتأثير غير المباشر جراء ارتفاع إفرازات هرمونات مرتبطة بالعدوانية، منها التستوسترون، أو الاختيار بين العدوانية والهروب، منها الأدرينالين».

يضيف لـ«الشرق الأوسط»: «وجدت البحوث العلمية أيضاً أنّ ارتفاع درجة الحرارة يرتبط بارتفاع معدّلات القلق عند كثيرين، كما يرتبط بزيادة حالات الانتحار وانتكاس مرضى ثنائي القطب (الهوس والاكتئاب) ومرضى الفصام».

يبقى البحر وُجهة الساعين إلى تحدّي الحرارة (أ.ف.ب)

الفئات الأكثر عرضة

أما رئيس «منظمة الصحة العالمية» تيدروس أدهانوم غيبريسوس، فقال إنّ «الحرارة الشديدة تُلحق أكبر الخسائر بأولئك الأقل قدرة على إدارة عواقبها، مثل كبار السن والرضَّع والأطفال والفقراء والمشرّدين». وأضاف خلال مؤتمر صحافي في يوليو (حزيران) الماضي: «التعرّض للحرارة المفرطة له تأثيرات واسعة النطاق على الصحة، وقد يؤدّي إلى الوفاة المبكرة والعجز».

كذلك أبدت مديرة الصحة العامة والبيئة في المنظمة، ماريا نيرا، قلقها بشكل خاص بشأن النساء الحوامل والأشخاص المصابين بداء السكري وأمراض القلب والأوعية الدموية والربو.

ويُعدّ الأطفال الذين تقلّ أعمارهم عن خمس سنوات، أكثر الفئات عرضة للمخاطر خلال موجات الحرّ. ومع تقدُّم العمر، تقلّ الغدد العرقية، ما يجعل كبار السنّ أقل قدرة على التحكّم بدرجة حرارتهم. وتعمل هذه الغدد خلال موجات الحرّ ليلاً ونهاراً. وبعد بضعة أيام، تُنهك وتنتج عرقاً أقل، ما يزيد من درجة حرارة الجسم.

ما يجب القيام به

عن سبل الوقاية، يقول بنداري: «ينبغي الحفاظ على رطوبة الجسم بشرب السوائل، وتجنّب النشاط الشاق وضرورة أخذ فترات راحة، وارتداء ملابس فضفاضة فاتحة اللون وواقية من الشمس»، مؤكداً أهمية «العناية الطبية إن كان الشخص يعاني أعراض الإجهاد الحراري، أو ضربة شمس، أو غيرها من مضاعفات القلب والأوعية الدموية».

أما كبير مستشاري «المنظمة العالمية للأرصاد الجوية» جون نيرن، فيُلخّص: «من الضروري الاستعداد والتكيف». ووفق المنظمة، ثمة حاجة لاستراتيجيات استجابة وخطط اتصال مجرَّبة ومُختَبرة ومحدَّثة لاستهداف عامة السكان والفئات الضعيفة والمهمّشين.


مقالات ذات صلة

غواص ينزل إلى أعماق متجمِّدة ويعود بحكاية مدهشة

يوميات الشرق الصقيع لا يخفي الحياة (أ.ب)

غواص ينزل إلى أعماق متجمِّدة ويعود بحكاية مدهشة

في مشهد أقرب إلى الاستكشافات النادرة، خرج الغواص دان جيكوبس مؤخراً من فتحة ضيقة شُقّت في جليد بحيرة فنلندية متجمِّدة...

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا الضباب يُغطي المحيط الهادئ بالقرب من حي بارانكو في ليما (أ.ب)

«الأمم المتحدة»: الأرض احتبست حرارة قياسية في 2025

حذرت الأمم المتحدة اليوم (الاثنين) من أن كميّة الحرارة المحتبسة في الأرض بلغت مستويات قياسية عام 2025.

«الشرق الأوسط» (جنيف)
العالم طرق مغطاة بالطين في جنوب شرقي البرازيل بعد هطول أمطار غزيرة (د.ب.أ)

مقتل 22 شخصاً على الأقل جراء أمطار غزيرة في البرازيل

كشفت السلطات المحلية اليوم الثلاثاء أن ما لا يقل عن 22 شخصاً لقوا حتفهم بعد هطول أمطار غزيرة على ولاية ميناس جيرايس جنوب شرقي البرازيل.

«الشرق الأوسط» (برازيليا)
يوميات الشرق الشتاء في فنلندا يستمر ما بين مائة ومائتي يوم (رويترز)

حيث لا يذوب الجليد: ما أكثر دول العالم برودة؟

تشهد ولايات عدة في شمال شرقي الولايات المتحدة حالياً عاصفة ثلجية قوية، دفعت السلطات إلى إصدار تحذيرات لأكثر من 40 مليون نسمة، بسبب سوء الأحوال الجوية.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
الولايات المتحدة​ باراك أوباما مع ترمب خلال جنازة الرئيس جيمي كارتر (أ.ف.ب)

ترمب ينقض قرارات أوباما المناخية بعدّها «عملية احتيال»

نقض الرئيس الأميركي دونالد ترمب قرارات اتخذها سلفه باراك أوباما عام 2009 كأساس لجهود الولايات المتحدة في تنظيم انبعاثات غازات الاحتباس الحراري.

علي بردى (واشنطن)

كيف يؤثر «الإغلاق المبكر» على صناعة السينما في مصر؟

لقطة لأبطال فيلم «برشامة» الذي تصدر إيرادات الأفلام قبل قرارات الإغلاق وخلالها (الشركة المنتجة)
لقطة لأبطال فيلم «برشامة» الذي تصدر إيرادات الأفلام قبل قرارات الإغلاق وخلالها (الشركة المنتجة)
TT

كيف يؤثر «الإغلاق المبكر» على صناعة السينما في مصر؟

لقطة لأبطال فيلم «برشامة» الذي تصدر إيرادات الأفلام قبل قرارات الإغلاق وخلالها (الشركة المنتجة)
لقطة لأبطال فيلم «برشامة» الذي تصدر إيرادات الأفلام قبل قرارات الإغلاق وخلالها (الشركة المنتجة)

أثار تطبيق مواعيد «الإغلاق المبكر» على التصوير الليلي موجة انتقادات من صُنّاع الأفلام، في حين رحّب سينمائيون بقرار رئيس مجلس الوزراء المصري، مصطفى مدبولي، مدّ مواعيد إغلاق المحال التجارية ودور السينما حتى الساعة 11 مساءً بدلاً من التاسعة. وفق قرار سابق بدأ تطبيقه في 28 مارس (آذار) الماضي.

وكان قرار «الإغلاق المبكر» قد تسبب في تعطّل تصوير كثير من الأعمال، في وقت تتسابق فيه شركات الإنتاج لحجز أماكن عرض ضمن موسمي عيد الأضحى والصيف، إضافة إلى مسلسلات «الأوف سيزون» للدراما التلفزيونية.

وأصدرت الحكومة المصرية، الخميس، قراراً جديداً بمدّ مواعيد عمل المحال التجارية والمطاعم ودور السينما حتى الساعة 11 مساءً، وذلك حتى يوم 27 أبريل (نيسان) الحالي، تزامناً مع الاحتفال بعيد القيامة المجيد، وفي إطار التيسير على المواطنين خلال فترة الأعياد. وأوضح رئيس الوزراء أن القرار يتماشى مع التطورات الأخيرة في «حرب إيران» والمفاوضات التي أسهمت في انخفاض نسبي في أسعار الوقود عالمياً.

ورأى سينمائيون أن قرار مدّ مواعيد فتح دور السينما حتى 11 مساءً يتيح إقامة عرض الساعة 9 مساءً، الذي يشهد إقبالاً جماهيرياً لافتاً، مؤكدين أن المنتجين تكبدوا خسائر بسبب قرارات الإغلاق خلال الأسبوعين الماضيين. وسارعت دور العرض إلى الإعلان عن تعديل مواعيد عروضها وإضافة عرض التاسعة مساءً.

دور العرض السينمائي ألغت حفلات بسبب قرارات الإغلاق المبكر (رويترز)

وأثار تطبيق مواعيد الإغلاق على التصوير الليلي جدلاً واسعاً عبر مواقع التواصل الاجتماعي، إذ كتب المخرج أمير رمسيس عبر حسابه على «فيسبوك»، مندداً بمنع التصوير السينمائي بعد الساعة 9 مساءً، ومطالباً المؤلفين بعدم كتابة مشاهد ليلية. ولفت إلى أنه حتى مع تدخل الدولة لتنظيم عدد ساعات العمل، فإن استهلاك الكهرباء يظل واحداً، لاعتماده على مولدات كهربائية خاصة بالتصوير، متسائلاً: «بأي منطق يُلغى التصوير الليلي من الدراما والسينما؟».

وقال رمسيس، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إن «قرار تأجيل موعد الإغلاق حتى 11 مساءً، ومنح ساعتين إضافيتين، لا يمثل حلاً فعلياً لمشكلة التصوير، لأن المشاهد الليلية تمتد لساعات حتى الفجر. فهل يُعقل أن أُصوّر مشهداً واحداً يومياً داخل الاستوديو؟ هذا يضاعف التكاليف والخسائر».

وطالب رمسيس باستثناء تصوير المسلسلات والأفلام من مواعيد الإغلاق، مؤكداً أن منع التصوير ليلاً ستكون له تداعيات سلبية على صناعة السينما، وقد يؤدي إلى توقف مشروعات عدة، وعدم خروج بعض الأفلام إلى النور خلال هذه الفترة.

وكان مسعد فودة، نقيب المهن السينمائية، قد أصدر بيانين، الخميس؛ أعلن في الأول أن منع التصوير بعد التاسعة مساءً، وغلق دور العرض، لهما آثار كارثية على اقتصاديات السينما والفن في مصر، مناشداً رئيس الوزراء استثناء القطاعات الإنتاجية، وعلى رأسها الدراما والاستوديوهات ودور العرض. وفي البيان الثاني، وجّه رسالة شكر لرئيس مجلس الوزراء على قرارات مدّ العمل والتصوير وعروض الأفلام حتى 11 مساءً.

ويرى المخرج سعد هنداوي أن «تحديد موعد لإنهاء التصوير يمثل صعوبة كبيرة للسينما عموماً، نظراً لوجود برنامج عمل يومي يجب تنفيذه»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط»: «هناك ظروف عالمية مرتبطة بالحرب وتأثيراتها، لكن يجب التعامل معها بتوازن»، مطالباً بفتح نقاش مع رئاسة الوزراء لاستثناء التصوير السينمائي والأعمال التلفزيونية، إضافة إلى دور العرض والمسارح، من مواعيد الإغلاق، نظراً لارتباطها بصناعة كبيرة ومصدر دخل لآلاف العاملين.

تسبب الإغلاق المبكر في خفوت الحركة وإظلام شوارع القاهرة (رويترز)

من جانبها، أكدت الناقدة الفنية ماجدة خير الله أن «صناعة السينما تضررت كثيراً خلال الأسبوعين الماضيين مع تطبيق قرار الإغلاق المبكر في دور العرض»، مشيرة إلى أن «إتاحة عرض التاسعة مساءً خطوة إيجابية، لكنها تحتاج إلى استكمال بعودة كافة العروض». وشددت على أن تطبيق مواعيد الإغلاق على التصوير السينمائي «أمر معطّل ومؤذٍ، يسبب خسائر يصعب تعويضها في صناعة تعاني بالفعل»، كما يؤثر على حجم الضرائب التي تتحصل عليها الدولة من صناعة الأفلام، ويخلّف آثاراً سلبية تفوق وفورات الطاقة المتوقعة.

ورحّب هشام عبد الخالق، رئيس غرفة صناعة السينما، بقرار مدّ العروض السينمائية حتى 11 مساءً، عاداً إياه انفراجة نسبية مع عودة عرض التاسعة مساءً، الذي يُعوَّل عليه كثيراً في إيرادات الأفلام. وقال لـ«الشرق الأوسط»: إن «الأفلام التي كانت تحقق نحو 8 ملايين جنيه يومياً قبل الإغلاق (الدولار يعادل نحو 53 جنيهاً مصرياً)، مثل فيلم (برشامة)، تراجعت إيراداتها إلى نحو مليونين يومياً، لكن مع عودة عرض التاسعة يمكن أن تصل إلى 5 ملايين يومياً، ما يزيد من حصيلة الضرائب». وأكد أن «الحكومة تبدي تفهماً عند توضيح أبعاد الأزمة وتقديم مطالب منطقية في ظل الظروف العالمية الراهنة».

دور العرض السينمائي ألغت حفلات بسبب قرارات الإغلاق المبكر (رويترز)

وكانت غرفة صناعة السينما قد وضعت تصوراً لحل مشكلة العروض السينمائية، يقوم على إلغاء الحفلات الصباحية ضعيفة الإقبال، التي تتحمل دور العرض تكلفتها دون عائد كافٍ، واقترحت أن يبدأ التشغيل من الساعة 4 عصراً حتى 12 ليلاً. وقال عبد الخالق: «أرسلنا خطاباً بذلك إلى رئيس الوزراء ووزيرة الثقافة مدعماً بالأرقام، وقد وعد الدكتور مصطفى مدبولي بدرس المقترح، وهو أمر مُرضٍ بالنسبة لنا. كما نعتزم لقاء وزيرة الثقافة لعرض رؤيتنا ومطالبنا، أملاً في استثناء التصوير الليلي من مواعيد الإغلاق، حتى لا تتعطل الأعمال وتتراجع الصناعة».


حمادة هلال يجدد الجدل حول حذف أغنيات المطربين بعد رحيلهم

الفنان المصري حمادة هلال (فيسبوك)
الفنان المصري حمادة هلال (فيسبوك)
TT

حمادة هلال يجدد الجدل حول حذف أغنيات المطربين بعد رحيلهم

الفنان المصري حمادة هلال (فيسبوك)
الفنان المصري حمادة هلال (فيسبوك)

جدّدت تصريحات المطرب المصري حمادة هلال الجدل حول توجّه بعض مؤدي المهرجانات والمطربين الشعبيين إلى التوصية بحذف أغنياتهم من المنصات الغنائية بعد رحيلهم، انطلاقاً من اعتقادهم بأن «الغناء حرام»، وأن حذفها يُعد نوعاً من التوبة وتصحيح المسار.

وقال هلال، في حديث لبرنامج «ميرور» على «يوتيوب»، إنه فكّر في الاعتزال سابقاً بعد مروره بضغوط نفسية وظروف صعبة، إثر تكبّده خسائر مادية في مشروعات خارج الوسط الفني، ما دفعه إلى إعادة التفكير في استمراره، غير أنه انتهى إلى أن العمل في هذا المجال هو الأنسب له والأقرب إلى طبيعته.

وفي الوقت نفسه، تطرَّق هلال إلى ظاهرة توصية بعض المطربين بحذف أغنياتهم بعد وفاتهم، مؤكداً أنه لن يفكر في حذف أعماله، مشيراً إلى أن هذه الأغنيات أصبحت ملكاً للجمهور ومرتبطة بذكرياته، ولا يرغب في حذف أي منها، فضلاً عن أنه لا يملك حقوقها بالكامل ليصدر قراراً بمنعها من الأساس.

وكان عدد من المطربين قد أعلنوا توصيتهم بحذف أغنياتهم بعد وفاتهم، استناداً إلى وصف بعضهم «الغناء بالحرام». وتصاعد الجدل حول هذه القضية عقب وفاة المطرب الشعبي ومؤدي المهرجانات أحمد عامر عام 2025، وإعلان حمو بيكا وآخرين حذف أغنياته، مع مناشدة شركات الإنتاج بذلك. وردّ بعض الجمهور على تصريحات بيكا آنذاك متسائلين: إذا كان يرى أن «الغناء حرام»، فلماذا لا يعتزل؟

الفنان حمادة هلال (فيسبوك)

ويرى الناقد الموسيقي المصري أحمد السماحي أن «المطربين الذين يُحرِّمون الغناء بعد أن حققوا منه ثروات هائلة يفتقرون إلى الوعي والثقافة، ولا يدركون أهمية الفن»، مضيفاً في حديث لـ«الشرق الأوسط»: «هذا الجدل المتكرر يعكس حالة من التذبذب وغياب الإيمان برسالة الفن، مقابل السعي إلى تحقيق المكاسب المادية».

وأشار السماحي إلى أن هذه الظاهرة أكثر انتشاراً بين مطربي «الراب» ومؤدي المهرجانات، ورأى أن هذا التفكير يعيدنا إلى عصور التراجع الحضاري، والثقافي، والفكري، داعياً من يرون الفن حراماً إلى التبرع بما كسبوه منه لأعمال الخير.

كما لفت إلى أن الفتاوى الدينية لم تُحرِّم الفن بشكل مطلق، مشيراً إلى كتاب صدر عام 1980 عن مفتي مصر آنذاك، تضمّن فتاوى تؤكد أن الموسيقى التي تُهذِّب النفس وترتقى بالوجدان ليست محرّمة، في حين يرى بعض العلماء أن المحرَّم هو الفن الذي يلهي عن العبادة. وأوضح أن «من لا يفهم رسالة الفن ودوره في تهذيب النفس وإمتاعها ويسعى إلى الربح فقط، عليه أن يبتعد عنه».

وكان المطرب المصري تامر حسني من بين من أثاروا هذا الجدل، ليس من خلال توصية بحذف أغنياته، وإنما عبر تصريحات سابقة أعرب فيها عن أمله في ألا يموت وهو مطرب. وقد لاقت هذه التصريحات تعاطفاً من بعض الجمهور، في حين رأى آخرون أنها تعكس «ازدواجية»، معتبرين أن من يرى الفن حراماً لا ينبغي أن يمارسه.

من جانبه، أيَّد الناقد الموسيقي محمود فوزي السيد موقف حمادة هلال الرافض لحذف أغنياته، مؤكداً لـ«الشرق الأوسط» أن العمل الفني، بمجرد طرحه، يصبح ملكاً للجمهور، وهو أمر طبيعي.

وأضاف: «إن مسألة حذف الأغنيات بعد الوفاة ظهرت بشكل خاص بين المطربين الشعبيين ومؤدي المهرجانات، وفي رأيي أن الأولى بمن يرى هذا الفن مسيئاً له أن يمتنع عن تقديمه من الأساس».

وقد قدّم حمادة هلال كثيراً من الألبومات والأغنيات التي تتميَّز بخفة الظل والطابع الشبابي القريب من الشعبي، من بينها «دموع»، و«دار الزمان»، و«بخاف»، و«بحبك آخر حاجة»، و«ما تقولهاش»، كما شارك في أعمال سينمائية ودرامية، منها فيلم «عيال حبِّيبة» ومسلسل «المداح».


«الهارب من بني حسن»... معرض يحتفي بالحضارة المصرية القديمة

من لوحات الفنان حسن غانم (الشرق الأوسط)
من لوحات الفنان حسن غانم (الشرق الأوسط)
TT

«الهارب من بني حسن»... معرض يحتفي بالحضارة المصرية القديمة

من لوحات الفنان حسن غانم (الشرق الأوسط)
من لوحات الفنان حسن غانم (الشرق الأوسط)

«لديَّ اعتقادٌ شخصي بأنني عشتُ في عصر الملك أخناتون طالبَ فن، وكنتُ أعمل على رسم الجداريات في مقابر بني حسن، وحين انقلب كهنة آمون على أخناتون هربتُ من تل العمارنة وتوجَّهتُ إلى مقابر بني حسن، وأديتُ صلاة الخوف، لأجد نفسي في نقلة زمنية سحرية أتحول فيها إلى طالبٍ في كلية الفنون الجميلة بالمنيا (جنوب مصر) عام 1983».

بهذه الكلمات بدأ الفنان التشكيلي المصري حسن غانم حديثه عن معرضه الحديث «الهارب من بني حسن»، الذي يستضيفه غاليري «ضي» في الزمالك وسط القاهرة حتى 23 أبريل (نيسان) الحالي، ويضم أكثر من 50 لوحة من التصوير والحفر، تشير إلى مراحل متنوعة من مسيرة الفنان.

الفنان حسن غانم مع إحدى لوحاته (بوستر المعرض)

يُعدّ غانم واحداً من الفنانين المصريين البارزين في فن الحفر (الغرافيك)، وقد تخصَّص في هذا الفن منذ عام 1988 بوصفه فناناً محترفاً، ويُصنَّف ضمن أبرز فناني الحفر في مصر، إلى جانب فتحي أحمد، وحسين الجبالي، وعبد الوهاب عبد المحسن، وهو ما يتجلّى في أعماله التي تنتمي إلى مراحل زمنية متعددة.

يتحدث غانم عن رحلته عبر الزمن من الحياة في عصر أخناتون، وتجربة الرسم في مقابر بني حسن، التي تُعدّ من أهم الآثار المصرية القديمة في محافظة المنيا، إلى العصر الحالي الذي يزخر بآليات ووسائل حديثة للفن والإبداع؛ لكنه يصل الماضي بالحاضر، والحاضر بالماضي، ليقدم عبر هذا الوصل أعمالاً فنية تستدعي روح الفن المصري القديم وتتماس مع الواقع المعاش.

لوحات المعرض ربطت بين الماضي والحاضر (الشرق الأوسط)

ويقول غانم لـ«الشرق الأوسط»: «تأثرتُ كثيراً بحياة المصريين القدماء، ورموزهم، واحتفالاتهم الشعبية، وقد ظهر هذا التأثر في أعمال المعرض وفي لوحات قدمتها خلال مسيرتي الفنية. فجميع الموتيفات الموجودة في لوحات المعرض لها امتداد لدى المصريين القدماء، لكن انعكاساتها على سطح اللوحة تقدم معنى جديداً».

ويتابع: «لقد توارثنا كثيراً من الألعاب والعادات والتقاليد من المصري القديم، وقد اندمجت في بنية الفكر والوجدان المصري الحديث، ولذلك يمكن أن نجد تيمات شعبية في أعيادنا ومناسباتنا المختلفة حالياً، كانت موجودة في السابق بشكل أو بآخر، وبالدلالات نفسها لدى المصري القديم».

المعرض تضمن بانوراما لمشوار الفنان (الشرق الأوسط)

التجربة «الغرافيكية» في هذا المعرض لا تسعى إلى تمثيل العالم، وإنما إلى تفكيك حضوره؛ فالخطوط المحفورة، والخدوش المتقاطعة، وتوتر الأبيض والأسود، كلها تُشكّل بنية بصرية أقرب إلى خريطة الوعي. يأتي ذلك في سياق ثقافي وتاريخي يُحدد لغته البصرية من خلال العودة إلى رمزية المقابر القديمة، والأشكال، والقصص، والأساطير، حسب كلمة للناقد والفنان التشكيلي الدكتور حكيم جماعين.

الحضور الطاغي للمرأة في اللوحات يشير أيضاً إلى أفكار مرتبطة برمزيتها في الحضارة المصرية القديمة ودورها المحوري فيها. فوفق الفنان: «المصري القديم أبدى احترامه وتقديره للمرأة التي تبني وتمثّل سنداً للأسرة، والمجتمعات الحديثة تؤكد أن المجتمع لا يمكن أن يتقدم من دون المرأة ودورها المحوري، خصوصاً حين تكون على درجة عالية من الوعي بقيمتها وتأثيرها في المجتمع، وهو ما انعكس في بعض اللوحات».

لوحات المعرض تنوعت بين التصوير والغرافيك (الشرق الأوسط)

وما بين فن التصوير، الذي استخدمه الفنان عبر تكوينات لونية ومواقف وأشكال تحمل فلسفة وفكراً معيناً، وفن «الغرافيك» الذي يحمل دلالات عالية في التكثيف والاختزال، يميّز الفنان بين الموضوعات التي تشغل لوحاته في كل منهما، مؤكداً الدور البارز للألوان في لوحات التصوير، على عكس الحفر (الغرافيك) الذي يميل إلى التكثيف والاختزال.

وبتقنياته الخاصة في الحفر على الخشب، ينتج الفنان لغة بصرية قائمة على التباين الحاد بين الأبيض والأسود، إلى جانب الإيقاع الخطي المتوتر، والكثافة التعبيرية الناتجة عن «التهشير» والتقاطع، وهي خصائص تجعل العمل الفني أقرب إلى حالة نفسية مكثفة منه إلى مشهد وصفي مباشر، وفق وصف الدكتور محمد عبد المنعم، أستاذ التصوير في كلية الفنون الجميلة بالمنيا.

الثيمات المصرية القديمة في أعمال الفنان (الشرق الأوسط)

تمثل بعض اللوحات بانوراما أو إطلالة واسعة على مسيرة الفنان؛ من بينها لوحة شارك بها في ترينالي بولندا الدولي للغرافيك عام 1991، وحصل فيها على جائزة البينالي. كما تضم المعروضات أعمالاً تعود إلى الثمانينات، تمثل أساطير وقصصاً شعبية وتاريخية، مثل سيرة عنترة بن شداد.

وتحضر الحيوانات والحشرات والطيور بكثافة في أعمال الفنان، وهو ما يفسّره بأنها شريك أساسي للإنسان في الحياة، فضلاً عن دلالاتها الرمزية في التصورات الشعبية وفي الحضارة المصرية القديمة.

Your Premium trial has ended