مقاهي الأرجيلة تحمل روح الوطن للشباب الأميركي ذوي الأصول العربية في ميشيغان

مقاهي الأرجيلة في مدينة ديربون الأميركية تحمل أهمية خاصة بالنسبة إلى المهاجرين واللاجئين البعيدين عن أوطانهم (نيويورك تايمز)
مقاهي الأرجيلة في مدينة ديربون الأميركية تحمل أهمية خاصة بالنسبة إلى المهاجرين واللاجئين البعيدين عن أوطانهم (نيويورك تايمز)
TT

مقاهي الأرجيلة تحمل روح الوطن للشباب الأميركي ذوي الأصول العربية في ميشيغان

مقاهي الأرجيلة في مدينة ديربون الأميركية تحمل أهمية خاصة بالنسبة إلى المهاجرين واللاجئين البعيدين عن أوطانهم (نيويورك تايمز)
مقاهي الأرجيلة في مدينة ديربون الأميركية تحمل أهمية خاصة بالنسبة إلى المهاجرين واللاجئين البعيدين عن أوطانهم (نيويورك تايمز)

إن سن البلوغ مليء بالأمور التي يتم فعلها للمرة الأولى، مثل أول وظيفة، وأول قبلة. وسوف يضيف كثير من الذين بلغوا في مدينة ديربورن بولاية ميشيغان إلى تلك القائمة أول مرة يدخنون فيها الأرجيلة. وتُعد ديربورن، التي تقع على أطراف وسط مدينة ديترويت، سكناً لإحدى أكبر الجاليات الأميركية ذوات الأصول العربية في الولايات الأميركية المتحدة، حيث يذكر نحو 50 في المائة من السكان أنهم يتحدرون من أصول عربية، بحسب الإحصاء السكاني الأميركي. تنتشر في شوارع المنطقة متاجر شرق أوسطية، حيث يمكنك العثور على أكواب الأرجيلة المحمولة. كذلك هناك المتحف العربي الأميركي الوطني، الذي يبيع جوارب عليها رسوم للأرجيلة، والمركز الإسلامي في أميركا، الذي يُعدّ واحداً من أقدم وأكبر المساجد في الدولة.

كذلك هناك قائمة طويلة من مقاهي الأرجيلة التي يقضي فيها السكان المحليون ساعات يدخنون بأريحية التبغ بنهكات مختلفة عبر أنابيب الأرجيلة وهم يتحدثون، أو يشاهدون مباريات كرة القدم، أو يستمتعون بعروض حية للموسيقى العربية. تقول مريم أكاشي ساني، إيرانية - عراقية تبلغ من العمر 25 عاماً: «يبدو مكان مثل مقهى الأرجيلة ذا أهمية خاصة» خصوصاً بالنسبة إلى المهاجرين واللاجئين البعيدين عن أوطانهم. وتوضح قائلة: «إنه شيء عليك صنعه لنفسك عندما تكون نازحاً مهجراً، وقد لا تتمكن أبداً من العودة إلى الوطن لأنك لم تعد تعرف حقاً ما هو معنى الوطن».

يحمل مقهى الأرجيلة ذكريات جوهرية بالنسبة إلى كثير من الشباب في ديربورن، مثل أعياد ميلاد وحفلات تخرج وأوقات بكى فيها المرء بسبب حبيب لم يبادله الحب أو ربما أوقات تباهى فيها المرء بمهاراته في التدخين أمام أصدقائه. وأضافت مريم قائلة: «يبدو الأمر مثل طقس عبور عندما تبدأ في تدخين الأرجيلة».

يظل تدخين الأرجيلة ملمحاً ثقافياً بالنسبة إلى كثير من الأميركيين ذوي الأصول العربية رغم كل الأخطار الموثقة للتبغ على الصحة (نيويورك تايمز)

محمد فيراك باكستاني يبلغ من العمر 28 عاماً، التحق بما يصفه بأنه مدرسة «جميع من فيها عرب»، وأشار إلى أن تكوين صداقات مع عرب، والانغماس في طقس تدخين الأرجيلة، كان أمراً حتمياً. وأضاف قائلاً: «لطالما مثَّلت الثقافة».

لا تقدم كثير من تلك المقاهي المشروبات الكحولية، ويتم اعتبارها بديلاً للحانات التي يمتنع زبائن عن ارتيادها لأسباب دينية. وقالت مريم إن بعضاً من تلك المقاهي راقية وتحمل طاقة «الملهى الحلال»، لكن تحمل أكثرها سمات مشتركة، مثل شاشات التلفزيون المعلقة على الجدران، والمقاعد الجلدية، وصوراً لرموز إسلامية. ربما يجد المرء في ليلة نهاية الأسبوع مجموعة صاخبة مكونة من 20 شخصاً يجلسون على طاولة واحدة، ورجلين أكبر سناً منخرطين في محادثة خافتة جادة على الطاولة المجاورة. وقال محمد: «الذهاب إلى المقهى بالنسبة إلى أكثر الناس في ديربورن من الأمور التي يتم التطلع إليها».

ويُقال إن أصول الأرجيلة، التي تُعرف أيضاً باسم الشيشة أو النارجيلة، ترجع إلى الهند أو فارس. وقد انتشرت في هذا الزمن بشكل خاص في الشرق الأوسط، لكن بدأت المزيد من مقاهي الأرجيلة تظهر وتنتشر أيضاً في مدن مثل باريس وطوكيو ونيويورك. لذا ليس من المستغرب أن تنتشر مثل تلك المقاهي في مدينة ديربورن حيث «يشعر المرء بأنه في جزء ممتد للعالم العربي»، على حد قول فرح القاسمي التي التقطت صوراً فوتوغرافية لهذا الموضوع.

يظل تدخين الأرجيلة ملمحاً ثقافياً بالنسبة إلى كثير من الأميركيين ذوي الأصول العربية، رغم كل الأخطار الموثقة للتبغ على الصحة.

قالت ماري رزق حنا، أستاذة مساعدة في كلية التمريض بجامعة كاليفورنيا في لوس أنجليس: «هناك معتقَد شعبي سائد بأن تدخين الأرجيلة بديل أقل خطورة من أشكال التدخين الأخرى». وتبحث ماري في آثار تناول منتجات التبغ على الأوعية الدموية. وتوضح ماري أنه في الواقع المواد الكيميائية الموجودة في دخان الأرجيلة تشبه تلك الموجودة في دخان السجائر.

يقدم مقهى الأرجيلة ما يطلق عليه علماء الاجتماع «مكاناً ثالثاً» وهو مكان يستطيع فيها الناس التواصل خارج منازلهم أو أماكن عملهم (نيويورك تايمز)

كذلك أشارت ماري إلى أن كثيراً من مقاهي الأرجيلة في الولايات المتحدة الأميركية تقع في نطاق ثلاثة أميال من حرم الكليات وهو ما قد يكون من الأسباب التي ساعدت في انتشارها بين الشباب. كذلك أوضحت الأبحاث أن منتجات التبغ ذات النكهات مثل الأرجيلة تسهل عملية الانتقال إلى مرحلة الشباب، لا سيما بين المستخدمين اليافعين. وبدأت مريم، مثل كثير من الشباب في ديربورن، تدخين الأرجيلة خلال المرحلة الثانوية، ورغم الرسائل الصحية العامة التي كانت تنهال عليها خلال مرحلة الطفولة، تقول إنها لم تكن قلقة بشكل كبير من المخاطر الصحية للتبغ. مع ذلك تشعر بالذنب والعار والخوف لأن والدتها اعتادت إخبارها بأن التدخين «حرام» و«عيب» بالنسبة للنساء. وتقول مريم إنه لو كانت والدتها قد حذرتها من المخاطر الصحية «لكنا قد أصغينا إليها على الأرجح».

مع ذلك، شعرت مريم بشعور قوي بالتحرر والانتماء لجماعة، حيث تتذكر أنها في الثالثة عشرة من العمر كانت تدخّن الأرجيلة سراً من زجاجات مياه مع ابن عمها. وأوضحت قائلة: «إنها السن التي تريد أن يكون لديك فيها أسرار، وتريد أن تتمرد قليلاً». وكان هناك مقهى خاص وحجيرة خاصة «شهدت فعاليات ومناسبات كبرى مهمة» خاصة بمريم، وقالت إن كل ذكرياتها خلال مرحلة المراهقة كانت متمركزة في تلك المساحة.

عندما كانت مريم تتجه نحو مرحلة المراهقة كانت السن القانونية للتدخين 18 عاماً، وتم رفع السن المسموح فيها بالتدخين خلال العام الماضي لتصبح 21 عاماً لتكون متوافقة مع أحدث تشريع فيدرالي. وفي الوقت الذي لا يتم السماح فيه للمراهقين اليوم بتدخين الأرجيلة في السن التي قامت فيه مريم بذلك، تعتقد أنهم سوف يجدون طريقة للتدخين. وأضافت قائلة: «يخرق الأطفال القواعد، هكذا تسير الأمور. كلنا كنا صغاراً، وجربناها للمرة الأولى. ربما يكون من الأفضل القيام بذلك في أجواء مقهى آمنة».

ويعد تدخين الأرجيلة نشاطاً جماعياً بطبيعته، وبشكل أصيل، حيث يضع كل شخص الأنبوب في فمه لبضع دقائق قبل أن يمرره إلى الشخص الجالس إلى جواره. ويعد ذلك التفاعل الاجتماعي جزءاً رئيسياً من ثقافة الشرق الأوسط كما أوضحت مروة العمري البالغة من العمر 23 عاماً وصديقة عراقية - لبنانية لمريم. عملت مروة مرشدةً سياحيةً في المتحف العربي الأميركي الوطني، وقالت إنه كثيراً ما كان يتم التطرق إلى تقليد تدخين الأرجيلة في المناقشات الخاصة بكرم الضيافة الذي يتمتع به العرب وقيمة الجماعة المشتركة. وقالت مروة: «لقد تم تعليمنا في مرحلة مبكرة من العمر ألا نأكل وحدنا، بل وسط مجموعة، وألا نشرب الشاي وحدنا، بل وسط مجموعة أيضاً. إن المرء يدخن الأرجيلة في جماعة، هكذا نشأنا وترعرعنا».

انتقلت عبير بيضون، البالغة من العمر 35 عاماً، من وندسور بولاية أونتاريو إلى ديربورن وهي في السابعة عشرة من العمر، وقضت جزءاً كبيراً من سنوات مراهقتها وبدايات العشرينات في تلك المقاهي. وتعتقد مثل مروة أن تلك الأماكن مهمة لنسيج الجماعة والمجتمع. وأوضحت قائلة: «لأن مدينتنا مبنية حول وسائل النقل الآلية، لا توجد أماكن خروج مفتوحة كثيرة يمكن التنزه فيها والالتقاء بالناس». يقدم مقهى الأرجيلة ما يطلق عليه علماء الاجتماع «مكاناً ثالثاً»، وهو مكان يستطيع فيها الناس التواصل خارج منازلهم أو أماكن عملهم.

تعزز مقاهي الأرجيلة في ديربورن التواصل، ليس فقط بين الجيران والشباب وكبار السن، بل أيضاً مع الجالية العربية الأكبر. ويأتي أصدقاء الطفولة لعبير حتى هذه اللحظة من كندا لزيارتها والالتقاء في أحد مقاهي ديربورن. تقول عبير اللبنانية: «يشعر الجميع بأنهم بين رفاقهم من العرب. أشعر أنني وسط جماعتي».

* خدمة «نيويورك تايمز»


مقالات ذات صلة

السجائر الإلكترونية المحتوية على النيكوتين قد تسهِّل الإقلاع عن التدخين

صحتك السجائر الإلكترونية التي تحتوي على النيكوتين أثبتت فاعليتها في المساعدة على الإقلاع عن التدخين (رويترز)

السجائر الإلكترونية المحتوية على النيكوتين قد تسهِّل الإقلاع عن التدخين

أظهرت دراسة واسعة النطاق أن الإقلاع عن التدخين عبر استخدام السجائر الإلكترونية التي تحتوي على النيكوتين، يحقق نسبة نجاح أعلى من الطرق الأخرى.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
صحتك يمكن أن تساعد الدراسة في تفسير سبب ارتباط التدخين الإلكتروني بصعوبة الحمل والإجهاض لدى النساء (إ.ب.أ)

نكهات السجائر الإلكترونية ربما تؤثر سلبا على نمو الأجنة 

مادة كيميائية منكِهة تستخدم بتركيزات عالية وبكثرة في السجائر الإلكترونية ربما تسبب اضطرابا في النمو الطبيعي للأجنة لدى النساء الحوامل اللاتي يستخدمن هذه السجائر

«الشرق الأوسط» (ريفرسايد)
صحتك استخدام النساء الحوامل للسجائر الإلكترونية قد يؤثر سلباً على الأجنة ويهدد نموها (رويترز)

استخدام السجائر الإلكترونية أثناء الحمل قد يهدد نمو الأجنة

حذّرت دراسة جديدة من أن استخدام النساء الحوامل للسجائر الإلكترونية قد يؤثر سلباً على الأجنة ويهدد نموها.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
صحتك تجنب ارتفاع ضغط الدم والسكري والتدخين يقي من الخرف في الكبر (بيكسباي)

تجنب التدخين وارتفاع الضغط والسكري قد يؤخر الخرف 13 عاماً

أظهرت دراسة جديدة أن البالغين في منتصف العمر الذين يتجنبون ارتفاع ضغط الدم والسكري والتدخين، يمكنهم أن يعيشوا ما يقارب 13 عاماً إضافية دون الإصابة بالخرف.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
صحتك فتاة تستخدم أحد منتجات التدخين الإلكتروني بلندن (إ.ب.أ)

من تلف الرئتين إلى السرطان... 5 أضرار خطيرة للتدخين الإلكتروني

رغم الاعتقاد الشائع بأن السجائر الإلكترونية أقل ضرراً من السجائر التقليدية، تكشف أبحاث متزايدة عن أضرار محتملة للتدخين الإلكتروني.

«الشرق الأوسط» (لندن)

مشاهدة التلفاز تؤدي للإعدام والجينز إلى السجن... غرائب من واقع كوريا الشمالية

ما يبدو غريباً خارج كوريا الشمالية هو واقعٌ يوميّ داخلها (رويترز)
ما يبدو غريباً خارج كوريا الشمالية هو واقعٌ يوميّ داخلها (رويترز)
TT

مشاهدة التلفاز تؤدي للإعدام والجينز إلى السجن... غرائب من واقع كوريا الشمالية

ما يبدو غريباً خارج كوريا الشمالية هو واقعٌ يوميّ داخلها (رويترز)
ما يبدو غريباً خارج كوريا الشمالية هو واقعٌ يوميّ داخلها (رويترز)

احتفلت كوريا الشمالية قبل أسبوعين بالذكرى الـ81 للتحرير من الانتداب الياباني، وتستعدّ لإحياء الذكرى الـ78 لتأسيسها في التاسع من الشهر الجاري. في سائر البلاد التي تحيي مثل هذه المناسبات الوطنية، تندرج الفعاليات ضمن الإطار الاحتفالي المعقول، باستثناء بيونغ يانغ، حيث الأعياد الوطنية خارجة عن المألوف، مثلُها مثلُ عادات ويومياتٍ وقواعد كثيرة لا تُشبه سواها في أي مكانٍ آخر من هذا العالم.

الأعياد الوطنية... مشاركة إلزامية ومأكولات مجانية

يحيي الكوريون الشماليون أعيادهم الوطنية تحت رقابةٍ حكوميّة مشدّدة. هم مرغَمون على حضور العروض العسكرية الضخمة، حيث يسير الجنود بخطىً فائقة الانتظام، وتعبر الصواريخ الباليستية أمام عيون المتفرّجين. كما يُجبَر عشرات آلاف العمّال وطلّاب الجامعات على ارتداء الزيّ التقليدي، والتجمّع في الساحات العامة لتقديم رقصات جماعيّة. أما الملاعب الرياضية، فإنها تستضيف عروضاً أدائية ضخمة كجزءٍ من البروباغندا الفنية.

في كوريا الشمالية الحضور الشعبي إلزامي للمناسبات الوطنية (رويترز)

من بين الفروض التي يُلزَم الكوريون الشماليون بها في المناسبات الوطنية زيارة تماثيل القادة الراحلين. يصطفّون ضمن طوابير منتظمة انتظاراً للانحناء بخشوع، ووضع الزهور أمام المجسّمات الضخمة لكيم إيل سونغ، وكيم جونغ إيل. وحتى في الأيام العادية، الكوريون الشماليون ملزَمون بالانحناء كلما مرّوا قرب أحد تلك التماثيل.

في الوقت المتبقّي يُتاح للمواطنين التنزّه في الحدائق العامة، حيث ينتشر الغناء على طريقة الكاريوكي. أما الاحتفاليّة الكبرى فهي الحصص الغذائيّة الحكومية الخاصة التي تُوزّع على الناس مجاناً في هذه المناسبات. هم المحرومون من مقوّمات الغذاء الكافي، والسليم، يحصلون على الأرزّ الأبيض بدلاً من حبوب الذُرة التي يستهلكونها يومياً، إلى جانب كميات صغيرة من اللحم، والدجاج، والبيض، والزيت. يُضاف إلى ذلك، ونظراً لاستثنائية المناسبة، بعض الكماليّات، مثل زجاجة من مشروب السوجو المَحلّي، أو البسكويت، أو المشروبات الغازية؛ وكل تلك الموادّ توضع في خانة الرفاهيّة في كوريا الشمالية.

في الأعياد الوطنية توزَّع حصص غذائية مجانية على مواطني كوريا الشمالية (أ.ب)

في كوريا الشمالية السفر ممنوع

لا تقتصر غرائب كوريا الشمالية على الاحتفالات الوطنية، بل تنسحب على يوميات المواطنين الذين تأقلموا مع خناقٍ يضيق يوماً بعد يوم حول رقابهم.

الكوريون الشماليون بشرٌ ممنوعون من السفر. ليس لحُكمٍ قضائيّ صدر بحقّهم، إنما لأنّ قانون البلاد ينصّ على ذلك. ليس بإمكانهم حتى التنقّل بحُرّيّة بين مقاطعات البلاد، إذ تخضع الحركة الداخلية لرقابة صارمة، ويتطلّب التنقّل تصريح سفر رسمياً تبرّره مهمة عمل، أو تجارة، وذلك في ظلّ نقاط تفتيشٍ صارم على الطرقات، وفي محطات القطارات، والحافلات.

تخضع التنقلات البرية في كوريا الشمالية لرقابة صارمة منعاً للسفر عبر البلاد (رويترز)

أما السفر الخارجيّ، فإنه يوضع في خانة المستحيل، إذ يُمنَع على المواطنين مغادرة كوريا الشمالية للسياحة، أو قضاء الإجازات. وحدَهم كبار الديبلوماسيين، والرياضيون المعتمَدون في المنتخبات الرسمية يُسمَح لهم بركوب الطائرة، إضافةً إلى وفود رجال الأعمال المنتدَبين من السُلطة إلى دولٍ محدّدة، على رأسها روسيا، والصين.

لا تيك توك ولا أخواته في بلاد كيم

في زمنٍ تحكمه وسائل التواصل الاجتماعي، ثمة شعبٌ كامل يعيش من دون «تيك توك»، ولا «إنستغرام»، ولا «إكس»، وسائر أخواتها. ففي كوريا الشمالية ليس بإمكان المواطنين الوصول إلى المواقع الإلكترونية، ومحرّكات البحث، ومنصات الأخبار العالمية. الإنترنت الوحيد المتاح هو عبر شبكة محلّية خاضعة لسيطرة الدولة تُدعى «كوانغ ميونغ»، وهي تربط أجهزة الكمبيوتر المحلية في الجامعات، والمصانع، والمكاتب الحكومية. يقتصر محتواها على أخبار معتمدة من الدولة، وأدوات تعليمية، ومنتديات محلية، وخدمات أساسية، مثل تطبيقات طلب سيارات الأجرة، والتسوق.

يبقى الإنترنت العالمي متاحاً جزئياً، وضمن ضوابط صارمة لكبار المسؤولين الحكوميين، والفنيين المعتمدين، وبعض الزوّار الأجانب.

في كوريا الشمالية الاتصال بشبكة الإنترنت العالمية ووسائل التواصل محظور (أ.ب)

جهاز أمني داخل جهاز التلفاز

ليست مشاهدة التلفزيون أفضل حالاً. ففور شراء الجهاز، وقبل نقله إلى البيت يجب تسجيله لدى الحكومة التي تقفله تقنياً، لمنع وصول البث الأجنبي إليه. مع العلم أنّ أجهزة التلفاز في كوريا الشمالية مصممة لالتقاط القنوات المحلّية المعتمدة من الدولة حصراً. وتخضع تلك القنوات الرسمية لرقابة مباشرة من «إدارة الدعاية والتحريض»، وهي مملوكة أصلاً للدولة، وتُدار من قِبَلها.

في المنازل يشاهد معظم المواطنين قناةً واحدة هي «التلفزيون المركزي الكوري»، والذي يبثّ لبضع ساعات يومياً حسب توفّر التغذية الكهربائية. أما مَن يجرؤ على التلاعب بجهازه المنزلي لمحاولة التقاط قنوات أجنبية، لا سيّما منها تلك الكورية الجنوبية، فإنه يرتكب عندئذٍ جريمة آيديولوجية قد تصل عقوبتها إلى الأشغال الشاقة، أو حتى الإعدام.

في كوريا الشمالية القنوات التلفزيونية العالمية محظورة (وكالة الأنباء المحلية)

«شرطة الموضة» بالمرصاد للشَعر والجينز

تصل القيود الغريبة في كوريا الشمالية إلى تسريحة شعر الرجال والنساء على حدٍ سواء. تُمنَع وتعاقَب كل تسريحة تُعَدّ «معادية للاشتراكيّة»، أو متأثّرة بـ«الرأسمالية الغربيّة». يجب على الرجال إبقاء شعرهم قصيراً، أي ألّا يتجاوز 5 سنتيمترات. أما النساء، فإنه تُطبّق عليهنّ القوانين وفقاً لحالتهنّ الاجتماعية. يُتوقَع من السيدات غير المتزوجات إبقاء شعرهنّ قصيراً، بينما يُسمح للمتزوجات باختيار التسريحات الأطول قليلاً، وتجعيد شعرهنّ. ويبقى صبغ الشعر بأي لون غير الأسود والبنّي انتهاكاً آيديولوجياً.

في كوريا الشمالية جهازٌ أمني يُطلق عليه «شرطة الموضة»، وهو الذي يتولّى مراقبة الالتزام بتلك القوانين الصارمة. يواجه المخالفون الذين يُضبطون في الأماكن العامة بتسريحات غير قانونية قصّاً قسرياً فورياً للشعر، أو توبيخاً، أو غرامات، أو احتجازاً قصيراً في مراكز الشرطة. وفي المدارس يستخدم المعلمون المسطرة بانتظام لقياس شعر الطلاب. أما قصة شعر القائد كيم جونغ أون، فإنها تبقى الأكثر شعبيةً، إلا أنّ ما يُحكى عن كونها إلزاميّة ليس صحيحاً.

في كوريا الشمالية الرجال ممنوعون من إطالة شعرهم والنساء من صبغه (رويترز)

تنسحب المحظورات المتعلقة بالموضة والأزياء على سروال الجينز الأزرق الشهير، فهو ممنوع منعاً باتاً في كوريا الشمالية. تصنّفه الدولة رمزاً للإمبريالية الغربية، والثقافة الرأسمالية الأميركية. تُضاف إليه الملابس المدموغة بشعارات وأسماء العلامات التجارية العالمية.

سجون للعائلات

في كوريا الشمالية لا يُعاقَب المرتكبون فُرادى، بل يأتي العقاب جماعياً. فبموجب قانون «بونجو جاي»، إذا ارتكب شخص ما جريمة سياسية خطيرة، أو حاول الفرار من البلاد، يُمكن إرسال أفراد أسرته، بمن فيهم الآباء والأبناء والأجداد، إلى معسكرات اعتقال سياسية وحشية، أو مواجهة عقوبات قاسية أخرى.

وينص هذا القانون -الذي أُقرّ خلال عهد كيم إيل سونغ، أي جدّ كيم جونغ أون- على ضرورة إبادة «ذرية» أعداء الدولة إبادةً تامة. فإذا أُدين شخص واحد بالخيانة، أو بأعمال معادية للحكومة، يُمكن اعتقال ما يصل إلى ثلاثة أجيال من أسرته، وسجنهم. أما إذا ولد أطفال داخل هذه المعسكرات، فإنهم يرثون وضع السجين، ويبقون أسرى مرغمين على العمل القسري عقاباً على جرائم ارتكبها أقارب لم يعرفوهم.


وزير الإعلام السوري يطلع على تجربة «SRMG» في صناعة المحتوى

الوزير خالد زعرور مع جمانا الراشد وعدد من قيادات ومسؤولي قنوات المجموعة ومنصاتها المختلفة (SRMG)
الوزير خالد زعرور مع جمانا الراشد وعدد من قيادات ومسؤولي قنوات المجموعة ومنصاتها المختلفة (SRMG)
TT

وزير الإعلام السوري يطلع على تجربة «SRMG» في صناعة المحتوى

الوزير خالد زعرور مع جمانا الراشد وعدد من قيادات ومسؤولي قنوات المجموعة ومنصاتها المختلفة (SRMG)
الوزير خالد زعرور مع جمانا الراشد وعدد من قيادات ومسؤولي قنوات المجموعة ومنصاتها المختلفة (SRMG)

زار وزير الإعلام السوري الدكتور خالد زعرور، مقر المجموعة السعودية للأبحاث والإعلام «SRMG» الجديد واستوديوهات «شبكة الشرق» بمركز الملك عبد الله المالي «كافد» في الرياض، حيث التقى جمانا الراشد، الرئيس التنفيذي للمجموعة، وعدداً من قيادات ومسؤولي قنواتها ومنصاتها المختلفة.

واستعرضت جمانا الراشد تجربة «SRMG» في صناعة المحتوى واستخدام التقنيات المتقدمة في عملياتها الإعلامية. كما تجوّل الوزير في غرفة الأخبار المتكاملة لـ«شبكة الشرق» والاستوديوهات التلفزيونية، واطلع على عمليات البث والتجهيزات والتقنيات المستخدمة عبر قنوات المجموعة ومنصاتها.

وسلّطت الجولة الضوء على نموذج العمل متعدد المنصات في «SRMG»، وآلية تكامل فرق التحرير والإنتاج والتقنية عبر التلفزيون والمنصات الرقمية والإذاعة والبودكاست، لتقديم تغطية موثوقة وآنية للجمهور في أنحاء العالم العربي.

جمانا الراشد أَطلَعت خالد زعرور على تجربة استخدام التقنيات المتقدمة في العمليات الإعلامية للمجموعة (SRMG)

من جانبه، قال الدكتور زعرور، في مقابلة مع «الشرق بلومبرغ»، إن بلاده «أنجزت قانوناً للإعلام يهيئ لممارسة العمل الإعلامي بحرية»، مؤكداً أن «البناء الصحيح للإعلام يبدأ من المؤسسات الأكاديمية ودورها في إعداد الكفاءات وتطوير القدرات التي يحتاج إليها القطاع».

وشدَّد الوزير السوري على أهمية «تعزيز التعاون بين السعودية وسوريا في المجال الإعلامي، وتبادل الخبرات والتجارب بما يسهم في تطوير صناعة الإعلام».

بدورها، قالت جمانا الراشد، إن زيارة الدكتور زعرور «أتاحت فرصة لاستعراض تجربة (SRMG) في صناعة المحتوى، والتقنيات الداعمة لعملياتنا التحريرية والبثّية، ومناقشة أهمية تبادل المعرفة والخبرات على مستوى المنطقة».

الزيارة استعرضت آلية تكامل الفرق لتقديم تغطية موثوقة وآنية للجمهور في أنحاء العالم العربي (SRMG)

وأشارت إلى أن «مقرنا الجديد يعكس استثمارات (SRMG) المتواصلة في الصحافة الموثوقة، والمحتوى الأصلي، والتقنيات الإعلامية المتقدمة، والكفاءات»، مضيفة: «من خلال جمع قدراتنا التحريرية والإنتاجية والبثّية، نعزّز قدرتنا على إنتاج محتوى عالي الجودة وخدمة الجمهور في مختلف أنحاء المنطقة».

وأشاد الوزير، في ختام الزيارة، بالتقدم الذي حققه الإعلام السعودي، ولا سيما في مجالات الإعلام الاقتصادي والرياضي والسياسي المتخصص. ولفت إلى أن «الشرق بلومبرغ» خطت خطوات مهمة في مجال الإعلام المتخصص، مؤكداً أهمية النماذج الإعلامية الحديثة في تطوير المحتوى والوصول إلى الجمهور.

وتأتي هذه الزيارة ضمن برنامج الوزير زعرور في السعودية، الهادف إلى الاطلاع على التجارب الإعلامية الرائدة، واستكشاف فرص التعاون والشراكات بين القطاع في البلدين.

وزير الإعلام السوري متجولاً في غرفة الأخبار المتكاملة لـ«شبكة الشرق» والاستوديوهات التلفزيونية (واس)

وبدأت «الشرق بلومبرغ» البث من استوديوهاتها الجديدة في مركز الملك عبد الله المالي خلال شهر يونيو (حزيران) الماضي، في محطة بارزة ضمن مسيرة النمو المستمرة للشبكة، عزَّزت قدراتها على تقديم التغطية الاقتصادية والمالية والسياسية والإقليمية من الرياض.

وتواصل «شبكة الشرق» توسيع تغطيتها وبرامجها وقدراتها الرقمية عبر منصاتها المختلفة، التي تشمل «الشرق بلومبرغ»، و«الشرق للأخبار»، و«الشرق الوثائقية»، و«الشرق ديسكفري»، و«الشرق بودكاست»، و«راديو الشرق بلومبرغ»، و«الشرق NOW».


إزالة جدارية من ميدان التحرير لتشابهها مع أعمال «الأفروسنتريك»

جدارية تحمل صورة نفرتيتي (حي غرب القاهرة)
جدارية تحمل صورة نفرتيتي (حي غرب القاهرة)
TT

إزالة جدارية من ميدان التحرير لتشابهها مع أعمال «الأفروسنتريك»

جدارية تحمل صورة نفرتيتي (حي غرب القاهرة)
جدارية تحمل صورة نفرتيتي (حي غرب القاهرة)

أزالت السلطات المحلية بالعاصمة المصرية القاهرة جدارية رسمتها مجموعة من شباب الفنانين عن الحضارة المصرية القديمة، بعد أن أثارت جدلاً على مواقع التواصل الاجتماعي، لتشابهها مع أفكار «الأفروسنتريك» التي تحاول نسبة الحضارة المصرية إلى فكرة تقوم على المركزية الأفريقية.

وظهرت اللوحات التي انتشرت بشكل واسع على مواقع التواصل الاجتماعي، قبل طمسها من قبل المحافظة، متضمنة رموزاً فرعونية وشخصيات شهيرة مثل نفرتيتي وتوت عنخ آمون والصقر حورس، وتبدو ألوانها داكنة أقرب للسواد، وهو ما فسره أحد القائمين على الجدارية في تصريحات لوسائل إعلام محلية، بأن اختيار اللون الذهبي الغامق في تلوين الوجوه ربما هو ما أعطى هذا الانطباع غير المقصود.

أثناء رسم الجداريات التي أثارت جدلاً (فيسبوك)

وكان حي غرب القاهرة قد أعلن قبل أيام، عن بدء تصميم وتحديد ملامح لوحة جدارية فرعونية بميدان الشهيد عبد المنعم رياض، لإضفاء لمسة حضارية وجمالية على الميدان وإبراز عراقة الحضارة المصرية القديمة.

ووفق ما نشرته صفحة «حي غرب القاهرة» على «فيسبوك»: «يشرف على تنفيذ اللوحة طلاب كليات الفنون الجميلة والفنون التطبيقية بالجامعات المصرية، في إطار دعم مواهب الشباب وإتاحة الفرصة لهم للمشاركة في تجميل وتطوير الميادين».

وجاءت هذه الأعمال في إطار جهود حي غرب القاهرة للارتقاء بالمظهر الحضاري والجمالي للميادين والمتاحف والمناطق المحيطة بها.

وبعد حالة من الجدل التي أثيرت حول الأعمال بسبب الانطباع الذي خلفته نظراً لألوانها الداكنة نسبياً، أكد مصدر مسؤول بالحي في تصريحات لوسائل إعلام محلية، أنه تمت إزالة اللوحات وإعادة تشكيل المشهد البصري وفق ما يلائم الهوية المصرية ويحافظ عليها.

وترى المتخصصة في آثار مصر والشرق الأدنى القديم بكلية الآثار والإرشاد السياحي بجامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا، الدكتورة دينا سليمان، أن «الجدل حول جدارية ميدان التحرير يطرح قضية أوسع من مجرد عمل فني؛ وهي ضرورة الحفاظ على الهوية الحضارية المصرية عند تقديم تاريخ مصر القديم في الفضاء العام». وتضيف لـ«الشرق الأوسط»، أن «الحضارة المصرية ليست مجرد رموز أو صور يمكن إعادة تشكيلها وفق رؤى معاصرة، وإنما حضارة موثقة بآلاف الآثار والنقوش والتماثيل التي ينبغي أن تكون المرجعية الأساسية لأي تمثيل بصري لها».

جانب من الجدارية التي تمت إزالتها (فيسبوك)

وتابعت: «من المهم التأكيد أن انتماء مصر إلى أفريقيا حقيقة جغرافية وتاريخية لا خلاف عليها، لكن ذلك لا يبرر إعادة تفسير الحضارة المصرية أو شخصياتها وفق تصورات آيديولوجية أو عرقية لا تستند إلى الأدلة الأثرية. وهنا تكمن خطورة بعض الطروحات (الأفروسنتريكية) عندما تتحول من دراسة علمية إلى محاولة لإعادة امتلاك السردية الحضارية المصرية أو فصلها عن سياقها التاريخي».

وأشارت المتخصصة في آثار مصر والشرق الأدنى القديم إلى أن «الاستعانة بالذكاء الاصطناعي في إنتاج مثل هذه الأعمال تستلزم مراجعة متخصصة؛ فالذكاء الاصطناعي قد ينتج صورة مقنعة فنياً، لكنها ليست بالضرورة صحيحة تاريخياً».

وأكدت أن «حماية الهوية المصرية لا تكون بالانفعال أو الإقصاء، وإنما بالعلم والتوثيق وإشراك المتخصصين في الآثار والتاريخ عند تنفيذ أي عمل يتناول رموز الحضارة المصرية. وما حدث في ميدان التحرير ينبغي أن يكون درساً يؤكد أن تقديم الحضارة المصرية مسؤولية ثقافية وعلمية، وأن الدفاع عنها يبدأ من امتلاك روايتنا التاريخية وتقديمها بصورة دقيقة وواعية».

وبين فترة وأخرى تطفو على السطح أفكار من بعض أنصار «الأفروسنتريك» تنسب الحضارة المصرية القديمة إلى الأفارقة السود، من خلال مرشد سياحي يدعى كابا كاميني من أبرز ناشطي الحركة، فضلاً عن تحركات دولية في هذا الإطار؛ من بينها فيلم وثائقي أنتجته شبكة «نتفيلكس» قبل سنوات عن الملكة المصرية كليوباترا، وقامت بدورها ممثلة سوداء، في حين أن كليوباترا ملكة من عصر البطالمة اليونانيين من ذوي البشرة البيضاء؛ وهو الأمر الذي أثار ضجة كبيرة وقتها.